{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث22

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث22   الثلاثاء يناير 09, 2018 4:55 pm

٧٠٨
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص ٣٩٠ ،ط. دار الكتب الإسلامیة ـ طھران.
٧٠٩
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص ٣٩٥ ،ط. دار الكتب الإسلامیة ـ طھران.
نقل الإمام قدس سره كلام المجلسي بصورة مختصرة. نقلناه من دون اختزال واختصار (المترجم). ٧١٠
٧١١
سورة إبراھیم، آية: ٧.
٧١٢
سورة الفرقان، آية: ٤٤.
٧١٣
سورة الحجر، آية: ٧٥.
٢٥٥
وكذا قوة البطش البدنیة إذا صرفھا في طاعة االله وقربه ونھكھا بالرياضات الحقة أعطاه االله قوة روحانیة لا
تضعف بالأمراض، ولا تذھب بالموت فیھا يقدر على التصرف في عالم الملك والملكوت كما قال أمیر المؤمنین علیه
السّلام: (ما قَلَعْتُ بابَ خَیبَرَ بِقُوَّةٍ جِسّمَانِیةٍ، بَلْ بِقُوّةٍ رَبّانِیّةٍ).
وكذا النطق إذا صدق فیه وكان موافقاً لعمله ومصادفاً لرضا ربه فتح االله به ينابیع الحكمة من قلبه على لسانه
فظھر معنى قوله سبحانه: (كُنْتُ سَمْعُهُ وَبَصرهُ وَغیر ذلك على ألطف الوجوه لَمْن كانَ قَلْبٌ أوْ ألْقَى السَّمْعَ وَھَوُ
. انتھى.
شَھِید) ٧١٤
ولا يخلو كلام المجلسي ھذا من الغرابة.
تتمة:
يقول الشیخ الأجل البھائي قدس سره: إنّ (ھذا صريح في أن الواجبات أكثر ثواباً من المندوبات ـ ثم قالـ إن
قلت: مدلول ھذا الكلام ھو أن غیر الواجب لیس أحب إلى االله سبحانه من الواجب، لا إن الواجب أحب إلیه من
غیره فلعلھما متساويان؟ قلت: الذي يستفیده أھل اللسان من مثل ھذا الكلام ھو تفضیل الواجب على غیره. ثم
قال في نھاية دراسته للحديث واستثنى منه الشھید رضوان االله علیه صوراً:
أولھا: الإبراء من الدين فإنه مستحب وھو أفضل من إنظار المعسر وھو واجب.
ثانیھا: السلام ابتداءً فإنّه أفضل من ردّه وھو واجب.
ثالثھا: إعادة المنفرد صلاته جماعة. فإن الجماعة مطلقاً تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة فصلاة
٧١٥ الجماعة مستحبة وھي أفضل من الصلاة التي سبقت وھي واجبة إلى غیر ذلك انتھى
.
وقد ناقش بعض في كل منھا ولا حاجة لبیان تلك المناقشات.
ولا بد من معرفة أن الظاھر من الحديث الشريف ھو أن الواجبات أفضل من المستحبات، وإن لم يكونا من سنخ
واحد فمثلاً: ردّ السلام الواجب، أفضل من الحج المندوب، ومن تشیید المدارس العظیمة، وزيارة أھل االله من
المؤمنین. وإن ترائى ھذا الأمر بعیداً، ولھذا قال المرحوم المجلسي رحمه االله (يمكن تخصیص الأخبار وكلام
٧١٦ الأصحاب بكون الواجب أفضل من المستحب من نوعه وصنفه)
.
ولكن عندما يدل الدلیل على ذلك فلا مجال لمثل ھذا الاستبعاد.
ويمكن ادعاء انصراف الفريضة إلى الفرائض التعبدية المحضة مثل الصلاة والصوم والحج والزكاة وأمثالھا، لا
الفرائض الأخرى من أمثال إمھال المعسر، ورد السلام وغیرھما، رغم عدم خلو ھذا الكلام أيضاً من الاعتراض.
والحمد الله أوّلاً وآخراً.
الحَديث الخامِس وَالثَلاثون: الحسنات من االله والسَّیئات من الإنسان
بالسَّند المتَّصل إلى عماد الإسلام والمسلمین محمَّد بن يعقوب الكلینيّ ـ رضوان االله علیه ـ عن محمَّد بن
يحیى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن الرِّضا علیه السّلام: «قالَ االلهُ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِیئَتِي
كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ فَرَائِضِي وَبِنِعْمَتِي قَويتَ عَلَى مَعَصِیَتِي، جَعَلْتُكَ سَمِیعاً بَصِیراً
قَويّاً، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ االلهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وَذلِكَ أَنّي أوْلى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَوْلَى
٧١٧ بِسَیِّئَاتِكَ مِنِّي، وَذاك أَنَّني لا أُسْأَلُ عَمّا أَفْعَلُ وَھُمْ يُسْأَلونَ».
الشرح:
في ھذا الحديث الشريف أبحاث سامیة، وأمور ھامّة من العلوم العالیة لما وراء الطبیعة التي إذا أردنا أن نبسط
الحديث فیھا مع بیان المقدمات لطال بنا المقام، ولخرج الكتاب عن حجة المناسب.
٧١٤
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص ٣٩٢ ـ ٣٩٣ ،ط. دار الكتب الإسلامیة ـ طھران.
٧١٥
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص ٣٨٢ و٣٨٣ ،ط. دار الكتب الإسلامیة ـ طھران.
٧١٦
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص ٣٨٣ ،ط. دار الكتب الإسلامیة ـ طھران.
٧١٧
أصول الكافي، كتاب التوحید، باب المشیئة والإرادة، ح٦.
٢٥٦
إذن نضطر سلوك الطريق الوسط، واللجوء إلى الاختصار فنذكر نتائج البراھین العلمیة لبعض المسائل ضمن
فصول عديدة. وَعَلَى االلهِ التُّكْلانُ.
فصل: في بیان الأسماء الحق سبحانه مقامین
إعلم أن لمشیئة الحق المتعالي جلت عظمته، بل لكل الأسماء والصفات مثل العلم والحیاة والقدرة وغیرھا
مقامین: أحدھما: مقام الأسماء والصفات الذاتیة. وقد ثبت بالبرھان أن الذات المقدس الواجب الوجود بحیثیة
واحدة، وجھة بسیطة محضة، مستجمع لجمیع الأسماء والصفات، وعین كل الكمالات. وإن جمیع الكمالات
والأسماء. وصفات الجمال والجلال يعود إلى حیثیة الوجود البسیطة. وكل ما ھو وراء الوجود فھو نقص وقصور
وعدم، حیث أن ذاته المقدس صرف، الوجود. ووجود صرف كان الكمال وكمال صرف «عِلْمٌ كُلُّهُ، قُدْرَةٌ كُلُّهُ، حَیاةٌ
كُلُّهُ».
ثانیھما: مقام الأسماء والصفات الفعلیة، الذي ھو مقام الظھور بالأسماء والصفات الذاتیة، ومرتبة التجلي
. (ومَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ ٧١٨ بالصفات الجمالیة والجلالیة. وھذا المقام ھو مقام معیة القیومیة. (ھُوَ مَعَكُمْ)
. ومقام وجه االله (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) ٧١٩ ھُوَ رَابِعُھُمْ)
. ومقام النورية (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض) ٧٢٠
٧٢١
.
. «خَلَقَ االلهُ الأَشْیَاءَ بِالْمَشِیَّةِ ٧٢٢ ومقام المشیئة المطلقة (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِیمًا حَكِیمًا)
٧٢٣ ،ولھذا المقام اصطلاحات وألقاب أخرى على ألسنة أھل االله بِنَفْسِھَا»
.
وقد أشیر إلى ھذين المقامین في الآية الشريفة من الكتاب الإلھي: (ھُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاھِرُ وَالْبَاطِنُ وَھُوَ
٧٢٤ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِیمٌ)
.
ومجمل القول إن مقام المشیئة الفعلیة المطلقة، ذو إحاطة قیومیة لجمیع الموجودات المُلكیة والملكوتیة. وإن
جمیع الموجودات من ناحیة تكون من تعیناتة ومن ناحیة أخرى من مظاھره. وقد قال ھذا الحديث الشريف، عن
مقام المشیئة الفعلیة والمظھرية، وفناء مشیئة العباد في ذلك، بل مظھرية ومرآتیّة العباد وجمیع شؤونھم عن
ذلك: (يَا ابْنَ آدمَ بِمَشِیّئتِي كُنْتَ أنْتَ الْذَّي تَشاءُ لِنَفْسِكَ ما تَشاءُ، وَبِقُوَّتِي أدَّيتَ فَرَائِضِي وَبِنْعمتِي قَوِيَت عَلى
مَعْصِیَتي، جَعَلْتكَ سَمِیعاً بَصیراً قَويَّاً). إن ذاتك وكمالات ذاتك بمشیئتي وقوتي، بل إنك بنفسك وكمالاتك من
مظاھر وتعینات مشیئتي (وَمَا رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَلِكنَّ االلهَ رَمَى).
ولھذا الموضوع العرفاني شواھد كثیرة من القرآن والسنة، لا حاجة لذكرھا ويرى الشیخ الجلیل السھروردي
الأشراقي قدس سره، أن العلم التفضیلي للحق المتعالي بالأشیاء ھو ھذا المقام من العلم الفعلي. وتبعه في
ھذا الموضوع المحقق الطوسي قدس سره. ويرى صدر المتألھین ـ قدس سره ـ أن العلم التفضیلي ھو مقام
الذات البسیط، ولا يوافق قدس سره ھذين الجلیلین على موقفھما بصورة مطلقة.
وأرى بأن جوھر كلامھما، واحد وأن النزاع لفظي ولا يناسب المقام بیان ذلك.
وتبین من ھذا العرض أن كل ما يحصل في ھذا العالم الوجودي سواء كان من الجواھر القدسیة الإلھیة أو
المُلكیة الطبیعیة أو الاعراض أو كان من الذوات والأوصاف والأفعال، فإن كل ذلك يتحقق بقیّومیّة الحق سبحانه
ونفوذ قدرته وإحاطة قوته. وعلیه يصح القول «بِقُوَّتِي أَدَّيْتَ فَرَائِضِي» ومقام المشیئة المطلقة ھذه، مقام الرحمة
الواسعة والنعمة الجامعة كما يقول «وَبِنِعْمَتِي قَويتَ عَلَى مَعْصِیَتِي».
فصل: في الإشارة إلى مسألتي الجبر والتفويض
أشار الإمام الرضا علیه الصلاة والسلام في ھذا الحديث الشريف بكل وضوح إلى مسألتي الجبر والتفويض
والمذھب الحق وھو الأمر بین الأمرين، والمنزلة بین المنزلتین، الموافق لمسلك أھل المعرفة، وأصحاب القلوب،
٧١٨
سورة الحديد، آية: ٤.
٧١٩
سورة المجادلة، آية: ٧.
٧٢٠
سورة البقرة، آية: ١١٥.
٧٢١
سورة القلم، آية: ٣٥.
٧٢٢
سورة الدھر، آية: ٣٠.
٧٢٣
أصول الكافي، كتاب التوحید، باب الإرادة أنھا من صفات الفعل، ح٤.
٧٢٤
سورة الحديد، آية: ٣.
٢٥٧
لأنه أثبت المشیئة والقوة للعبد، وفي نفس الوقت جعلھا مشیئة الحق سبحانه. قائلاً «يَا ابْنَ آدمَ بِمَشْیئَّتي كُنْتَ
أنْتَ الْذَّي تَشاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشاءُ وَبِقُوَّتِي أدَّيتَ فَرائِضِي وبِنعِمَتِي قَويتَ عَلى مَعصِیَتِي» فلا تنتفي الأفعال
والأوصاف والوجودات بصورة مطلقة، كما لا يثبت للإنسان كل تلك الأمور بصورة مطلقة. انك شئت، ومشیئتك قد
فنیت في ومشیئتك مظھر مشیئتي وتعینك مظھر تعیني. وتنھض بقوتك على طاعتي ومعصیتي، مع العلم بأن
قوتك وقدرتك مظھر قدرتي وقوتي.
ولما كان ھناك توھم اشكال واعتراض وھو أنه بناءاً على ھذا العرض المذكور تنسب إلى الحق المتعالي
النقائص والرذائل والمعاصي أيضاً كما تنسب الكمالات والفضائل.
أجاب علیه السّلام على ھذا الزعم على أساس فلسفي برھاني وذوقي عرفاني، من أن الحق عز وجل لمّا
كان كمال صرف وخیر محض وعین الجمال
والبھاء، كانت الكمالات والخیرات من ناحیته، بل إن نظام الوجود، حقیقته في عالم الغیب والشھود، عین
الكمال وأصل الجمال والتمام. وما يعود إلى النقص والرذيله والشرّ والوبال، فھو عائد إلى العدم والتعیّن ومن لوازم
الماھیة. غیر مجعولٍ ومفاضٍ من الحق سبحانه. بل إن الشرور الحاصلة في عالم الطبیعة وھذه النشأة المُلكیة
الضیّقة نتیجة التضاد بین الموجودات، وضیق ھذا العالم، وأن التضاد بین الكائنات لا يكون مجعولاً. فما ھو من
الخیرات والكمالات والحسنات فمن الحق، وما ھو نقص وشر ومعصیة فمن الخلق. كما قال علیة السّلام «مَا
أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ االلهِ وَمَا أَصَاَبَكَ مِنْ سیئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ».
إذن إن جمیع أنواع السعادة الدنیوية والأخروية، وجمیع أنواع الخیر المُلكیة والملكوتیة قد أفیضت من ينبوع
الخیر والسعادة. وإن كافة أنواع الشقاء الدنیوي والأخروي وشرور ھذا العالم والعوالم الأخرى من القصور الذاتي
للموجودات ونقصھا. وما ھو المعروف أن السعادة والشقاء لا يكونان مجعولین بجعل الجاعل، بل إنھما ذاتي
الأشیاء، فلا أساس له بالنسبة إلى السعادة، لأنھا مجعولة ومفاضة من قبل الحق المتعال، إذ أَن كل ذات من
الذوات أو ماھیة من الماھیات لا يكون سعیداً بل ھو ھلاك محض.
وأما بالنسبة إلى الشقاء، فلأن الشقاء التام راجع إلى حیثیة الماھیة وھي غیر مجعولة، لا لأنھا ذاتیة بل لأنھا
أدون من مرتبة الجعل، فلا يتعلق بھا الجعل. وأما الحديث المعروف «السَّعیدُ سَعیدٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالشَّقِيُّ شَقِيٌ
فِي بَطْنِ أُمِّهِ» فله معنىً آخر يعود إلى العلم بالأسماء والأسماء والصفات ولا يناسب المقام ذكره.
وبعد ھذا البیان الصحیح المستدل، نواجه شبھة مظنونة أخرى وھي أننا حسب البیان المذكور عزلنا الكائنات
الموجودة عن الخیر والسعادة، عندما ربطناھا بالحق المتعالي وھذا من الجبر المرفوض. وجعلنا الشرّ والشقاء من
الإنسان وعزلناھا عن القدرة الواجبة وھذا من التفويض المستنكر، وذاك الرفض وھذا الاستنكار ثابتان على مذھب
العرفاء وعلى ضوء الأدلة الفلسفیة فكیف يتمّ التوفیق بین الكلام السابق وما يلازمه من الجبر أو التفويض؟.
فأجاب الإمام صلوات االله وسلامه علیه حسب الدلیل المذكور في الكلام الذي قلنا وتحقیق ذلك. إن الحق
المتعال أولى بالحسنات من العباد وھم أولى بالسیئات من الذات المقدس للحق، وفي إثبات ھاتین الأولوتین،
إثبات الانتساب إلى الطرفین.
أما بیان أولوية الحق سبحانه في الخیر من عباده، فلأجل أن نسبة الخیر إلى مبدأ المبادئ بنیة وجودية
بالذات، فإن الخیر ذاتي الوجود وھو في الواجب عین الذات، وفي الممكن بالجعل والإفاضة، وعلیه يكون مصدر
إفاضة الخیر من الواجب تعالى، ولكن مرآة ظھوره، ومَظْھره يكون الممكن. وتلك النسبة الظاھرية والمفیضة، أتمّ
من ھذه النسبة المظھرية والقابلیة.
وأما في السیئات والشرور فیكون الأمر معكوساً رغم صحة الانتساب إلى الطرفین لأن ما يفاض من الحق
يكون خیراً، ويلازمه تخلّل الشرّ على أساس الانجرار والتبعیة فتكون نسبة الشر إلى الحق بالعرض وإلى الماھیة
بالذات لنقصانھا وقصورھا. وقد تولت الآية الكريمة بیان ھاتین النسبتین. فعندما تتحكم الواحدة وتتلاشى الكثرات 
٢٥٨
. ولدى مراعاة الكثرات بالعرض والوسائط يقول االله عز وجل (مَا ٧٢٥ والنقائص يقول سبحانه (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
٧٢٦ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)
.
فصل: في بیان أن الحق تعالى لا يُسأل عما يفعل وھم يسألون
إعلم: يقول المحققون من الفلاسفة أنه لا يوجد غرض وغاية لأفعال الحق المتعالي سوى ذاته، وتجلّیاته
الذاتیة، ولا يمكن أن يكون لذاته الأقدس في إيجاد الأشیاء ھدف آخر وراء ذاته وظھوره وتجلّیه المقدس. لأن كل
فاعل عندما أوجد شیئا وابتغى من عمله غیر ذاته مھما كانت ھذه الغاية حتى إذا كانت إيصال الفائدة والمثوبة
للغیر، أو كان الغاية العبادة والمعرفة أو الثناء والحمد كان ھذا الفاعل مستكملاً بھذه الغاية وكان وجود ھذا الھدف
بالنسبة إلیه أولى من عدمه، وھذا يستلزم النقص والقصور فیه وانتفاع الفاعل به، وھو محال على الذات
المقدس الكامل على الإطلاق، الغني بالذات الواجب من جمیع الجھات، فلا يستفسر عن أفعاله ولا يوجه إلیه لِمَ
و«لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ». وأما الموجودات الأخرى فإنھا تستبطن في أفعالھا أغراض ومقاصد أخرى غیر ذواتھا. فإن
عشّاق جمال الحق والمقربین إلیه والمجذوبین نحوه يكون ھدفھم البلوغ إلى باب االله، والوصول إلى لقاء االله،
والتقرّب نحو ساحة قدسه الإلھي. وإن الكائنات الأخرى فھي حسب كمالھا ونقصانھا وقوتھا وضعفھا أن
تستھدف، ما ھو زائد على ذواتھا.
وخلاصة القول إن ما يكون كمالاً مطلقاً وواجباً بالذات، كان واجباً من جمیع الجھات. وعندما لا يصح توجیه
الاستفسار نحو ذاته المقدس كانت أفعاله أيضاً بعیدة عن توجیه السؤال نحوھا. على خلاف سائر الموجودات فإنه
يصح السؤال عن سبب وجودھا كما يصح الاستفھام عن أفعالھا.
وأيضاً لما كان ذاته المقدس كاملاً مطلقاً وجمیلاً مطلقاً، صار كعبة لآمال كافة الموجودات وھدفاً منشوداً لجمیع
الكائنات، في حین أنه سبحانه لا مقصد من خلقه وأفعاله ولا كعبة لآماله وراء ذاته، لأن الموجودات الأخرى ناقصة
بالذات، وإن كل ناقص مھروب عنه بالفطرة كما أن كل كامل مرغوب فیه، فالذات المقدس غاية جمیع الحركات
٧٢٧ والأفعال، ولا توجد غاية وراء ذاته المقدس (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَھُمْ يُسْأَلُونَ)
.
وأيضاً لمّا كان ذاته المقدس في المنتھى الأقصى من الجمال والكمال، كان نظام دائرة الوجود الذي ھو ظل
ذلك الجمال الحق سبحانه، في الغاية القصوى من الكمال الممكن، وعلیه يكون ھذا النظام الكلي المجود أتم
الأنظمة المتصورة، فیكون الاستفھام عن الغاية والغرض والفائدة، منبعثاً عن الجھل والنقص. كما أن إبلیس اللعین
وجّه أسئلة سبعة معروفة من جرّاء جھله، وأجابه االله سبحانه إجمالاً وعلى أساس (وَجادْلھُمْ بالَّتي ھي أَحْسَنْ)
فاالله سبحانه لا يسأل لأن فعله في منتھى الكمال وتُسأل الكائنات الأخرى ٧٢٨ جواباً واحداً عن أسئلته السبعة
لنقصھا الذاتي والفعلي.
وأيضاً إن الحق المتعالي حكیم بصورة مطلقة، فما يصدر منه من الأفعال يكون في منتھى الإتقان فلا يسأل،
في حین أن الموجودات الأخرى تُسأل لأنھا لیست كذلك.
وأيضاً إن كل ما يصدر من وجوده المقدس، فھو صادر من حقیقة ذاته وأصل حقیقته، بینما لم تكن الكائنات
الأخرى كذلك، فھو فاعل بالذات ولا يصح السؤال عمن ھو فاعل بالذات. أما الموجودات الأخرى فھي فاعلة بالعرض
ويصح السؤال عن فعلھا. وحیث أن الإرادة، والمشیئة، والقدرة عین ذاته المقدس، كانت الفاعلیة بالذات عین
الفاعلیة بالإرادة والقدرة. ولا يرد ھنا اعتراض الفاعل بالطبع. وھذا من الأبحاث الشريفة التي ثبتت بالبرھان في
محله، وبه تُحل الكثیر من اعتراضات المتكلمین في أبواب مختلفة من المعارف الإلھیة.
٧٢٥
سورة النساء، آية: ٧٨.
٧٢٦
سورة النساء، آية: ٧٩.
٧٢٧
سورة الأنبیاء، آية: ٢٣.
والأسئلة السبعة على ذكر السید الطباطبائي في تفسیر المیزان ستة منھا نقلاً عن روح المعاني للآلوسي ھي: ١ـ ما الحكمة في ٧٢٨
الخلق لا سیّما وقد كان عالماً أن الكافر لا يستوجب عند خلقه إلاّ النار؟ ٢ـ ما الفائدة في التكلیف مع أنه لا يعود إلیه منه نفع ولا ضرر وكل ما
يعود إلى المكلفین فھو قادر على تحصیله لھم من غیر واسطة التكلیف؟ ٣ـ ھب إنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ ٤ـ
لمّا عصیته في ترك السجود فلِمَ لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغیره فیه، ولي فیه أعظم الضرر؟ ٥ـ أنه لمّا فعل ذلك لِمَ سلّطني
على أولاده وأمكنني من إغوائھم وإضلالھم؟ ٦ـ لمّا استمھلته المدة الطويلة في ذلك فلِمَ أمھلني ومعلوم أنه لو كان العالم خالیاً الشرّ لكان
ذلك خیراً؟ (راجع تفسیر المیزان ـالمجلد الثامن ـ ص ٤٤ من الطباعة الخامسة لمؤسسة الأعلمي لمطبوعات بیروت) (المترجم).
٢٥٩
ويستفاد من البیان الذي ذكرناه، ارتباط الجمل المذكورة في الحديث الشريف بعضھا مع البعض الآخر على
أساس الرابطة العلیة، وذلك أن الحق لا يسأل عن فعله لأن فعله كامل تام، يحتوي على نظام أتم، وأما الآخرون
فلیسوا كذلك فیسألون وذلك لأنه سبحانه أولى بالحسنات والعبد أولى بالسیئات وھو علّة
لصدور السیئات مھما كانت فمن العبد وأما الحسنات فمن الحق عزّ وجلّ.
وھناك بیانات أخرى أيضاً تُبیّن نوعیّة الارتباط بین الفاعل والفعل لم نذكرھا ھنا. والحمد الله أَوَّلاً وآخِراً.
الحَديث السَادِس وَالثَلاثون: الصفات الذاتیّة الله سبحانه
بالسَّند المتّصل إلى ثقة الإسلام محمَّد بن يعقوب الكلینيِّ، عن عليِّ بن إبراھیم، عن محمَّد بن خالد
الطَّیالسيِّ، عن صَفوانَ بنِ يحیى، عن ابنِ مَسكانَ، عن أبي بصیر قال: سَمِعْتُ أبا عبداالله علیه السّلام يَقولُ:
«لَمْ يَزَلِ االله عَزَّ وَجَلَّ رَبَّنَا وَالْعِلْمُ ذَاتُهُ وَلاَ مَعْلومَ، وَالسَّمْعُ ذَاتُهُ وَلاَ مَسْمُوعَ، وَالْبَصَرُ ذَاتُهُ وَلاَ مُبْصَرَ، وَالْقُدْرَةُ ذَاتُهُ وَلاَ
مَقْدورَ؛ فَلمّا أَحْدَثَ الأَشْیَاء وَكَانَ المَعْلُومُ وَقَعَ العِلْمُ مِنْهُ عَلَى المَعْلومِ وَالسَّمْعُ عَلَى المَسْموعِ وَالْبَصَرُ عَلَى
المُبْصَرِ وَالقُدْرَةُ عَلَى المَقْدورِ. قالَ: قُلْت: فَلَمْ يَزَلِ االلهُ مُتَحَرِّكاً؟ قالَ: فَقالَ: تَعالَى االلهُ عَنْ ذلِكَ، إنَّ الحَرَكَةَ صِفَةٌ
مُحْدَثَةٌ بالفِعْلِ. قال: فَقُلْتُ: فَلَمْ يَزَلِ االلهُ مُتَكَلِّماً؟ قَالَ: فَقالَ: إنَّ الكَلاَمَ صِفَةٌ مُحْدَثَةٌ لَیْسَتْ بِأَزَلِیَّةٍ كَانَ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ
٧٢٩ وَلا مُتَكَلِّمَ»
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث22   الثلاثاء يناير 09, 2018 4:58 pm

الشرح:
قوله: «لَمْ يَزَلِ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ رَبَّنَا» إن ربنا حسب الظاھر خبر (لَمْ يَزَلِ) وجملة (وَالعِلْمُ ذَاتُهُ) حال لربنا، ولكن ھذا
المعنى الظاھر لا يكون بلیغاً ولا مقصوداً، لأن الھدف لیس ھو إثبات أزلیة صفة الربوبیة بل المنشود إثبات أزلیة
صفة العلم قبل حصول المعلوم. ويمكن أن نقول بأنه يستفاد المقصود من مجموع ھذه الجمل وھو إثبات الإزلیة
للعلم. كما يحتمل أن يكون (رَبُّنَا) مرفوعاً على التبعیة لاسم (زَالَ) ويكون الخبر محذوفاً دلّت علیه جملة (وَالعِلْمُ
ذَاتُهُ) ويكون التقدير ھكذا لم يزل االله ربنا عالماً والعلم ذاته.
ومن المحتمل أن تكون (زَال) تامة تقتصر على الاسم المرفوع فیكون المضارع (يَزولُ) وعلیه لا يحتاج إلي الخبر
ولا يكون مضارعه (يَزالُ) الذي يكون ماضیه زال والذي يعد من الأفعال الناقصة دائماً، على خلاف يزول الذي يكون
تاماً دائماً.
قوله علیه السّلام: «وَكَانَ الْمَعْلُومُ» إن كان ھنا تامة ومعناھا لما أوجد الأشیاء وتحقق المعلوم...
قوله علیه السّلام: «مُحْدَثَةٌ بِالْفِعْلِ» من الممكن أن يكون معنى بالفعل ما يقابل القوة أي المعنى المصدري
فالمفھوم ھو: أن الصفة التي تتحقق بالإيجاد والخلق، لا يمكن أن تكون صفة للخلق سبحانه.
وفي ھذا الحديث أبحاث شريفة نذكر بعضھا حسب المناسبة والمقام.
فصل: في بیان عینیة صفات الحق سبحانه مع الذات المتعالي
إعلم أنه قد أشیر في ھذا الحديث الشريف إلي عینیة الذات المقدس للحق مع الصفات الكمالیة الحقیقیة.
مثل العلم والقدرة والسمع والبصر. وھذا من المباحث المھمة التي يكون الإسھاب فیھا خارجاً عن حدود ھذا
الكتاب. ونحن نشیر إلى المذھب الحق الموافق للبراھین السديدة للفلاسفة والمطابق لمنھج أھل المعرفة.
إعلم أنه قد ثبت في محلّه، أنّ ما ھو من سنخ الكمال والجمال والتمام، فھو راجع إلي عین الوجود، وحقیقته،
وأن الشيء الوحید الأصیل الشريف في ھذا الكون الذي يكون مصدراً لكل الكمالات ومصدراً لكافة الخیرات ھو
حقیقة الوجود. وذلك أنه إذا لم تكن الكمالات عین حقیقة الوجود وكانت مغايرة في حاقّ الواقع مع حقیقة الوجود،
للزم تحقق أصلین في عالم الوجود، ولبعث على مفاسد كثیرة. فكل ما يمون كمالاً، لا يكون بحسب المفھوم
والماھیة كمالاً، وإنما يكون كمالاً بواسطة تحققه وتحصّله في عالم الأعیان، وما ھو موجود ومتحقق في حاق
الأعیان ونفس الأمر ھو أصل واحد، وھو الوجود فیعود كل ما ھو كمال إلي أصل واحد وھو حقیقة الوجود.
٧٢٩
أصول الكافي، كتاب التوحید، باب صفات الذات، ح ١.
٢٦٠
وقد ثبت أيضاً أن حقیقة الوجود، أمر بسیط من جمیع الجھات، وبرىءٌ من التركیب بصورة مطلقة، ما دام
محافظاً وباقیاً على ذاته الأصلیة، وحقیقته الخالصة. وإذا تنزل عن أصالته وحقیقته، لغدا مركباً عقلیاً أو خارجیاً
حسب مقامه ومنزلته. فھو بسیط ذاتاً ومركب نتیجة طروّ أمر غريب عرضي خارج عن ذاته. وتستفاد من ھذا البیان
المذكور، قاعدتان:
القاعدة الأولي: أن البسیط من جمیع الجھات ھو بنفسه جمیع الكمالات من حیثیة واحدة، وجھة فريدة، فمن
الحیثیة التي بھا صار البسیط من جمیع الجھات موجوداً، يكون عالماً وقادراً وحیاً ومريداً، ويصدق علیه جمیع
الأسماء والصفات الجمالیة والجلالیة، فھو عالم من حیث أنه قادر، وقادر من حیث أنه عالم من دون
أدنى اختلاف حتى لدى العقل. وأما تغاير مفاھیم الأسماء، والموضوع له الألفاظ في اللغة، والتي تكون
مفاھیم عقلیّة متصوّرة على نحو لا بشرط ـ من دون تقییدھا بالمدلول البسیط أو المركب ـ أما ھذا التغاير فلا
يتسرّب إلي الحقیقة العینیة ومن الواضح أن المفاھیم المختلفة للكمال، تنتزع من شيءٍ واحد، بل حسب البیان
المتقدم (أن بسیط الحقیقة، بسیط من جمیع الجھات) وعلیه لا بد من انتزاع كل المفاھیم الكمالیة من حیثیة
واحدة. وإذا انتزعت مفاھیم الكمال من حیثیات مختلفة ومصادر متعددة كما ھو شأن بعض الممكنات، لكان ھذا
التغاير أمراً عارضاً طارئاً وناتجاً من تنزل حقیقة الوجود، وتشابكه مع العدم بالعرض.
القاعدة الثانیة: إن الكامل من جمیع الجھات وإن ما ھو صرف الكمال والخیر لا بد وأن يكون بسیطاً من جمیع
الجھات.
وتستفاد أيضاً بالتبع قاعدتان أُخريتان ھما:
إن المركب مھما كان نوعه، لا يكون كاملاً من جمیع الجھات، إذ أن النقص والعدم قد تسرّبا إلیه.
وأن الناقص لا يكون بسیطاً بصورة مطلقة.
إذن لما كان الحق المتعالي بسیطاً تاماً، وبعیداً كل البعد عما يستلزم الإمكان والفقر والتعلق بالغیر، كان كاملاً
من جمیع الجھات، ومشتملاً على جمیع الأسماء والصفات، وحقیقة أصیلة، ووجوداً صريحاً من دون أن يخامره غیر
الوجود، ويخالط الكمال غیر الكمال، فھو وجود صرف، إذ لو تدخل غیر الوجود فیه لتحقق شرّ التراكیب وھو عبارة
عن التركیب بین الوجود والعدم. فھو صرف العلم وصرف الحیاة وصرف القدرة وصرف البصر والسمع وكافة الكمالات.
وعلیه يصحّ كلام الإمام الصادق علیه السّلام: «وَالْعِلْمُ ذَاتُهُ وَالقُدْرَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ ذَاتُهُ».
نقل وتحقیق
في كلام الفلاسفة في تقسیم أوصاف الحق عز وجل
إعلم أن الفلاسفة الإلھیین الحكماء، قد قسموا صفات الحق سبحانه على أقسام ثلاثة:
الأول: الصفات الحقیقیة. وصنّفوھا إلي صنفین:
(أ) الصفات الحقیقیة المحضة مثل الحیاة والثبات والبقاء والأزلیة وأمثال ذلك.
(ب) الصفات الحقیقیة ذات الإضافة، مثل العلم والقدرة والإرادة. وھذه الصفات قد أضیفت إلي شيء آخر وھو
المعلوم والمقدور والمراد فلا يكون علم أو قدرة أو إرادة إلاَّ إذا كان ھناك متعلق. وھذان الصنفان من الصفات
الحقیقیة يعتبران عین الذات.
الثاني: الصفات الإضافیة المحضة، مثل المبدئیة والرازقیة والراحمیة، والعالمیة، والقادرية وأمثالھا.
الثالث: الصفات السلبیة المحضة مثل القدوسیة والفردية والسبّوحیّة وأمثالھا. ويعتبر ھذين النوعین ـ الثاني
والثالث ـ من الصفات الزائدة على الذات المقدس. كما وأنھم يرجعون جمیع الصفات السلبیة إلي سلب واحد ھو
سلب الإمكان. وجمیع الصفات الإضافیة إلي إضافة واحدة ھي الموجدية، ويرون أن مبدأ الإضافات يعود إلي
الإضافة الإشراقیة والإفاضة النورية ـ صدور المعلول من العلة ـ.
ولا تكون ھذه الأقسام: من العینیة في الصفات الحقیقیة، والزيادة في الصفات الإضافیة والسلبیة، حسب
البیان الذي شرحوه وعلى ضوء البراھین التي أقاموھا، بصحیحة عندي. كما لا تتطابق مع الأدلة القويمة 
٢٦١
الفلسفیة، والاعتبار العرفاني الصحیح. وذلك إننا إذا حدثنا في صفات االله سبحانه، على أساس مفاھیم الأسماء
والصفات، وملاحظة المفاھیم المتكثرة، للزم أن لا نجعل صفة من الصفات ـ حتى الصفات الحقیقیة ـ عین ذاته
المقدس. وإذا جعلنا الذات عین مفاھیم الأوصاف الإضافیة أو السلبیة، للزم أن يكون الحق سبحانه، إضافة محضة
وحیثیة سلبیة. وكذلك إذا جعلنا الذات عین مفاھیم الصفات الحقیقة، للزم أن يكون الحق عز وجل نفس المفاھیم
الاعتبارية والمعاني العقلیة. تعالى عن ذلك. وإن لاحظنا حقائق الأوصاف ـ لا مفاھیمھا ـ والمصداق المتحقق
للأسماء والصفات لكانت الأسماء والصفات الإضافیة والحقیقیة بأسرھا عین الذات
المقدس، لأن الفرق بین العالمیة والعالم، والقادرية والقادر، اعتباري ومفھومي. وأن الأوصاف الإضافیة كافة،
تعود إلي الرحیمیة والرحمانیة الذاتیتین، حتى الرازقیة والخالقیة وغیرھما.
وأما أرجاع جمیع الصفات السلبیة إلي صفة واحدة ھي سلب الإمكان، والصفات الإضافیة إلى إضافة واحدة
ھي الموجدية، وعدم إرجاع الأوصاف الحقیقة إلي شيء، فكذلك لأنه إذا بحثنا الموضوع على ضوء المفاھیم، لما
عادت صفة من تلك الصفات إلي أخرى، لا في الصفات السلبیة ولا الصفات الإضافیة ولا الصفات الحقیقیة. ولو
درسنا الموضوع على أساس الحقائق لا المفاھیم، لرجعت جمیع الأوصاف على ماھي من الأقسام والأنواع إلي
صفة واجبة واحدة.
في تحقیق عینیة الصفات مع الذات المقدسة
وملخص الكلام أن التحقیق في أوصاف الحق سبحانه في ظل الفلسفة لنظرية، يفضي إلى القول بأن
الأوصاف الحقیقة والإضافیة، على ضوء المفاھیم، متغايرة ومختلفة ولا تكون إحداھا عین الأخرى. وعلى ضوء
الحقیقة والواقع فإن جمیع الأوصاف تعود جمیعاً إلى الذات المقدس وتكون عینه. ولكن توجد للأوصاف مرتبتان:
أحدھما: مرتبة الذات والأوصاف الذاتیة، حیث نستطیع أن ننتزع من ھذه المرتبة العلم والعالمیة والقدرة
والقادرية.
وأما الأوصاف السلبیة مثل القدوس والسبوح والأسماء التنزيھیة فإنھا من لوازم الذات المقدس، ويكون الذات
المقدس مصداقاً بالعرض لتلك الأوصاف السلبیة، لأن الحق المتعالي كمال مطلق ويصدق علیه سبحانه الكمال
المطلق بالذات ـ لا بالعرض ـ لأنه سبحانه أساس الحقیقة وأصلھا، ومن لوازمه سلب النقائص، فیكون الكمال
مصداقاً عرضیاً لسلب النقائص.
ويرى أھل المعرفة وأصحاب القلوب أن مقام التجلي بالفیض الأقدس مبدأ للأسماء الذاتیة. وأن مقام التجلي
بالفیض المقدس، مبدأ للأوصاف الفعلیة، ويعتقدون بأن ھذا المقام ـ التجلي بالفیض المقدس ـ لا يكون (غیراً) ـ
غیر الذات ـ كما لا يكون (عیناً) ـ عین الذات ـ.
والبحث في ھذا الموضوع يفضي إلي البحث عن الأسماء والصفات على مسلك الفلاسفة، ويخرج عما ھو
مقصود في ھذا الكتاب.
لقد أرجع بعض العلماء صفات الحق المتعالي إلي الأمور العدمیة، وفسّروا العلم بعدم الجھل، والقدرة بعدم
العجز. ورأيت من العرفاء شخصاً يصرّ على ھذا المعنى وھو المرحوم العارف الجلیل (قاضي سعید القمي) حیث
يتبع حسب الظاھر أستاذه (رجب علي) بالبیان المذكور بكتاب (شرح التوحید). ونحن في سالف الزمان قد أجبنا
على أدلته وعلى الأخبار التي يتمسكوا بظاھرھا إجابة حاسمة.
فصل: في بیان أن العلم قبل الإيجاد
ومن الأبحاث الشريفة التي أشار إلیھا ھذا الحديث الشريف ھو علم االله سبحانه بمخلوقاته في الأزل قبل
إيجادھا. لقد حصل خلاف عظیم في أصل ھذا العلم وكیفیته من أنه يكون على نحو الإجمال أو التفصیل؟ وھل إن
ھذا العلم يكون زائداً على الذات أو عینه؟ وھل ھو قبل الإيجاد أو معه؟ وتفصیل ذلك موجود في كتب الفلاسفة.
ونحن نقتصر على التحقیق في ھذا الموضوع ونتجنب عرض الأقوال الأخرى ومناقشتھا.
٢٦٢
إعلم أنه قد ثبت لدى أصحاب البرھان ـ الفلاسفة ـ وأرباب العرفان ـ العرفاء ـ بأن ھذا الحديث الشريف قد أومأ
إلي أن العلم بالمعلوم قد كان في الأزل قبل الإيجاد، وأن ھذا العلم عین الذات المقدس، وأن علمه سبحانه
تفصیلي ولیس بإجمالي حیث قال (وَالسَّمْعُ ذاتُهُ وَلاَ مَسْمُوعَ، وَالْبَصَرُ ذاتُهُ وَلا مُبْصَرَ) ومن الواضح أن البصر
والسمع شھود للمبصر والمسموع بصورة تفصیلیة. وأشیر أيضاً في ھذا الحديث إلي علمه التفصیلي سبحانه
عندما يقول علیه السلام: «فَإذَا أَحْدَث الأَشْیَاءَ وَكَانَ الْمَعْلومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ ـ إلخ» لأنه سبحانه لم
يجدد علمه بعد الإيجاد، وإنما وقع العلم منه على المعلوم بعد حدوثه ونحن سنذكر معنا وقوع العلم على المعلوم.
وأما بیان ھذا الموضوع الإيماني الشريف على مسلك المحققین من الفلاسفة فھو أنه بعد أن تبین في الفصل
السابق، أن الحق سبحانه وجود صرف وكمال صرف وأن الوجود الصرف مع بساطته ووحدته التامة، جامع لجمیع
الكمالات، ومستجمع لكمال جمیع الموجودات، وأن ما يكون خارجاً عن إحاطته الوجودية فھو عدم ونقص وقصور ولا
شیئیة، وأن نسبة المراتب الأخرى الوجودية إلي ذاته المقدس نسبة النقص إلي الكمال. بعد ھذا نقول بأن العلم
بالكمال المطلق علم بمطلق الكمال من دون نقص وقصور، ومثل ھذا العلم، عین الكشف التفصیلي الكلي
البسیط، من دون أن يخرج من إحاطة علمه، ذرة من الموجودات، أزلاً وأبداً من دون أن تتطرّق إلیه سبحانه الكثرة
والتركیب.
وأما على مسلك العرفاء، فھو أن الحق سبحانه وتعالى مستجمع لجمیع الأسماء والصفات، في مقام
الواحديّة، ومقام جمع الأسماء، وأن الأعیان الثابتة لجمیع الموجودات، من لوازم الأسماء الإلھیة في مقام جمع
الأسماء في الأزل، قبل الإيجاد. وأن التجلي المطلق للذات سبحانه في مقام الأحدية وغیب الھوية، ھو كشف
لجمیع الأسماء والصفات ولوازمھا من الأعیان الثابتة لكافة الموجودات، بتجلي واحد، وكشف بسیط مطلق. إذن
يتم من خلال الكشف العلمي بواسطة تجلي الفیض الأقدس، كشف الذات والأسماء والصفات والأعیان من دون
حصول كثرة وتركیب.
وھذان المسلكان في منتھى الإتقان والسداد والرفعة. ولكنه من جھة صعوبتھما، وتوقفھما على استیعاب
مبادئ فلسفیة كثیرة وفھم مصلحات أھل االله، وأصحاب القلوب ـ العرفاء ـ ومن جھة أنه لولا معرفة تلك المقدمات
والأنس التام والكامل بھا وممارستھا وحسن الظن الكامل بالعلماء باالله لمَا أستفید شيء من ھذه الأبحاث، بل
ازداد التحیر، وتضاعف التعقید. فالأولي اللجوء في توضیح الموضوع إلي بیان سھل قريب إلي إفھام الناس.
فنقول: ـ أن علّیة واجب الوجود تعالى شأنه، ومبدئیته، تختلف عن علّیة الفاعل الطبیعي، حیث أن العلة
الطبیعیة تركّب المواد الموجودة، وتجزّأھا، مثل النجّار الذي يغیّر القطعة الخشبیة، فیزيد قطعة وينقص أخرى. ومثل
البنّاء الذي يجمع ويركب المواد الموجودة، ولكنّ الحق المتعالي فاعل إلھي يخلق الأشیاء بإرادته من دون حاجة
إلي مواد أولیة مسبقة، وأن علمه وإرادته علة ظھور الأشیاء ووجودھا، فدار التحقق محاطة بعلمه، وتخرج من
٧٣٠ غیب الھوية، عندما يريد االله سبحانه إظھارھا (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَیْبِ لاَ يَعْلَمُھَا إِلاَّ ھُوَ)
.
يقال أن مثل عالم الأعیان الخارجیة بالنسبة إلي ذاته المقدس جل جلاله، مثل الذھن بالنسبة إلي نفس
الإنسان، حیث تخلق النفس في الذھن بإرادتھا ما تريد، وتظھر ما ھو مكنون في غیب الھوية.
فجمیع العوالم الموجودة محاطة بعلمه، وتظھر منه، وتعود إلیه (إِنَّا لِلّهِ وإِنَّا إِلَیْهِ رَاجِعُونَ).
وبعبارة أوضح: إن العلم يسبب الشيء وعلّته التامة، يستلزم العلم بذلك الشيء، فإن علم المنجم بالخسوف
والكسوف في ساعة محدّدة من يوم معلوم، يكون نتیجة علمه بالأسباب، حیث يرصد حركة الشمس والقمر،
وحیلولة القمر بین الأرض والشمس، فیحصل له العلم بالكسوف والخسوف، وإذا كان رصده دقیقاً لَما تخلّف
الكسوف والخسوف عن علمه.
٧٣٠
سورة الأنعام، آية: ٥٩.
٢٦٣
ولَمّا كانت حلقات الأسباب والمسببات من ھذا العلم تنتھي إلى الذات المقدس المبدأ لكل المبادئ، وكان
الحق سبحانه عالماً بذاته، وأن علمه بذاته الذي ھو سبب لجمیع الموجودات، علم بالمسبب أيضاً، ولمّا كانت
كذلك، كان االله سبحانه عالماً بكل الأشیاء، وكان علمه بنفسه سبباً لظھور وخلق جمیع الأشیاء.
ھذه ھي الوجوه المذكورة في المقام لإثبات علمه سبحانه بالأشیاء قبل خلقھا وإيجادھا، ويستطیع كل واحد
حسب نشأته أن يختار وجھاً منھا، رغم أن بعض الوجوه اسدَ وأوفى بكل المقصود.
فصل: في معنى سمع الحق سبحانه وبصره
من المباحث في باب أسماء الحق سبحانه وصفاته، الدائرة بین الفلاسفة العظام ھو إثبات السمع والبصر
للحق المتعالي، حیث أرجع جمھور الفلاسفة والمتكلمین السمع والبصر إلي العلم، ولكن الشیخ السھروردي
الإشراقي، أرجع العلم إلي البصر والسمع على ضوء بیان يسبّب ذكره الخروج عن الاختصار المنشود في الكتاب.
ونحن نتولى بیان المسلك الصحیح والمذھب القیم كي يتضح من خلاله الحق، في مطلق الأسماء والصفات.
إعلم أن كثیراً من الفلاسفة والكبار نتیجة الإھمال والغفلة عن بعض الحیثیات اختلفوا فیما بینھم، وأرجع كل
منھم بعض الأسماء والصفات إلي البعض الآخر، حیث أن المعروف والمسلّم به عندھم تفسیر إرادة الحق تعالى
بعلمه سبحانه بالمصلحة والنظام الأتمّ. وإرجاع بعضھم السمع والبصر إلي العلم، وبعضھم الآخر، أرجع العلم إلي
السمع والبصر.
ولكن ھذه الآراء والتوجھات مخالفة لما يستدعیه التحقیق، وناجمة عن إھمال الحیثیات. لأنه إذا كان المقصود
من إرجاع الإرادة، إلي العلم بالمصلحة، أو إرجاع العلم إلي السمع أو السمع إلي العلم، ھو أن لا إرادة للحق
سبحانه ولا سمع له ولا بصر وأن له سبحانه العلم وأن إرادته وسمعه وبصره قد سمّیت بالعلم، فھذا باطل وَتَقوّل
فظیع على الحق سبحانه، لأنه يستلزم أن يكون الحق المتعالي مبدأ للوجود من دون أن تكون له إرادة واختیار.
مضافاً إلى ذلك: أن المقیاس في باب إتصاف الحق سبحانه بالأوصاف الكمالیة ھو أن تلك الصفة لا بد وأن تثبت
للموجود بما أنه موجود، حتى تكون الصفة كمالیة، أي تكون الصفة، نفس حقیقة الوجود، ومن كمالات أصل ذات
الوجود. ولا ريب أن الإرادة من الصفات الكمالیة للحقیقة المطلقة الوجودية. ومن ھنا كلّما تنزّل الوجود نحو المنازل
السافلة، كلما ضعفت الإرادة فیه، حتى يصل إلي درجة تُسلب منه الإرادة، ويراه الناس عديم الإرادة، كما ھو حال
الأمور الطبیعیة مثل المعادن والنباتات. في حین أن الوجود كلّما سَما نحو الكمالات
وتصاعد نحو الأفق الأعلى كلما ظھرت الإرادة فیه أكثر وأقوى، كما نلمس ذلك في تسلسل الموجودات
الطبیعیة حیث أنه عندما نتجاوز مقام الھیولى والجسم والعنصر والمعدن والنبات نظھر الإرادة والعلم وكلّما صعدنا
أكثر كملت ھذه الجوھرة أكثر، حتى أن الإنسان الكامل يملك إرادة كاملة يستطیع أن يحوّل العنصر إلي عنصر آخر
فإن عالم الطبیعة خاضع لإرادته، فنكتشف بأن الإرادة من الصفات الكمالیة للوجود، وللموجود بما أنه موجود، ونثبت
ھذه الحقیقة للذات المقدّس الحق من دون رجوع إلى حقیقة أخرى.
وھكذا نجد بعد الدراسات العمیقة الجديرة بالإذعان والتصديق، أن السماع والبصر من كمالات الموجود
المطلق، فإن حقیقة السمع والبصر لا تقوم بالأدوات الجسمیة ولا تكون من العلوم المادية المرتبطة بالآلات
والأدوات، وإنما تحتاج النفس إلي الآلات عندما تكون في عالم الطبیعة وترتبط بالبدن، حتّى يتمَّ ظھور السمع
والبصر.
كما أنھا في مقام العلم تحتاج أيضا إلي أداة تدعى بأم الدماغ، لكي يتحقق العلم ويظھر في علم المُلك
والطبیعة، وھذا الاحتیاج والنقص ينجم عن عالم الطبیعة والمُلك ولیس من قصور ونقص في العلم والسمع والبصر.
ثم إن السمع والبصر لو تجرّدا، واستغنیا عن المادة، لاستطاعا البلوغ إلي مستوى رؤية حقائق عالم الغیب،
وسماع كلام الملكوتیین من الملائكة والروحانیین في الملأ الأعلى. كما أن موسى كلیم االله في مناجاته، كان
يسمع كلام الحق وأن خاتم المرسلین المكرّم كان يتحدث مع الملائكة، ويرى الصورة الملكوتیة لجبرائیل، من دون 
٢٦٤
تسمع أذن أحد ذلك الحديث ـ حديث النبي صلّى االله علیه وآله وسلم مع جبرائیل ـ وتبصرعین ذلك المشھد رغم
حضور بعض الناس لدى نزول الوحي على الرسول صلّى االله علیه وآله وسلم ولكنھم لم يبصروا المشھد.
وملخّص القول إن السمع والبصر من العلوم الزائدة على أصل العلم، وأنھما يغايران حقیقة العلم ويعتبران من
الكمالات المطلقة للوجود، فلا بد من إثباتھما للحق المتعالي الذي يعدّ مبدأً للوجود، ومصدراً لكمالاته.
وإن كان مقصودھم من إرجاع الإرادة والسمع والبصر إلى العلم، أو العلم
إلى الإرادة والسمع والبصر، ھو أن حیثیة العلم والإرادة في الحق سبحانه حیثیة واحدة وأنه لا حیثیات مختلفة
للبصر والسمع والعلم في الحق المتعالي، فھو كلام صحیح وموافق للبرھان، ولكنه لا وجه لاختصاص ھذا الكلام
بھذه الأوصاف لأن جمیع الأوصاف المتغايرة الكثیرة لذات الحق سبحانه، بل يكون مؤكداً وداعماً لھا، لأننا بیّنّا بأن
الوجود كلما كان أقرب إلي أفق الوحدة وأبعد من دائرة الكثرة كلما كان أجمع وأشمل تجاه الأسماء والصفات، إلى
أن نبلغ مقام صرف الوجود، والحقیقة البسیطة الواجبة ـ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وَعَظُمَتْ قُدْرَتُهُ ـ الذي ھو في منتھى
الوحدة والبساطة، ومستجمعاً لجمیع الكمالات، وجامعاً لجمیع الأسماء والصفات، حیث تصدق جمیع مفاھیم
الكمال ومعاني الجلال والجمال على نحو الحقیقة ـ لا المجاز ـ علیه سبحانه، ويكون صدقھا على الذات المقدس
الحق، أولى وأجدر بكل معاني ومراتب الأحقیة والأولوية من صدقھا على غیره سبحانه.
وخلاصة البیان أن الوحدة كلما كانت في الوجود أقوى وأتمّ، كلما كان صدق مفاھیم الكمال علیه أوفى، وعدد
الأسماء والصفات فیه أوفر. وعلى العكس، كلما كان الموجود إلى الكثرات أقرب، كان صدق مفاھیم الكمال علیه
أقل وكان ما تصدق علیه من مفاھیم الكمال أوھى. وأقرب إلي المجاز ـ دون الحقیقة ـ وكلّ ذلك من أجل أن
الوحدة تساوي الوجود، وتعتبر من كمالات الموجود بما ھو موجود، ومعنى مساواة الوحدة للوجود، ھو أن الوجود
مع الوحدة وإن اختلفتا مفھوماً، ولكن حقیقة الوجود نفس حقیقة الوحدة في الخارج، كما أنه أينما كانت الكثرات
كان ھناك النقص والعدم والشرّ والضعف والفتور.
ولھذا كلما تھاوى الوجود في منحدر المراتب النازلة كانت الكثرات أكثر من جمیع مراتب الوجود. وعلیه يتنزه
مقام الربوبیة وساحته المقدسة جل وعلا التي تكون صرف الوجود والذي ھو صرف الوحدة والبساطة، من الكثرة
والتركیب. وقد أشرنا سابقاً بأن الوجود، مبدأ حقیقة الكمال، وينبوع الجلال والجمال. فصرف الوجود ھو صرف
الوحدة وصرف الكمال، وصرف الوحدة ھو صرف الكمال أيضاً. وكلّما كانت الوحدة في أسمى مراتبھا في الموجود،
كانت مفاھیم الأسماء والصفات والكمالات بأسرھا صادقة علیه، وكان صدق مفھوم كل واحد منھا علیه
أولى وأحسن. وعلى العكس كل موجود يدنو من الكثرات أكثر، يكون نقصه أكثر، وصدق مفاھیم الكمال
والأسماء والصفات له أقل، وملاك الصدق وكیفیته أوھن.
فالحق المتعالي يستجمع جمیع الكمالات والأسماء والصفات، من دون رجوع إحداھا إلى الأخرى، بل يصدق
حقیقة كل من الكمالات والأسماء والصفات على الذات المقدس فكل من سمعه سبحانه وبصره وإرادته وعلمه.
يشتمل على مدالیله ومعانیه على نحو الحقیقة، ويصدق على الذات عز وجل كل منھا حقیقة من دون أن
تستلزم كثرة في ذاته سبحانه بوجه من الوجوه. فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالأَمْثَالُ الْعُلْیَا وَالْكِبْرِيَاءُ وَالآلاءُ.
فصل: في بیان كیفیة تعلق علمه سبحانه بالمعلوم
إعلم أنه على ضوء ما أشرنا إلیه من قبل، تنكشف على الحق المتعالي من خلال علمه البسیط الذاتي
والكشف الواحد الأزلي، جمیع الموجودات بما أنھا موجودات وجھات وجودية كمالیة بما أنھا كمالیة، ويتمّ له
سبحانه العلم. وھذا الكشف رغم كونه بسیطاً وواحداً تاماً، يكون تفصیلیاً على نحو لا تخرج عن حیطة علمه
سبحانه ذرّة من سماوات الأرواح، وأراضي الأشباح أزلاً وأبداً. وھذا العلم والكشف يكون منذ الأزل، ويكون عین ذاته
المقدس. والمعلوم المتعین والمحدود، الذي يعود تعیینه وتحديده إلي العدم والنقص، يتحقق بالعرض عندما يتعلق
به الإيجاد، ويصیر معلوماً بالعرض، فیكون التعلّق بالعرض بعد الإيجاد. وأشار علیه الصلاة والسّلام في ھذا الحديث
إلي ھذا المعنى عندما قال: «فَلَمّا أَحْدَثَ الأَشْیَاءَ وَكَان الْمَعْلُومُ وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْمَعْلُومِ».
٢٦٥
كما يحتمل أن تكون ھذه الجمل إشارة إلي العلم الفعلي الذي يحصل نتیجة التجلي للفیض المقدس. ويكون
المقصود من المعلوم، المعلوم بالذات، الذي ھو ھويّات وجودية قد تعلق بھا الفیض المقدس، وتجلٍ، ظھوري،
نوري.
فعلى الاحتمال الأول يكون معنى ھذه الجملة (فَلَمّا تَجَلّى بِفیْضِهِ المُقَدَّسِ وَظَھَرَ الْكَوْنُ بِالْعَرَضِ وَقَعَ الْعِلْمُ
عَلَى الْمَعْلُومِ، أَيْ ظَھَرَ الْفَیْضُ فِي مِرْآةِ الْمُسْتَفیضِ بِالْعَرَضِ).
وعلى الاحتمال الثاني يكون المعنى (فَلَمّا تَجَلّى بِفَیْضِهِ الْمُقَدَّسِ وَظَھَرَ وُجودُ الْكَوْنِ بِالذّاتِ، أَيّ بِلا حَیْثِیَّةٍ
تَقْییدِيَّةٍ وَقَعَ الْفَیْضُ عَلَى الْمُسْتَفِیضِ بِالذَّاتِ).
وعلى كلا الاحتمالین، لا يكون ھذا التجلي الذي يحصل بالفیض المقدس من جرّاء الحوادث الزمانیة والظروف
المتغیرة، فإن إيجاد الحق سبحانه مقدس ومنزّه من كل ما فیه شائبة الحدوث والتغییر بل التعیّن والتحديد. فكما
أن العلم الذاتي بسیط من جمیع الجھات، ومحیط بتمام الحیثیات، فكذلك العلم الفعلي الذي ھو آية حقیقیة
للحق المتعالي، وظھور لعلمه الذاتي ومرآة له، يكون بسیطاً تاماً، وواحداً بالمطلق، ومحیطاً بجمیع دائرة الكون
والتحقّق، من دون أن يحدث فیه تعیّن وتجدّد وتركیب، غاية الأمر أن ھذا العلم الفعلي متقوّم بالذات بذاته
المقدس سبحانه، وأنه تعلّق محض. ولھذا يكون فانیاً في كبرياء الحق عز وجل وحضوراً في محضر ذي الجلال.
ومن ھذا المنطلق يعتبرونه علم الحق سبحانه. كما أنه إيجاد النفس الناطقة للحقائق العقلیة في عالم العقل
والمُثُل الخیالیة في لوح الخیال، علم فعلي للنفس وفانٍ فیھا.
وقال الحكماء: إن نسبة عالم نفس الأمر إلى الحق سبحانه، تضاھي نسبة الصور العلمیة إلى النفس. ومن
أجل ھذه الإحاطة والسعة والبساطة والنفوذ للحق سبحانه، ذھبوا إلى أن الحق المتعالي يعلم الجزئیات بالعلم
الكلي أي أن جزئیة المعلوم ومحدوديته ومحاطّیته، لا تبعث على محدودية في العلم. فعلمه سبحانه: محیط
وقديم وأزلي وغیر متغیّر وأما المعلوم فھو محاط ومحدود وحادث ومتغیر. والذي لم يعرف أسلوب كلام الحكماء،
يحسب أنھم قد نفوا علمه عز وجل بالجزئیات، حیث فسّروا الكلیة والجزئیة، بالمعنى الرائج لدى المناطقة
واللغويین ولم يعلموا أن ھناك معنى آخر للكلي والجزئي في مصطلح أھل العرفان وقد يتبعھم أحیاناً الفلاسفة
في ذلك المصطلح، بل استعار الحكماء ھذا المعنى من أھل المعرفة ـ العرفاء ـ في باب علم واجب الوجود جلّ
اسمه وتعالى شأنه.
فصل: في بیان المقیاس في الصفات الثبوتیة والسلبیة
إن المقیاس في الصفات الثبوتیة للذات المقدس الواجب جل اسمه، والصفات السلبیة، ھو أن كل صفة من
الأوصاف الكمالیة، والنعوت الجمالیة التي تعود حقیقة الوجود وذاته الصرف، من دون أن تتعیّن بتعیّن، وتتواجد في
عالم دون آخر، تعود لھوية الوجود ذاته النورية، يُعتبر من الصفات اللازمة الثبوت والواجبة التحقق، للذات المقدس
تعالى شأنه، لأن ھذه الصفات لو لم تثبت للذات المقدس للزم إما أن يكون الذات المتعالي، وجوداً صرفاً ومحضاً،
أو لا يكون الوجود الصرف محض كمال وجمال. وھذان الأمران باطلان لدى العرفاء والحكماء. كما تقرر في محله.
وإن كل صفة ونعت لا تثبت للموجود، إلا بعد تنزّلّه إلى منزلة من منازل التعینات، وتَقارُنِه بشكل من إشكال
التقیید، وتعانقه بمرتبة من مراتب القصور وتلازمه مع حد من حدود الوھن والفتور، ومجمل القول إن كل صفة لا
تُعدّ من حقیقة الوجود، بل كانت راجعة إلى الماھیة، لكانت من الصفات المسلوبة التي يمتنع تحققھا في الذات
الكامل المطلق، لأن الذات الكامل المطلق والوجود الصرف كما يكون مصداقاً للكمال الصرف، يكون مصداقاً لسلب
النقائص والحدود والأعدام والماھیات.
ھذا الكلام وما أشتھر لدى المحققین من أن جمیع الصفات السلبیة، تعود إلى سلب واحد ھو سلب الإمكان،
لا يكون سديداً وصائباً لدى الكاتب فكما أن ذاته المقدس سبحانه يكون مصداقاً ذاتیاً حقیقیاً لكل واحد من الصفات
الكمالیة، من دون أن يرجع بعضھا إلي البعض الآخر ـ كما بیناه سابقاً ـ فكذلك يكون الذات المقدس مصداقاً بالعرض
لكل واحد من الصفات السلبیة أيضاً.
٢٦٦
ولا نستطیع أن نقول بأن الأعدام والنقائص حیثیة واحدة وأنه (لاَ مَیْزَ فِي الاعدام)، لأننا إذا درسنا ھذا الموضوع
على أساس الواقع ونفس الأمر، فكما أن العدم المطلق حیثیة واحدة رغم كونه كل الاعدام، فكذلك الوجود
المطلق أيضاً حیثیة واحدة وكل الكمالات، فلا نستطیع إثبات صفة للحق سبحانه، في مرحلة إعتبار الاحدية،
وغیب الغیوب، لا الصفات الحقیقیة الثبوتیة، ولا الصفات السلبیة الجلالیة.
وإذا درسناه على أساس مقام الواحدية وجمع الأسماء والصفات، فكما أن الصفات الثبوتیة الكمالیة متكثرة
ومتعدّدة، كانت الصفات السلبیة متكثرة أيضاً لأن في مقابل كل صفة كمالیة، صفة ناقصة مسلوبة. فالذات
المقدس سبحانه كما يكون مصداقاً للعالم بالذات، يكون مصداقاً لعدم كونه جاھلاً بالعرض. وكما يكون قادراً يكون
لیس بعاجز، وكما تقرر في علم الأسماء، أن للأسماء والصفات الثبوتیة اعتبار المحیطیة والمحاطیة والرئاسة
والمرؤوسیة فكذلك تكون للأسماء والصفات السلبیة ھذه الإعتبارات بالتبع أيضاً.
ومجمل الحديث أنه بعدما اتضح المقیاس في الصفات الثبوتیة والسلبیة، نستطیع أن نفھم بأن الحركة التي
تتقوم بالقوة والھیولى، وأن الحدوث والتجدد المتغلغل في ذات القوة، لا تتسرب إلي ذاته المقدس جل جلاله.
والتكلم بمعناه الدارج العرفي الذي يكون محلاً لسؤال الراوي في الحديث الشريف فھو صفة محدثة متجددة
يتنزه الحق المتعال ويتبرأ عنھا. وھذا لا يتھافت مع إثبات الكلام والتكلم الذاتي للحق سبحانه في مقام الذات
على نحو ينسجم مع تنزھه سبحانه عن التجدد وبراءته من الحدوث.
وخلاصة ھذا البحث الشريف أن حقیقة التكلم، لا تتوقف على خروج الأحرف من المخارج الخاصة في الحنجرة
والفم. وما ھو شائع لدى أبناء اللغة وعرف الجمھور من الناس من أن التكلم يتقید وينصرف إلى خروج الأحرف
الأبجدية من مخارجھا، فھو ناتج عن العادة وأنس ذھن الناس بمثل ھذا التفسیر. وقد ساعد أوھام الناس
وأفكارھم على ذلك. وأما أصل معنى التكلم فلا يتقیّد بالأحرف أبداً.
إن حقیقة العلم عبارة عن ظھور الشيء لدى العالِم، من غیر أن يتقید بالإدراك بواسطة الأدوات البادية الظاھرة
مثل الدماغ أو الآلات المعنوية مثل الحسّ المشترك والخیال. فإذا فرضنا أن شخصاً قد حصل على العلم بشيء
بواسطة يده أو رجله أو رأى شیئاً أو سمع صوت شيء، لصدق علیه العلم والسمع والبصر. وھكذا إذا رأى في
عالم الرؤيا شیئاً أو سمع صوت شيء أو تكلّم أو أحسّ، لصدق علیه أنه رأى وسمع وتكلم وأحسّ حقیقة، من دون
شائبة المجاز مع أن الرؤية والسمع والتكلم والإحساس قد تم من دون الاستعانة بالأدوات الحسیة الخاصة التي
تستعمل في ھذه الموارد حالة الیقظة. فالمقیاس في صدق الرؤية والتكلم والسمع والإحساس ھو نفس
الإدراك الخاص.
وحقیقة التكلم ھو إظھار المكنون في الخاطر وإبراز ما في الضمیر من دون أن تكون لآلة خاصة دور في ذلك.
ولو فرضنا أن إطلاق التكلم والسمع والبصر على حصول العلم من دون الاستعانة بآلاتھا، كان مجازاً في اللغة
ولدى العرف، ولكنّ حقیقة معاني ھذه الأمور ـ نفس الحقائق ـ لم تكن مقیدة بالأدوات الخاصة ويكون السمع
والبصر والتكلم و... صادقاً علیھا عقلاً. ولا يكون البحث في باب الأسماء والصفات بحثاً لغوياً، بل المقصود ھو إثبات
نفس الحقائق حتى إذا لم تسعف اللغة والعرف بذلك.
إذاً نقول إن حقیقة الكلام ھي إظھار ما في الضمیر، عبر الأدوات المادية الحسیّة أو من دونھا، وسواء كان
الكلام من مقولة الصوت واللفظ والنَفَس المتصاعد من الداخل والرئة أو لا. وعلیه يكون الكلام من الأوصاف الكمالیة
للوجود، لأن الظھور والإظھار من حقیقة الوجود ويعودان إلى حقیقة الوجود. وكلّما كان الوجود أكمل وأقوى كلما
كان الظھور والإظھار أكثر، إلى أن يصل الأمر إلى الأفق الأعلى والمقام الواجب الأسنى، الذي ھو نور الأنوار ونور
على نور، وظھور على ظھور. وبواسطة الفیض المقدس وكلمة (كُنْ اَلْوجُوُدِيَّة) يتم إظھار ما في الغیب من مقام
الواحدية. ومن خلال الفیض الأقدس والتجلي الذاتي الأحدي، يتم إظھار الغیب المطلق، ومقام اللامقام من
الأحدية، وفي ھذا التجلي الأحدي، يكون المتكلم: ھو الذات المقدس الأحدي، والكلام: ھو الفیض الأقدس
والتجلي الذاتي، والسامع: الأسماء والصفات. وبنفس ھذا التجلي تتم طاعة تعیّنات الأسماء والصفات وتتحقق 
٢٦٧
علمیاً. وفي التجلي الواحدي بالفیض المقدس يكون المتكلم، الذات المقدس الواحد المستجمع لجمیع الأسماء
والصفات، والكلام، نفس التجلّي، والسامع والمطیع ھما تحقیق الأعیان العلمیة، الملازمة للأسماء والصفات
واللذان تحققا بواسطة أمر «كُن» تحققاً خارجیاً عینیاً (فَإِذَا قَالَ لِكُلِّ عَیْنٍ أَرَادَ إِيجَادَھَا: كُنْ، فَیُطِیعُ الأَمْرَ الإِلھيِّ
فَیَكُونُ وَيَتَحَقَّقُ). ولم نستعرض الشواھد النقلیة في ھذا الموضوع ولم نتطرق إلیھا. والحمد الله أوَّلاً وآخراً.
الحديث السَابع وَالثَلاثون: معرفة االله باالله والرسول بالرسالة
بالسَّند المتصّل الى محمَّد بن يعقوبَ، عن عليِّ بن محمَّد، عمَّن ذكره، عن أحمدَ بن عیسى، عن محمَّد بن
حُمرانَ، عن الفضل بن السَّكن، عن أبي عبداالله علیه السّلام قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: «إعْرِفُوا االلهَ
٧٣١ بِااللهِ، وَالرَّسُولَ بِالرِّسالَةِ، وأُولي الأمْرِ بِالأمْرِ بِالمَعْروفِ وَالعَدْلِ وَالإحْسَانِ»

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث22   الثلاثاء يناير 09, 2018 4:59 pm

الشرح:
ھناك فرق واضح بین العرفان، والعلم، بین التعرف على شيء وبین العلم به. يقال إن العلم في اللغة يختص
بالكلیات، والمعرفة خاصة بالجزئیات والتشخّص، ويقال إن العارف باالله ھو الذي يتعرف على الحق سبحانه
بالمشاھدة الحضورية، وإن العالم باالله ھو الذي ينتھي إلى الحق سبحانه من خلال البراھین الفلسفیة.
وذھب البعض إلى أن الفارق بین العلم والعرفان من وجھین: الأول من ناحیة متعلق كل منھما كما ذكرنا
متعلق العلم كلي ومتعلق المعرفه جزئي ـ. والثاني أنه أخذ في المعرفة نسیان الشيء المعلوم سابقاً. في حین
أن العلم ھو ما يدركه الإنسان ابتداءاً. وأما الشيء الذي كان معلوماً فغُفل عنه ونسیه ثم أدركه ثانیاً يقال له أنه
قد عرفه، وإنما يقال للعارف عارفاً، لأنه يتذكر الأكوان السالفة، والنشئآت السابقة على كونه المُلكي ونشأته
الطبیعیة.
وادّعى بعض أھل السلوك العرفاء أن سبب التسمیه ھو تذكر عالم الذرّ، ويقول بأنه لو أزيح حجاب الطبیعه
الباعث على الغفلة والنسیان عن أعین السالك، لتذكّر العوالم السابقة.
وقال بعض العرفاء: إن حقیقة المعراج المعنوي والروحاني، ھي تذكر الأيام السالفة، فنحن أذا قفلنا راجعین
الى الوراء للإطلال على أيام الطفولة والمراھقة والشباب و... لوجدنا أنّ كل شخص يسترجع فترة من حیاته
ويتذكر بعض الأيام، فھناك من يتذكر أيام عامه السابع من حیاته وما بعدھا وھناك من يتذكر أيام السنة الخامسة
من عمره، وبعض يذھب إلى أبعد من ذلك ويّدعي تذكر أيام حوله الثالث، ومن النادر من يسترجع إلى ذاكرته أبعد
من أعوامه الثلاثة الأولى.
لقد نقل عن الشیخ الرئیس ابن سینا، أنه كان يدّعي تذكّر أول لحظة ولادته، وكان يقول يمكن للإنسان أن
يتذكر أبعد من ذلك فیتذكر فترة تواجده جنیناً في رحم الأم أو فترة وجوده في صلب الأب، وھكذا يرجع إلى الوراء
ويتذكر جمیع الأحوال التي مرّ بھا في عالم المُلك، حتى يصل متقھقراً إلى أكوان عالم الملكوت الأعلى والجبروت،
إلى عالم الجبروت الأعلى وھكذا يقفل ويتقھقر حتى يتذكر نشأة العلم الربوبي ومثل ھذا التذكر، ھو حقیقة
المعراج ومنتھى العروج الروحاني) انتھى بیانه.
وھذا الموضوع حتى إذا كان صحیحاً في نفسه، ولكنَّ تفسیر حقیقة المعراج الروحاني بالرجوع القھقرائي لدى
أھل العرفان وأرباب القلوب والأفئدة غیر سديد، لأن حقیقة المعراج الروحاني، ھي حركة معنوية انعطافیة، تتم بھا
دائرة الوجود وينتھي إلى عالم الغیب جمیع ما في سلسلة الشھود. ويحدث ذلك في القاموس الصعودي،
والحركة الإنعطافیة. في حین تعتبر ھذه الحركة التقھقرية التي ذكرت لتفسیر المعراج الروحاني، على خلاف سنة
االله الجارية في الكائنات، وخاصّة في الأنبیاء، وعلى الأخص في النبي الخاتم صلّى االله علیه وآله وسلم وعلیھم
أجمعین. وإنما يشبه ھذا السلوك، حال المجذوبیة المتوفرة في صنف من الملائكة المھیّمة المتحیّرة في ذات ذي
الجلال، الذين غفلوا نھائیاً عن الكثرات، ولم ينتبھوا إلى أن ھناك مخلوقاً باسم الإنسان والعالم.
٧٣١
أصول الكافي، المجلد ١ ،كتاب التوحید، باب أنه لا يعرف إلاّ به، ح ١.
٢٦٨
يقول الشیخ العارف الكامل شاه آبادي ـ روحي فداه ـ (إن الحالة الروحیة للنبي آدم علیه السّلام كانت تجذبه
نحو عالم الغیب والمقام المقدّس، وتُبعده عن عالم مُلكه وعالمه الطبیعي، ومثل ھذه الحركة الجذبیة كانت تبعث
على سلب الآدمیة عم آدم علیه السّلام، فسلَّط الحق المتعالي، الشیطان علیه لكي ينتبه إلى شجرة الطبیعة
وينعطف عن الجذبة الملكوتیة، وينصرف إلى عالم الملك والطبیعة).
قوله علیه السّلام: «وَالعَدْلِ وَالإحْسانِ» الظاھر أنھما معطوفان على قوله «الأمْرِ بِالمَعْروفِ» أي: إِعْرِفوھُمْ
بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَبِالْعَدْلِ وَالإحْسانِ. ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله «المعروف» أي: إِعْرِفوھُمْ بِالأمْرِ بِالْمَعْروفِ
وَبِالأمْرِ بِالْعَدْلِ وَالإحْسانِ.
فصل: في بیان المقصود من قوله: إِعْرِفُوا االلهَ بِااللهِ
إعلم إن كل واحد من العلماء رضوان االله تعالى علیھم قد تناول ھذه الجملة «إِعْرفُوا االلهَ بِاالله» وشَرَحَھا على
ضوء مسلكه العلمي أو مذھبه الفلسفي. ونحن لأجل التبرك بكلام الأجلاّء نذكر بصورة مختصرة بعض تلك الآراء
وھي:
الأول: قال ثقة الإسلام الكلیني رضوان االله تعالى علیه ومعنى قوله علیه السّلام اعرفوا االله باالله يعني أن االله
خلق الأشخاص والأنوار والجواھر والأعیان ـ فالأعیان الأبدان والجواھر الأرواح ـ وھو جلّ وعز لا يشبه جسماً ولا
روحاً ولیس لأحد في خلق الروح الحسّاس الدرّاك أمر ولا سبب وھو المتفرد بخلق الأرواح والأجسام فإذا نفي عنه
٧٣٢ الشبھین: «شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف االله باالله وإذا شبه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف االله باالله»
.
ومن الغريب أن صدر المتألھین قدس سرّه اعتبر ھذا الكلام من تتمة الحديث فأخذ بشرحه وتفسیره على
أساس مذھبه في الفلسفة.
الثاني: قال الشیخ الصدوق رضوان االله علیه بعد إيراد الخبر، ما حاصله: «عرفنا االله باالله لأنا إن عرفناه بعقولنا
فھو عز وجل واھبھا وإن عرفناه عز وجل بأنبیائه ورسله وحججه علیھم السّلام فھو عز وجل باعثھم ومرسلھم
٧٣٣ ومتخذھم حججاً وإن عرفناه بأنفسنا فھو عز وجل محدثھا فبه عرفناه»
. الثالث: ماأشار إلیه صدر المتألھین.
حیث قال إن ھناك سبیلان لمعرفة الحق المتعالي (أحدھما: المشاھدة وصريح العرفان. ثانیھما: التنزيه
والتقديس، وحیث أن السبیل الأول لا يتیسّر إلاَّ للأنبیاء والكُمّلین اختار علیه الصلاة والسلام بیان الطريق الثاني
في الحديث) انتھى.
ويتوقف ھذا التفسیر على اعتبار كلام الشیخ الكلیني جزءاً من الحديث الشريف، واعتبار حديث الإمام الصادق
علیه السلام، كلام الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام.
الرابع: قال المحقق فیض الكاشاني علیه الرحمة: إن لكل شيء ماھیة ھو بھا ھو، وھي وجھه الذي إلى ذاته
كذلك لكل شيء حقیقة محیطة به، بھا قوام ذاته وبھا ظھور آثاره وصفاته، وبھا حوله عما يَرِدُ به ويضرّه وقوّته على
٧٣٤ ما ينفعه ويسرّه وھي وجھه الذي إلى االله سبحانه، وإلیھما أشیر بقوله عز وجل (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِیطٌ)
.
. وبقوله (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ٧٣٥ وبقوله سبحانه (وَھُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)
. وبقوله سبحانه (وَنَحْنُ ٧٣٦
. وبقوله (كُلُّ شَيْءٍ ھَالِكٌ إِلاَّ وَجْھَهُ) ٧٣٧ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ)
. فإن تلك الحقیقة التي تبقى بعد فناء ٧٣٨
الأشیاء فقوله علیه السّلام اعرفوا االله باالله معناه انظروا في الأشیاء إلى وجوھھا التي إلى االله سبحانه بعد أن
أثبتم أن لھا رباً صانعاً فاطلبوا معرفته بأمارة فیھا من حیث تدبیره لھا وقیومیته علیھا وتسخیره لھا أو إحاطته بھا
وقھره إياھا حتى تعرفوا االله بھذه الصفات القائمة به ولا تنظروا إلى وجوھھا التي إلى نفسھا أعني من حیث أنھا
أشیاء لھا ماھیات لا يمكن أن توجد بذواتھا، بل مفتقرة إلى موجد يوجدھا فإنكم إذا نظرتم إلیھا من ھذه الجھة
٧٣٢
أصول الكافي، المجلد ١ ،باب أنه لا يعرف إلا به، ح ١.
٧٣٣
مرآة العقول، المجلد١ ،ص٢٩٨.
٧٣٤
سورة فصلت: آية: ٥٤.
٧٣٥
سورة الحديد، آية: ٤.
٧٣٦
سورة ق، آية: ١٦.
٧٣٧
سورة الواقعة، آية: ٨٥.
٧٣٨
سورة القصص، آية: ٨٨.
٢٦٩
تكونوا قد عرفتم االله بالأشیاء، فلن تعرفوه إذن حق المعرفة، فإن معرفة مجرد كون الشيء مفتقراً إلیه في وجود
الأشیاء لیست بمعرفة في الحقیقة.
على أن ذلك غیر محتاج إلیه لما عرفت أنھا فطرية بخلاف النظر الأول فإنكم تنظرون في الأشیاء أولاً إلى االله
٧٣٩ عز وجل وآثاره من حیث ھي آثاره، ثم إلى الأشیاء وافتقارھا في أنفسھا
.
الخامس: الاحتمال الذي قد خطر على بال الكاتب وھو يبتني على مقدمة مذكورة في علم الأسماء والصفات،
وھي أن للذات المقدس الحق عز جلاله اعتبارات، وأن لكل اعتبار إصطلاحاً خاصاً به. ھي:
منھا: اعتبار الذات من حیث ھو، أي الذات المجھول بصورة مطلقة، من دون أن يكون له اسم أو رسم ومن دون
إمكان بلوغ آمال العرفاء، وذوي القلوب والأولیاء إلیه. وقد يعبّر عنه حیناً لدى أرباب المعرفة بعنقاء المُغرِب. قال
الشاعر:
أيھا الصیاد انتبه بأن العنقاء لا * * * يسقط في الفخ فاسحب مصیدتك
وحیناً آخر بالعماء أو العمى، رُوِيَ أنَّهُ قیلَ لِلنَّبِيِّ صلّى االله علیه وآله وسلم: «أيْنَ كانَ رَبُّكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ
الْخَلْقَ؟ قالَ: في عَماءٍ». وحیناً ثالثاً بغیب الغیوب والغیب المطلق وغیر ذلك، فإن كل ھذه التعبیرات والمصطلحات،
تكون قاصرة على أداء المعنى. وأن العنقاء والعماء والتعبیرات الأخرى المذكورة لدي العرفاء الموافقة لنوع من
الأدلة والبراھین، غیر مرتبطة بھذا المقام.
ومنھا: اعتبار الذات حسب مقام التعین الغیبي، وعدم الظھور المطلق، المسمّى بمقام الأحدية. والتعبیرات
المذكورة في الاعتبار السابق تتلاءم مع ھذا المقام. ويتحوّل في ھذا المقام اعتبار الأسماء الذاتیة، حسب
اصطلاح العلماء، إلى الأسماء مثل: الباطن المطلق، والأول المطلق، والعليّ والعظیم، كما يستفاد من حديث
(الكافي) أن أول اسم اتخذه الحق لنفسه ھو العَليّ والعظیم.
ومنھا: اعتبار الذات حسب مقام الواحدية، ومقام جمع الأسماء والصفات، الذي عبر عنه بمقام الواحدية ومقام
الأحدية لجمع الأسماء وجمع الجمع وغیر ذلك. ويقال لھذا المقام باعتبار مقام أحدية الجمع، مقام الاسم الأعظم
والاسم الجامع «االله» ومنھا: إعتبار الذات حسب مرتبة التجلّي بالفیض المقدس، ومقام ظھور الأسماء والصفات
في مرائي الأعیان، كما أن مقام الواحدية يكون بسبب تجلي الفیض الأقدس. ويقال لھذا المقام الذي ھو مقام
ظھور الأسماء، مقام الظھور الإطلاقي ومقام الألوھیة ومقام االله أيضاً حسب الاعتبارات المقررة في الأسماء
والصفات. وقد شرحناھا في كتاب (مصباح الھداية).
ولا بد من معرفة أن ھذه الاعتبارات المذكورة على ألسنة أھل المعرفة وأصحاب القلوب، إخبار عن دور تجلیات
الحق سبحانه على قلوبھم الصافیة، وتكون تلك التجلیات حسب مراتب ومقامات سلوك الأولیاء، وحسب منازل
سیر السائرين إلى االله ومراحله، مبتدئة من مقام ظھور الأسماء والصفات، الذي ھو مقام الإلوھیة والمسمى بـ
«االله» والتي تكون آية (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِیھَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ
كَأَنَّھَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِیَّةٍ وَلاَ غَرْبِیَّةٍ يَكَادُ زَيْتُھَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى
. إشارة إلى ذلك، ومنتھیة ٧٤٠ نُورٍ يَھْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِیمٌ)
بمقام الغیب الأحدي، ومرتبة الأسماء الذاتیة والاسم المستأثر، الذي يكون نھاية السیر والمقصد. ويمكن أن يكون
٧٤١ قوله تعالى (وْ أَدْنَى)
. إشارة إلى ھذا المقام.
وبعد ھذه المقدمة نقول: إن الإنسان عندما يلجأ إلى الفكر والبرھان في طلبه للحق وسیره إلى االله، يكون
سیره عقلیاً عملیاً، ولا يكون من نوع سیر أھل المعرفة وأرباب العرفان، لأنه سقط في الحجاب الأكبر والأعظم، من
دون فرق بین أن ينظر إلى الأشیاء من ماھیاتھا، والتي تعتبر الحجب الظلمانیة، ويبحث عن الحق المتعالي من
٧٣٩
كتاب الوافي، ص ٧٥ منشورات مكتبة المرعشي – قم.
٧٤٠
سورة النور، آية: ٣٥.
٧٤١
سورة النجم، آية: ٩.
٢٧٠
خلالھا، أو ينظر إلى الأشیاء من خلال وجوداتھا التي تكون حجباً نورانیة وھي التي يشیر إلیھا المرحوم الفیض
الكاشاني في الاحتمال الرابع المتقدم.
إن الشرط الأول في السیر إلى االله، وھو الخروج من البیت المظلم للنفس والذات والأنانیة. فكما أن الإنسان
في السفر الخارجي العیني المحسوس، لا يكون مسافراً مادام ھو في مكانه وبیته رغم تخیّله السفر وتحدثه عن
كونه مسافراً، بل لا بد من ترك المكان ومغادرة البیت حتى يقال أنه مسافر، وكما أن السفر الشرعي لا يتحقق إلا
بعد مغادرة البلد واختفاء آثاره، فكذلك لا يتحقق ھذا السفر العرفاني إلى االله، والھجرة الشھودية إلا بعد التخلي
عن البیت المظلم للنفس واختفاء آثارھا ومعالمھا، لأنه ما دامت آثار التعینات مشھودة وأصوات الكثرات مسموعة،
لا يكون الإنسان مسافراً، بل أنه تخیل السفر ودواعى السیر والسلوك قال االله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَیْتِهِ مُھَاجِرًا
٧٤٢ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)
.
فبعد أن يغادر السالك إلى االله بخطوات ترويض النفس والتقوى الكاملة من بیت النفس، ولم يصطحب معه في
ھذا الخروج العُلقة الدنیوية، والتعیّنات، ويتحقق له السفر إلى االله سبحانه، يتجلى له الحق المتعالي قبل كل
شيء، على قلبه المقدس بالألوھیة ومقام ظھور الأسماء والصفات. ويكون ھذا التجلي أيضاً مرتّباً ومنظماً، حیث
ينطلق من الأسماء المحاطة مروراً بالأسماء المحیطة حسب شدّة السیر وضعفه وحسب قوة قلب السالك
وضعفه على التفصیل الذي لا يستوعبه ھذا الكتاب المختصر، حتى ينتھي إلى رفض كل تعینات عالم الوجود
سواء كانت تعینات تعود إلى نفسه أو تعینات راجعة إلى غیره والتي تعتبر ـ أي ھذه التعیینات الغیرية ـ في
المنازل والمراحل التالیة من التعینات العائدة إلى نفسه أيضاً وبعدالرفض المطلق، يتم التجلي بالألوھیة، ومقام
االله الذي ھو مقام أحدية جمع ظھور الأسماء، وتظھر «إِعرِفُوا االلهَ بِااللهِ» في مرتبتھا الأولى النازلة.
ولدى وصول العارف إلى ھذا المقام والمنزلة، يفنى في ھذا التجلي، فإذا وسعته العناية الأزلیة، لحصل
للعارف الفاني في ھذا التجلّي، إِستیناساً، ولزالت عنه وحشة الطريق ونَصَب السفر، واستفاق، فلم يقتنع بھذا
المقام، ويسیتمر بخطوات ملؤھا الشوق والعشق، وفي سفر العشق ھذا يكون الحق المتعالي مبدأ السفر
والباعث على السفر ونھاية السفر، وتتمّ خطواته في أنوار التجلّي، فیسمع ھاتفاً يقول له «تَقَدَّمْ» ويستمر في
التقدم إلى أن تتجلّى في قلبه بصورة مرتبة ومنظمة، الأسماء والصفات في مقتم الواحديّة، حتى يبلغ مقام
الأحديّة ومَقام الإسم الأعظم الذي ھو إسم االله، فیتحقق في ھذا المقام «إِعْرِفُوا االلهَ بِااللهِ» في مرتبة عالیة.
ويوجد أيضاً بعد ھذا المقام، مقام آخر لا مجال لذكره فعلاً.
ومع ھذا الذي ذكرنا، أضفى مقامٍ عرفان الرسول على االرسالة وأولى الأمر بالأمر بالمعروف والعدل
والإحسان، ترتیباً عرفانیاً بديعیاً يحتاج إلي شرح مقام الرسالة والولاية. وھو لا يتناسب مع مستوى ھذا الكتاب.
وقد تولّى التفصیل في ذلك كتاب (مصباح الھداية) الذي ذكرته سلفاً.
دفع وھم: في بیان عدم حمل الأحاديث المأثورة على المعاني الدارجة
لا يظن بأن مقصودنا من شرح الحديث الشريف على ضوء مسلك أھل العرفان، ھو حصر معنى الحديث في
ذلك، حتى يكون من قبیل الرجم بالغیب والتفسیر بالرأي، بل ھو من أجل دفع توھم حصر معاني الأحاديث
المنقولة في باب معارف أصول الدين، في المعاني الرائجة العرفیة.
وإن الملمِّ بأحاديث الأئمة علیھم السّلام يعرف بأن تفسیرالأخبار المأثورة عنھم علیھم السّلام في العقائد
ومعارف أصول الدين على أساس الفھم العرفي الشائع لا يكون سديداً وصحیحاً، بل إنھا تحتوي على أدق
المعاني الفلسفیة، وقمة معارف أھل المعرفة. ومن يرجع إلى كتاب (أصول الكافي) وكتاب (التوحید) للشیخ
الصدوق علیه الرحمة، يذعن لما قلناه.
ولا يتنافى ھذا التفسیر الدقیق العرفاني مع صیاغة أئمة أھل المعرفة، العلماء باالله لكلامھم الشريف في
أسلوب جامع، تقطف كل طائفة حسب مسلكھا قدراً من الثمار، ولا يحقّ لأحد أن يقصر الحديث في المعنى الذي
٧٤٢
سورة النساء، آية: ١٠٠.
٢٧١
ارتآه. مثلاً: نستطیع أن نشرح الحديث الشريف المذكور شرحاً عرفیاً رائجاً يتطابق مع ظھور الألفاظ وفھم الناس
بأن نقول أن معنى «إِعْرِفُوا االلهَ بِااللهِ» ھو إِعرفوا االله بآثار صنعه واتقان عمله اللذين يكونان من آثار الألوھیة. كما أنه
يجب معرفة النبي بالرسالة وآثاره المتقنة لدعوته، ومعرفة أولي الأمر بكیفیة أعمالھم من قبیل الأمر بالمعروف
والعدالة. حیث نتعرف من خلال الآثار على أصحابھا. وھذا لا يتنافي مع وجود
معنى أدق للحديث، يكون بمثابة البطن له. ووجود معنى آخر أيضاً أدق من المعنى الثاني يكون بمنزلة بطن
البطن.
وعلى أي حال إن مقارنة كلام الأولیاء علیھم السّلام بكلام أمثالنا غیر صحیحة، كما أن قیاس أشخاصھم
علیھم السّلام على أشخاص من أمثالنا مجحف وباطل. ولا أستطیع أن أشرح ھذا الموضوع الغامض بصورة مفصلة
مع بیان فلسفته وسببه.
ومن غرائب الأمور: أن بعضاً يطعن في ھذه المعاني الرقیقة العرفانّیة والفلسفیة ويعترض علیھا قائلاً: إن
أحاديث أئمة الھدى علیھم السّلام لتوجیه الناس، فلابد وأن تتوافق مع الفھم العرفي، ويجب أن لا تصدر عنھم
المفاھیم الفلسفیة أو العرفانیة التي لا ينالھا الفھم العرفي لعامة الناس.
إن ھذا افتراء مستنكر وتھمة بذيئة نجمت عن قلة التدبر في أخبار أھل البیت علیھم السّلام ومعارف الأنبیاء
وعدم التجوال فیھا.
فواعجباً لو أن الأنبیاء والأولیاء علیھم السلام لم يقصدوا تعلیم الناس، دقائق توحید، ومعارف الأنبیاء فمن كان
بإمكانه أن ينھض بمثل ھذا التعلیم؟
ھل أن التوحید والمعارف الأخرى العقائدية، لا تستبطن الدقائق العلمیة، وإن الناس جمیعاً في استیعابھم
للمعارف على مستوىً واحد؟
ھل أن معارف الإمام أمیر المؤمنین علیه السّلام، مع معارفنا في درجة واحدة؟ وأن معارفه صلوات االله وسلامه
علیه، ھي المعارف الشائعة الموجودة لدى الناس أو إنھا تختلف عن معارفنا؟
وھل أن تعلیم تلك المعارف والعلوم المختزنة لدى أھل البیت علیھم السّلام غیر ضروري بل غیر محبذ؟ أو أنه
لا يكون واحداً مما تقدم وأن الأئمة علیھم السلام لم يھتموا لھذه المعارف؟
وھل من المعقول أن من لا يتوانى في بیان الآداب المستحبة للنوم والأكل وبیت الخلاء و... قد غفل عن بیان
المعارف الإلھیة التي ھي منتھى أمل الأولیاء؟.
والأغرب من ذلك أن بعض ھؤلاء المعترضین الرافضین لھذه المعاني الدقیقة قد تناولوا الأخبار الفقھیة المأثورة
عن أھل البیت علیھم السّلام ودققوا فیھا بدرجة يعجز عن فھمھا العقل فضلاً عن العرف وينسبون المعنى
العمیق الذي استخلصوه إلى الارتكاز العرفي رغم أنه من المسلّم به أن فھم الأخبار الفقھیة موكول إلى العرف.
ومن ينكر ما ذكرته، فعلیه مراجعة المباحث التي وردت في قاعدة (على الید ما أخذت حتى تؤدي) وأمثالھا من
القواعد الفقھیة الكلیة وخاصة المرتبطة منھا بالمعاملات، حتى يفھم مستوى التعمق والتدقیق في كلمات الأئمة
علیھم السلام في الأحكام وفروع الدين.
وعلى أي حال إن البحث قد خرج من أيدينا، والقلم قد تمرّد علینا، والكاتب يُشھد االله عز وجل على أنه لا
يقصد من ھذا الكلام إلاّ تعريف أخوانه في االله بالمعارف الإلھیة. وَأسْتَغِرُ االلهَ مِنَ الزّلَلِ وَالْفَشَلِ وَالْكَسَلِ، وَالْحَمْدُ
الله أولاً وَآخِراً.
الحَديث الثامن والثلاثون: ان االله خلق آدم على صورته
بالسَّند المتّصل إلى الشیخ الجلیل عماد الإِسلام محمّدِ بن يعقوبَ الكلینيِّ ـ رضوان االله علیه ـ عن عدَّةٍ من
أصحابنا، عن أحمدَ بنِ محمّد بن خالد، عن أبیه، عن عبداالله بن بحر، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمَّد بن مسلم
قال: سَأَلْتُ أبا جعفر علیه السّلام عمّا يَرْوُونَ أَنَّ االلهَ خَلَقَ آدَمَ علیه السّلام عَلَى صورَتِهِ، فَقالَ: ھِيَ صورَةٌ مُحْدَثَةٌ 
٢٧٢
مَخْلُوقَةٌ [و] اصْطَفَاھَا االلهُ وَاخْتَارَھَا عَلَى سَائِرِ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ فَأَضَافَھَا إِلَى نَفْسِهِ كَمَا أَضَافَ الْكَعْبَةَ إِلَى نَفْسِهِ
٧٤٣ وَالرُّوحَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: «بَیْتي» و(نَفَخْتَ فِیهِ مِنْ رُوحي)
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث22   الثلاثاء يناير 09, 2018 5:08 pm

الشرح:
إنّ صدر ھذا الحديث من الأحاديث المشھورة في أيام الأئمة علیھم السلام إلى يومنا ھذا. وأنّ الفريقین
السنة والشیعة يستشھدون في كتبھما. وقد أيّد الإمام الباقر سلام االله علیه صدور ھذا الحديث وصدّقه وتولى
بیان المقصد منه:
وھناك حديث آخر رواه الصدوق في كتاب (عیون أخبار الرضا) علیه السّلام بسنده إلى ثامن الحجج علیھم
السلام (عن الحسین بن خالد قَالَ: قُلْتُ لِلْرُضَا عَلَیْهِ السَّلاَمَ: يَا ابْنَ رَسُولِ االلهِ إِنَّ النَّاسَ يَرْوُونَ أَنَّ رَسُولَ االلهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ االلهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ فَقَالَ: قَاتَلَھُمُ االلهُ لَقَدْ حَذَفُوا أَوَّلَ الْحَدِيثِ إِنَّ رَسُولَ
االلهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلَیْنِ يَتَسَابَّانِ فَسَمِعَ أَحَدُھُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ قَبَّحَ االلهُ وَجْھَكَ وَوَجْهَ مَنْ يُشْبِھُكَ
٧٤٤ فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: يَا عَبْد االلهِ لاَ تَقُلْ ھذَا لأَخِیْكَ فَإِنَّ االلهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)
.
ولأجل ھذا قال المرحوم المجلسي (أو لم يتعرض لنفیه تقیة) (مرآة العقول ج ٢ ،ص ٨٤ (واحتمل أيضاً رحمه
٧٤٥ االله أن الإمام علیه السّلام (أجاب ھكذا على تقدير تسلیم الخبر)
ولكن ھذا الاحتمال بعید جداً.
ويحتمل أن يكون الحديث المروي عن الأمام الرضا علیه السّلام)، قد أرجع إلى الحديث الأول ويكون المقصود
من «آدم» في نھاية الخبر «إنَّ االلهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ھو نوع الإنسان، ويعود الضمیر في قوله «عَلَى
صُورَتِهِ» إلى الحق المتعالي، ولمَّا علم الإمام الرضا علیه السّلام بأن الراوي لیس في مستوى الاستیعاب والفھم
لمدلول الحديث الشريف اقتصر صلوات االله علیه على ذكر صدر الحديث، حتى يتخیل الراوي بأن المقصود من آدم،
ھو أبو البشر، وأن ضمیر على صورته يرجع إلیه. تأمل.
ولعل الحديثین قد صدرا عن رسول االله صلّى االله علیه وآله وسلم كما في حديث الإمام الرضا علیه السّلام.
ولكن رسول االله صلّى االله علیه وآله وسلم قد حدَّث تارة من دون ذكر أول الحديث وھو ما رواه الأمام الباقر علیه
السّلام بصورة مختصرة. وحدّث صلّى االله علیه وآله وسلم مرة أخرى مع تلك البداية وذلك المدخل. وحیث أن
الإمام الرضا علیه السّلام قد عرف بأن الراوي لا يستوعب معنى الحديث، أشار علیه السّلام إلى الحديث الشريف
المبدوّ بذلك المدخل. والشاھد علیه أن بعض الروايات تشتمل على جملة (صُورَةِ الرَّحمن) بدلاً عن (صُورَتِةِ) وھذا
لا ينسجم مع الحديث المروي في كتاب (عیون الرضا) الظاھر في أن رسول االله صلّى االله علیه وآله وسلم قد
أتى على ذكر ـ على صورته ـ مع الضمیر مرتین.
وإذا فرضنا بأن الحديث الشريف المذكور لم يصدر عن رسول االله صلّى االله علیه وآله وسلم، ولكنَّ معناه موجودٌ
في الأحاديث الشريفة الأخرى كما نشرح ذلك إن شاء االله.
فلنرجع إلى شرح ألفاظ الحديث الشريف:
قوله علیه السّلام: «آدَمَ» يقول الجوھري في (صحاحه) : (أًصله) أأدم على وزن أفعل، بدّلت الھمزة الثانیة
إلى الألف وتحوّل الألف إلى الواو لدى تحريكھا. وجمعھا أوادم). ويحتمل أن يكون وجه تسمیة أبي البشر ب (آدَمَ)
ھو أنه علیه السّلام كان أسمر اللون ففي اللغة الآدَمُ مِنَ النَّاسِ: الأَسْمَرُ. وفي بعض الروايات أن سبب التسمیة
بآدم ھو أنه من أديم الأرض أي من على وجه الأرض.
قوله علیه السّلام: «عَلَى صُورَتِهِ». إن الصورة في اللغة، بمعنى المثل والھیئة. ونستطیع أن نقول بأن للصورة
معنى عاماً مشتركاً بین الأمور، وذلك المعنى المشترك ھو شیئیة الشيء وفعلیته، غاية الأمر أن لكل شيءٍ
فعلیة خاصة به. ومن ھذا المنطلق يقال للشيء بذي الصورة وللفعلیة بالصورة. وما قیل في الفلسفة في معنى
٧٤٣
أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحید، باب الروح، ح٤.
٧٤٤
بحار الأنوار، المجلد الرابع، الباب ٣ ،من كتاب التوحید ح ١ ،ص ١١.
٧٤٥
مرآة العقول ج ٢ ،ص ٨٤.
٢٧٣
الصورة الذي تعمّه وتشمله فعلیة الشيء وشیئیته، لا يتنافى مع المعنى اللغوي، ولا يكون من قبیل تقارن
وضعین للفظ واحد على معنى واحد في نوعین من العلم كي يكون اللفظ مصطلحاً في كل واحد من المعنیین.
قال الشیخ أبو علي ابن سینا رئیس فلاسفة الإسلام في إلھیات كتابه (الشفا) : «ويقال صورة لكل ھیئة
وفعل يكون في قابل وحداني أو بالتركیب، حتى تكون الحركات والأعراض صوراً. ويقال صورة لما تتقدم به المادة
بالفعل فلا تكون حینئذٍ الجواھر العقلیة والأعراض صوراً. ويقال صورة لما تكمل به المادة وان لم تكن متقدمة بھا
بالفعل، مثل الصورة وما يتحرك بھا إلیھا بالطبع. ويقال صورة خاصة لما يحدث في المواد بالصناعة من الأشكال
٧٤٦ وغیرھا. ويقال صورة لنوع الشيء ولجنسه ولفصله ولجمیع ذلك، وتكون كلیة الكلي صورة للأجزاء أيضاً»
.
ويستفاد بعد التأمل في كل موارد استعمال الصورة، أن المعنى في جمیع تلك الموارد، ھو الفعلیة التي
ذكرناھا فیكون استعمال الصورة في ھذه الموارد على أساس الاشتراك المعنوي. ويقال للحق المتعالي صورة
الصور.
قوله علیه السّلام: «اصطفاھا» تكون «الصفوة» بمعنى الخالص من الشوائب، والصافي من الكدر
و«الاصطفاء» ھو أخذ الخالص والصافي ھو يلازم الخالص، ولكن رأي الجوھري وغیره أن «الاصطفاء» بمعنى
الاختیار، كما فسّروا في اللغة «الاختیار» بـ «الاصطفاء» ھذا أيضاً من التفسیر باللازم، لأن الاختیار أيضاً بمعنى
أخذ ما ھو خیر وحسن، فیكون لازماً لواقع الاصطفاء في الخارج، ولیس بمدلول مطابقي للإختیار.
قوله علیه السّلام: «الكعبة». إن الكعبة اسم لبیت االله. وانما سُمي البیت بالكعبة لما قاله بعض بأنه يضاھي
الجسم المكعب أو لكونه مربعاً. والمكعب لدى الرياضیین ھو الجسم المحفوف بسطوح ستة تكون الزوايا فیھا
قائمة.
قوله علیه السّلام: «والروح». إن الروح لدى الأطباء عبارة عن البخار اللطیف الناجم عن حرارة دم الحیوان في
القلب. ويقال إن للقلب تجويفین: الأول في الجانب الأيمن حیث يتدفق الدم من الكبد باتجاه ھذا التجويف ومن
جراء حرارة القلب يتبخر الدم، ويتسرّب البخار إلى التجويف الثاني الكائن في الجانب الأيسر من القلب، فیتلطّف
من وراء حركات القلب، فیتكون الروح الحیواني منه، وتسري في الشرايین نتیجة ضخ القلب بالبسط والقبض،
حسب البیان المذكور في محله. فإذن مصدر الروح الحیواني ھو القلب، ومجراھا الشرايین.
وقد تطلق الروح على الدم المتجمع في الكبد. والذي يمشي في الأوردة، ويسمى بالروح الطبیعیة. كما أنه
قد تستعمل الروح في مصطلح الحكماء، في الروح النفسیة التي تنبعث من الدماغ، وتجري في الأعصاب، وتكون
مظھراً ومرتبة نازلة من الروح المجرد، التي ھي السرّ السبحاني، وروح االله المشار إلیھا بقوله تعالى: (وَنَفَخْتُ
فِیْهِ مِنْ رُوحِي). وبعد ھذا نستعرض ونبین بأن ھذه الروح تنفخ بالنفخة الإلھیة، وتُصطفى لدى الحق جل وعلا
وتصیر مختارةً لديه سبحانه.
فصل: في بیان أن الإنسان مظھر تامّ لِلَّهِ وأنه الاسم الأعظم للحق جل وعلا
اعلم: يقول أرباب المعرفة وأصحاب القلوب، بأن لكل أسم من الأسماء الإلھیة لدى الحضرة الواحدية، صورة،
تابعة للتجلي بالفیض الأقدس لدى الحضرة العلمیة، وذلك بواسطة الحب الذاتي وطلب مفاتیح الغیب التي لا
يعلمھا إلاّ ھو، ويعبّر لدى أھل االله عن تلك الصورة بـ «العین الثابتة» وتحصل أولاً، من جراء ھذا التجلي بالفیض
الأقدس، التعیّنات الاسمائیة، والاسم الأول الذي يبرز ويظھر مع مرآته، بتجلي الأحدية، والفیض الأقدس، لدى
حضرة العلمیة الواحدية، ھو الاسم الأعظم الجامع الإلھي، والمقام المسمى بـ «االله» الذي يكون من الناحیة
الغیبیة عین التجلي بالفیض الأقدس. وفي التجلي الظھوري يكون
كمال الجلاء والاستجلاء عین مقام جمع الواحدية باعتبار، وعین الكثرة الأسمیة باعتبار آخر. وإنّ تعین الاسم
الجامع وصورته، عبارة عن العین الثابتة للإنسان الكامل، وعین الحقیقة المحمدية للنبي صلّى االله علیه وآله
وسلم. كما أن مظھر التجلي الحقیقي للفیض الأقدس ھو الفیض المقدس، وأن مظھر التجلي لمقام الواحدية،
٧٤٦
الشفاء، المجلد الثاني من الإلھیات، ص ٢٨٢ ،منشورات مكتبة المرعشي، قم.
٢٧٤
ھو مقام الالوھیة، وأن مظھر التجلي لحقیقة الإنسان الكامل الثابتة، ھي الروح الأعظم، وأن كافة الموجودات
الاسمیة والعلمیة والعینیة ـ الخارجیة ـ تكون مظاھر كلیة وجزئیة لھذه الحقائق والرقائق على أساس ترتیب بديع
لا يسعه ھذا الكتاب المختصر وإنما ذكرناه في كتاب (مصباح الھداية).
ويستفاد مما ذكرناه بان الإنسان الكامل مظھر الاسم الجامع، ومرآة تجلي الاسم الأعظم، كما أشیر إلى ھذا
. وقد تمّ ھذا التعلیم الإلھي على ٧٤٧ المعنى في الكتاب والسنة كثیراً. قال االله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّھَا)
يدي الجمال والجلال تجاه باطن آدم بواسطة التخمیر الغیبي الجمعي لدى الحضرة الواحدية، كما أنه تم التعلیم
الإلھي تجاه صورة آدم وظاھره، في عالم الشھادة بمظھره الطبیعي المادي، بواسطة ظھور يدي الجلال والجمال.
قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَیْنَ أَنْ يَحْمِلْنَھَا وَأَشْفَقْنَ مِنْھَا وَحَمَلَھَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ
٧٤٨ كَانَ ظَلُومًا جَھُولاً)
.
وتكون الأمانة لدى العرفاء الولاية المطلقة التي لا يلیق بھا غیر الإنسان، وھذه الولاية المطلقة، ھي مقام
. وفي كتاب ٧٤٩ الفیض المقدس. وقد أشیر إلیه في القرآن الكريم بقوله تعالى (كُلُّ شَيْءٍ ھَالِكٌ إِلاَّ وَجْھَهُ)
(الكافي) بسنده إلى (أسود بن سعید قال: كنت عند أبي جعفر علیه السّلام فأنشأ يقول ابتداءاً مِنْهُ مِنْ غَیْرِ أَنْ
أَسْأَلَهُ نحْنُ حُجّةُ االلهِ، وَنَحْنُ بَابُ االلهِ، وَنَحْنُ لِسَانُ االلهِ وَنَحْنُ وَجْهُ االلهِ وَنَحْنُ عَیْنُ االله ِفِي خَلْقِهِ وَنَحْنُ وُلاةُ أَمْرِ االلهِ
وفي دعاء الندبة «أَيْنَ وَجْهُ االلهِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إِلَیْهِ الأَوْلِیَاءُ؟ أَيْنَ السَّبَبُ المُتَّصِلُ بَیْنَ أَھْلِ الأَرْضِ ٧٥٠ فِي عِبَادِهِ)
. وفي زيارة الجامعة الكبیرة «وَالْمَثَلُ الأَعْلَى» ٧٥١ وَالسَّمَاءِ»
. وھذا المثل الأعلى وذلك الوجه الإلھي، ھو الوارد ٧٥٢
في الحديث الشريف «إِنَّ االلهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوَرتِهِ» ومعناه أن الإنسان ھو المثل الأعلى للحق سبحانه، وآيته
الكبرى، ومظھره الأتم، وأنه مرآة لتجلي الأسماء والصفات وأنه وجه االله وعین االله ويد االله وجنب االله، «ھُوَ يَسْمَعُ
وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ بِااللهِ، وااللهُ يُبْصِرُ وَيَسْمَعُ وَيَبْطِشُ بِهِ». ووجه االله ھذا ھو النور المذكور في قوله تعالى (اللَّهُ نُورُ
. وقال الأمام الباقرعلیه السّلام كما في كتاب (الكافي) بسنده إلى أبي خالد الكابلي (قال ٧٥٣ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
سألت أبا جعفرعلیه السّلام عن قول االله عز وجل (فَآمنُِوا بِااللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورَ الَّذِي أَنْزَلْنَا) فَقَالَ يَا أَبَا خَالِد النُّورُ وااللهِ
نُورُ الأئِمَةِ مِنْ آلِ مُحَمّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الِقَیَامِة وَھُمْ وَااللهِ نُورُ االلهِ الَّذِي أَنْزَلَ، وَھُمْ وَااللهِ نُورُ االلهِ فِي
وفي كتاب الكافي الشريف بسنده إلى الإمام الباقر روحي لتراب مقدمه الفداء في تفسیره ٧٥٤ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)
علیه السّلام للآية الشريفة (عَمَّ يَتَسَائَلُونَ * عَنِ النَّبَأ الْعَظِیمِ) قائلاً: «ھِيَ فِي أمیرِ المُؤْمِنِینَ، كَانَ أَمِیرُ المُؤْمِنِیَن
٧٥٥ صلوات االله علیه يَقولُ: مَا لِلَّهِ تَعَالَى آيَةٌ ھِيَ أَكْبَرُ مِنِّي، وَلاَ لِلَّهِ مِنْ نَبَأٍ أَعْظَمُ مِنِّي»
.
وملخص الحديث أن الإنسان الكامل الذي يكون آدم أبو البشر فرداً منه، أكبر آية ومظھر لأسماء وصفات الحق
سبحانه، وأنه مَثَل الحق المتعالي وآيته. ولابد من تنزيه االله سبحانه وتقديسه عن المِثْل بمعنى الشبه ولا يلزم
٧٥٦ تنزيه ذاته المقدس عن المَثَل الذي ھو بمعنى الآية والعلامة (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى)
.
إن كافة ذرّات الكون، آيات ومرآة تجلي ذاك الجمال الجمیل عزّ وجلّ كل حسب حجمه ومنزلته الوجودية. ولكن
لا يكون شيء آية للاسم الأعظم الجامع أي «االله» عدا الكون الجامع، والبرزخیة الكبرى المقدسة جلّت عَظَمَتُه
بِعَظَمَةِ باريه.
٧٤٧
سورة البقرة: آية: ٣١.
٧٤٨
سورة الأحزاب، آية: ٧٢.
٧٤٩
سورة القصص، آية: ٨٨.
٧٥٠
أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحید، باب النوادر، ح٧.
٧٥١
مفاتیح الجنان، دعاء الندبة.
٧٥٢
مفاتیح الجنان، زيارة الجامعة الكبیرة.
٧٥٣
سورة النور، آية: ٣٥.
٧٥٤
اصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب أن الائمة نور االله، ح١.
٧٥٥
اصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب ان الآيات التي ذكرھا االله في كتابه، ح٣.
٧٥٦
سورة الروم، آية: ٢٧.
٢٧٥
فَااللهُ تَعَالَى خَلَقَ الإِنْسَانَ الْكَامِلَ وَالآدَمَ الأَوَّلَ عَلَى صُورَتِهِ الْجَامِعَةَ وَجَعَلَهُ مِرْآة أسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. قَالَ الشَّیْخُ
الْكَبِیرُ: فَظَھَرَ جَمیعُ مَا فِي الصُّورَةِ الإِلھِیَّةِ مِنَ الأَسْمَاءِ فِي ھذِهِ النَّشأْةِ الإِنْسَانِیَّةِ فَحَازَتْ رُتْبَةَ الإِحَاطَةِ وَالْجَمْعِ بِھذَا
الْوُجُودِ وَبِهِ قَامَتِ الْحُجَّةُ لِلَّهِ عَلَى الْمَلائِكَةِ.
وتبین من بحثنا ھذا السالف الذكر، السبب في اصطفاء واختیار الحق المتعالي للصورة الجامعة الإنسانیة من
كل الصور المختلفة للكائنات بأسرھا. كما تبیّن السرّ في تفصیل الحق سبحانه لآدم علیه السّلام على الملائكة،
. وحیث أن ٧٥٧ وتكريمه دون كافة المخلوقات وفلسفة نسبة روحه إلیه في الآية الكريمة (وَنَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِي)
ھذا الكتاب قد التزم على نفسه الاختصار، غضضنا الطرف عن بیان حقیقة النفخة الإلھیة، وكیفیتھا في آدم،
وسبب اختصاصھا به دون الموجودات الأخرى. والحمد الله أوَّلاً وآخِراً.
الحديث التَاسِع وَالثَلاثون: الخیر والشر
بالسند المتّصل إلى ركن الإِسلام محمَّد بن يعقوبَ الكلیني ـ رضوان االله علیه ـ عن عدَّة من أصحابنا، عن
أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن محبوب وعليِّ بن الحَكَم، عن معاوِيَة بنِ وھب قال: سَمِعْتُ أبا عبد االله علیه
السّلام يقولُ: «إنَّ مِمّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَى موسى علیه السّلام وَأَنْزَلَ عَلَیْهِ فِي التَّوْرَاةِ: أنِّي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا،
خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَخَلَقْتُ الْخَیْرَ وَأجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أْحِبُّ، فَطوبى لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَا اللَّهُ لا إلهَ إلاّ أَنَا،
٧٥٨ خَلَقْتَ الخَلْقَ وَخَلَقْتَ الشَّرَّ وَأجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْ مَنْ أُريدُهُ، فَوَيْلٌ لِمَنْ أَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ»
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث22
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: