{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

  الاربعون حديث 21

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 21   الثلاثاء يناير 09, 2018 4:47 pm

الشرح:
قال الجوھري أن السَخَط على وزن الفرس، والسُخط على وزن قُفل معناه خلاف الرضا. وقَدْ سَخِطَ أي غَضِبَ
فَھُو ساخِطٌ. الْقِسْطُ: بكسر القاف بمعنى العدل ويكون عطفه على العدل في قوله (إنَّ االله بِعَدْلِه وَقِسْطِهِ) من
العطف التفسیري. الرَّوْحُ وَالرّاحَةُ: ھما بمعنى واحد وھو الاستراحة، كما يقول الجوھري فیكون عطف الراحة على
الروح عطفاً تفسیرياً. أو أن «الرَوْح» بمعنى راحة القلب و«الراحة» بمعنى استراحة البدن. كما يقول المجلسي.
وَالْھَمُّ وَالْحُزْنُ: قال الجوھري أنھما بمعنى واحد فیكون عطف الثاني على الأول عطفاً تفسیرياً. قال المجلسي
«الھمُّ اضطراب النفس عند تحصیله. والحزن جزعھا واغتمامھا بعد فواته»
٦٦٤
.
فصل: شرح قوله علیه السّلام ولا يلومھم على ما لو يؤته االله
قوله علیه السَلام: «وَلا يَلومَھُمْ عَلى ما لَمْ يُؤْتِهِ االلهُ» في ھذه العبارة احتمالان: «أحدھما: لا يذمھم ـ الناس ـ
ولا يشكرھم على ترك صلتھم إياه بالمال وغیره فإنه يعلم صاحب الیقین أن ذلك شيء لم يقدره االله له ولا يرزقه
إياه لعدم كون صلاحه فیه مطلقاً أو في كونه بید ھذا الرجل وبتوسطه، بل يوصله إلیه من حیث لا يحتسب فلا
. لقد أبدى المحقق الفیض الكاشاني رحمه االله ھذا الاحتمال. وأيّده أيضاً المحدث الخبیر ٦٦٥ يلوم أحد بذلك»
المجلسي. ثانیھما: ما أحتمله أيضاً الفیض رحمه االله وھو: «أنه لا يلومھم ـ الناس ـ على ما لم يؤته االله إياھم
فإن االله خلق كل واحد على ما ھو علیه وكل میّسر لما خلق له فیكون كقوله علیه السّلام لو علم الناس كیف
. قال المحدث المجلسي رحمه االله «ولا يخفى بعده لاسیما بالنظر إلى ٦٦٦ خلق االله ھذا الخلق لم يَلُم أحد أحداً»
. يقول الكاتب أن الاحتمال الثاني أفضل بكثیر من الاحتمال الأول، خاصة ٦٦٧ التعلیل بقوله فَإنَّ الرِّزْق لاَ يَسوقُهُ»
بالنسبة إلى التعلیل المذكور ـ فإن الرزق لا يسوقه ـ لأنه يصح تأنیب الناس على فقرھم وعسر معیشتھم فیما
إذا تمكنوا باختیارھم تحصیل الرزق، وتمكنوا من خلال السعي وبذل الجھد، الترفیه على النفس والتوسعة علیھا،
فیصح حینئذٍ أن يخاطب المرء صاحبه قائلاً: إنني سعیت وجاھدت، ولكنك لم تتحرك ولم تجھد فأصبت بالضائقة
المعیشیة: ولكن أھل الیقین يعلمون بأن الحرص والاكتساب لا يجلبان الرزق، فلا يلومونھم على لم يؤته االله. ولابد
من معرفة أن أمثال ھذه الأحاديث الشريفة الظاھرة في أن الرزق مقسوم ومقدر، كما ھو المستفاد من الآيات
القرآنیة المباركة، ھذه الأحاديث لا تتنافى مع الأخبار التي تحث على طلب الرزق وتؤكد على الكسب والتجارة،
والتي ترى كراھة شرعیة في ترك العمل والإحجام عن تحصیل الرزق، وتلوم على التخلي عن الكسب، وجاعلة
التارك للاشتغال بالعمل التجاري ممن لا يستجاب دعاءه، ولا يبعث االله رزقه. والأحاديث بھذا الصدد كثیرة. ونحن
نقتصر على حديث واحد منھا: عن محمّد بن الحسن شیخ الطائفة ـ قُدِّسَ سِرُّهُ ـ بإسناده عن عليّ بن عبد العزيز
٦٦٢
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المصافحة، ح١٤.
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب فضل الیقین، ح٢ .(٦٦٣
(مرآة العقول، المجلد ٧ ،ص٣٥٩ ط دار الكتب الإسلامیة ـ طھران). ٦٦٤
(مرآة العقول، المجلد ٧ ،ص٣٥٦ ط دار الكتب الإسلامیة ـ طھران). ٦٦٥
(مرآة العقول، المجلد ٧ ،ص٣٥٦ ط دار الكتب الإسلامیة ـ طھران). ٦٦٦
(مرآة العقول، المجلد ٧ ،ص٣٥٧ ط دار الكتب الإسلامیة ـ طھران). ٦٦٧
٢٣٩
قال: قال أبو عبد االله علیه السّلام: «ما فَعَلَ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ أقْبَلَ عَلى الْعِبادَةِ وَتَرَكَ التِّجارَةَ.
فَقالَ: وَيْحَهُ، أما عَلِمَ أنَّ تارِكَ الطَّلَبِ لا يُسْتَجابُ لَهُ دَعْوَةٌ؟ إنَّ قَوْماً مِنْ أصْحابِ رَسُولِ االلهِ صلّى االله علیه وآله
وسلم لَمّا نَزَلَتْ [وَمَنْ يَتَّقِ االلهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا يَحْتَسِبُ] أغْلَقُوا الأبْوابَ وَأقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ
وَقالُوا: قَدْ كُفینا، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيِّ صلّى االله علیه وآله وسلم فَأَرْسَلَ إلَیْھِمْ فَقالَ: ما حَمَلَكُمْ عَلى ما صَنَعْتُمْ؟
٦٦٨ فَقالُوا: يا رَسولَ االلهِ تَكَفَّلَ االلهُ بِأرْزاقِنا فَأقْبَلْنا عَلَى الْعِبَادَةِ، فَقالَ: مَنْ فَعَل ذلِكَ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ، عَلَیْكُمْ بِالطَّلَبِ»
.
ووجه عدم المنافاة بین الأخبار ھو أن طلب الرزق، من الإنسان وأما بعده من الأرزاق والأمور الأخرى التي تحف
بالرزق ففي يد قدرة الحق المتعالي ولا يكفي طلبنا لوحده مستقلاً في جلب الرزق، فإن طلب الرزق من وظیفة
العباد، وأما تنظیم الأمور وترتیب الأسباب الظاھرية وغیر الظاھرية التي تخرج عن اختیار العباد غالباً فیكون بتقدير
من الباري تعالى. فالإنسان الذي يتمتع بیقین صحیح، والذي يكون واقفاً على مجاري الأمور، يجب علیه في
اللحظة التي لا يفتر فیھا عن طلب الرزق، بل ينھض بوظائفه العقلیة والشرعیة في الاكتساب، ولا يوصد أبواب
الطلب على نفسه، يعرف إن كل شيء من الذات المقدس الحق المتعالي، وأنّه لا يؤثر موجود آخر في الوجود ولا
في كمالات الوجود، إن الطالب والطلب والمطلوب، منه سبحانه. وأما ما ورد في ھذا الحديث الشريف «وَلا يَلُومَھُمْ
عَلى ما لَمْ يُؤْتَهِ االله» فمعناه إذا كان ھناك طلب بالقدر المتعارف فلا يلومھم على ما لم يؤته االله، وھذا لا يتنافى
مع رجحان توبیخ طائفة وملامتھم إذا تقاعسوا عن الطلب حتى يدفعھم نحو الرزق، كما ورد مثیله في الأخبار
المباركة. وملخّص الكلام أن ھذا الموضوع من فروع بحث الجبر والتفويض، فمن تضلّع في ذلك البحث، يستطیع أن
يقف ويطلع على المغزى والجوھر من ھذا الموضوع. وتفصیله أوسع من مسؤولیتنا ووظیفتنا ھنا.
فصل: في علامات حجة الیقین
جعل الإمام الصادق علیه السّلام في ھذا الحديث الشريف، علامتین على صحة الیقین وسلامته ھي:
أحدھما: لا يُرضي الناس بسخط االله. الآخر: لا يلوم الناس على ما لم يؤته االله. وھاتان العلامتان من نتائج كمال
الیقین. كما أن ما يقابلھما يكون من آثار ضعف الیقین وسقم الإيمان ومرضه. ونحن قد أتینا في ھذا الكتاب، لدى
المناسبات المختلفة، على شرح الإيمان، والیقین، وثمارھما، حسب القدر المستطاع. كما وأننا نأتي الآن أيضاً
بصورة مختصرة على ذكر ھاتین العلامتین على صحة الیقین وسلامته وما يقابلھما الدالان على سقم الیقین
وضعفه. لابد وأن نعلم بأن الراغب في تحصیل رضا الناس، والباذل جھده للھیمنة على قلوبھم وعقولھم، إنما يقوم
بھذه المحاولات لأجل أنه مقتنع بأن لھؤلاء دوراً إيجابیاً ومؤثراً في مطعمه ومطمحه، فالذين يحبون المال ويعبدون
الدينار يخضعون أمام أصحاب الثروات ويتذللون بین أيديھم ويتزلفون لھم. والذين يطلبون الرئاسة والاحترامات
الظاھرية، يتملقون أمام الرؤساء، ويتواضعون لھم تحسّباً منھم بأن ھذه الأسالیب تستملیھم وتبعث على كسب
قلوبھم، وھكذا تدور ھذه العجلة، فالمستضعفون يستذلون ويتملقون بین يدي أرباب الرئاسة، وطالبوا الزعامة
والوجاھة يخضعون ويتزلفون أمام الطبقة المستضعفة، ويخرج من ھذه الدائرة التي تدور بین الرؤساء والمرؤوسین،
خصوص الذين ھذّبوا نفوسھم من خلال ترويض النفس في كل من الجانبین وبذلوا ما في وسعھم لأجل تحصیل
رضا الحق سبحانه، ولم يتزلزلوا أمام الدنیا وزخارفھا بل كانوا يفتشون في فترة رئاستھم عن رضا الحق جلّ وعزّ،
ويبحثون عن الحق والحقیقة أيّام مرؤوسیتھم المستضعفة. وعلى أي حال فإن الناس ينقسمون في ھذه الدنیا
إلى ھاتین الطبقتین: إمّا يقودھم يقینھم إلى الاعتقاد بأن الأسباب الظاھرية، والمؤثرات الشكلیة مسخرة تحت
الإرادة الألیة الكاملة الوجوبیة، فلا يجدون دوراً لغیر الحق، ولا يلتمسون من غیره شیئاً. فھم آمنوا بأنه المالك
والمؤثر في الدنیا والآخرة، واعتنقوا بكل إيمان ويقین غیر مشوب بالنقص والترديد، آية من الآيات المباركة القرآنیة
وھي: {قُلْ اللَّھُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} (آل عمران/٢٦ .(حیث يرون بأن االله
سبحانه ھو مالك ملك الوجود، وأن جمیع العطايا من ذاته المقدس، وأن القبض والبسط في الوجود وكمالاته منه
سبحانه حسب ترتیب النظام والمصالح الكامنة. ومن البديھي أن أبواب المعارف تنفتح على ھؤلاء الأشخاص،
(وسائل الشیعة، المجلد ١٢ ،الباب ٥ ،من أبواب مقدمات التجارة، ح٧ .(٦٦٨
٢٤٠
وتتحوّل قلوبھم إلى قلوب إلھیة، لا يعبأون برضا الناس ولا بسخطھم، ولا يرمون إلاّ رضا الحق المتعالي، ولا
يطمعون إلاّ فیه ولا يطلبون إلاّ منه، ولا تترنم قلوبھم إلاّ بھذا الكلام: إلھي إنْ أعْطَیْتَني فَمَن ذا الَّذِي يَمْنَعُني؟ وَإنْ
مَنَعْتَنِي فَمَن ذَا الَّذِي يُعْطِینِي. إنھم يغمضون أعینھم عن الناس وعطاياھم ودنیاھم، ويحدّقَون في الحق جل
جلاله بكل حاجة وفقر، وھؤلاء الأشخاص لا يبیعون رضا العالم بأسره، بسخط الحق المتعالي. كما قال أمیر
المؤمنین علیه السّلام. وفي نفس الوقت الذي لا يعبأون بأحد غیر الحق المتعالي، ويرون أن الكائنات بأسرھا
فقیرة إلى االله، ينظرون إلى كل شيء بعین ملؤھا العظمة والرحمة والحنان، ولا يلومون أحداً على شيء إلاّ من
أجل إصلاح وضعه وتربیته. كما أن الأنبیاء علیھم السّلام كانوا كذلك، لأنھم يعتبرون الناس من المرتبطین بالحق
ومن مظاھر جماله وجلاله، ولا يسمحون لأنفسھم إلاّ بالنظر إلى عباد االله بكل لطف ومحبة. ولا يؤنبون في
قلوبھم أحداً على نقصه أو فتوره، وإذا لاموا أحداً بألسنتھم فلأجل المحافظة على المصالح العامة وإصلاح أحوال
العائلة البشرية. وھذا من نتائج وثمرات الشجرة الطیبة للیقین والإيمان، والمعرفة بالحدود والشريعة الإلھیة. وأما
الطائفة الثانیة فھم لا يعرفون عن الحق شیئاً، وإذا علموا شیئاً لكانت معرفتھم ناقصة وإيمانھم غیر تام، وحیث أن
انتباھھم إلى الكثرات والأسباب الظاھرية قد أغفلھم عن مسبّب الأسباب، فظلّوا يسعون لكسب رضا المخلوق،
وقد ينتھي بھم الأمر إلى شراء رضا المخلوق الضعیف جداً، بسخط وغضب االله سبحانه: بأن يعلنوا موافقتھم
لمعصیة العصاة، أو يتركوا الأمر بالمعروف والنھي عن المنكر في الوقت المناسب للأمر بالمعروف أو النھي عن
المنكر، أو يفتوا بالباطل، أو يدعموا من لیس بأھل للتأيید أو يكذّبوا مَنْ لیس من شأنه الدجل والكذب. أو يغتابوا
المؤمنین ويَفْتروا علیھم لأجل كسب مودّة أھل الدنیا، ورعاية أصحاب المناصب الظاھرية. بل كل ذلك ينشأ من
ضعف الإيمان، بل إنه مرتبة من مراتب الشرك. وتُفضى مثل ھذه المواقف بالإنسان إلى المھالك الكثیرة التي منھا
ما ورد في ھذا الحديث الشريف من إساءة نظر مثل ھذا الإنسان إلى عباد االله ومعاداتھم وتأنیبھم وملامتھم
على أعمالھم إلى غیر ذلك.
فصل: في نقل كلام المعتزلة والأشاعرة وإشارة إلى مذھب الحق سبحانه
إعلم: لقد عقد المحدث المجلسي رحمه االله في كتابه (مرآة العقول) عند ھذا الحديث فصلاً للبحث عن أن
الرزق المقسوم، من قبل الحق المتعالي ھل يعم الحلال والحرام أو أنه يختص بالحلال؟ ونقل رضوان االله تعالى
علیه عن كتاب (تفسیر الفخر الرازي) اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في ذلك، مع نقله للأحاديث والأخبار التي
تمسك بھا كل واحد من الطرفین على وجھة نظره، وجعل موقف الإمامیة متطابقاً مع المعتزلة في عدم الكون
الرزق المقسوم من الحرام بل يختص بالحلال. ونقل أدلة المعتزلة على موقفھم ذلك من ظواھر الآيات والأخبار،
وظاھر كلمة الرزق حیث تكون ھذه الأمور مصدر الاحتجاج للطرفین. واختار رحمه االله موقف المعتزلة، لأنه موافق
مع المذھب المشھور للإمامیة، وارتضى براھینھم على ذلك، ولكن لابد من معرفة أن ھذه المسألة من فروع
بحث الجبر والتفويض الذي لا يتوافق مذھب الإمامیة فیه مع كل واحد من المعتزلة والأشاعرة، بل أن كلام
المعتزلة أوھى وأوھن من كلام الأشاعرة. وإذا نزع بعض المتكلمین من الإمامیة رضوان االله تعالى علیھم نحو رأي
المعتزلة، فإنه نتیجة الغفلة عن حقیقة الحال والمآل. وقد قلنا قبل قلیل بأن مسألة الجبر والتفويض المطروح على
بساط أبحاث معظم العلماء لا يزال غامضاً لدى الفريقین ولم يتطرّق إلیه حسب مقايیس علمیة صحیحة. ولھذا لا
يجد العلماء غالباً ارتباطاً بین ھذه المسألة وبحث الجبر والتفويض، مع أنه من النقاط الدقیقة جداً. ومجمل القول
أنه إذا ارتأى الأشاعرة بأن الحلال والحرام من الرزق المقسوم انطلاقاً من التزامھم بالجبر، أو المعتزلة بأن الحرام
لیس من الرزق المقسوم لإيمانھم بالتفويض، لكان كلا المذھبین باطلاً، وقد ثبت فساده في محلّه. ونحن على
ضوء المبادئ الثابتة لدينا بالدلیل والبرھان نؤمن بأن الحلال والحرام من الرزق المقسوم من قبل الحق المتعالي،
كما نرى الآثام بتقدير من االله وقضائه من دون أن يستلزم ذلك الجبر والفساد. وقد آلینا (وحیث أن االله سبحانه ھو
الذي يدبر الأمور، قمنا بدراسة مختصرة لھذه المسألة في شرح حديث التاسع والثلاثین عرفت االله بفسخ الغرائم
ونقض الھمم (منه عفى عنه). ) على أنفسنا أن لا نغور في الأبحاث العلمیة التي لا نعرف شیئاً عن مغزاھا 
٢٤١
الحقیقي. مضافاً على أن ھذا الكتاب لا يكون في مستوى عرض الأدلة والبراھین على المواقف المختارة. ولھذا
نقتنع بھذه الإشارة. واالله الھادي. كما أن المرحوم المحدث المجلسي أورد أيضاً في نھاية شرحه لھذا الحديث في
كتابه مرآة العقول بحثاً آخر ھو أنه يجب على االله أن يرزق عباده بصورة مطلقة، أو عندما يسعى العبد في سبیل
تحصیله وكسبه؟ إن ھذا بحث يتناسب مع المبادئ التي يؤمن بھا علماء الكلام، ولابد من اتخاذ طريقة أخرى في
كافة ھذه الأبحاث عندما تعالج على أساس البراھین والمقايیس الفلسفیة. والأولى ترك الكلام في أمثال ھذه
الأبحاث التي لا تجدي نفعاً تاماً. وقد أسفلنا الإشارة إلى أن تقسیم الأرزاق على ضوء القضاء الإلھي، لا تتنافى
مع السعي والجھد في طلب الرزق.
فصل: الراحة في الیقین والقلق في الشك
في بیان أن الحق المتعالي قد جعل الرَوْحَ والراحة في الیقین والرضا، والھمّ والحزن في الشك والسخط، وذلك
على أساس القسط والعدل. ولا بد أن نعرف أن الرَوْحَ والراحة في ھذا الحديث الشريف، وكذلك الھمّ والحزن تعود
إلى الأمور الدنیوية وكسب العیش، وطلب الرزق، نتیجة وقوعھا إثر تقدير الأرزاق وتقسیمھا. وإن كان إراجعھما
إلى الأمور الأخروية على أساس بیان آخر، أيضاً صحیحاً. ونحن نكون فعلاً بصدد بیان ھذا الحديث الشريف. وعلیه
إعلم أن الإنسان الذي يعتقد بالحق وتقديره اعتقاداً يقینیاً، ويعتمد على الركن الركین الذي يتمتع بالقدرة
المطلقة، والذي يقرر الأمور بأسرھا على ضوء المصالح الغیبیة، والذي له الرحمة الكاملة المطلقة والجود المطلق،
من المعلوم أن مثل ھذا الیقین. تتذلل الصعاب عنده وتھون أمامه المصائب، ويختلف كثیراً في طلبه للمعیشته
عن أھل الدنیا وأھل الشك والشرك. إن الذين يعتمدون على الأسباب الظاھرية، يعیشون دائماً عند طلب الرزق
في حالة من القلق والاضطراب، ولو اصطدموا بمشكلة، لعظمت عندھم وضاقت الحیاة في أعینھم لأنھم لا
يجدونھا محفوفة بالمصالح الغیبیة التي يعلمھا االله ويجھلھا الإنسان. وخلاصة الكلام إن من يرى سعادته، في
تحصیل ھذه الدنیا، يواجه في طلبه ھذا الآلام والعَناء، وتُسلب عنه الراحة والبھجة، وتستنزف قواه وطاقاته في
ھذا الطلب. كما نرى أن أھل الدنیا دائماً في تعب ونصب، وأنھم لم يتمتعوا باطمئنان في الروح واستقرار في
الجسم، وإذا حلّت بھم مصیبة، خارت قواھم وحیويتھم وزال جلدھم وصبرھم أمام الحوادث التي تداھمھم. وھذا
لا يكون إلاّ نتیجة شكھم وعدم إيمانھم بالقضاء الإلھي وعدله، فتكون ھذه الأمور من الحزن والھم والتعب. نتیجة
لھذا التزلزل. وقد سبق منا شرح مسھب في ھذا الموضوع، ولھذا لا ينبغي تكراره. وأما بیان ترتب الروح والراحة
على الیقین والرضا، وترتب الھمّ والحزن على الشك والسخط، من الجعل الإلھي، وإن ھذا الجعل يكون عادلاً، فھو
متوقف على بیان تطرق فاعلّیة الحق المتعالي في جمیع مراتب الوجود من دون أن يستلزم جبراً باطلاً
ومستحیلاً، وعلى بیان البرھان اللمي ـ الاستدلال من المعلول على العلة ـ من أن نظام الوجود أتم وأكمل نظام
متصور. وھذان الأمران خارجان عن وظیفة ودور ھذا الكتاب وَالحمد الله أوّلاً وآخراً.
الحَديث الثَالِث وَالثَلاثون: ولاية أھل البیت علیھم السلام
بالسَّند المتَّصل إلى الشّیخ الأقدم محمّد بن يعقوب الكلینيّ ـ رضوان االله علیه ـ عن أحمد بن محمّد، عن
الحسین بن سعید، عمَّن ذكره، عن عبید بن زرارةَ، عن محمَّد بن مارد قال: قُلْتُ لِأبي عَبْدِ االلهِ علیه السّلام:
«حَديثٌ رُويَ لَنا أنَّكَ قُلْتَ: إذا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ ما شِئْتَ، فَقالَ: قَدْ قُلْتُ ذلِكَ، قالَ: قُلْتُ: وَإنْ زَنَوْا وَإنْ سَرَقُوا وَإنْ
شَرِبُوا الْخَمْرَ؟ فَقَالَ لي: إنّا لِلّهِ وَإنّا إلَیْهِ راجِعُونَ، وَااللهِ ما أنْصَفُونا أنْ نَكُونَ أُخِذْنا بِالْعَمَلِ وَوُضِعَ عَنْھُمْ! إنَّما قُلْتُ: إذا
٦٦٩ عَرَفْتَ فَاعْمَلْ ما شِئْتَ مِنْ قَلیلِ الْخَیْرِ وَكَثِیرِهِ فَإنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ»
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 21   الثلاثاء يناير 09, 2018 4:49 pm

الشرح:
«حديثٌ» مبتدأ ومسند إلیه «رُوِيَ» خبره ومسند و«أَنَّكَ» بفتح الھمزة، خبر لمبتدأ محذوف أي ھو أَنَّك. قوله
«إذا عَرَفْتَ» أن المقصود من المعرفة في ھذا الحديث ھو معرفة الإمام علیه الصلاة والسلام. «قالَ: قُلْتُ» يحتمل
أن تكون التاء مضمونة فتكون للمتكلم لوحده. ويحتمل أن تكون مفتوحة فتكون الكلمة للخطاب. «وإنْ زَنَوْا» إنّ
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب أن الإيمان لا يضر معه سیئة، ح٥ .(٦٦٩
٢٤٢
كلمة إن وصلیة أي إذا عرفوا فلیعملوا ما شاؤوا وإن كان من الكبائر. قوله علیه السّلام «إنّا لِلّهِ» إن ھذه الكلمة
تسمى بكلمة الاسترجاع، وتقال لدى شدّة المصیبة وعظم الخطب. وحیث أن ھذا الافتراء أو سوء الفھم، يعدّ من
المصائب الكبیرة، استرجع الإمام حتى يثبت منتھى بُعْدُه عنھا. قوله علیه السلام: أنْ نَكُونَ أي في أن نكون
بمعنى أنھم لم ينصفونا في أن نكون مكلفین ومأخوذين على التكالیف، وھم لأجل عقیدتھم فینا لم يكلفوا ولم
يؤخذوا على أعمالھم. ثم ذكر علیه السّلام مغزى كلامه من أن الولاية شرط في قبول الأفعال. كما سیأتي
الإشارة إلیه إن شاء االله تعالى.
فصل: في الجمع بین الأخبار التي تحثّ على العبادة وترك المعصیة
وبعض الأخبار التي تخالف الأحاديث الأولى ظاھراً إعلم أن من يراجع الأخبار المأثورة في ترجمة حیاة الرسول
الأكرم صلّى االله علیه وآله وسلم وأئمة الھدى علیھم السّلام، وكیفیة عبادتھم وبذلھم الجھد فیھا، وفي تضرعھم
وبكائھم وذلھم ومسكنتھم وخشیتھم وحزنھم أمام ساحة قدس رب العزّة، وفي كیفیة مناجاتھم بین يدي قاضي
الحاجات لوجدھا أوسع من التواتر وأكثر من المئات. وھكذا إذا راجع وصايا الرسول صلّى االله علیه وآله وسلم
للإمام أمیر المؤمنین علیه السّلام، ووصايا الأئمة بعضھم لبعض، ووصاياھم للخواصّ من شیعتھم، والخُلّص من
موالیھم، ووصاياھم البلیغة جداً التي كانوا يوصون بھا محبیھم، ويحذرونھم من معصیة االله تعالى والتأكید علیھم
في الإبتعاد عن مخالفة االله سبحانه في أصول الأحكام وفروعھا، المدّونة في كتب الأخبار، إذا راجع تلك الأحاديث
وھذه الوصايا، لحصل له علم قطعي بأن بعض الروايات التي يتنافى ظاھرھا مع تلك الأحاديث لم يكن ھذا الظاھر
مقصوداً، فإن أمكن تأويل ھذه الأخبار بصورة لا تتضارب مع تلك الأحاديث الصريحة القطعیة التي تعتبر من ضروريات
الدين، لأخذنا بالتأويل. وإذا أمكن الجمع بین ھاتین الطائفتین على أساس الجمع العرفي بین الروايات، لقمنا بھذا
الجمع، وإن لم يمكن التأويل ولا الجمع العرفي، أرجعنا علمھا إلى قائلھا. ونحن لا نستطیع في ھذا الكتاب أن
نستعرض جمیع تلك الأخبار أو عُشراً من أعشارھا ونبین كیفیة التوفیق والجمع بینھا، ولكننا نضطر لذكر بعض
الروايات من الطائفتین حتى تتضح حقیقة الحال. الكافي: بإسناده عن أبي عبد االله علیه السّلام قال: «شیعَتُنا
[ھُم] الشّاحِبُون الذّابِلُونَ النّاحِلُونَ الَّذِينَ إذا جَنَّھُمُ اللَّیْلُ اسْتَقْبَلوهُ بِحُزْنٍ»
والروايات الني تتحدث بھذا المضمون ٦٧٠
والتي تستعرض علامات الشیعة كثیرة. وعنه، عن المفضَّل قال: قال أبو عبد االله علیه السّلام: «إيّاك وَالسَّفْلَةَ
فَإنَّما شیعَةُ عَلِيٍّ علیه السّلام مَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ وَاشْتَدَّ جِھادُهُ وَعَمِلَ لِخالِقِهِ وَرَجا ثَوابَهُ وَخافَ عِقابَهُ، فَإذا
. وعن الأمالي للحسن بن محمَّد الطوسيّ شیخ الطائفة ـ رحمة االله ـ بإسناده ٦٧١ رَأَيْتَ أَولئِكَ فَأُولئِكَ شیعَةُ جَعْفَرٍ»
عن الرِّضا علیه السّلام عن أبیه، عن جدِّه، عن أبي جعفر علیه السّلام، أنَّهُ قالَ لِخَیْثَمَةَ: «أبْلِغْ شِیعَتَنا، أنّا لا
نُغْني مِنَ االله شیئاً، وَأَبْلِغْ شیعَتَنا أَنَّهُ لا يُنالُ ما عِنْدَ االلهِ إلاّ بِالْعَمَلِ، وَأبْلِغْ شَیْعَتَنا أنّ أعْظَمَ النّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ
٦٧٢ الْقِیامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلاً ثُمَّ خالفَهُ إلى غَیْرِهِ، وَأَبْلِغْ شیعَتَنا أَنَّھُمْ إذا قامُوا بِما أُمِرُوا أنَّھُمْ ھُمُ الْفائِزُونَ يَوْمَ الْقِیامَةِ»
٦٧٣ الكافي: بإسناده عن أبي جعفر علیه السّلام قالَ: «لا تَذْھَبْ بِكُمُ الْمَذاھِبُ، فَوَااللهِ ما شیعَتُنا إلاّ مَنْ أَطَاعَ االلهَ»
وبإسناده عن جابر، عن أبي جعفر علیه السّلام قال: قال لي: «يا جابِرُ أيَكْتَفي مَنْ يَنْتَحِلُ التَّشَیُّعَ أنْ يَقولَ بِحُبِّنا
أھْلَ الْبَیْتِ؟ فَوَااللهِ ما شیعَتُنا إلاّ مَنِ اتَّقى االلهَ وَأطاعَهُ ـ إلى أن قال: فاتَّقوا االلهَ وَاعْمَلُوا لِما عِنْدَ االلهِ، لَیْسَ بَیْنَ االلهِ
وَلا بَیْنَ أحَدٍ قَرابةٌ، أحَبُّ الْعِبَادِ إلَى االلهِ تَعالى وَأكْرَمُھُمْ عَلَیْهِ أتْقاھُمْ وَأعْمَلُھُمْ بِطاعَتِهِ. يا جابِرُ وَااللهِ ما نَتَقَرَّبُ إلَى
االلهِ تَعالى إلاّ بِالطاعَةِ، ما مَعَنا بَراءَةٌ مِنَ النّارِ وَلا عَلَى االلهِ لِأحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ، مَنْ كانَ لِلّهِ مُطیعاً فَھُوَ لَنا وَليٌّ، وَمَنْ
. وفي الكافي عن أبي جعفر علیه السلام قال: ٦٧٤ كانَ لِلّهِ عاصیاً فَھُوَ لَنا عَدُوٌّ، وما تُنالُ وِلايَتُنا إلاّ بِالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ»
«يا مَعشَرَ الشِّیعَة ـ شِیعَة آل مُحَّمدٍ ـ كُونُوا اَلْنَمْرِقَة اَلْوُسْطى يَرْجِعُ إِلْیكُمُ اَلْغالِي وَيَلْحَقُ بِكُمُ اَلْتَالِي فَقالَ لَهُ رَجُلٌ
مِنَ الأَنْصارِ يُقالُ لَهُ سَعْدٌ جُعْلتُ فَداكَ مَا الغالي؟ قَال قَوْمٌ يَقوُلُونَ فِینا ما لاَ نَقوُلُهُ في أَنْفُسِنا فَلَیْسَ أَوْلئِك منّا
(الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته، ح ٧ .(٦٧٠
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته، ح ٩ .(٦٧١
(أمالي الطوسي، المجلد ١ ،ص ٣٨٠ .(٦٧٢
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح ١ و٣ (٦٧٣
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح ٦ .(٦٧٤
٢٤٣
وَلَسْنا مِنْھُمْ. قَالَ فَمَا الْتالي؟ قال اَلْمُرْتادُ يُرُيدُ الْخَیْر يُبَلِّغُهُ الْخَیرَ عَلَیِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَیْنا فَقالَ وَااللهِ ما مَعَنا مِنَ االله بَراءَةٌ
وَلا بَیْنَنَا وَبَیْنَ االلهِ قَرابَةٌ وَلا لَنا عَلَى االلهِ حُجَّةٌ وَلا نَتَقَرَّبُ إِلَى االلهِ إلاّ بِالطّاعَةِ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مُطیعاً لِلّهِ تَنْفَعَهُ
عَنْ أبي عُبیدة عن أبي ٦٧٥ وَلايتُنا، وَمَنْ كانَ مِنْكُمْ عاصِیاً لِلّهِ لَمْ تَنْفَعُهُ وِلايتُنا، وَيْحَكُمْ لا تَغْتَروُّا وَيْحَكُمْ لا تَغْترّوا»
جعفر علیه السلام قالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الصَّفا فَقالَ يا بَني ھاشِمَ يا بني عَبْدِ الْمُطْلِب إِنّي رِسُولُ اللَّهِ
إِلیْكُمْ وَإِني شَفِیقٌ عَلَیكُمْ وَإِنَّ لي عَمَلي وَلِكُلِّ رجُلٍ مِنْكُمْ عَمَلَهُ لا تَقوُلُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا وَسَنَدْخُلُ مَدْخَلَهُ فَلا وَااللهِ
ما أَوْلِیائي مِنْكُمْ وَلا مِنْ غَیْركُمْ يا بَني عَبْدِ الْمُطّلب إلاّ الْمتَّقُون إلاّ فَلا أَعْرِفُكُمْ يَوْمَ الْقِیامَةِ، تَأتُونَ تَحْمِلُون الْدُنیا
وفي حديث جابر عن أبي جعفر علیه السلام.. فَقالَ يا جَابِرُ لاَ ٦٧٦ عَلى ظُھورِكُمْ، وَيَأتُونَ النّاسِ يَحْمَلُونَ الآخِرة»
تَذْھَبُ بك المذاھبُ حَسْبَ الرَّجُلِ أن يقُولَ أُحِبُّ عَلَیّاً وَأْتَوَلاّهُ ثُمَّ لا يَكوُنُ مَعَ ذلك فَعَّالاً؟ فَلَوْ قَالَ إِنّي أُحِبُّ رَسُولَ
االله، فَرَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَیهِ وآلِهِ خَیرٌ مِنْ عَليّ عَلَیهِ السَّلام ثُمَّ لا يَتَّبعُ سِیرَتَهُ ولا يَعْمَلُ بِسُنّتِه ما نَفَعَهُ حُبّهُ
قال طاووس الفقیه: رأَيته ـ الإمام زين العبدين علیه السّلام ـ يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبّد، ٦٧٧ إيّاه شیئاً
فلمّا لم ير أحداً رمق السماء بطرفه، وقال: إلھي غارت نجوم سماواتك، وھجعت عیون أنامك، وأبوابك مفتّحات
للسائلین، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه جدِّي محمّد صلى االله علیه وآله وسلم في عرصات القیامة، ثمَّ
بكي وقال: وعزَّتك وجلالك ما أردت بمعصیتي مخالفتك، وما عصیتك إذ عصیتك وأنا بك شاكٌّ، ولا بنكالك جاھل، ولا
لعقوبتك متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليَّ، فالآن من عذابك من
يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي؟ فوا سوأتاه غدا من الوقوف بین يديك، إذا قیل للمخفّین
جُوزوا، وللمثقلین حطّوا، أمع المخفّین أجوز؟ أم مع المثقلین أحطّ؟ ويلي كلّما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب،
أما آن لي أن أستحي من ربّي؟! ثمّ بكى وأنشأ يقول: أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي ثمَّ أين محبّتي
أتیت بأعمال قباح زريّة وما في الورى خلق جنى كجنايتي ثمَّ بكى وقال: سبحانك تُعصي كأنك لا ترى وتحلم كأنّك
لم تعص تتودّد إلى خلقك بحسن الصنیع كأنَّ بك الحاجة إلیھم، وأنت يا سیّدي الغنيُّ عنھم ثمَّ خرَّ إلى الأَرض
ساجداً؟ قال: فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته على ركبتي وبكیت حتّى جرت دموعي على خدِّه، فاستوى
جالساً وقال: من الّذي شغلني عن ذكر ربّي؟ فقلت: أنا طاوس يا ابن رسول االله ما ھذا الجزع والفزع؟ ونحن
يلزمنا أن نفعل مثل ھذا ونحن عاصون جانون، أبوك الحسین بن عليّ وأُمّك فاطمة الزھراء، وجدُّك رسول االله صلّى
االله علیه وآله وسلم؟! قال: فالتفت إلى وقال: ھیھات ھیھات يا طاوس دع عنّي حديث أبي وأُمّي وجدِّي خلق
االله الجنّة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبداً حبشیّاً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشیّاً أما سمعت قوله
تعالى [فَإذا نُفخَ في الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَیْنَھُم يَومَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ] واالله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدِّمھا من عمل
ھذه بعض الأحاديث الشريفة الصريحة في أن ھذه الرغبات الكاذبة الموجودة فینا نحن أھل الدنیا وأھل ٦٧٨ صالح
المعصیة، تجاه ھذه الحیاة، فاسدة وباطلة، وتعتبر من الأھواء الشیطانیة، ومخالفة للعقل والنقل. وتنضم إلى تلك
الأحاديث، الآيات الكريمة القرآنیة مثل قوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَھِینَةٌ} (المدثر٣٨ .(وقوله تعالى: {فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَیْرًا يَرَه.، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرا يَرَه} (الزلزلة٨ .(وقوله تعالى: {لَھَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَیْھَا مَا
اكْتَسَبَت} (البقرة/٢٨٦ .(وغیرھا من الآيات الشريفة الموجودة في كل صفحة من الكتاب المجید التي تدّل على
أن الورع والعمل الصالح ھما الركیزتان لنجاة الإنسان ولا مجال لتأويل ھذه الأخبار والتصرّف فیھا لأن ذلك على
خلاف الضرورة. وتقابل ھذه الروايات، أحاديث أخرى مأثورة عن أھل البیت علیھم السّلام ومذكورة في الكتب
المعتبرة أيضاً ـ كما تأتي بعد قلیل ـ ولكن نستطیع أن نجمع بین معظم ھذه الروايات وتلك الأخبار بالجمع الصحیح
العرفي. وإذا لم يكن الجمع مقبولاً أيضاً ولم يمكن التأويل، فلا تستطیع ھذه الروايات من مقاومة تلك الأحاديث
الصحیحة الصريحة المتواترة المؤيدة بظاھر القرآن ونصوص الفرقان، والعقل السلیم، والضرورة البديھیة لدى
(روضة الكافي ـ ص ١٥٩ ح ٢٠٥ .(٦٧٥
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح ٦ .(٦٧٦
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب الطاعة والتقوى، ح٣ (٦٧٧
(بحار الأنوار، المجلد ٤٦ ،ص ٨٢ .(٦٧٨
٢٤٤
المسلمین على أن الأساس ھو العمل الصالح والورع. فَمِن تلك الأحاديث التي تقبل تلك الروايات ـ ما رواه ثقة
الإسلام الكلینيُّ بإسناده عن يوسفَ بن ثابت بن أبي سعدة، عن أبي عبد االله علیه السّلام قال: «الإيْمانُ لا يَضُرُّ
وھناك روايات أخرى بھذا المضمون. وقد فسّر المحدث الجلیل ٦٧٩ مَعَهُ عَمَلٌ وَكذلِكَ الْكُفْرُ لا يَنْفَعُ مَعَه عَمَل»
المجلسي علیه الرحمة، الضرر المنفي في ھذه المجموعة من الأخبار: (ما يَصِیر سَبَباً لِدُخول النّارِ أوِ الْخُلودِ
. انتھى. وإذا كان المقصود من الضرر المنفي دخول النار، فلا منافاة بین عدم دخول في النار حسب ھذه ٦٨٠ فِیھا)
الروايات، وتحقق أنواع أخرى من العذاب في عالم البرزخ والمواقف المختلفة في يوم القیامة. ويظن الكاتب بأنه
يمكن تفسیر ھذه الأخبار، بأن الإيمان ينّور القلب قلیلاً وفي درجة محدودة لو اقترف الإنسان خطیئة أو ذنباً عولج
ببركة ذلك النور وملكة الإيمان، الإثم وتلك الجريرة، بالتوبة والرجوع إلى االله، فإن صاحب الإيمان باالله والیوم الآخر،
لا يسمح لنفسه أن يترك أعماله إلى يوم القیامة. فھذه الأخبار في الحقیقة تحفز الإنسان على التمسك
بالإيمان، والمحافظة علیه. كما ورد في كتاب «الكافي» عن الصادق علیه السّلام قال: قال موسى للخضر علیه
. ومن ذلك ٦٨١ السّلام قَدْ تَحَرَّمْتَ بِصُحْبَتِكَ فَأَوْصِنيِ قالَ لَهُ الْزمْ ما لاَ يَضرُّك مَعَه شَيءٌ كَمَا لاَ يَنْفَعُكَ مَعَ غَیْرهِ شَيءٌ
ما رواه بإسناده عن محمَّد بن ريّان بن الصَّلْت، رَفَعَهُ عن أبي عبد االله علیه السّلام قال: «كانَ أمیرُ الْمُؤْمِنینَ علیه
السّلام كَثیراً ما يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: يا أيُّھَا النّاسُ دينَكُمْ دينَكُمْ، فَإنَّ السَّیِّئَةَ فیهِ خَیْرٌ مِنَ الْحَسَنَةِ في غَیْرِهِ،
ويدل ھذا الحديث الشريف وأمثاله من الأخبار التي ترغَّب على ٦٨٢ وَالسَّیِّئَةُ فِیهِ تُغْفَرُ وَالْحَسَنَةُ في غَیْرِهِ لا تُقْبَلُ»
ملازمة الديانة الحقة، على أن خطايا المؤمنین وذي الدين الحق، تؤول إلى المغفرة كما قال سبحانه وتعالى {إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعًا} (الزمر٥٣ .(ولھذا نستطیع أن نقول بأن سیئات المؤمنین أفضل من حسنات الآخرين التي
لا تقبل أبداً، بل لعلّ الحسنات التي لا تحتوي على شرائط القبول مثل الإيمان والولاية، تنطوي على ظلمات أكثر
من الظلمات الموجودة في سیئات المؤمنین الذين يعیشون في حال الخوف والرجاء نتیجة نور الإيمان المشعّ في
قلوبھم. وعلى أيّ حال لا يدّل ھذا الحديث على أن أھل الإيمان لا يحاسبون على سیئاتھم كما ھو الظاھر. ومن
الأحاديث المشھورة التي يقال أنّھا مشھورة بین الفريقین الحديث القائل: «حُبُّ عَليٍّ حَسَنَةٌ لا يَضُرُّ مَعَھا سَیِّئَةٌ،
وھذا الحديث الشريف من قبیل الأحاديث من قبیل الأحاديث المذكورة التي ٦٨٣ وَبُغْضُهُ سَیِّئَةٌ لا يَنْفَعْ مَعَھا حَسَنَةٌ»
وردت في الإيمان ومعناه أما ما ذكره المرحوم المجلسي في تلك الأخبار من أن المقصود من الضرر المنفي ھو
الخلود في النار أو الدخول فیھا، فیكون المعنى أن حبّ عليّ علیه السّلام الذي ھو أساس الإيمان وإكماله
وإتمامه يوجب بواسطة شفاعة الشافعین، التخلص من النار. وعلیه كما قلنا لا يتنافى ھذا الاحتمال مع ألوان
العذاب في عالم البرزخ. وقد ورد في ذلك عن الصادق علیه السلام (وَااللهِ ما أخافُ عَلَیْكُمْ إلاّ الْبَرْزْخَ فَأَمّا إِذا صَارَ
الأَمْرُ إِلیْنا فَنَحْنُ أَوْلى بِكُمْ). أو ما ذكرناه من أن حبّ الإمام علي علیه السلام يبعث على نور وإيمان يجنّبان
صاحبھما عن الآثام، ويدفعانه إلى التوبة والإنابة إذا إبتلى بالمعصیة من دون أن يفسح المجال أمامه للتمادي في
الغيّ والعصیان. ومن تلك الأحاديث، الأخبار الواردة في تفسیر الآيات الشريفة المذكورة في سورة الفرقان. قال
االله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَھًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِیَامَةِ وَيَخْلُدْ فِیهِ مُھَانًا.، إلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَیِّئَاتِھِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِیمًا} (الفرقان ٦٨ ،٦٩ ،٧٠ ..(ونحن نقتصر على ذكر واحدة من تلك الأخبار،
لأنھا جمیعاً متقاربة في المضمون والمعنى: عن الشیخ في أمالیه بإسناده عن محمَّد بن مسلم الثّقفي قال:
«سَأَلْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَليٍّ علیھما السّلام عَنْ قَول االله عَزَّ وَجَلَّ: «فَأولئِكَ يُبَدِّلُ االلهُ سیْئاتِھمْ حَسَناتٍ وَكَانَ
االلهُ غَفوراً رَحیماً» فقال علیه السّلام: يُؤْتى بِالْمُؤْمِنِ الْمُذْنِبِ يَوْمَ الْقیامَةِ حَتّى يُقامَ بِمَوْقفِ الحِسابِ، فَیَكُونُ االلهُ
تَعالى ھُوَ الَّذي يَتَوَلّى حِسابَهُ لا يُطْلعُ عَلى حِسابِهِ لا يُطْلعُ عَلى حِسابِهِ أَحَداً مِنَ لِلنّاسِ، فَیُعَرِّفُهُ ذُنوبَهُ حَتّى إذا
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب الإيمان لا يضر معه سیئة، ح ٤ .(٦٧٩
(مرآة العقول، المجلد ١١ ،ص ٣٩٦ .(٦٨٠
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،باب الإيمان والكفر، باب الإيمان لا يضر معه سیئة، ح ٢ ،٦ (٦٨١
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب الإيمان لا يضر معه سیئة، ح ٢ ،٦ .(٦٨٢
(كتاب مناقب ابن شھر آشوب، المجلد ٣ ،ص١٩٧ .(٦٨٣
٢٤٥
أقَرَّ بِسَیِّئاتِهِ قالَ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْكَتَبَةِ: بِدِّلوھا حَسَناتٍ وَأظْھروھا لِلنّاسِ، فَیَقُولُ النّاسُ حینَئِذٍ: ما كانَ لِھذا الْعَبْدِ
«والباعث على
سَیِّئَةٌ وَاحِدَةٌ! ثُمَّ يَأْمُرُ االلهُ بِهِ إلى الْجَنَّةِ، فَھذا تَأْويلُ الآيَةِ، وَھِيَ فِي الْمُذْنِبینَ مِنْ شیعَتِنا خاصَّةً٦٨٤
ذكر الآيات الكريمة بأسرھا وإطالة الكلام ھنا، ھو أن البحث مھمّ، وأنّ كثیراً من الخطباء قد شوھّوا معنى ھذه
الأخبار للناس، وأن ربط الخبر بالآية لا يكون مفھوماً إلاّ إذا ذكرنا الآية نفسھا فلھذا اعتذر من إطالة الممِّلة. ومن
يقرأ الآيات المذكورة الثلاثة من أولھا إلى آخرھا، يفھم بأن الناس جمیعاً مطوّقون بأعمالھم ويحاسبون على
قبائحھا، إلاّ الذين آمنوا، وتابوا من جرائرھم، وعملوا عملاً صالحاً فكل من توّفرت فیه ھذه الأمور الثلاثة، فاز
وشملته ألطاف االله سبحانه وأصبح مكرّماً أمام ساحة قدسه، فتتحول سیئاته وآثامه إلى حسنات. وقد فسّر
الإمام الباقر علیه السّلام الآية المباركة بھذا التفسیر أيضاً، وجعل كیفیة حساب ھؤلاء الأشخاص وموقفھم يوم
القیامة على الشكل الذي ذكرناه. ومن المعلوم أن ھذا الأمر يختص بشیعة أھل البیت، ويحرم عنه الناس
الآخرون. لأن الإيمان لا يحصل إلاّ بواسطة ولاية عليّ وأوصیائه من المعصومین الطاھرين علیھم السّلام، بل لا
يقبل الإيمان باالله ورسوله من دون الولاية، كما نذكر ذلك في الفصل التالي. إذن لا بد من اعتبار ھذه الآية
المباركة والأخبار التي وردت في تفسیرھا، من الطائفة الأولى من الروايات، لأنھا تدلّ على أن الشخص إذا كان
مؤمنا ولم يحاول القضاء على سیئاته بالتوبة والعمل الصالح لما شملته الآية الكريمة. فیا أيھا العزيز لا يغرّنك
الشیطان، ولا تخدعنّك الأھواء النفسیة، ومن المعلوم أن الإنسان الخامل المبتلي بالشھوات وحبّ الدنیا والجاه
والمال مثل الكاتب يبحث عن مبرّر على خموله، ويقبل على كل ما يوافق شھواته، ويدعم رغباته النفسیة
وأوھامه الشیطانیة، وينفتح بكل وجوده على مثل ھذه الأخبار، من دون أن يفحص عن مغزاھا، أو يتأمل في
الأخبار الأخر التي تعارضھا وتقابلھا. إن ھذا المسكین يظن أن مجرد إدعاء التشیع وحبّ التشیع وحبّ أھل بیت
الطھارة والعصمة، يسوّغ له ـ والعیاذ باالله ـ اقتراف كل محرّم من المحظورات الشرعیة، ويرفع عنه قلم التكلیف. إن
ھذا السيء الحظ لم ينتبه بأن الشیطان قد ألبس الأمر علیه، ويُخشى علیه في نھاية عمره إن تُسلب منه ھذه
المحبة الجوفاء التي لا تجدي ولا تنفع، ويحشر يوم القیامة صفر الیدين وفي صفوف نواصب أھل البیت علیھم
السلام. إن إدعاء المحبة من دون دلیل وبیّنة، لا يكون مقبولاً. إنه لا يمكن أن أكون صديقك وأضمر لك الحبّ
والإخلاص، وأقوم بكل ما ھو مناقض لرغباتك وأھدافك. إن شجرة المحبة تنتج وتثمر في الإنسان المحبّ، العمل
حسب درجة المحبّة ومستواھا، وإن لم تحمل تلك الشجرة ھذه الثمرة فلا بد من معرفة أنھا لم تكن محبة
حقیقیة وإنما ھي محبة وھمیة. إن النبي الأكرم وأھل بیته العظام صلوات االله علیھم، قد بذلوا حیاتھم في نشر
الأحكام الشرعیة والعقائد والأخلاق، وأرادوا في ذلك البلوغ إلى منشودھم الوحید وھو إبلاغ أحكام االله وإصلاح
الإنسان وتھذيبه، واستساغوا في ھذا السبیل الشريف أنواع السلب والقتل والإذلال والإھانة، ولم يتوانوا في
ذلك. فمحب أھل البیت، وشیعتھم، ھو الذي يشاركھم في أھدافھم، ويعمل على ضوء أخبارھم وآثارھم. إن ما
ذكر في الأخبار الشريفة من أن الإقرار باللسان والعمل بالأركان من دعائھم الإيمان، فھو بیان لسرّ طبیعي،
ولسنة االله الجارية، لأن حقیقة الإيمان، تلازم العمل والتنفیذ. إن العاشق في جوھر طبیعته، يظھر العشق تجاه
المعشوق ويتغزّل به، وإن المؤمن إذا لم يعمل بمتطلبات الإيمان وما تستدعیه محبة االله وأولیائه، لما كان مؤمنا
ومحبّاً. وإن ھذا الإيمان الشكلي والمحبّة الجوفاء، من دون جوھر ومضمون، ينتفي ويزول أمام حوادث بسیطة
وضغوط يسیرة، وينتقل ھذا المحبّ إلى دار جزاء الأعمال، صفر الیدين.
فصل: في بیان أن ولاية أھل البیت شرط لقبول الأعمال
إن ما مرّ في ذيل الحديث الشريف من أن ولاية أھل البیت ومعرفتھم شرط في قبول الأعمال، يعتبر من الأمور
المُسَلّمة، بل تكون من ضروريات مذھب التشیع، المقدس. وتكون الأخبار في ھذا الموضوع أكبر من طاقة مثل
ھذه الكتب المختصرة على استیعابھا، وأكثر من حجم التواتر. ويتبرك ھذا الكتاب بذكر بعض تلك الأخبار. عن
الكافي: بإسناده عن أبي جعفر علیه السّلام: قال «ذِرْوَةُ الأَمْرِ وَسَنامُهُ وَمِفْتاحُهُ وَبابُ الأشْیاءِ وَرِضَى الرَّحْمنِ
(كتاب أمالي الشیخ الطوسي، المجلد ١ ،ص ٧٠ .(٦٨٤
٢٤٦
الطّاعَةُ لِلإمامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ... أما لَوْ أنِّ رَجُلاً قامَ لَیْلَهُ وَصامَ نَھارَهُ وَتَصَدَّقَ بِجَمِیعَ مالِهِ وَحَجَّ جَمیعَ دَھْرِهِ وَلَمْ يَعْرِفْ
وِلايَةَ وَلِيِّ االلهِ فَیُوالِیَهُ وَتَكُونُ جَمیعُ أعْمالِهِ بِدَلالَتِهِ إلَیْهِ، ما كانَ له عَلَى االلهِ حقٌّ في ثَوابِهِ وَلا كانَ مِنْ أھْلِ
وبإسناده عَن أبي عبد االله علیه السّلام قال: «مَنْ لَمْ يَأْتِ االلهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقیامَةِ بِما أنْتُمْ عَلَیْهِ، لَمْ ٦٨٥ الإيْمانِ»
وبإسناده عن أبي عبد االله علیه السّلام في حديث قال: «وَااللهِ لَوْ أنَّ ٦٨٦ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ حَسَنَةٌ وَلَمْ يُتَجاوَزْ لَهُ سَیِّئَةٌ»
إبْلیسَ ـ لَعَنَهُ االلهُ ـ سَجَدَ لِلّهِ بَعْدَ الْمَعْصِیَةِ وَالتَّكَبُّرِ عُمْرَ الدُّنْیا مَا نَفَعَهُ ذلِكَ وَلا قَبِلَهُ االلهُ ما لَمْ يَسْجُدْ لآدَمَ كَما أمَرَهُ
االلهُ عَزَّ وَجَلَّ أنْ يَسْجُدْ لَهُ، وَكذلِكَ ھذِهِ الأُمَّةُ الْعاصِیَةُ الْمَفْتونَةُ بَعْدَ تَرْكِھِمُ الإمامَ الَّذي نَصَبَهُ نَبِیُّھُمْ لَھُمْ، فَلَنْ يَقْبَلَ
االلهُ لَھُمْ عَمَلاً وَلَنْ يَرْفَعَ لَھُمْ حَسَنَةً حَتّى يَأْتُوا االلهَ مِنْ حَیْثُ أمَرَھُمْ وَيَتَوَلَّوُا الإمام الَّذي أمَرَھُمُ االلهُ بِوِلايَتِهِ وَيَدْخُلُوا
والأخبار في ھذا الموضوع وبھذا المضمون كثیرة، ويستفاد ٦٨٧ مِنَ الْبابِ الَّذي فَتَحَهُ االلهُ وَرَسُولُهُ لَھُمْ ـ الحديث»
مجموعھا أن ولاية أھل البیت علیھم السّلام شرط في قبول الأعمال عند االله سبحانه، بل ھو شرط في قبول
الإيمان باالله والنبي الأكرم صلّى االله علیه وآله وسلم. ولا يستفاد كونھا شرطاً في صحة الأعمال كما يقول بذلك
بعض الأعلام، بل الظاھر أنھا لیست بشرط في صحة الأعمال. كما يستفاد ذلك من الروايات الكثیرة مثل الرواية
المذكورة في باب عدم وجوب قضاء المخالف عبادته إذا استبصر عن أبي عبد االله علیه السّلام ـ في حديث ـ قال:
(كُلَّ عَمَلٍ عَمَلهُ وَھُوَ في حالِ نُصْبِهِ وَضَلالَتِهِ، ثُمَّ مَنَّ االله عَلَیهِ وَعَرَّفَهُ الْولايةَ فَإنَّهُ يَؤخَرْ عَلَیهِ إلاّ الزَّكاة فَإنَّه يُعیدُھا،
وفي رواية أخرى ٦٨٨ لأنَّه وَضَعَھا في غَیرِ مَوْضِعِھا، لأنَّھا لأھْلِ الْولايَةِ، وأمّا الصَّلاةُ وَالْحَجُّ والْصِّیامُ فَلَیْسَ عَلَیهِ قَضاءٌ)
عن محمد بن حكیم قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبِي عَبْد االلهِ عَلَیه الْسّلامَ إذْ دَخَلَ عَلَیهِ كُوفیَّاِن كَانَا زَيديَّیْنِ فَقَالاَ إنّا كُنّا نَقوُلُ
بِقَولٍ وإِنَّ االله مَنَّ عَلَینَا بِولايتَكَ فَھَلْ يَقْبَلْ شَيءٌ مِنْ أعْمالِنَا فَقالَ أمّا الصَّلاةُ وَالصَّوْمُ والصَّدَقَةُ فَإنَّ االله يَتْبَعُكُمَا ذلِكَ
وفي بعض الروايات (تعرض أعمال ٦٨٩ وَيَلْحَقُ بِكُمَا وأمّا الزَّكَاةُ فَلا لأنَّكُمَا أبْعَدتُما حَقَّ امْرِءٍ مُسْلِم وَأعْطَیتُماهُ غَیرهُ
الناس في كل يوم خمیس على رسول االله صلّى االله علیه وآله، فیؤجل النظر فیھا حتى يوم عرفة، وفي ذلك
الیوم يلقي صلوات االله وسلامه علیه نظره علیه ويجعل أعماله ھباءاً منثوراً. قیل أعمال أيّ شخص تتحول كذلك؟
قال صلوات االله علیه أعمال مبغضینا ومبغضي شیئاً). وھذه الرواية تدلّ على أن الولاية شرط في صحة الأعمال
كما ھو واضح. وعلى أي حال يكون ھذا البحث خرجاً عن مسؤولیتنا والحمد الله أولاً وآخراً.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 21   الثلاثاء يناير 09, 2018 4:50 pm

الحَديث الرابع وَالثَلاثون: المؤمن
بالسَّند المتَّصل إلى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكلینيِّ ـ قدِّسَ سِرُّھـ عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن
محمَّد بن خالد، عن إسماعیل بن مھران، عن أبي سعید القمّاط، عن أبان بن تَغْلِبَ، عَن أبي جعفر علیه السّلام
قال: «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلّى االله علیه وآله وسلم قالَ: يا رَبِّ ما حالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ؟ قالَ: يا مُحَمَّدُ، مَنْ أھان لي
وَلِیّاً فَقَدْ بارَزَني بِالْمُحَارَبَةِ، وَأنَا أسْرَعُ شَيْءٍ إلى نُصْرَةِ أولیائي، وَما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أنَا فاعِلُهُ كَتَرَدُّدي في وفَاةِ
الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الموت وأكرهُ مَساءتَهُ. وَإنَّ مِنْ عِبادِيَ الْمُؤْمِنینَ مَنْ لا يُصْلِحُهُ إلاّ الْغِنى، وَلَوْ صَرَفْتُهُ إلى غَیْرِ ذلِكَ
لَھَلَكَ، وَإنَّ مِنْ عِبادِيَ الْمُؤْمِنینَ مَنْ لا يُصْلِحُهُ إلاَّ الْفَقْرُ، وَلَوْ صَرَفْتُهُ إلى غیر ذلِكَ لَھَلَكَ. وَمَا يَتَقَرَّبُ إلَيَّ عَبْدٌ مِنْ
عِبادي بِشَيْءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَیْهِ، وَإنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنافِلَةِ حَتّى أحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُه كُنْتُ إذاً سَمْعَهُ الَّذي
يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ بِهِ ولسانه الّذي ينطق بِهِ وَيَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِھا، إنْ دَعاني أَجَبْتُهُ، وَإنْ سَأَلَني
أعْطَیْتُهُ»
٦٩٠
.
الشرح:
«أُسْرِيَ» : فعل مجھول ومعناه، السیر في اللیل. قال الجوھري: «سَرَيْتُ سُرىً وَمَسْرىً وَأسْرَيْتَ بمعنى إذا
سِرْتَ لَیْلاً، وبالألِفِ لُغَةُ أھل الحجاز انتھى» فبناءً على أن الإسراء ھو السیر في اللیل، يكون تقییده باللیل في
(أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر باب دعائم الإسلام، ح٥ (٦٨٥
(وسائل الشیعة، الباب ٦٩ ،من أبواب مقدمة العبادات ح ٣ و٥ (٦٨٦
(وسائل الشیعة، الباب ٦٩ ،من أبواب مقدمة العبادات ح ٣ و٥ (٦٨٧
(وسائل الشیعة، الباب ٣١ ،من أبواب مقدمة العبادات ح ١ و٥ (٦٨٨
(وسائل الشیعة، الباب ٣١ ،من أبواب مقدمة العبادات ح ١ و٥ (٦٨٩
٦٩٠
أصول الكافي، المجلد ٢ ،كتاب الإيمان والكفر، باب من آذى المسلمین، ح ٨.
٢٤٧
لأجل إفھام الناس بأن فترة الإسراء كانت قصیرة مع أن ٦٩١ الآية الشريفة (سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَیْلاً)
المسافة بین المسجد الحرام والمسجد الأقصى تستغرق أربعین يوماً مشیاً على الأقدام كما قاله الشیخ
البھائي. وذلك إما بواسطة تنكیر «لَیْلاً». وإما من جھة تجريد (اللیل) من الألف واللام.
و «أُسْرِيَ بِالنَّبِيّ» لقد حذفت بقیة الأمور المرتبطة بالإسراء، لمعروفیتھا ومعھوديتھا فالمعنى: أُسْريَ بِه إلى
مَقامِ الْقُرْبِ، مثلاً.
قوله: «ما حالُ الْمُؤْمِنِ؟» معناه ما ھو شأن المؤمن وما ھي منزلته؟
قوله: «مَنْ أھانَ لي وَلِیّاً» إن أھانه: بمعنى اسْتَخَفَّ بِهِ، واسْتَھانَ بِهِ وَتَھاوَن فِیهِ: أي اسْتَحْقَرَهُ. يُقَالُ: رَجُلٌ
فیه مَھانَةٌ أيْ ذُلٌّ وَضَعْفٌ. والظاھر إن حرف الجار في كلمة ـ لي ـ يمكن أن يكون متعلقاً بفعل «أھان»، وعلیه
تكون إھانة المؤمن لإيمانه باللّه، ولأجل الحق المتعالي. ويمكن أن يتعلق بالـ «وليّ» وعلیه يكون المقصود ھو
إھانة المؤمن بأي ھدف كان. والـ (وَلِيّ) معناه المحب.
قوله: «بارَزَني» بَرَزَ الرَّجُلُ يَبْرُزُ بُروزاً: أيْ خَرَجَ. والمقصود ھنا من المبارزة بالمحاربة ھو الخروج للحرب أو
إظھاره.
قوله: «مَساءَتَهُ» مصدر میمي من ساءهُ أي أكرھه. قوله: «إنَّ مِنْ عِبادي مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إلاَّ الْغِنى» قال الشیخ
المحقق البھائي رحمه االله: (الصناعة النحوية تقتضي أن يكون الموصول اسم إن والجار والمجرور خبرھا، لكن لا
يخفى أنه لیس الغرض الإخبار عن أن الذي لا يصلحه إلا الفقر بعض العباد، بل الغرض العكس. فالأولى أن يجعل
الظرف اسم إن والموصول خبرھا، وھذا وإن كان خلاف ما ھو المتعارف بین القوم لكن جوّز بعضھم مثله في قوله
٦٩٢ تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْیَوْمِ الآخِرِ)
. انتھى كلامه.
٦٩٣
.
ولعل المبتدأ يكون محذوفاً في أمثال ھذه الموارد، ويكون داّلاً على حذف الجار، ولا يكون مثل ھذا الحذف
مخالفاً للقواعد النحوية. ونقل عن صاحب الكشاف (أن الجار والمجرور مبتدأ على معنى وبعض الناس أو بعض
منھم من اتصف بما ذكر فیكون مناط الفائدة تلك الأوصاف ولا إستبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدءاً)
ولكن لا نحتاج إلى التأويل بناءاً على ما ذكرنا. واعلم أن ذكر ھذه الجملة (إنَّ مِنْ عِبادِي مَنْ لا يُصْلِحُهُ إلاّ ٦٩٤
الْغِني) في ھذا المقام، لأجل إزالة الالتباس، والإجابة على السؤال الذي يمكن أن يطرح من قبل الناس الذين لا
يعرفون النظام الأتم، والقضاء الإلھي المكنون، وھو أن المؤمن إذا كان مقرّباً إلى ساحة الحق تعالى بدرجة تكون
إھانته، محاربة الله سبحانه فلماذا يبتلي بالفقر والحاجة؟ وإذا لم تكن الدنیا ذات قدر وشأن فلماذا يصبح بعض
منھم فیھا أغنیاء وأثرياء؟ فأجاب الحق سبحانه بأن الحالات النفسیة لعبادي مختلفة، وقلوبھم متغايرة، فبعضھم لا
يصیر صالحاً إلا في ظروف البؤس والفقر، فأُفقره حتى تصلح أحواله. وبعضھم يحتاج إلى الغِنى والثروة حتى يتحول
إلى مؤمن صالح، فأُغنیھم، وھاتان الحالتان من كرامة المؤمن وعزّة جاھه في ساحة قدس الحق تبارك وتعالى.
قوله «وَمَا يَتَقَرَّبُ إلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبادِيِ ـ الخ» إن ذكر ھذه الجملة والجملة التالیة لھا بیان لمقام قرب المؤمنین
الكُمّلین. فأنّ االله بیّن للرسول الأكرم صلّى االله علیه وآله وسلم، أحوال المؤمنین، مبتدئً ومختتماً على ھذا النحو
بأن ذكر إجمالاً حال المؤمنین بصورة مطلقة قائلاً (مَنْ أھانَھُمْ فَقَدْ بارَزَنِي بِالْمُحارَبَة) ثم يقسم المؤمنین إلى
طائفتین بل إلى ثلاث طوائف عند أھل المعرفة.
إحداھما المؤمنون بشكل عام حیث يتكلم الحديث عنھم في جملة «ما تَرَدَّدْتُ في أمْرٍ» حتى قوله «ما يَتَقَرَّبُ
إلَيَّ». والدلیل على أن ھذا الشطر من الحديث يكون فیھم، ھو أنھم يكرھون الموت وأن الغنى والفقر يعبثان
بقلوبھم، وھاتان الخاصیتان لا تعودان إلى الكملین من المؤمنین، وإنما ترجعان إلى المتعارف من أھل الإيمان.
٦٩١
سورة الإسراء، آية: ١.
سورة البقرة، آية: ٦٩٢
٦٩٣
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص٣٨٧.
٦٩٤
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص٣٨٨.
٢٤٨
على ظاھر ھذا الحديث القائل بأن المؤمن يكره الموت، المتضارب مع الأحاديث الشريفة ٦٩٥ وعلیه لا يرد اعتراض
الأخرى الظاھرة في أن المؤمن الخالص لا يكره الموت، حتى نحتاج إلى الجواب الذي نقله الشیخ المحقق
البھائي عن الشیخ الشھید رضوان االله تعالى علیھما. فمن يرغب في معرفة الجواب فلیراجع كتاب «الأربعون
٦٩٦ حديثاً» للشیخ البھائي
.
ثانیتھما: المؤمنون الكمّلون وقد تحدّث عنھم الحديث المذكور من قوله «ما يَتَقَرَّبُ إلَيَّ عَبْدٌ...» إلى آخر
الحديث. وقد قسم أھل المعرفة ھذا الشطر من الحديث إلى طائفتین: أحداھما المؤمنون الذين يتقربون إلى االله
وقد أشار ذيل الحديث إلى مقام المؤمنین، ونتائج ٦٩٧ بالفرائض. والأخرى: المؤمنون الذين يتقربون إلى االله بالنوافل
قربھم. ونحن بعون االله سنأتي على ذكر مقام كلتا الطائفتین بصورة مختصرة.
قوله: «يَبْطِشُ» يقول الجوھري: الْبَطْشَةُ: السَّطْوَةُ وَالأخْذُ بِالْعُنْفِ، وَقَدْ بَطَشَ بِهِ يَبْطشُ وَيَبْطُشُ بَطْشاً. وقد
أريد من ھذه الكلمة ھنا مطلق الأخذ بل الاستعمال المتعارف لھذه الكلمة حسب الظاھر، الأعم من الأخذ بالعنف
أو اللین.
تنبیه:
قال الشیخ المحقق البھائي برَّد االله مضجعه ھذا الحديث صحیح السند وھو من الأحاديث المشھورة بین
. وذكر رحمه االله في ھامش كتاب الأربعین أن علي بن ٦٩٨ الخاصة والعامة. وقد رووه في صحاحھم بأدنى تغییر
ابراھیم من «المجموعة» الواقعة في السند، وعلیه تكون الرواية صحیحة. وقد روى العامة ھذا الحديث بطريق
صحیح. ويعتبر ھذا الحديث من الأحاديث المشھورة المتفق علیھا لدى أھل الإسلام. انتھى.
فصل: في بیان التوجیھات المذكورة في نسبة التردّد والتحیر إلى الحق المتعالي
إننا قد بینا لدى شرح بعض الأحاديث السابقة، موضوع إھانة المؤمنین، فلا ضرورة في تكراره ھنا. فننتقل إلى
شرح بعض الجمل الأخرى.
إعلم أن العلماء قد وقفوا أمام نسبة التردد إلى الحق المتعالي الواردة في ھذا الحديث الشريف وكذلك أمام
ما ورد في أحاديث صحیحة بل في الكتاب الحكیم الإلھي من نسبة أمور أخرى إلیه سبحانه مثل البداء والامتحان،
إن العلماء قد وقفوا أمام ھذه النسب إلى الحق سبحانه وبدءوا بالتوجیه والتأويل، كل على ضوء مسلكه. وقد
أبدى الشیخ الأجل البھائي رضوان االله تعالى علیه في كتاب «الأربعین» احتمالات ثلاثة، نشیر إلیھا على نحو
الإيجاز والاختصار:
الأوّل: إن في الكلام إضماراً والتقدير لو جاز عليّ التردد ما تردّدت في شيءٍ كتردّدي في وفاة المؤمن.
الثاني: أنه لمّا جرت العادة بأن يتردّد الشخص في مساءة من يحترمه ويوقّره كالصديق الوفي، والخلّ الصفي
وأن لا يتردد في مساءة من لیس له عنده قَدَرَ ولا حرمة كالعدو والحیّة والعقرب، بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعھا
من غیر تردد ولا تأمل، صحّ أن يعبرّ بالتردّد والتأمل في مساءة الشيء عن توقیره واحترامه وبعدمھا عن إذلاله
واحتقاره فقوله سبحانه ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في وفاة المؤمن المراد به واالله أعلم: لیس لشيء
من مخلوقاتي عندي قدر وحرمة كقدر عبدي المؤمن وحرمته فالكلام من قبیل الاستعارة التمثیلیة.
تعرض الشیخ البھائي رحمه االله لھذا الموضوع عند تفسیره للحديث الخامس والثلاثین من كتابه الأربعین قال:ـ وھم وتنبیه قد يتوھم ٦٩٥
المنافاة بین ما دلّ علیه ھذا وأمثاله من أن المؤمن الخالص يكره الموت، ويرغب في الحیاة وبین ما ورد عن النبي صلى االله علیه وآله، من
أحب لقاء االله أحب االله لقاؤهُ، ومن كره لقاء االله كره االله لقاؤهُ، فإنه يدل بظاھره على أن المؤمن الحقیقي لا يكره الموت بل يرغب فیه، كما
نقل عن أمیر المؤمنین أنه كان يقول: إن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، وأنه قال حین ضربه ابن ملجم فزت ورب الكعبة، وقد
أجاب عنه شیخنا الشھید طاب ثراه في الذكرى فقال: إن حب لقاء االله غیر مقید بوقت، فحمل على حال الاحتضار ومعانیه وما يحب، كما روينا
عن الصادق علیه السلام. (المترجم).
تعرض الشیخ البھائي رحمه االله لھذا الموضوع عند تفسیره للحديث الخامس والثلاثین من كتابه الأربعین قال:ـ وھم وتنبیه قد يتوھم ٦٩٦
المنافاة بین ما دلّ علیه ھذا وأمثاله من أن المؤمن الخالص يكره الموت، ويرغب في الحیاة وبین ما ورد عن النبي صلى االله علیه وآله، من
أحب لقاء االله أحب االله لقاؤهُ، ومن كره لقاء االله كره االله لقاؤهُ، فإنه يدل بظاھره على أن المؤمن الحقیقي لا يكره الموت بل يرغب فیه، كما
نقل عن أمیر المؤمنین أنه كان يقول: إن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، وأنه قال حین ضربه ابن ملجم فزت ورب الكعبة، وقد
أجاب عنه شیخنا الشھید طاب ثراه في الذكرى فقال: إن حب لقاء االله غیر مقید بوقت، فحمل على حال الاحتضار ومعانیه وما يحب، كما روينا
عن الصادق علیه السلام. (المترجم).
مرآة العقول، المجلد ١٠ ـ وھو أن النوافل جمع نافلة وھي الأعمال الغیر واجبة مما يفعل لوجه االله سبحانه وأما تخصیصھا بالصلوات ٦٩٧
المندوبة فعرف طارئ.
٦٩٨ المرجع السابق في ص
.٦١٣
٢٤٩
الثالث: أنه قد ورد في الحديث من طرق الخاصة والعامة أن االله سبحانه يُظھر للعبد المؤمن عند الاحتضار من
اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراھة الموت، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فیقل تأذّيه
به ويصیر راضیاً بنزوله، راغباً في حصوله، فأشبھت ھذه الحالة معاملة من يريد أن يؤلم حبیبه ألماً يتعقبّه نفع
عظیم فھو يتردد في أنه كیف يوصل ذلك الألم إلیه على وجه يقل تأذيه به، فلا يزال يظھر له ما يرّغبه فیما يتعقبه
٦٩٩ من اللذة الجسمیة والراحة العظیمة إلى أن يتلقاه بالقبول، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول)
انتھى.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 21   الثلاثاء يناير 09, 2018 4:51 pm

توجیه عرفاني
وأما مسلك الحكماء والعرفاء في ھذا الموضوع وأمثاله، فیختلف عن المذاھب الأخرى. ونحن لأجل صعوبة فھم
مسلك الحكماء والعرفاء، لا نسترسل في ھذا الحديث عن ذلك ولا نذكر مقاماته، وإنما نعرض ما ھو قريب على
الاستیعاب والادراك وموافق للذوق. فنقول:
لا بد من معرفة أن جمیع مراتب الوجود، من منتھى قمة عالم الملكوت وذروة عالم الجبروت إلى أسفل
السافلین من عالم الظلمات والھیولى تكون مظاھر جمال الحق سبحانه وجلاله، ومراتب تجلیات الرب عز وجل،
وإن جمیع الكائنات غیر مستقلة في ذاتھا، وإنما ھي تعلق صرف، وربط محض، وعین الفقر والتدلّي بالذات
المقدس الحق، وإن الموجودات كافة مسخرات بأمر الحق، ومطیعات للأوامر الإلھیة. كما أن الآيات القرآنیة التي
. إن ھذا الإثبات والنفي ـ وما رمیت إذ ٧٠٠ أشارت إلى ذلك كثیرة. قال تعالى: (وَمَا رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)
رمیت ـ إشارة إلى مقام الأمر بین الأمرين، بمعنى أنك رمیت، وفي نفس الوقت أنك لم ترم بقدرتك المستقلة، بل
إنما حصل الرمي بواسطة ظھور قدرة الحق في مرآتك، ونفوذ قدرته في عالم مُلكك وملكوتك. فإذن أنت تكون
رامیاً، وفي نفس اللحظة يكون الحق جلّ وعلا رامیاً.
وتضاھي تلك الآية المجیدة، الآيات الشريفة المذكورة في سورة الكھف المباركة عند بیان قصة الخضر
وموسى علیھما السّلام: (أَمَّا السَّفِینَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِینَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِیبَھَا وَكَانَ وَرَاءَھُمْ مَلِكٌ
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَیْنِ فَخَشِینَا أَنْ يُرْھِقَھُمَا طُغْیَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَھُمَا رَبُّھُمَا
خَیْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَیْنِ يَتِیمَیْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَھُمَا وَكَانَ أَبُوھُمَا صَالِحًا
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّھُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَھُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَیْهِ
. فإن النبي الخضر علیه السّلام كشف أسرار عمله لموسى ونسب مورد العمل الناقص والمعیب إلى ٧٠١ صَبْرًا)
نفسه قائلاً «فَأردتُ أنْ أعِیبَھا» وفي مورد آخر، مورد الكمال نسب العمل إلى الحق سبحانه «فَأرَادَ ربّك أنْ يَبْلُغا»
وفي مورد ثالث نسب العمل إلى الطرفین قائلاً «فَأَردْنَا أنْ يُبْدِلَھُما رَبَّھُما» وكل ذلك يكون صحیحاً. ومن أمثال
. مع أن ملك الموت ھو المسئول ٧٠٢ الآيات المباركات قول االله تعالى حیث يقول : (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِھَا)
عن توفي النفوس.
. فاالله تعالى ھو الھادي والمضل. مع أن جبرائیل يكون ٧٠٣ وقوله تعالى: (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَھْدِي مَنْ يَشَاء)
. وإن الشیطان ٧٠٤ ھادياً، والرسول الأكرم صلى االله علیه وآله وسلم يكون ھادياً (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ ھَادٍ)
يكون مضلاً. وھكذا النفحة الإلھیة من صور إسرافیل إلى نفس النفخة الإسرافیلیة حیث توجد التعددية ـ نفحة
آلھیة ونفحة إسرافیلیة ـ من جھة والاشتراك والوحدة من جھة أخرى حیث أن الجمیع منه وإلیه.
فمن منظار لا يكون كلّ من إسرافیل وعزرائیل وجبرائیل ومحمد صلّى االله علیه وآله وسلم وكافّة الأنبیاء وكلّ
من ھو في دار التحقق، شیئا ـ وھذا ھو منظار الوحدة ـ فلا ينسب إلیھم أمراً، في مقابل مُلك المَلِك بشكل
٦٩٩
مرآة العقول، المجلد ١٠ ،ص ٣٨٤.
٧٠٠
سورة الانفال، آية: ١٧.
٧٠١
سورة الكھف، آية: ٧٩ ـ ٨٢.
٧٠٢
سورة الزمر، آية: ٤٢.
٧٠٣
سورة النمل، آية: ٩٣.
٧٠٤
سورة الرعد، آية: ٧.
٢٥٠
مطلقٍ، ومقابل إرادة الحق النافذة، إن جمیع الأشیاء مظاھر قدرة الحق وإرادته (وَھُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي
٧٠٥ الأَرْضِ إِلَهٌ وَھُوَ الْحَكِیمُ الْعَلِیمُ)
.
ومن منظار آخر وھو منظار الكثرة والانتباه إلى الأسباب والمسبّبات، تكون جمیع الأسباب صحیحة وذات دور
فاعل، ويكون النظام الكوني الأتم قائماً على أساس نظم وتنسیق بین الأسباب والمسببات، بحیث لو تعطل
سببٍ وواسطة في تسلسل الأسباب والوسائط في ھذا الكون لتوقفت عجلة الوجود، وإذا لم يرتبط الحادث
بالقديم، عبر الوسائط والأسباب المقررة، في مظانّھا ـ خاصة كتب العرفاء الشامخین وكتب صدر الحكماء
والفلاسفة وأفضل الحكماء الإسلامیین من كتب الفلاسفة ـ أدرك ھذا المشرب الإيماني العذب، وأدخله في مقام
قلبه، لانفتحت علیه ھذه الأبواب، ولعرف بأن ھذه النِسَبَ صحیحةٌ وحقیقة ولا يخامره التسامح والمجاز نھائیاً لدى
دراساته الدقیقة العرفانیة.
وعندما يرى بعض الملائكة الموكلین بنفوس المؤمنین وبقبض أرواحھم المقدسة، مقام المؤمنین لدى محضر
الحق المقدس المتعالي، ويرون من جانب آخر أن المؤمنین يكرھون الموت، انتابتھم حالة من التزلزل والتردد. وقد
نسب سبحانه ھذه الحال إلى نفسه (وَما تَرَدَّدتُ فِي شَيءٍ أنا فَاعُلُه كَتَردَّدي فِي وَفاةِ الْمُؤمِنِ). كما نسب إلى
نفسه التوفي، والھداية والإضلال. وَكما أن تلك النسب إلى الحق المتعالي صحیحة على مسلك العرفاء، تكون
نسبة التردّد إلیه عزّ وجلّ أيضاً صحیحة.
ولكن استیعاب ھذا المشرب يحتاج إلى قريحة حسنة ولطیفة، وذوق سلیم وااللهُ العالمُ الھادي.
ولا يخفى ـ ھذا الأمر الھام وھو: ـ أنه لما كانت حقیقة الوجود عین حقیقة الكمال وعین التمام، وإن النقائص
والعیوب لا تنسب إلى الحق المتعالي، ولا تكون مجعولة له ـ كما تقرر بالبرھان في محله ـ فكلما كان الفیض أقرب
إلى أفق الكمال وأبعد من الفتور والضعف، كان ارتباطه بالحق أتم، ونسبته إلى الذات المقدس أولى. وعلى
العكس كلما كانت ظلمات التعیّن والأَعدام أكثر، والقیود والحدود أوفر، كان الارتباط باالله أوھى، والانتساب إلیه
سبحانه أبعد.
ومن ھنا نرى بأن الشرع المجید ـ القرآن والسنة ـ كثیراً ما ينسب الفعل الإبداعي ـ الغیبي المجرد ـ إلى
الحق، في حین أن نسبة الأفعال المتجددة المُلكیةـ المادية الطبیعیة ـ إلى الحق المتعالي فیه قلیلة.
فإذا فرّقت عیون ثاقبة، وقلوب يقظة، بین الكامل والناقص والحسن والقبیح، والجمیل والبشع، استطاعت أن
تفھم حینذاك، رغم أن كل ما في عالم التحقق، تجلِّ فعلي للحق سبحانه، ومرتبط به، بأن كافة أعماله جمیلة
وكاملة ولا علاقة للنقائص والعیوب بذاته المقدس. وأما ما ھو الشائع على ألسنة الحكماء رضوان االله تعالى
علیھم ـ من إسناد النقص إلى االله ـ فھو انتساب بالعرض، حیث تروج مثل ھذه النسبة المجازية العرضیة في بداية
التعلیم وفي الفلسفة الشائعة بین المتعلمین.
وفي ھذا المستوى من العلم أخطاء والتباس يكون من الأولى غض الطرف عنھا.
والمقصود من بیان ھذا الأمر الأساسي المھم ھو:
أولاً: تفنید الكلمات الفاسدة التي يمكن أن تعترض على المقام من قبل جاھل عارٍ عن المعارف الإلھیة.
ثانیاً: بیان أن نسبة ھذا التردد والترجّح للدوافع والحوافز، الحاصل لدى بعض الملكوتیین، إلى الحق سبحانه
يكون أتمّاً، من نسبة الأمور الطبیعیة التي تحدث في ھذا العالم إلیه سبحانه.
وثالثاً: أن على الإنسان العارف بالحقائق، أن يحدّد جھة الكمال والنقص، في ھذا التردد، وترجح الدواعي،
فینسب الكمال إلى الحق، ويسلب عنه النقص.
٧٠٥
سورة الزخرف، آية: ٨٤.
٢٥١
تتمیم: في بیان توجیه آخر عن حديث التردد
وفي ھذا المقام توجیه آخر لھذا الحديث الشريف الذي ينسب التردد إلى الحق المتعالي، قد خطر على
فكري القاصر في سالف الأيام وھو:
إن العباد إما أن يكونوا عرفاء وأولیاء الله، وينخرطوا لدى سیرھم إلى االله، في سلك أصحاب القلوب، فیكونون
مجذوبین للحق، وتوّاقین لجماله الذي لا مثیل له ومستقبلین ذاته المقدس في كل تطلعاتھم وآمالھم ولا يلتفتون
إلى غیره سبحانه من العوالم، بل لا يفكرون في أنفسھم وكمالاتھم.
وأما ينغمرون في زخارف الدنیا ويغوصون في ظلمات حبّ الجاه والمال وتكون قلوبھم متجھة نحو الأنانیة والإنیة
من دون أن يعبأوا بالعالم الأقدس، ويأبھوا بالملكوت الأعلى وھم الملحدون في أسماء االله.
والطائفة الثالثة من المؤمنین ھم الذين ينتبھون إلى العالم الأرفع نتیجة نور إيمانھم، ويكرھون الموت لإِلتفاتھم
إلى ھذا العالم. وقد عبّر االله سبحانه عن ھذا التجاذب بین المُلك والملكوت، والغیب والمادة والآخرة والدنیا،
بالتردّد، ومن
المعلوم أن التردد قائم بطرفي القضیة. فكأنه يقول: لا يوجد في أي كائن من الموجودات ھذا التجاذب بین
المُلك والملكوت، بمثل ما ھو موجود لدى العبد المؤمن فمن ناحیة يكره الموت، لأنه قد وجّه وجھه إلى عالم
الملك والدنیا، ومن ناحیة أخرى تشدّه الجاذبة الإلھیة نحوھا، لإيصاله إلى كماله. فالحق المتعالي يكره إساءته
التي تساوي بقاؤه في عالم الطبیعة ويكره المؤمن الموت.
وأما الناس الآخرون فلا يكونون كذلك، حیث لا يكون لأولیاء االله الانجذاب نحو عالم المُلك والطبیعة، ولا يكون
للمنغمسین في الدنیا الانجذاب نحو عالم الملكوت والغیب.
وتكون نسبة ھذا التجاذب والتردد إلى الحق سبحانه على أساس ما ذكرناه في الوجه السابق ـ قبل ھذا
التتمیم ـ.
وللمحقق الكبیر والسید الجلیل المیر محمد باقر داماد وتلمیذه محمد بن ابراھیم المعروف بصدر المتألھین
أبحاث دقیقة يوجب ذكرھا التفصیل والإطالة.
فصل: في بیان أن الحق المتعالي يُصلح أحوال المؤمنین بالفقر والغناء وغیرھما
يفھم من ھذا الحديث الشريف القائل: «وَإنَّ مِنْ عِبادِي الْمُؤْمِنِینَ مَنْ لا يُصْلحُهُ إلاّ الْغِنى وَلَوْ صَرَفْتُهُ إلى غَیْر
ذلِكَ لَھَلَكَ، وَإنَّ مِنْ عِبادِي الْمُؤْمِنِینَ مَنْ لا يُصْلِحُه إلاّ الْفَقَرَ وَلَوْ صَرَفْتُه إلى غَیْرِ ذلِكَ لَھَلِكَ» إن كل ما يوفره الحق
سبحانه للمؤمنین من الغنى والفقر، والصحة والمرض والأمن والاضطراب وغیر ذلك، فھو لأجل إصلاح المؤمنین
وصیرورة قلوبھم الله سبحانه.
ولا يتنافى ھذا الحديث الشريف مع الأحاديث الأخرى الكثیرة الواردة في باب شدّة ابتلاء المؤمنین بالأسقام
والأوجاع والفقر والفاقة وكافة البلايا. لأن الحق المتعالي نتیجة لرحمته الواسعة وفضله العمیم، يعامل كل إنسان
حسب وضعه وظروفه حتى يكون الإنسان بعیداً من الدنیا. مَثَلَهَ في ذلك مَثل الطبیب الذي يعالج مرضاه لإبعادھم
عما لا يكون صالحاً لھم.
فقد يعطي لأحد ثروة، وفي الوقت نفسه يصیبه ببلايا أخر حسب شدة إيمانه
وضعفه، كماله ونقصه، بل أن ثروته وغناه تحفّ بمصائب ومحن تصرفه عن الدنیا وحبّھا. إن تكوين ھذا الشخص
يكون على شاكلة، لو كان فقیراً لأصبح من الھالكین بصورة دائمة، لأنه يرى السعادة في المال والجاه، وأَنَّ أھل
الدنیا ھم السعداء فیتوجه إلى الدنیا وينھمك فیھا، ولكنه لو تمكن من الدنیا، المحفوفة بالمكاره والآلام الخارجیة
والداخلیة لانصرف عنھا.
كان يقول أحد مشايخنا العظام: يحسب الإنسان أن في تعدد الزوجات دخولاً في الدنیا ورغبة فیھا، في حین
أن من الإبداع الفريد ھو أن الإنسان عندما يدخل ويبتلي بھا يخرج منھا وينصرف عنھا.
٢٥٢
فإذن قد يصیب االله المؤمنین بالفقر، لإصلاحھم ولإبعادھم عن الدنیا مع أنه سبحانه يسلّیھم ويھوّن علیھم
الفقر، وقد يُغْدِقُ علیھم الثراء والغنى ويتراءى للآخرين بأن الأثرياء في رفاه ورغد وبھجة وراحة، ولكنھم يعیشون
في محن وصعوبات وضیق. ولا منافاة في أن يكون أجر الفقراء المسلمین عند الحق المتعالي أكثر أيضاً. كما نفھم
من الروايات. وقد ذكرنا نبذة من ھذا الموضوع في شرح حديث من الأحاديث السابقة.
فصل: في بیان أن الفرائض والنوافل تُقرّب الإنسان من االله
وآثار ذلك حسب رأي أھل السلوك والعرفان اعلم أن للسالك إلى االله، والمھاجر من بیت النفس المظلم، إلى
الكعبة الحقیقیة، سفراً روحانیاً وسلوكاً عرفانیاً، حیث يكون مبدأ ھذه الرحلة بیت النفس والأنانیة، ومنازل ھذه
الرحلة مراتب التعیّنات الآفاقیة والأنفسیة والمُلكیة والملكوتیة التي عبر عنھا بالحجب النورانیة والظلمانیة «إنَّ لِلّه
سَبْعینَ ألْفَ حِجَابً مِنْ نُورً وَظُلْمَةٍ» أي أنوار الوجود، وظلمات التعین أو أنوار الملكوت وظلمات المُلك أو الظُلمة
الناتجة عن التعلقات النفسیة والأنوار الطاھرة الباعثة عن التعلّقات القلبیة. وقد يعبّر عن سبعین ألف حجاب من
نور وظلمة، بحجب سبعة بصورة مضغوطة كما ورد عن الأئمة الأطھار علیھم السّلام في التكبیرات الافتتاحیة
السبعة للصلاة
والتي تخرق كل تكبیرة حجاباً. وورد في السجود على التربة الحسینیّة المطھّرة، خرق للحجب السبع.
يقول العارف المشھور عطار النیسابوري: بیت شعر: ٧٠٦
جاب عطار مدن العشق السبعة * * * ولا نزال نحن في منعطف زقاق واحد
وعُبّر عن الحجب السبعة في الإنسان الصغیر باللطائف السبعة. وقد يخفضون عدد الحجب إلى ثلاث حجب
كلیة ويصطلحون علیھا في عالم الآفاق، بالعوالم الثلاث. وفي عالم الأنفس بالمراتب الثلاثة. وقد يعبّر عن الحجب
على أساس الحدود المتوسطة بألف منزل معروف لدى السالكین. وبمائة منزل حسب اعتبار آخر. وبعشرة منازل
على ضوء اعتبار ثالث. وقرّر الشیخ العارف الكامل الشاه آبادي دام ظله لكل منزل من منازل السائرين المائة، بیوتاً
عشرة ببیان بديع فیصیر المجموع ألف بیت. وإن إبراھیم خلیل الرحمن علیه السّلام قد أوجز ذلك السفر الروحاني
نحو الحق المتعالي الذي يقصه القرآن بمنازل ثلاثة: أحدھما الكوكب والآخر القمر والثالث الشمس.
وعلى أي حال إن مبدأ السفر الروحاني إلى االله سبحانه ھو بیت النفس المظلم. ومنازل ھذه الرحلة، المراتب
الآفاقیة والمراحل الأنفسیة. ونھاية ھذا السفر الذات الحق المقدس حیث يكون للإنسان الكامل في المرحلة
الأولى الذات مع جمیع الصفات والأسماء. وفي المرحلة الأخیرة الذات مضمحلاً فیه الأسماء والصفات. ولغیر
الإنسان الكامل الذات المقدس مع اسم وصفة وتعیّن من الأسماء والصفات والتعیّنات.
وبعد أن يطأ الإنسان السالك برِجْلِهِ على ھامة إنیته وأنانیته، ويغادر البیت المظلم ويتجاوز المنازل ومراحل
التعینات عند بحثه عن المقصد الأصلي وطلبه الله سبحانه ويطأ بقدمیه على رأس كل ذلك، ويخرق الحجب
الظلمانیة والنورانیة ويقطع آماله من كل الموجودات والكائنات، ويحطم الأصنام من كعبة قلبه بید قدرة ولايته،
وتغیب الكواكب والأقمار والشموس من أفق قلبه ويغدو قلبه إلھیاً ذا وجه واحدة من دون أن يعكر صفوھا التعلق
٧٠٧ بالغیر، ويبلغ مستوى (إِنِّي وَجَّھْتُ وَجْھِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض)
. ويفنى في الأسماء والذات والأفعال.
وبعد ھذه المراحل التي يجتازھا، ينسلخ عن نفسه ويحصل له المحو الكلي وتظھر له حالة الصعق، ويصیر الحق
المتعالي فیه فعّالاً. حیث يسمع بسمع الحق ويبصر بعین الحق ويبطش بید قدرة الحق وينطق بلسان الحق،
ويرى الحق ولا يرى غیره، ويتكلم بالحق دون غیره فیكون تجاه غیر الحق أعمى وأصم وأبكم وتجاه الحق بصیراً
وسمیعاً وناطقاً.
ولا يحصل ھذا المقام إلا مع الجذب الربوبي وجذوة نار العشق، حیث يتقرّب بھا إلى الحق بصورة مستمرة،
ويُسْعف بواسطة الجذبة الربوبیة التي تحصل إثر حبّ الذات المقدس، حتى لا ينزلق في وادي الحیرة، ولا يبتلي
عن أبي عبد االله الصادق علیه السّلام أنه قال: إن السجود على تربة أبي عبد االله علیه السّلام يخرق الحجب السبع (المترجم) ٧٠٦
وسائل الشیعة، المجلد ٣ ،باب ١٦ من أبواب ما يسجد علیه، ح ٣.
٧٠٧
سورة الأنعام، آية: ٧٩.
٢٥٣
بالشطحات وغیرھا التي تكون من رواسب الأنانیة. وقد أشیر إلى ھذين الأمرين في قوله «وَإنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ
بِالنّافِلَةِ حَتّى أُحِبَّهُ».
فإن تقرّب العبد إلى االله من آثار جذوة العشق. وأن الجذبة الإلھیة للحق سبحانه من نتائج الحب:
إذا لم تكن جذبة من طرف المعشوق * * * لما أفلحت مساعي العاشق المسكین
فیوجب التقرب بالنوافل، الفناء الكلي والاضمحلال المطلق والانصھار التام وتكون نتیجته «كُنْتُ سَمْعَهُ الّذِي
يَسْمَعُ بِهِ ـ إلخ» وبعد ھذا الفناء التام، والمحو الكلي، والمحق المطلق، والصعق التام، قد تشمله العناية الأزلیة
ويرجع إلیه وعیه، ويعیده إلى عالمه ويعتريه الصحو، وتحصل له حال الأنس والطمأنینة، وتنكشف له سُبُحات
الجمال والجلال، وفي ھذه الحال من الصحو تتجلى في مرآة الذات، الصفات وفیھا تنكشف الأعیان الثابتة
ولوازمھا، ويكون وضع أھل السلوك في ھذا المقام مثل المقام الأول في أن عینه الثابتة، تفنى في الاسم الذي
تتبعه، وتبقى معه وينكشف علیه حین الصحو الاسم نفسه والعین الثابتة التابعة لذلك الاسم.
إذن تنكشف عن الإنسان الكامل، المنطوي تحت الاسم الجامع الأعظم، مطلق الأعیان الثابتة مع لوازمھا أزلاً
وأبداً، وتنكشف له حالات الكائنات واستعداداتھا، وكیفیة سلوكھا وطريقة وصولھا وتلیق به زينة الخاتمیة والنبوة
الخاتمة اللتان تكوّنتا نتیجة الكشف المطلق، وتنكشف على بقیة الأنبیاء كل حسب مظھريته لإسم من الأسماء
الإلھیة، وحسب إحاطة وسعة ذلك الاسم، تنكشف، الأعیان التابعة لذلك الإسم، وتنطلق منھا سعة دائرة الدعوة
وضیقھا، والكمال والنقص، والأشرفیة وغیرھا، وتعود إلى التبعیة للأسماء الإلھیة. كما ذكرنا تفصیل ذلك في كتاب
«مصباح الھداية».
ومجمل الكلام، بعد أن يتحقق الصحو بعد المحو، يتحوّل وجوده إلى وجود حق، يرى الحق سبحانه في مرآة
جماله، الموجودات الأخرى، بل يتحول إلى موجود منسجم مع المشیئة. وإذا كان الإنسان كاملاً، انسجم مع
المشیئة المطلقة، وصارت روحانیته عین مقام الظھور الفعلي للحق عز وجل. وفي ھذه الصورة يرى به الحق
المتعالي ويسمع ويبطش، ويصیر ھو الإرادة النافذة للحق ومشیئته الكاملة، وعلمه الفعلي «فَالْحَقُّ يَسْمَعُ بِهِ
وَيُبْصِرُ بِهِ ـ إلى آخره»، «عَلِيٌّ عَیْنُ االلهِ وَسَمْعُ االلهِ وَجَنْبُ االلهِ» إلى غیر ذلك.
إذن إن التقرب بالفرائض يقود الإنسان إلى الصحو بعد المحو، وتكون ثماره ما سمعته.
ويجب أن يُعلم أن ھذا الصحو بعد المحو والعود إلى عالم الكثرة، تسمّى بالقرب، لأن ھذا الصحو بعد المحو،
يختلف عن حالة الغفلة التي نعیشھا، وأن الوقوع في عالم الكثرة بعد المحو، يغاير عالم كثرتنا الذي نعیش فیه
لأن ھذه الكثرة تكون حجاباً لنا عن وجه الحق، ومرآة المشاھدة لھم. «ما رَأيْتُ شَیْئاً إلاّ وَرَأَيْتُ االلهَ مَعَهُ وَفیهِ وَقَبْلَهُ
وَبَعْدَه».
ونستطیع أن نعتبر القرب الحاصل بالنوافل فناءاً إسمیاً، والقرب الحاصل بالفرائض، فناءاً ذاتیاً، وعلیه تكون
النتیجة للتقرب عن طريق الفرائض المحو المطلق.
ولیس من المناسب في ھذا المقام إطالة البحث أكثر من ذلك، كما أن ھذا القدر من الكلام، يكون خروجاً عن
طاقة استیعاب ھذا الكتاب.
فصل: في نقل كلام الشیخ الأجل البھائي رضي االله عنه
قال الشیخ الجلیل العارف البھائي رضوان االله تعالى علیه في كتاب (الأربعون) لدى شرحه لھذه الرواية
الشريفة: لأصحاب القلوب في ھذا المقام كلمات سَنیّة وإشارات سريّة وتلويحات ذوقیة تعطر مشام الأرواح
وتحیي رمیم الأشباح، لا يھتدي إلى معناھا ولا يطلع على مغزاھا إلا من أتعب بدنه في الرياضات، وعنّى نفسه
بالمجاھدات حتى ذاق مشربھم وعرف مطلبھم. وأمّا من لم يفھم تلك الرموز ولم يھتد إلى ھاتیك الكنوز لعكوفه
على الحظوظ الدنیة وإنھماكه في اللذات البدنیة، فھو عند سماع تلك الكلمات على خطرٍ عظیم من التردي في
غیاھب الإلحاد والوقوع في مھاوي الحلول والاتحاد. تعالى االله عن ذلك علواً كبیراً. ونحن نتكلم في ھذا المقام بما
يسھل تناوله على الإفھام. فنقول: ھذا مبالغة في القرب، وبیان لاستیلاء سلطان المحبّة على ظاھر العبد 
٢٥٤
وباطنه، وسرّه وعلانیته فالمراد واالله أعلم: إني إذا أحببت عبدي جذبته إلى محلّ الأنس وصرفته إلى عالم
القدس، وصیّرت فكره مستغرقاً في أسرار الملكوت وحواسّه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت، فیثبت حینئذٍ في
مقام القرب قدمه ويمتزج بالمحبة لحمه ودمه، إلى أن يغیب عن نفسه ويذھل عن حسّه فیتلاشى الأغیار من
نظره حتى أكون له بمنزلة سمعه وبصره كما قال من قال:
جُنوني فیك لا يَخْفى * * * ونَاري مِنكَ لا تَخْبُوُ
٧٠٨ فَأَنْتَ السّمع وَالأبصار * * * والأرْكَانُ وَالْقَلْبُ
في نقل كلام المحقق الطوسي
قال أفضل المتأخرين، وأكمل المتقدمین الخواجه نصیر الدين الطوسي قدس سرّه القدوسي (العارف إذا انقطع
عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجمیع المقدورات، وكل علم مستغرقاً في
علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنھا شيء من
الممكنات، بل كل وجود وكل كمال وجود فھو صادر عنه فائض من لدنه. فصار الحق حینئذٍ بصره الذي يبصر به
وسمعه الذي يسمع به وقدرته التي يفعل بھا وعلمه الذي يعلم به، وجوده الذي يجود به، فصار العارف حینئذً
٧٠٩ متخلقاً بأخلاق االله في الحقیقة) انتھى كلامه زيد في علو مقامه.
في نقل كلام المرحوم المجلسي
: ٧١٠ ولحضرة المحقق المجلسي في الموضوع كلام أيضاً ھو
أنه سبحانه أودع في بدن الإنسان وقلبه وروحه قوى ضعیفة ھي في معرض الانحلال والاختلال والانقضاء
والفناء، فإذا اكتفى بھا وصرفھا في شھوات النفس والھوى تفنى كلھا، ولا يبقى معه شيء منھا ومن ثمراتھا إلاّ
الحسرة والندامة. وإذا استعملھا في طاعة ربه وصرفھا في طاعة محبوبه أبدله االله خیراً منھا، وأقوى وأبقى تكون
. فمنھا قوة السمع إذا بذلھا في طاعة النفس والشیطان وما ٧١١ معه في الدنیا والعقبى (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)
يلھي عن الرحمن بطل سمعه الروحاني وھذا السمع الجسماني في معرض الفناء ولذا قال سبحانه فیھم (أَمْ
. فھم صمّ بكم عمي في الدنیا ٧١٢ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَھُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ ھُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ ھُمْ أَضَلُّ سَبِیلاً)
والآخرة فمثلھم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءاً ونداءاً فھم في الدنیا أيضاً كذلك، فإذا أبطل بالموت
حسّھم، لم يبق لھم إلاّ الضلال والوبال، وإذا صرفھا في طاعة ربه أبدله االله سمعاً كاملاً روحانیاً لا يذھب بالصمم
ولا بالموت فھو يسمع كلام الملائكة، ويصغي إلى خطاب الرب تعالى في الآخرة والأولى، ويفھم كلام االله وكلام
الأنبیاء والأوصیاء علیھم السّلام فما منحه االله تعالى، سمع قلبي روحاني لا يضعف بضعف البدن ولا يذھب بالموت
وبه يسمع في القبر الخطاب ويعد الجواب ويناديه الحبیب كما نادى الرسول صلّى االله علیه وآله وسلم أھل
القلیب.
وكذا أودع االله سبحانه حساً ضعیفاً في البصر فإذا صرفه في مشتھیات نفسه ذھب االله بنوره وأعمى عین
قلبه فھو في الآخرة أعمى وأضلّ سبیلاً، وإذا بذله في طاعة ربه نوّر االله عین قلبه، وأعطى بصره نوراً أعلى وأقوى
ينظر به إلى الملكوت الأعلى ويتوسّم في وجوه الخلق ما لا يعرف غیره، ويرى الملائكة الروحانیین كما قال النبي
صلّى االله علیه وآله وسلم (اتّقُوا فَراسَةَ الْمُؤْمنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ االله) وقال تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِینَ)
٧١٣

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 21
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: