{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 18

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 18   الثلاثاء يناير 09, 2018 9:55 am

وفي وصايا رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم لأبي ذر: يَا أبَا ذَرٍّ، وَيْلٌ لِلَّذي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ،
509 وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ
.
وبعد عرض ھذه الأخبار الشديدة والمنقولة عن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين
عليھم السلام، لا بد من الجرأة الكبيرة والشقاء المضاعف، حتى يقدم الإنسان على ھذا الأمر الخطير، والمعصية
الكبيرة. وكما أن الكذب قد عُدّ من المفاسد الخطيرة جداً، اعتبر صدق اللھجة والاستقامة في الحديث، مھمّاً جداً،
وأُثنى عليه في أخبار أھل البيت ثناءاً بليغاً. ونحن نكتفي بذكر بعضھا:
محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قال: كُونُوا دُعاةً لِلنّاسِ بِالخَيْرِ بِغَيْرِ ألْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا
510 مِنْكُمُ الاجْتِھَادَ وَالصِّدْقَ وَالوَرَعَ
.
وقال الصدوق رحمة االله بسنده إلى رسول االله قالَ: قالَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسلّم: إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِني
511 غداً وَأوْجَبَكُمْ علَّي شَفَاعَةً، أصْدَقَكُمْ لِسَاناً، وأدَّاكم لِلأمَانةِ وَأحْسَنَكُمْ خُلُقاً وَأقْرَبَكمُ ْمِنَ النَّاسِ
.
فصل: في حقيقة الورع ومراتبه
يتحدث ھذا الفصل عن الورع، وأنه قد عُدَّ من منازل السالكين والسائرين إلى االله سبحانه، وعُرِّف حسب ما
نقل العارف المعروف خواجة عبداالله الأنصاري «ھُوَ تَوَقٍّ مُسْتَقْصىً عَلَى حَذَرٍ أَوْ تَحَرُّجٌ عَلَى تَعْظِيمٍ». وھذا التعريف
يشمل كافة مراتبه، لأن للورع مراتب كثيرة: فورع العوام، الاجتناب عن الكبائر، وورع الخواصّ الابتعاد عن الشبھات
. وورع أھل الزھد الاجتناب عن 512 خشية الوقوع في المحرمات كما أشير إليه في حديث التثليث الشريف
المباحات للابتعاد عن وزرھا. وورع أھل السلوك ترك النظر إلى الدنيا لأجل الوصول إلى المقامات. وورع المجذوبين،
ترك المقامات لأجل الوصول إلى باب االله، ومشاھدة جمال االله. وورع الأولياء، الاجتناب عن التوجّه إلى الغايات.
ولكل واحدة من ھذه المراتب شرح لا يجدينا الإسھاب فيه. وما يجب أن نعرفه ھنا ھو:
أن الورع عن المحرّمات الإلھية يكون على أساس جميع الكمالات المعنوية، والمقامات الأخروية. ولا يحصل
لأحد مقامُ إلا عند الورع عن محرّمات االله. وإن القلب الذي لا يتحلّى بالورع، ليصدأ، وليبلغ به الأمر إلى مستوى لا
يُرجى له النجاة. إن الورع يوجب صفاء النفوس وجلائھا، وأنه يكون من أھمّ المنازل لدى العوام، ويعتبر من أفضل
505
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 138 ،باب تحريم الكذب، أبواب أحكام العشرة، ح 11 و12.
506
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140 ،باب تحريم الكذب في الصغير والكبير والجد والھزل عدا ما استثنى.
507
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 2.
508
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 11.
509
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة ح 4 ص 577.
510
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الآثار، ح 10.
511
أمالي الشيخ الصدوق المجلس 76 ص 411 طباعة الأعلى.
وسائل الشيعة، المجلد 18 ،الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح9 عن أبي عبد االله في حديث قال: وإنما الأمور ثلاثة أمر بين غيّة 512
فيجتنب وأمر مشكل يردّ علمه إلى االله وإلى رسوله قال رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلّم: حلال بيّن وحرام بيّن وشبھات بين ذلك فمن
ترك الشبھات نجا من المحرمات.
201
زاد المسافر نحو الآخرة. وقد ورد في فضله حسب أحاديث أھل بيت العصمة عليھم السّلام أكثر مما يسعه ھذا
الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعض ھذه الأحاديث. يرجع الباحث لأكثر من ذلك، إلى كتب الأخبار.
الكافي: بإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قالَ: أوصيكَ بِتَقْوَى االلهِ وَالْوَرَعِ وَالاجْتِھَادِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ
513 اجْتِھَادٌ لاَ وَرَعَ فِيهِ
.
وبھذا المضمون رواية أخرى أيضاً. وھذا شاھد على أن العبادات تتساقط عن الاعتبار، إذا كانت خالية من الورع.
ومن المعلوم أن الغاية المنشودة من العبادات التي ھي ترويض النفس، ولجمھا، وقھر الملكوت للمُلك والطبيعة،
لا تحصل إلاّ بواسطة الورع الشديد، والتقوى الكاملة.
ثم إن النفوس المدنسة بالمعصية، لا تقبل صورة ولا رسماً إلا بعد تنظيفھا من الكدر وتطھيرھا من القذارة،
حتى يتمكن الرسّام من الرسم فيھا. فالعبادات التي ھي الصور الكمالية للنفس، لا تنفع من دون صقلھا من غبار
المعصية، وإنما تكون صورة من دون لبّ وظاھراً من دون روح.
وبإسناده عن يزيدَ بنِ خَليفَةَ قالَ: وَعَظَنا أبو عبد االله عليه السّلام فَأَمَرَ وَزَھَّدَ ثُمَّ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالوَرَعِ فَإِنَّهُ لاَ
514 يُنالُ مَا عِنْدَ االلهِ إلاّ بِالوَرَعِ»
.
فبموجب ھذا الحديث الشريف، أن الإنسان الذي لا ورع له، يكون محروماً من الكرامات التي وعدھا االله لعباده.
وھذا الحرمان من أعظم الخذلان والشقاء. وفي الوسائل مسنداً إلى الإمام الباقر عليه السّلام في حديث: «لاَ
515 تُنالُ وِلاَيَتُنَا إِلاّ بِالعَمَلِ وَالوَرَعِ»
.
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق ثم (... قالَ يا عِيسى بن عَبْد االلهِ لَيْسَ مِنَّا وَلا كَرامَةُ مَنْ كانَ فِي مِصْرٍ فِيه
516 مائَةُ ألْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَكانَ في ذَلكَ المِصْر أحَدٌ أوْرَع مِنْه)
.
ولا بد من معرفة أن المقياس في كمال الورع على ضوء الروايات الشريفة، ھو الاجتناب عن محرمات االله، وأن
كل من يبتعد عن المحرمات الإلھية أكثر، يُعدّ من أروع الناس طراً. فينبغي أن لا يستغل الشيطان ھذا الموضوع ـ
ليس منا وفي مصر مائة ألف يوجد أحد أروع منه ـ ويعظمه، ويلقي اليأس في القلب، لأن من طبيعة ھذا الملعون
دفع الإنسان إلى الشقاء الأبدي من خلال اليأس، بأن يقول له في المقام مثلاً: كيف يمكن أن يكون أروع إنسان
في بلد يحتضن مائة ألف أو يزيدون من الناس؟ فإن ھذا من أساليب كيد ھذا اللعين، ووساوس النفس الأمارة.
ولكن جوابه ھو أن من ابتعد عن المحرمات الإلھية يندرج في ھذا الروايات، حسب ما يستفاد من الأحاديث
المباركة، ويعتبر من أورع الناس.
ثم إن الابتعاد عن المحرمات الإلھية، لا يستدعي جھداً جباراً، بل الإنسان مع قليل من الترويض النفسي
والعمل، يستطيع أن يترك جميع المحرمات، شريطة إرادته على أن يكون من أھل السعادة والنجاة، ومن أھل
الولاية للأئمة الأطھار وكرامة الحق المتعالى. وإذا لم يكن له صبر على المعصية، بھذا المقدار، لما تحقق له البعد
عن المعصية. أنه يجب أن يتمتع بقدر من الجلادة والإصرار والترويض النفسي.
تتميم: في بيان مفاسد الخيانة وحقيقة الأمانة
توجد في المقام نكتة لا بد من الإشارة إليھا، وھي أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم بعد أن أوصى
بالورع فرع عليه قائلا (وَلا تَجْتَرِىء عَلَى خِيانَةٍ أبَدَاً) مع أن الورع يكون عن كل المحرمات، أو يكون أعم من الخيانة،
وعليه لا بد من تَفسير الخيانة بمعنى أعم من التفاھم العرفي لھا، حتى تتطابق مع الورع، بأن نقول إن مطلق
المعصية أو اقتراف مطلق ما يمنع السير إلى االله خيانة، لأن التكاليف الإلھية أمانات للحق سبحانه كما ورد في
. الخ. حيث فسّر بعض المفسرين الأمانة بالتكاليف 517 الآية الكريمة (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
الإلھية، بل إن جميع الأعضاء، والجوارح والقوى، أمانات للحق المتعالى واستعمالھا على خلاف رضا الحق
513
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب الورع، ح11.
514
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب الورع، ح 3.
515
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،باب 21 من أبواب جھاد النفس ح17و11.
516
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،باب 21 من أبواب جھاد النفس ح17و11.
517
سورة الأحزاب، آية: 72.
202
سبحانه، خيانة، كما أن توجيه القلب إلى غير الحق يعدّ من الخيانة. بيت شعر: ھذه الروح التي أعارھا لي
الصديق الحميم سأرجعھا إليه في اليوم الذي أرى وجھه. أو أن المقصود من الخيانة نفس المعنى المتعارف،
ويكون وجه التخصيص بذكرھا لأجل شدة الاھتمام بالخيانة، فكأنّ الورع كل الورع ھو الابتعاد عن خيانة الأمانة.
ومن يرجع إلى أخبار المعصومين عليھم السّلام المأثورة في ردّ الأمانة والابتعاد عن الخيانة، لأدرك حجم
اھتمام الشارع المقدس بھذا الموضوع. ويضاف إلى ذلك ھو أنّ قبحھا الذاتي لا يخفى على أحد. وأنه يجب إخراج
الإنسان الخائن من المجتمع البشري، وإلحاقه بأرذل الشياطين. ومن المعلوم أن الإنسان الذي يشتھر بين الناس
بالخيانة، تضيق عليه الحياة وتصعب، حتى في ھذا العالم أيضاً.
إنّ البشر بصورة عامة يعيشون مع بعضھم البعض في ظلّ التعاون والتعاضد حياة سعيدة، ولا يمكن لأحد،
الحياة بصورة منفردة، إلاّ إذا غادر المجتمع البشري والتحق بالحيوانات الوحشية. ثم إن العجلة الكبيرة التي تدور
لتحريك الحياة الاجتماعية، ھي اعتماد الناس بعضھم على بعض، فإذا زال الاعتماد وتلاشت الثقة، لما تمكّن
الإنسان أن يعيش ھنيئاً رغيداً. إن الركيزة الأساسية للاعتماد المتبادل بين الناس قائمة على الأمانة وترك
الخيانة، فلا يحظى الخائن، بالاطمئنان لدى الناس ويعدّ مارقاً على المدينة وخارجاً عن العضوية للمجتمع البشري
وتكون عضويته مرفوضة لدى أصحاب المدينة الفاضلة. ومن الواضح أن مثل ھذا الإنسان يعيش حياة ضنك وفي
صعوبة بالغة.
ونحن لأجل تتميم الفائدة، نذكر في ھذا الباب بعض الأحاديث المنقولة عن أھل بيت العصمة عليھم السلام،
إذ تكتفي بھا القلوب الواعية، والأعين الباصرة.
محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبداالله عليه السّلام قال: لاَ تَنْظُرُوا إلى طولِ رُكوعِ الرَّجُلِ وَسُجُودِهِ فَإِنَّ ذلِكَ
.
شَيْءٌ اعْتَادَهُ فَلَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ لِذَلِكَ، وَلكِنِ انْظُرُوا إِلَى صِدْقِ حَدِيثِهِ وَأَدَاءِ أَمَانَتِهِ518
وبإسناده عن أبي كَھْمَسٍ قالَ: قُلْتُ لأبِي عَبْدُااللهِ عليه السّلام: عبَدْااللهُ بْنُ أبِي يَعْفورٍ يُقْرئُكَ السَّلاَمَ. قالَ:
«عَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلامُ، إذا أَتَيْتَ عَبْدَااللهِ فَأَقْرِئُهُ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ لَكَ، انْظُرْ مَا بَلَغَ بِهِ عَلِيٌّ
عِنْدَ رَسولِ اللِه صلّى االله عليه وآله وَسَلم فَالْزَمْهُ، فَإِنَّ عَلِياً عليه السّلام إِنَّما بَلَغَ بِهِ عِنْدَ رَسولِ االلهِ بِصِدْق
519 الحَديثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ»
.
فيا عزيزي: تدبّر في ھذا الحديث الشريف، وانظر إلى أن مقام صدق الحديث وأداء الأمانة دفعا بعلي بن أبي
طالب عليه السّلام إلى بلوغ ذلك المقام الرفيع.
ويفھم من ھذا الحديث أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم كان يحبّ ھاتين الخصلتين أكثر من غيرھما،
لأن ھاتين الصفتين من الصفات الكمالية لمولانا علي بن أبي طالب عليه السّلام قد بلغتا به ذلك المقام الرفيع،
وإن الإمام الصادق عليه السّلام قد أبدى اھتماماً بھاتين الصفتين أكثر من كل الأفعال والأوصاف، وذكّر عليه
السّلام ابن أبي يعفور الذي ھو من المخلصين والمقربين له عليه السّلام بھما خاصة.
وبإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قالَ أبو ذَرٍّ رَضي االلهُ عَنْهُ ـ سَمِعْتُ رَسُولَ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلم يَقُولُ: حافَّتا الصِّراط يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّحِمُ والأمانَةُ، فَإِذَا مَرَّ الوصولُ لِلرَّحِمِ المُؤَدِّي لِلأَمَانَةِ نَفَذَ إلَى الجَنَّةِ، وَإِذَا
520 مَرَّ الخَائِنُ لِلأَمَانَةِ القَطُوعُ لِلرَّحِمِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَھُمَا عَمَلٌ وَتَكْفَأُ بِهِ الصِّراطُ فِي النّار
.
فعلم بأن صورتي الرحم والأمانة في ذلك العالم تقفان على طرفي الطريق، وتعينان من يصل رحمه ويؤدي
أمانته، ومع تركھما لا يفيدنا أي عمل آخر وإنما بتركھا يھوي الإنسان في النار.
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «أَدُّوا الأمانَةَ وَلَوْ إِلَى قَاتِلِ وَلَدِ
الأَنْبِياءِ.
518
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الأمانة، ح12.
519
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الأمانة، ح5.
520
كتاب فروع الكافي، المجلد الخامس، باب أداء الأمانة، ح 3و 4.
203
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام في وصيَّتِهِ لَهُ: اعْلَمْ أنَّ ضَارِبَ عَلِيٍّ عليه السّلام بِالسَّيْفِ وَقَاتِلَهُ لَو
521 ائتَمَنَني وَاسْتَنْصَحَنِي وَاسْتَشَارَنِي ثُمَّ قَبِلْتُ ذلِك مِنْهُ لأَدَّيْتُ إِلَيْهِ الأَمَانَة
.
ومحمّد بن عليٍّ بن الحسين بإسناده عن أبي حمزة الثماليِّ قالَ: سَمِعْتُ سَيِّدَ العَابِدِينَ عَليَّ بنَ الحسينِ
بن أبي طالب عليه السّلام يَقُولُ لِشِيعَتِهِ: عَلَيْكُمْ بِأَدَاءِ الأَمَانَةِ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً صلّى االله عليه وآله وسلم
522 بِالحَقِّ نَبِيّاً لَوْ أَنَّ قَاتِلَ أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ عَلَيٍّ عليھما السّلام ائْتَمَنَني عَلَى السَّيْفِ الَّذِي قَتَلَهُ بِهِ لأَدَّيْتَهُ إِلَيْهِ»
.
وبإسناده عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عليھم السّلام عن النَّبيِّ صلّى االله عليه وآله وسلم في حديثِ
المَناھى أَنَّهُ نَھَى عَنِ الخِيَانَةِ وَقالَ: «مَنْ خَانَ أَمَانَةً فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَرُدَّھَا إِلَى أَھْلِھَا ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ مَاتَ عَلَى غَيْرِ
523 مِلَّتِي وَيَلْقَى االلهَ وَھُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ وَمِنَ اشْتَرَى خِيَانَةً وَھُوَ يَعْلَمُ فَھُوَ كَالَّذِي خَانَھَا»
.
وتوجد بھذا المضمون أحاديث أخرى مذكورة في كتب الأخبار. ويعرف الجميع مضاعفات سخط الذات المقدس
الحق وغضبه على البعد. كما أنه من المعلوم أن الشفعاء، لا يشفعون لمن ھو مغضوب عليه لدى الحق سبحانه.
وخاصة أن الخائن يكون خارجاً أيضاً عن أمة رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم. ففي حديث آخر (لَيْسَ مِنَّا مَنْ
وفي حديث ثالث عن النبيِّ صلّى االله عليه وآله وسلم مَنْ خَانَ أَمَانَة فِي الدُّنيَا وَلَمْ يَرُدّھا عَلَى 524 خَانَ مُؤمِناً)
أَھْلِھَا مَاتَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الإسلامِ وَلَقِيَ االلهَ وَھُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيَھَوى بِهِ فِي شَفِير جَھَنَّم أَبَد
525 الآبِدين
أعوذ باالله من ھذه الخطيئة.
ومن المعلوم أن خيانة المؤمنين تعمّ الخيانة المالية والخيانات الأخرى التي ھي أكبر من الخيانة المالية.
فيجب على الإنسان في ھذه الدنيا أن يراقب النفس الأمارة كثيراً، إذ ربما تقوم بعملية التعتيم للحقائق على
الإنسان وتذليل الصعوبات وتسھيلھا، مع أنھا توجب الشقاء الدائم والخذلان الأبدي.
ھذه ھي حالة الخيانة لعباد االله، ويتبين من ھنا أيضاً وضع الخائن لأمانة الحق المتعالي.
في الإشارة إلى بعض أمانات الحق
ولا بد من معرفة أن الحق تبارك وتعالى، قد وھبنا كافة القوى والأعضاء الظاھرية والباطنية، وبسط لنا بساط
الرحمة والنعمة في مملكتنا الظاھرية والباطنية، ووضعھا كلھا تحت قدرتنا لتسخيرھا، وائتمننا عليھا بلطفه
ورحمته، وھي ـ ھذه العطايا ـ طاھرة ونظيفة من كل القذارات الصورية والمعنوية وكذلك ما أنزل علينا من عالم
الغيب كان بعيداً عن الشوائب والعناصر الغريبة، فإذا أرجعنا ھذه الأمانات لدى لقائنا بالذات المقدس، من دون أن
تصير ممزوجة مع عالم المادة، وقذارات المُلك والدنيا، كُنَّا أُمناء على الأمانة التي أودعت عندنا، وإن لم نحافظ
على طھارة ھذه الأمانات، غدونا من الخائنين والخارجين عن الإسلام الحقيقي، وملّة رسول االله صلى االله عليه
وآله وسلم.
وفي الحديث المشھور إن (قَلْبَ المُؤمن عَرْشُ الرحْمن) وفي الحديث القدسي المعروف «لا يَسُعُنِي أَرْضِي
. فإن قلب المؤمن عرش الحق المتعالي، وسرير سلطنته 526 وَلا سَمَائِي وَلكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْديَ المُؤْمِنِ»
وسكنى ذاته المقدس، وإنه سبحانه صاحب ھذا البيت، فالالتفات إلى غير الحق خيانة للحق، والحب لغير ذاته
الأقدس ولغير أوليائه الذين يعتبر حبّھم حبّه سبحانه، خيانة لدى العرفاء.
وإن ولاية أھل بيت العصمة والطھارة، ومودّتھم، ومعرفة مرتبتھم المقدسة، أمانة من الحق سبحانه. كما ورد
بولاية أمير 527 في الأحاديث الشريفة في تفسير الأمانة في الآية (إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرضِ)
المؤمنين عليه السّلام. كما أن غصب خلافته وولايته، خيانة لتلك الأمانة وأن رفض المتابعة للإمام علي عليه
السّلام مرتبة من مراتب الخيانة. وفي الأحاديث الشريفة.
521
كتاب فروع الكافي، المجلد الخامس، باب أداء الأمانة، ح 3و 4.
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،باب وجوب أداء الأمانة، من كتاب أحكام الوديعة ح 13 522
523
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح2.
524
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح2.
525
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح5.
526
إتحاف السادة المتقين، المجلد 7 ،ص 234.
527 إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
.
204
إن الشيعي ھو الذي يتّبع أمير المؤمنين عليه السلام اتباعاً كاملاً وإلاّ فإن مجرد دعوى التشيع من دون الاتباع
لا يكون تشيعاً.
إن كثيراً من الأوھام، تعتبر من قبيل الشھوة الكاذبة يشتھي الإنسان الطعام وھو شبعان، فإذا لمسنا في
قلوبنا مودّة علي عليه السّلام وأولاده الطاھرين اغتررنا بھا، وحسبنا أن ھذه المودة لوحدھا ستبقى وتستمر من
دون حاجة إلى تبعية كاملة لھم. ولكن ما ھو الضمان على بقاء ھذه المودة إن لم نحافظ عليھا بل إن تخلّينا عن
آثار الصداقة والمودة التي ھي المشايعة والتبعية؟ إذ من الممكن أن الإنسان ينسى علي بن أبي طالب عليه
السّلام من جراء الذھول والوحشة الحاصلتين من الضغوط الواقعة على غير المخلصين والمؤمنين. ففي الحديث
(إن طائفة من أھل المعصية يتعذبون في جھنم وھم ناسون اسم رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم، وبعد
انتھاء فترة العذاب وحصول الطھارة والنظافة من قذارات المعاصي يتذكّرون اسم النبي المبارك أو يلقى الاسم في
قلوبھم، فيصرخون ويستغيثون قائلين وا محمداه صلى االله عليه وآله وسلم فتشملھم بعد ذلك الرحمة).
إننا نظن أن حادثة الموت وسكراته، تضاھي حوادث ھذا العالم. عزيزي إنك عندما تعاني من مرض بسيط،
تنسى كل علومك وثقافاتك، فكيف بك عندما تواجه الصعاب والضغوط والمصائب والأھوال التي ترافق الموت
وسكراته؟ إذا تصادق الإنسان مع الحق سبحانه، وعمل حسب متطلبات الصداقة، وتذكّر الحبيب وتبعه، كانت تلك
الصداقة مع الولي المطلق، والحبيب المطلق الذي ھو الحق المتعالي محبوبةً لديه سبحانه، وملحوظة عنده
تعالى. ولكنه إذا ادعى المودة ولم يعمل حسب مقتضاھا بل خالفه، فمن الممكن أن الإنسان يتخلى عن تلك
الصداقة مع الولي المطلق قبل رحيله من ھذه الدنيا نتيجة التغييرات والتبدلات والأحداث المتقلبة في ھذا في
ھذا العالم. بل والعياذ باالله قد يصير عدواً له سبحانه وتعالى. كما أننا شاھدنا أشخاصاً كانوا يدعون المودة
والصداقة وبعد العِشرة اللامسؤولة، والأعمال البشعة تحوّلوا إلى أعداء وخصماء الله ورسوله صلّى االله عليه وآله
وسلم وأھل بيته عليھم السّلام. وإذا فرضنا أن ھؤلاء رحلوا من ھذا العالم على حب محمد وآله، فھم على
حسب الروايات الشريفة والآيات المباركة من أھل النجاة يوم القيامة ومصيرھم السعادة، ولكنھم يكونون في
معاناة لدى البرزخ
528 وأھوال الموت وعند لحشر ففي الحديث (إِنَّنا شُفَعاؤُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلكِنْ تَزَودُّوا لَبرْزَخِكُم)
.
أعوذ باالله من عذاب القبر وضغطه وشدة البرزخ وعذابه، حيث لا يشابھه شيء في ھذا العالم. إن الكوّة التي
تفتح من جھنم على القبر، لو انفتحت على ھذا العالم لھلكت كافة الموجودات. نعوذ باالله منه.
فصل: في بيان الخوف من الحق المتعالي
إعلم أن الخوف من الحق جل وعلا من المنازل التي قلّما نستطيع أن نجد للعوام من الناس منزلة وفضيلة في
مستوى منزلة الخوف من الحق سبحانه. وھذا الخوف مضافاً إلى أنه يكون من الكمالات المعنوية، يعتبر منشأً
لكثير من الفضائل النفسية، وعاملاً ھامّاً لإصلاح النفس، بل مصدر جميع الإصلاحات للنفس، ومبدأ لعلاج جميع
الأمراض الروحية. ويجب على الإنسان المؤمن باالله، السالك والمھاجر إلى االله، أن يھتم كثيراً بھذه المنزلة، وأن
يُقبل بوجھه أكثر فأكثر على ما يبعث الخشية من االله في القلب، ويعمّق جذوره فيه، مثل التفكر في العذاب
والعقاب وشدّة أھوال الموت وبعد الموت من عالم البرزخ والقيامة، والصراط والميزان والحساب وألوان عذاب جھنم،
ومثل التذكر لعظمة الحق المتعالي وجلاله وقھره وسلطانه ومكره وسوء العاقبة وأمثال ذلك.
وحيث أننا عرضنا شرحاً مختصراً لكل ھذه المراحل في ھذا الكتاب، اقتصرنا ھنا على ذكر بعض الأحاديث في
فضيلة الخوف من االله تعالى.
محمَّدُ بنُ يعقوبَ بإسناده عن إسحاق بنِ عمّارٍ قالَ: قالَ أبو عبد االله عليه السّلام: «يا إسْحاقُ، خَفِ االلهَ كَأّنَّكَ
تَراهُ، وإِنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَراكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالمَعْصِيةِ
529 فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَھوَنِ النَّاظِرينَ عَلَيْكَ»
.
528
وسائل الشيعة المجلد الرابع ص 688.
205
واعلم أنه إذا عرف شخص كيفية تجلي الحق في المُلك والملكوت، وظھور الذات المقدس في السموات
والأرضين، بواسطة المشاھدة الحضورية، أو المكاشفة القلبية، أو الإيمان الحقيقي وإذا أدرك كيفية ارتباط الحق
بالخلق، والخلق بالحق على ما ھي عليھا، وكيفية ظھور المشيئة الإلھية في الكائنات الموجودة، وفناء ھذه
الموجودات في تلك الإرادة على ما ھي عليھا، لعرف بأن الحق المتعالي حاضر في كل مكان وحيّز ولشاھده
بالعلم الحضوري في جميع الموجودات، كما يقول الإمام الصادق المصدَّق عليه السّلام «مَا رَأَيْتُ شَيْئاً إلاّ وَرَأَيْتَ
االلهَ مَعَهُ أَوْ فِيه وتنكشف عليه حقيقة كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ المتوخاة من التقريب بالنوافل». فيرى الحق حاضراً
في جميع مراتب الوجود، حسب مرتبته ومقامه إما علماً أو إيماناً أو عيناً وشھوداً. ومن المعلوم، أن السالك في
أي مقام كان، يراعي حضور الحق، ويمتنع عن مخالفة ذاته المقدس، لأن مراعاة الحضور والمحضر من الأمور
الفطرية التي جبل عليھا الإنسان، فإنه مھما كان مستھتراً ومن دون حياء، فرّق بين حضور الطرف الآخر وغيابه،
خاصة إذا كان حضوراً للمنعم العظيم الكامل، لأن فطرة الإنسان تراعي حضور كل شيء بصورة مستقلة.
في بيان اختلاف الناس في مراعاة حضور الحق
ولا بد من معرفة أن كل واحد من أھل الإيمان والسلوك والعرفان والولاية، يراعون حضور الحق سبحانه وحضرته
حسب مرتبتھم التي تخصّھم، فإن المؤمنين والمتقين يراعون حضوره جلّ وعلا بامتثال الأوامر وترك النواھي.
والمجذوبين بعدم الالتفات إلى الغير، والانقطاع التام الكامل عن غيره. والأولياء الكمّلين بنفي الغير وإزھاق
الأنانية. وملخص الكلام أن من المقامات الشامخة لأھل المعرفة وأصحاب القلوب، مشاھدة حضور الحق المتعالي
ومراعاة حضرته. كما أنّه لدى مشاھدتھم كيفية العلم الفعلي للحق سبحانه، وفناء الأشياء فيه تعالى، وحضور
الموجودات لدى ساحة قدسه، ومعرفتھم بأن ھذا العالم في محضر الرب المتعالي، يراعون محضره، كل حسب
مقامه الذي يحظي فيه. وھذا أيضاً من الأمور الفطرية.
وأشار رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم إلى المقام الأول ـ مشاھدة حضور الحق سبحانه ـ في وصيته
لأمير المؤمنين عليه السّلام، ھذه الوصية التي نحن بصدد شرحھا. كما أشير إليه في الحديث الشريف لأسحاق
بن عمار بقوله عليه السّلام وَالثّالِثَةُ: الخَوْفُ مِنَ االلهِ عَزَّ ذِكْرُهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ. وأشار الإمام الصادق عليه السّلام إلى
المقام الثاني ـ مشاھدة كيفية العلم الفعلي سبحانه وتعالى ـ بقوله وَإِنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وإلى فطرية
رعاية محضره سبحانه، بقوله وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ.
إن للخوف مراتب حسب اختلاف مراتب أھل الإيمان والسلوك وذوي الترويض للنفس وأرباب العرفان، ويعتبر من
المراتب العظيمة للخوف، الخشية من عظمة الحق وتجلّياته القھرية والجلالية. ومن الممكن أن لا نجعل ھذا
المقام من مراتب الخوف، كما يقول العارف المعروف في كتاب (منازل السائرين) وَلَيْسَ فِي مَقَامِ أَھْلِ الخُصوصِ
وَحْشَةُ الخَوْفِ إِلاّ ھَيْبَةُ الإِجْلاَلِ.
في فضل البكاء
إن للبكاء من خشية االله سبحانه فضلاً كبيراً، كما ورد في ھذا الحديث (يُبْنَى لَكَ بِكُلِّ دَمْعَة ألْفَ بَيْتٍ فِي
الجَنِّة).
روى الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين رضوان االله عليه بسنده المتصل إلى الإمام الصادق عليه
السّلام عن آبائه عن النبي صلّى االله عليه وآله وسلم في حديث المناھي قالَ: وَمَنْ ذَرُفَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ االلهِ،
كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ دُمُوعِهِ قَصْرٌ فِي الجنَّةِ مُكَلَّلٌ بِالدُّرِ والجَوْھَرِ، فِيهِ مَا لاَ عَيْنٌ رَأت وَلاَ أُذْنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ
530 عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 18   الثلاثاء يناير 09, 2018 9:57 am

أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء، ح 2.
530
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،الباب 15 ،من أبواب جھاد النفس وما يناسبه ح 1 ،ص 175.
206
وعن ثواب الأعمال بإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قالَ: قالَ رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: لَيْسَ
شَيْءٌ إلاّ وَلَهُ شَيْءٌ يَعْدِلُهُ إِلاّ االلهُ فَإِنَّهُ لاَ يَعْدِلُهُ شَيْءٌ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ االله لاَ يَعْدِلُهُ شَيْءٌ، وَدَمْعَةٌ مِنْ خَوْفِ االلهِ فَإِنَّهُ
531 لَيْسَ لَھَا مِثْقَالٌ، فَإِنْ سَالَتْ عَلَى وَجْھِهِ لَمْ يَرْھَقْهُ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ بَعْدَھَا أَبَداً
.
وفي عيون الأخبار عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه عليھم السلام قال: «قَالَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلام أنَّ
الرَّجُلَ لَيَكُون بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا بَيْنَ الثَّرى وَالْعَرشِ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ فَمَا ھُوَ إلاَّ أَنْ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ االلهِ عَزَّ وجلَّ
532 نَدَماً عَلَيْھَا حَتَّى يَصِيرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَھَا أَقْرَبُ مِنْ جِفْنِه إلى مُقْلَتِهِ»
.
وفي الكافي وعن أبي عبد االله عليه السّلام قال: (مَا مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ وَلَهُ كَيْلٌ وَوَزْنٌ إِلاَّ الدُّمُوعَ فَإِنَّ القَطْرَة تُطْفِي
533 بِحَاراً مِنْ نَارٍ وَلَوْ أَنِّ بَاكِياً بَكَى فِي أُمَّةٍ لَرُحِمُوا)
.
وھناك أحاديث كثيرة بھذا المضمون مأثورة عن المعصومين عليھم السلام.
في بيان وتوجيه المكافأة العظيمة على الأعمال البسيطة
يجب أن نشير إلى أن بعض أصحاب النفوس الضعيفة، غير المطمئنة تعترض على ما ورد في الأحاديث
الشريفة من المكافأة العظيمة يوم القيامة على أمور جزئية بسيطة، في حين أننا غافلون عن أن شيئاً إذا كان
عندنا تافھاً وبسيطاً لما كان دليلاً على أن صورته الغيبية الملكوتية أيضاً بسيطة وتافھة؛ إذ من الممكن أن يكون
شيئاً متواضعاً ولكن باطنه وملكوته في منتھى الجلال والعظمة. فإن الھيكل المقدس لرسول صلّى االله عليه وآله
وسلم والشكل الخارجي لجسم الرسول الأكرم المعظم صلّى االله عليه وآله وسلم، من الكائنات الصغيرة في ھذا
العالم، ولكن روحه المقدسة كانت تحيط بالمُلك والملكوت، وكان صلّى االله عليه وآله وسلم واسطة لإيجاد
السماوات والأرضين، فالحكم على صغر الصورة الباطينة الملكوتية لشيء، يتفرّع على العلم بعالم الملكوت،
وبواطن الأشياء، ولا يحقّ لأمثالنا إصدار مثل ھذا الحكم. ولا بد لنا من الانتباه لكلمات علماء عالم الآخرة أي الأنبياء
والأولياء عليھم السّلام والإذعان لما يقولون.
ثم إن ذلك العالم قائم على التفضّل وبسط رحمة الحق اللامتناھية، ومن المعلوم أنه لا حدود لتفضّل الحق
المتعالي أنه لمن منتھى الجھل استبعاد تفضّل ذي الجود المطلق، وذي الرحمة اللامحدودة.
إن النعم التي منحھا سبحانه لعباده والتي تبعث على عجز العقول عن إحصاء مفرداتھا بل علي العجز عن
إحصاء كلياتھا، ھذه النعم كانت من دون طلب واستحقاق، فما ھو المانع، أن يتلطف الحق سبحانه على عباده،
انطلاقاً من تفضّله البحت ومن دون أيّ سبب، أضعافاً مضاعفة من الأجر والمثوبة؟ وھل نستطيع أن نستبعد
. موضوع تحت تصرّف 534 المكافأة العالية والكثيرة في عالَمٍ قد قيل فيه (وَفِيھَا مَا تَشْتَھِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ)
إرادة الإنسان رغم عدم وجود حدّ محدود لمشتھيات الإنسان؟ إن االله سبحانه قد خلق عالم الآخرة وخلق إرادة
الإنسان بصورة لو أراد الإنسان شيئاً لتحقق ذلك الشيء بنفس إرادته. فلا استبعاد لمكافأة كثيرة وكبيرة في ذلك
العالم على أعمال بسيطة وجزئية.
عزيزي إن الأخبار والأحاديث الشريفة التي تتحدث عن مثل ھذه المثوبات الكثيرة لا تتحدّد بالواحد والاثنين
والعشرة حتى نستطيع أن نناقش فيھا، وإنما ھي فوق حدّ التواتر فإن جميع الكتب المعتبرة المعتمدة مشحونة
بأمثال ھذه الأحاديث، وتكون ھذه الأخبار الكثيرة بمثابة ما إذا كنا قد سمعنا الحديث بآذاننا من المعصومين عليھم
السّلام، ومن دون حاجة إلى التأويل والتفسير. إذن إنكار موضوع ـ المكافأة الكثيرة على العمل البسيط ـ الموافقة
للنصوص المتواترة، والتي لا تصطدم أيضاً مع البراھين بل تتطابق مع سلسلة من الأدلة، إنكار ذلك يكون من جرّاء
ضعف في الإيمان ومنتھى الجھالة.
531
وسائل الشيعة، المجلد 4 ،ص 588.
532
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،الباب 15 ،من أبواب جھاد النفس وما يناسبه ح 10 ،ص 178.
533
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،الباب 15 ،من أبواب جھاد النفس وما يناسبه ح 11 ،ص 178.
534
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،الباب 15 ،من أبواب جھاد النفس وما يناسبه ح 11 ،ص 178.
207
يجب على الإنسان أن يكون مستسلماً لأقوال الأنبياء والأولياء عليھم السّلام ولا يوجد شيء في سبيل
تكامل الإنسان، أفضل من التسليم والطاعة أمام أولياء الحق. وخاصة في الأمور التي لا مجال للعقل في التّطرق
إليھا ولا يوجد سبيل لإدراكھا واستيعابھا إلا بواسطة الوحي والرسالة. ولو أراد الإنسان أن يتطرق بعقله الصغير
وأوھامه وظنونه، إلى الأمور الغيبية الأخروية، والتعبدية الشرعية، لانتھى أمره إلى إنكار الضروريّات والمسلّمات،
لأنه ينجرّ من القليل إلى الكثير رويداً رويداً، ومن البسيط إلى الأعلى حتى يفضي به الأمر إلى جحود الأوليات
البديھية من الدين.
لو فرضنا أن الإنسان ناقش في الأخبار وسندھا ـ رغم أنه لا مجال لمثل ھذه المناقشة ـ لما استطاع أن
يناقش في الكتاب الكريم والقرآن السماوي المجيد حيث نجد فيه أيضاً ذكراً لأمثال ھذه المثوبات، مثل قوله
. وقوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَھُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ 535 تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَھْرٍ)
536 أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)
.
بل وحسب زعم الكاتب أن من عوامل ھذا الرفض والاستبعاد للمكافأة الكبيرة على العمل الصغير، العُجب
واستعظام العمل: مثلاً إذا صام شخص يوماً واحداً، أو أحيا ليلة واحدة بالعبادة، فلا يستكثر الثواب الكثير إذا سمع
بأن جزاءه ثواب عظيم، ولكنه إذا عرف بأنّ ھذا الثواب ثمن عمله استبعد عظمة الأجر والثواب، وبعد أن استعظم
عمله ويُعجب به، يتلاشى الاستبعاد ويُصدّق الثواب العظيم ويؤمن به.
عزيزي إذا فرضنا بأننا كنا طيلة حياتنا التي نعيشھا خمسين أو ستين عاماً، من الملتزمين لكل الوظائف
الشرعية، ثم ارتحلنا من ھذه الدنيا مع إيمان صحيح وعمل صالح وتوبة مقبولة فماذا نستحق من الجزاء لھذا القدر
من الإيمان والعمل؟ مع أنّ ھذا الإنسان حسب القرآن الكريم والسنة النبوية واتفاق جميع الأمم، تشمله رحمة
الحق سبحانه، وتدخله الجنة الموعودة، ھذه الجنة التي يخلّد الإنسان في نعمھا ورفاھھا، ويعيش إلى الأبد في
الرحمة والروح والريحان، ولا مجال لإنكار ذلك أبداً، مع أنه إذا أردنا أن نقارن الجزاء بالعمل ـ على فرض أن يكون
لعملنا مكافأة ـ لما استحق ھذا القدر من الجزاء الذي يعجز العقل عن تصور كميته وكيفيته.
فيظھر أن القضية لا ترتبط بمقارنة المكافأة مع العمل، بل تكون منوطة بشيء آخر ـ الرحمة الواسعة الإلھية ـ
وعليه لا يبقى مجال لاستبعاد ھذه المكافأة العظيمة على عمل صغير ورفضھا.
فصل: في بيان عدد النوافل
إن مقصود رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم من قوله (أمَّا الصَّلاةُ فالْخَمْسُونَ رَكْعَة) الموافق لسنته (الآخِذُ
بِسُنَتِي فِي صَلاَتِي)، ھو الصلوات من فرائضھا ونوافلھا عدا ركعتين بعد صلاة العشاء تؤديان من جلوس وتعدّان
ركعة واحدة، حيث يكون مجموع عدد الركعات مع ھاتين الركعتين من جلوس إحدى وخمسين ركعة. ولعل تجاھل
رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم لذكر ھذه الركعة لأجل أن خمسين ركعة ھذه، مستحب مؤكد. كما تدلّ
على ذلك رواية ابن أبي عمير قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ االلهِ عليه السّلام عَنْ أَفْضَلِ مَا جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ:
«تَمَامُ الخَمْسِينَ»
537
.
ويستفاد من بعض الروايات أنه قد جرت سيرة رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم على أداء الخمسين ركعة
ھذه. مع أن ھناك روايات أخرى تدل على أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم قد كان يأتي بالعَتَمة ـ الركعتان
من جلوس بعد صلاة العشاء ـ ولعلّ عدم ذكرھا ضمن النوافل، وجعل السنّة خمسين ركعة، لأجل أن العتمة بديل
عن صلاة الوتر من دون أن تكون لھا استقلالية، كما تدل على ذلك رواية فضيل بن يسار، وتسمى في الرواية
الشريفة بالوتر. وفي بعض الروايات أنه من صلى العتمة ومات كان من الذين ماتوا وقد أقاموا صلاة الوتر. ففي
الحقيقة أن صلاة العتمة ھي صلاة الوتر التي لا بد أن نؤديھا فبل وقتھا خشية موتنا تلك الليلة، فعندما يحلّ وقتھا
535
سورة القدر، آية: 3.
536
سورة البقرة، آية: 261.
537
وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 13 ،من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا ح5 ص 32.
208
لا تكون تلك العتمة مُجزية عنھا. وفي بعض الروايات أن العَتَمَة لم تكن من نوافل الصلوات اليومية، وإنما أضيفت
حتى تكون النوافل ضعف الفرائض.
وملخص الحديث أنه لا تھاتف بين ھذه الروايات، فإنه من الممكن أن تكون خمسون ركعة من أفضل السُّنن،
وھاتان الركعتان من جلوس ـ العتمة ـ مستحبتان غير مؤكدتين، وإنما شرعتا لتتميم عدد الضعف، وللاحتياط في
الإتيان بالعتمة قبل مفاجأته الموت بالليل قبل أن يأتي بصلاة الوتر.
وعلى أي حال ھناك فضل كبير للنوافل اليومية، بل اعتبر في بعض الروايات أنّ من المعاصي ترك النافلة وفي
بعض آخر أن االله سبحانه سيعذّب الإنسان على ترك السنّة. وفي بعضھا تصريح بوجوب النوافل. ويكون ھذا التعبير
لأجل التأكيد على الإتيان بھا والردع عن تركھا. وينبغي على الإنسان مھما أمكن أن لا يتركھا، لأن الھدف
المنشود من ورائھا حسب الروايات المذكورة إتمام الفرائض وقبولھا. ففي بعض الأحاديث قال الصادق عليه
ويظھر من ھذا الحديث أن الشيعة ھم الذين يأتون بالإحدى 538 السلام (شِيعَتنا أَصْحَابُ الإحْدى وَخَمْسِينَ رَكْعَة)
وخمسين ركعة، ولم يتقصروا على الاعتقاد بھا فحسب من دون أن ينجزوھا. ويقابلھم أھل السنة. ويظھر ذلك من
حديث علامات المؤمن عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام قَالَ: عَلاَمَاتُ الْمُؤْمِنْ خَمْس، وَعدَّ
539 مِنھا صَلاة الإحْدى وَخَمْسِين
.
في بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شھر
وأما السُّنة الثانية للرسول الأكرم صلّى االله عليه وآله وسلم فھي الصيام ثلاثة أيام في الشھر. وقد ورد في
فضل ذلك ما يتجاوز أربعين رواية. وحصل خلاف لدى العلماء الإعلام حول كيفية ذلك. والذي يشتھر بينھم ويتطابق
مع الأحاديث الكثيرة، وعمل رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم في نھاية عمره الشريف، وعمل أئمة الھدى،
ھو صوم ثلاثة أيام في الشھر الواحد ھي: أول خميس من الشھر، وھو يوم عرض الأعمال. والأربعاء الأول من
العشرة الثانية وھو يوم نحس مستمر، ويوم نزول العذاب. والخميس الأخير من الشھر الذي ھو يوم عرض الأعمال
أيضاً. وفي الرواية عن أبي عبد االله عليه السّلام... لأَنَّ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الأُمَم كَانُوا إِذَا نَزَلَ عَلَى أَحَدِھِم الْعَذَابَ، نَزَلَ
. وفي صدر ھذا 540 فِي ھذِهِ الأَيَّامِ فَصَامَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلم ھذِهِ الأَيَّامَ لأَنَّھَا الأَيَّامَ الْمَخَوفَةِ)
الحديث (وَقَالَ لِيَعْدِلَنَّ ـ صيام ثلاثة أيام في الشھر ـ صَوْمُ الدَّھْرِ). وعلّل في بعض الروايات بالآية الكريمة (مَنْ جَاءَ
541 بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرَ أَمْثَالِھَا)
.
وأما الروايات التي تخالف الأحاديث المذكورة من جھة تعيين أيام الصيام الثلاثة، فھي محمولة على مراتب
الفضل. وإذا افترضنا التھافت والتعارض بين ھاتين المجموعتين من الأخبار، كان الترجيح من جھات شتّى للروايات
التي منھا الحديث الشريف. بل نستطيع أن نقول بأنه من التعارض بين النصّ والظاھر أو بين الأظھر والظاھر،
والمجموعة التي فيھا الحديث المذكور نصّ وأظھر فتتقدم على المجموعة التي تقابلھا وتعارضھا.
وأما مرسلة الصدوق التي تقول (وَرُوِيَ عَنِ العَالَمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَمِيسَيْنِ يَتَّفِقَانِ فِي آخر الْعَشْرِ، فَقَالَ صُمْ
. فلا تتنافى مع ھذه الأخبار، لأن ظاھرھا البلوغ إلى الثواب العاجل، إذ من المحتمل أن لا 542 الأَوَّلَ لاَ تَلْحَقَ الثَّانِيَ)
لا يتوفق الإنسان إلى الصيام في الخميس الثاني بسبب مفاجأته الموت. كما ورد نفس ھذا المضمون في تعليل
صلاة العَتَمَة. فھذه الرواية ـ مرسلة الصدوق ـ بنفسھا تدل على المقصود، من أفضلية الصوم في الخميس الأخير
من الشھر، ولا تمتّ إلى الأخبار المعارضة بصلة. والظاھر أن الإنسان إذا صام الخميس الأول من الشھر، وبقي
على قيد الحياة حتى حلول الخميس الأخير من الشھر، فالأفضل صومه أيضاً، لنيل ثوابه، إذ أن الصوم في
الخميس الأول لا يغني عنه. وما ذكره المحقق الجليل فيض الكاشاني والمحدّث العالي الشأن صاحب الحدائق
538
وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا، ص 41.
539
وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا، ص 42.
وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 1 540
541
وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 8.
542
وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح4.
209
عليھما الرحمة للجمع بين ھاتين المجموعتين من الأحاديث فبعيد، وخاصّة كلام صاحب الحدائق رضوان االله تعالى
عليه.
في بيان أفضلية الصدقة
وأما السُّنة الثالثة لرسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم، فھي عبارة عن: (أَمَّا الصَّدَقَةَ فَجُھدُكَ حَتَّى تَقُولَ قَدْ
أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِف) وھي من المستحبات، التي قل أن يبلغ مثوبتھا في الأجر والثواب، عمل آخر. والأخبار في
التصدق حتى على من لا يوافقنا في الدين، وعلى الحيوانات البرية والبحرية، أكثر مما يتناسب مع حجم ھذا
الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعضھا:
محمَّد بن يعقوب بإسناده عن عبد االله بن سنان في حديث قالَ: قَالَ أبو عبد االله عليه السّلام: لَيْسَ شَيْءٌ
أَثْقَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى المُؤْمِنِ، وَھِيَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ العَبْدِ.
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام في حديث قالَ: إنَّ االلهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً إلاّ وَلَهُ خَازِنٌ يَخْزُنُهُ إلاَّ الصَّدَقَةَ
فَإِنَّ الرَّبَّ يَلِيھَا بِنَفْسِهِ؛ وَكَانَ أَبِي إِذَا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه فقبله وشمه ثم رده في يد
543 السائل
.
وھناك أحاديث أخرى قريبة من مضمون ھذا الحديث، دالّة على عظمة شأن الصدقة وجلالة قدرھا، حيث إن
االله سبحانه لم يخوّل أمرھا إلى شخص آخر، وإنما تولى ھو بنفسه مع يد قدرته وإحاطته القيّومية، المحافظة
على صورة الصدقة الغيبية الكاملة.
ثم إن التدبر في ھذا الحديث الشريف وأمثاله المذكورة في الأبواب المختلفة من كتب الأصحاب رضوان االله
عليھم أجمعين، يبعث على استكشاف التوحيد الفعلي للحق سبحانه، والتجلّي القيوميّ لدى أھل المعرفة
وأصحاب القلوب ـ العرفاء ـ ويشير إلى نكتة مھمة، يجب على من يؤدي ھذا الأمر المھم ـ التصدّق ـ الالتفات إليھا،
وھي:
إن الإنسان عندما يتصدق بيده إذا منّ على الفقير أو أساء إليه والعياذ باالله، كانت منّته وإساءته أولاً إلى االله
تعالى وثانياً إلى الفقير. كما أنه إذا خشع وتواضع وأبدى منتھى الذل والمسكنة لدى تقديم الصدقة إلى السائل
المؤمن، كان خضوعه وذله وخشوعه الله أولاً ثم للفقير المؤمن ثانياً. كما رأينا بأن عالم آل محمد صلّى االله عليه
وآله وسلم، وعاشق جمال الحق المتعالي، الإمام باقر العلوم عليه السّلام (إِذَا تَصَدَّقَ بِشيءٍ وَضَعَهُ فِي يَدِ
السّائِلِ ثُمَّ ارتَدَّه مِنْهُ فَقَبَّلَه وَشَمَّهُ ثُمَّ رَدّهُ فِي يَدِ السّائِلِ).
واالله سبحانه وتعالى يعلم بأن مثل ھذه المغازلة مع المعشوق جل وعلا إلى أي حدّ كانت تبعث على قرار
نفس العاشق المجذوب، وراحة أعماق الإمام المقدسة وكانت تسبّب إخماد ذلك اللھب والضرام المتأجج في
صدره صلوات االله وسلامه عليه.
ومن المؤسف جداً آلاف المرات أني قدمت إلى ھذا العالم وأنا مستغرق في بحار ھوى النفس، وملتصق
بالأرض المادية، ومقيّد بالشھوات وأسير للبطن والفرج، وغافل عن عالم مُلك الوجود، وسكران بسكر الأنانية
والذاتية، من المؤسف إني سأفارق ھذا العالم، ولم أدرك شيئاً من محبّة الأولياء، ولم أفھم شيئاً أبداً من جذباتھم
وجذواتھم ومنازلھم ومغازلتھم، بل كان حضوري في ھذا العالم حضوراً حيوانياً، وحركاتي حركات حيوانيةً
وشيطانيةً. وعليه فسيكون موتي أيضاً حيوانياً وشيطانياً. اللھم إليك المشتكى وعليك المعول.
إلھي: أنقذنا بنور ھدايتك، وأيقظنا من ھذا النوم العميق، وخذ بأيدينا إلى عالم الغيب والنور ودار البھجة
والسرور، ومحفل الإنس، والخلوة الخاصة بك.
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قالَ: قالَ رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: «أرْضُ الْقِيِامَةِ نَارٌ مَا
وفي الرواية عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قالَ االلهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى «أَنَا 544 خَلاَ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ صَدَقَتَهُ تُظِلُّهُ»
543 فروع الكافي، المجلد، ص
.9
544
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص3.
210
خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَلْتُ بِالأَشْيَاءِ غَيْرِي إِلاّ الصَّدَقَةَ فَإِنِّي أَقْبضُھَا بِيَدِي، حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ يَتَصَدَّقَ بِشِقَّةِ التَمْرَة فَأُرَّبِّيھا
545 لَهُ كَمَا يُرَبِّي الرَجُلُ مِنْكُمْ فَصِيلَةُ وَفِلْوَهُ حَتَّى أَتْرُكَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحدٍ»
. وروايات كثيرة من ھذا القبيل.
وعن أبي 546 وورد في أحاديث كثيرة عن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (الْصَدَقَةُ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)
وعن أبي عبداالله عليه السلام (قَالَ: حُسْنُ الصَّدَقَةِ 547 الحسن عليه السّلام (قَالَ: إسْتَنْزِلُوا الْرِزْقَ بِالصَّدَقَةِ)
وقال رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (قَالَ الْبِرُّ وَالْصَدَقَةُ يَنْفِيَانِ الفَقْرَ، وَيَزِيدَانِ فِي العُمْرِ، 548 يَقْضِي الدَيْنَ)
وعن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: «إنَّ الصَّدقةَ وصلة الرَّحمِ تُعَمِّرانِ الدِّيار 549 وَيَدْفَعَانِ سَبْعِينَ مِيتَةَ سُوءٍ)
وعن أبي جعفر عليه السّلام (إِنَّهُ قَالَ الْصَدَقَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، جُزْءِ الصَّدَقَةِ فِيهِ 550 وتَزيدانِ في الأَعْمارِ»
بِعَشْرَة وَھيَ الصَّدَقَةُ عَلَى العَامَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِھَا وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ فِيهِ بِسَبْعِينَ وَھِيَ
الصَدَقَةُ عَلَى ذَوِي العَاھَاتِ، وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ فِيهِ بِسَبْعَمَائَةِ وَھِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى ذَوِي الأَرْحَامِ، وَجُزْءُ الْصَدَقَةِ بِسَبْعَةِ
وعن رسول االله صلى 551 آلافٍ وَھِيَ الْصَدَقَةُ عَلَى العُلَمَاءِ وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ بِسَبْعِينَ أَلْفاً وَھِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَوتى)
. عن أبي عبد االله عليه السّلام أنه قال (إِرْغَبُوا فِي 552 االله عليه وآله وسلم (إِنَّ الصَّدَقَة لاَ تَزِيدُ المَالَ إِلاَّ كَثْرَةً)
الصَّدَقَةِ وَبَكِّرُوا بِھَا، فَمَا مِنْ مُؤْمِن يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ حِينَ يُصْبحُ يُرِيدُ بِھَا مَا عِنْدَ االلهِ، إِلاَّ دَفَعَ االلهُ بِھَا عَنْهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ
وعن رسول االله صلّى االله 553 مِنَ السَّمَاءِ فِي ذلِكَ الْيَوْم أَوْ قَالَ وَقَاهُ االلهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي ذلِكَ الْيَومِ)
554 عليه وآله وسلم (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْھَبَ االلهُ عَنْهُ نَحْسُ لَيْلَتِهِ فَلْيَفْتَتِح لَيْلَتهُ بِصَدَقَةٍ، يَدْفَعُ االله عَنْهُ نَحْسَ لَيْلَتِهِ)
وعن أبي بصير عن 555 وعن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (إِنَّ االلهَ لاَ إِلهَ إِلاَّ ھُوَ لَيَدْفَعُ بِالصَّدَقَةِ الدَّاءَ و... )
أبي جعفر عليه السّلام قال: لأَنْ أَحُجَّ حِجَّةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَةً وَرَقَبةً حَتَّى انْتَھى إِلى عَشْر وَمِثْلَھَا
وَمِثْلَھَا حَتَّى انْتَھى إِلَى سَبْعِينَ وَلأَنْ أَعْدَل أَھْلَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أَشْبعُ جُوعَتَھُم وَأَكْسُو عَوْرَتُھُمْ وَأَكُفُّ
وُجُوھَھُمْ عَنِ النَّاسِ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَحُجَّ حِجَّةً وَحِجَّةً حَتَّى انْتَھى إِلَى عَشْرٍ وَعَشْرٍ وَمِثْلَھَا وَمِثْلَھَا حَتَّى انْتَھَى
556 إِلَى سَبْعِين.
.
مع أنه قد ورد في عتق الرقاب عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: قالَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلم
. وعن أبي عبد االله عليه السّلام أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ 557 مَنْ أَعْتَقَ مُسْلِماً أَعْتَقَ االلهُ بِكُلِّ عِضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنَ النَّار
558 عَلَيْهِ السّلام أَعْتَقَ أَلْفَ مَمْلُوكٍ مِنْ كَدَّيدَهِ
وغير ذلك من الروايات التي يبعث عرضھا على إطالة لا موجب لھا.
في بيان أمر دقيق آخر
ونحن ننھي ھذا الموضوع بذكر أمر دقيق لا بد من معرفته وھو أنه قد ورد في الآية الشريفة قوله: (لَنْ تَنَالُوا
559 الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 18   الثلاثاء يناير 09, 2018 10:02 am

وفي الحديث عن الحسين بن علي والصادق صلوات االله عليھما أَنَّھُمَا كَانَا يَتَصَدَّقَانِ بِالسُكَّرِ وَيَقُولانِ إِنَّهُ أَحبُّ
560 الأَشْيَاءِ إِلَيْنَا وَقَدْ قَالَ االله تَعَالَى (لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
.
545
البحار المجلد 96 ،باب فضل الصدقة وانواعھا وآدابھا، ح 44 ،ص 127.
546
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 2 ،ح1 وص 10 ح 4.
547
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 2 ،ح1 وص 10 ح 4.
548
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 10 ح 5.
549
البحار، المجلد 96 ،باب فضل الصدقة وأنواعھا، ح 55 ،ص 130.
550
البحار، المجلد 96 ،باب فضل الصد قه وأنواعھا، ح17ص119.
مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 18 من أبواب الصدقة، ح 10 ص 196 551
مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 160 552
مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 170 553
554
فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 ـ 7.
555
فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 ـ 7.
556
وسائل الشيعة، المجلد 6 ،الباب 2 من أبواب الصدقة، ح1 ص 260.
557
وسائل الشيعة، المجلد 16 ،الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4.
558
وسائل الشيعة، المجلد 16 ،الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4.
559
سورة آل عمران، آية: 92.
560
مجمع البيان، المجلد الثاني، ص 472 ،طباعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
211
الوصايا المھمة دعا له قائلاً: (اللَّھُم أَعِنْه) وھكذا بقية التأكيدات التي وردت في كل واحدة من ھذه الجمل بصورة
مستقلة مثل نون التأكيد، وتكرار الوصية وغير ذلك مما لا نحتاج إلى تعداده.
إذن يعلم أن ھذه الوصايا من الأمور الھامة. ومن الواضح أنه لا يعود في جميع ھذه الوصايا بالفائدة على رسول
االله صلّى االله عليه وآله وسلم، وإنما تعود المنفعة إلى المخاطب. والإمام عليه السّلام وإن كان في الأصل ھو
المخاطب، ولكن التكاليف عامة ومشتركة بين الجميع، حيث لا تعطل برحيل المخاطب، بل إنھا متواصلة مع
الأجيال.
ولا بد من معرفة أن شدّة تعلق رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم، بالإمام علي عليه السّلام تبعث على
الفائدة الكبيرة لھذه الوصايا التي بُيّنت بھذا الأسلوب وعلى أھميتھا الكثيرة. واالله أعلم.
فصل: في مفاسد الكذب
من وصايا رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم، ملازمة الصدق والابتعاد عن الكذب فَالصُدقُ وَلا يَخْرُجَنّ مِنْ
فِيكَ كِذْبَةً أبداً ويستفاد من تقديم رسول االله
صلى االله عليه وآله وسلم لھذه الوصية على الوصايا الأخرى، أن ھذه الوصية أھم من كافة الوصايا المذكورة.
ونحن نقدم مفاسد الكذب على مصالح الصدق.
واعلم أن ھذه الرذيلة من الأمور التي اتفق العقل والنقل على قبحھا وفسادھا وأنھا في نفسھا من الفواحش
والمعاصي الكبيرة، كما تدل على ذلك الأخبار. وقد تترتب عليھا مفاسد أخرى لا تقل عن ھذه الموبقة، بل قد
يسقط الإنسان من أعين الناس في الوسط الاجتماعي على إثر كذبة واحدة عندما تُكتشف، ولا يستطيع إلى
نھاية العمر أن يجبرھا. فإذا اشتھر إنسان لا قدّر االله بالكذب، فلعلّه لا يوجد شيء آخر يسيء إلى شخصية
الإنسان أكثر من الكذب. ومضافاً إلى ذلك فإن مفاسده الدينية وعقوباته الآخروية كثيرة أيضاً. ونحن نقتصر على
ذكر بعض الأحاديث الشريفة في ھذا الموضوع. وحيث أن شناعة الكذب من الأمور الواضحة المعروفة، نبتعد عن
الإسھاب في الحديث عنه.
روى في الوسائل عن محمَّد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنَّ االلهَ عَزَّ وَجَل جَعَلَ لِلشَّرِّ
502 أقفالاً وَجَعَل مَفاتيحَ تِلْكَ الأقْفالِ الشَّرابَ، وَالكِذْبُ أشَرُّ مِنَ الشَّرَابِ»
.
والآن تدبر في ھذا الحديث الشريف المروي عن عالم آل محمد عليھم السلام، والمذكور في كتاب يعدّ مرجعاً
لجميع علماء الأمة، ويتلقى بالقبول لدى كافة العلماء رضوان االله عليھم، وأنظر ھل يبقى سبيل للاعتذار؟ أليس
ھذا التھاون في الكذب إلاّ من جراء الضعف في الإيمان تجاه أخبار أھل بيت العصمة عليھم السلام؟
نحن لا نعرف الصور الغيبية لأعمالنا، ولا ندرك الارتباطات الغيبية بين المُلك والملكوت، ولھذا نبتعد عن مثل ھذه
الأخبار، ونحن من أمثالھا على المبالغة. ولكن ھذا المنھج باطل وناتج من الجھل والضعف في الإيمان. فلو فرضنا
بأننا حملنا ھذا الحديث الشريف على المبالغة، أليست المبالغة ذات شروط ووضع خاص؟ ھل نستطيع أن نقول
عن كل شيء أنه أسوأ من الخمر، أولا بد وأن يكون الشيء ذا شرّ عظيم حتى نتمكن من المبالغة ونقول إنه
أعظم من الشر؟
503 وبإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قالَ: «الكِذْبُ ھُوَ خَرَابُ الإِيمانِ»
.
في الحقيقة أن مثل ھذه الأخبار، تھزّ أعماق الإنسان، وتقصم ظھره فإننا نتصور بأن الكذب من الأعمال
الفاسدة، التي فقد الإحساس بقبحھا نھائياً من جرّاء شيوعھا بين الناس، ولكن سيأتي وقت ننتبه ونشعر بأن
الإيمان الذي ھو رأس مال حياة عالم الآخرة، قد زال من أيدينا من جراء الاستھانة بالكذب ولم نشعر بذلك أبداً.
وعن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: سُئِلَ رَسُولُ االله صلّى االلهُ عَليهِ وآلهِ وَسَلم يَكُونُ المؤمِنُ جَبَاناً؟
504 قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ وَيَكُونُ بَخيلاً؟ قالَ: نَعَمْ، قِيلَ: ويَكُونُ كَذَّاباً؟ قال: لا
.
502
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 3.
503
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 4.
504
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 138 ،باب تحريم الكذب، أبواب أحكام العشرة، ح 11 و12.
200
ونقل عن صدوق الطائفة محمد بن علي بن الحسين إنه قال: من كلام رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم:
505 أَرْبَى الرِّبا الكِذَبُ
. مع أن التشديد في حرمة الربا وبشاعته مما يذھل الإنسان.
ومن الأمور التي لابد للإنسان أن يلتفت إليھا، ھو أن الأخبار قد استنكرت الكذب حتى ھزله ومزحه، وشدّدت
في ذلك. وأفتى العلماء بحرمته أيضاً. كما ذكر صاحب الوسائل في عنوان الباب الذي ھو تعبير عن فتاواه: بَاب
506 تَحْريم الكذِب في الصغيرِ والكبيرِ والجِد والھزْلِ عدا ما استثنى
.
وعن الكافي الشريف عن أبي جعفر عليه السّلام قالَ كانَ عَليّ بن الحُسين صَلَواتُ االلهِ عَلَيْھِمَا يقولُ لِوَلِدِه
اتِّقُوا الكَذِبَ، الصَغيرَ مِنْه وَالكبِير فِي كل جِدّ وَھَزْلٍ فَإنَ الرَّجُلِ إذا كَذِبَ في الصَغيرِ اجْتَرَئ في الكَبيرِ أمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ
االلهِ صَلّى االله عَليه وآله وَسَلم قال: مَا يَزَالَ العبَدُ يَصدُقَ حَتَّى يَكْتُبُهُ االله صَدِّيقاً وَمَا يَزَالَ العَبْدُ يَكْذِبُ حَتَّى يَكْتُبُهُ
507 االلهُ كَذَّاباً
.
وفي الكافي عن الأصبغ بن نباته ـ قالَ: قالَ أميرُ المؤمنين عليه السّلام: «لاَ يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيمانِ حَتّى يَتْرُكَ
508 الكِذْبَ ھَزْلَهُ وَجِدَّهُ»
.
وفي وصايا رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم لأبي ذر: يَا أبَا ذَرٍّ، وَيْلٌ لِلَّذي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ،
509 وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ
.
وبعد عرض ھذه الأخبار الشديدة والمنقولة عن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين
عليھم السلام، لا بد من الجرأة الكبيرة والشقاء المضاعف، حتى يقدم الإنسان على ھذا الأمر الخطير، والمعصية
الكبيرة. وكما أن الكذب قد عُدّ من المفاسد الخطيرة جداً، اعتبر صدق اللھجة والاستقامة في الحديث، مھمّاً جداً،
وأُثنى عليه في أخبار أھل البيت ثناءاً بليغاً. ونحن نكتفي بذكر بعضھا:
محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قال: كُونُوا دُعاةً لِلنّاسِ بِالخَيْرِ بِغَيْرِ ألْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا
510 مِنْكُمُ الاجْتِھَادَ وَالصِّدْقَ وَالوَرَعَ
.
وقال الصدوق رحمة االله بسنده إلى رسول االله قالَ: قالَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسلّم: إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِني
511 غداً وَأوْجَبَكُمْ علَّي شَفَاعَةً، أصْدَقَكُمْ لِسَاناً، وأدَّاكم لِلأمَانةِ وَأحْسَنَكُمْ خُلُقاً وَأقْرَبَكمُ ْمِنَ النَّاسِ
.
فصل: في حقيقة الورع ومراتبه
يتحدث ھذا الفصل عن الورع، وأنه قد عُدَّ من منازل السالكين والسائرين إلى االله سبحانه، وعُرِّف حسب ما
نقل العارف المعروف خواجة عبداالله الأنصاري «ھُوَ تَوَقٍّ مُسْتَقْصىً عَلَى حَذَرٍ أَوْ تَحَرُّجٌ عَلَى تَعْظِيمٍ». وھذا التعريف
يشمل كافة مراتبه، لأن للورع مراتب كثيرة: فورع العوام، الاجتناب عن الكبائر، وورع الخواصّ الابتعاد عن الشبھات
. وورع أھل الزھد الاجتناب عن 512 خشية الوقوع في المحرمات كما أشير إليه في حديث التثليث الشريف
المباحات للابتعاد عن وزرھا. وورع أھل السلوك ترك النظر إلى الدنيا لأجل الوصول إلى المقامات. وورع المجذوبين،
ترك المقامات لأجل الوصول إلى باب االله، ومشاھدة جمال االله. وورع الأولياء، الاجتناب عن التوجّه إلى الغايات.
ولكل واحدة من ھذه المراتب شرح لا يجدينا الإسھاب فيه. وما يجب أن نعرفه ھنا ھو:
أن الورع عن المحرّمات الإلھية يكون على أساس جميع الكمالات المعنوية، والمقامات الأخروية. ولا يحصل
لأحد مقامُ إلا عند الورع عن محرّمات االله. وإن القلب الذي لا يتحلّى بالورع، ليصدأ، وليبلغ به الأمر إلى مستوى لا
يُرجى له النجاة. إن الورع يوجب صفاء النفوس وجلائھا، وأنه يكون من أھمّ المنازل لدى العوام، ويعتبر من أفضل
505
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 138 ،باب تحريم الكذب، أبواب أحكام العشرة، ح 11 و12.
506
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140 ،باب تحريم الكذب في الصغير والكبير والجد والھزل عدا ما استثنى.
507
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 2.
508
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكذب، ح 11.
509
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 140 من أبواب أحكام العشرة ح 4 ص 577.
510
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الآثار، ح 10.
511
أمالي الشيخ الصدوق المجلس 76 ص 411 طباعة الأعلى.
وسائل الشيعة، المجلد 18 ،الباب 12 من أبواب صفات القاضي، ح9 عن أبي عبد االله في حديث قال: وإنما الأمور ثلاثة أمر بين غيّة 512
فيجتنب وأمر مشكل يردّ علمه إلى االله وإلى رسوله قال رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلّم: حلال بيّن وحرام بيّن وشبھات بين ذلك فمن
ترك الشبھات نجا من المحرمات.
201
زاد المسافر نحو الآخرة. وقد ورد في فضله حسب أحاديث أھل بيت العصمة عليھم السّلام أكثر مما يسعه ھذا
الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعض ھذه الأحاديث. يرجع الباحث لأكثر من ذلك، إلى كتب الأخبار.
الكافي: بإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قالَ: أوصيكَ بِتَقْوَى االلهِ وَالْوَرَعِ وَالاجْتِھَادِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ
513 اجْتِھَادٌ لاَ وَرَعَ فِيهِ
.
وبھذا المضمون رواية أخرى أيضاً. وھذا شاھد على أن العبادات تتساقط عن الاعتبار، إذا كانت خالية من الورع.
ومن المعلوم أن الغاية المنشودة من العبادات التي ھي ترويض النفس، ولجمھا، وقھر الملكوت للمُلك والطبيعة،
لا تحصل إلاّ بواسطة الورع الشديد، والتقوى الكاملة.
ثم إن النفوس المدنسة بالمعصية، لا تقبل صورة ولا رسماً إلا بعد تنظيفھا من الكدر وتطھيرھا من القذارة،
حتى يتمكن الرسّام من الرسم فيھا. فالعبادات التي ھي الصور الكمالية للنفس، لا تنفع من دون صقلھا من غبار
المعصية، وإنما تكون صورة من دون لبّ وظاھراً من دون روح.
وبإسناده عن يزيدَ بنِ خَليفَةَ قالَ: وَعَظَنا أبو عبد االله عليه السّلام فَأَمَرَ وَزَھَّدَ ثُمَّ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالوَرَعِ فَإِنَّهُ لاَ
514 يُنالُ مَا عِنْدَ االلهِ إلاّ بِالوَرَعِ»
.
فبموجب ھذا الحديث الشريف، أن الإنسان الذي لا ورع له، يكون محروماً من الكرامات التي وعدھا االله لعباده.
وھذا الحرمان من أعظم الخذلان والشقاء. وفي الوسائل مسنداً إلى الإمام الباقر عليه السّلام في حديث: «لاَ
515 تُنالُ وِلاَيَتُنَا إِلاّ بِالعَمَلِ وَالوَرَعِ»
.
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق ثم (... قالَ يا عِيسى بن عَبْد االلهِ لَيْسَ مِنَّا وَلا كَرامَةُ مَنْ كانَ فِي مِصْرٍ فِيه
516 مائَةُ ألْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَكانَ في ذَلكَ المِصْر أحَدٌ أوْرَع مِنْه)
.
ولا بد من معرفة أن المقياس في كمال الورع على ضوء الروايات الشريفة، ھو الاجتناب عن محرمات االله، وأن
كل من يبتعد عن المحرمات الإلھية أكثر، يُعدّ من أروع الناس طراً. فينبغي أن لا يستغل الشيطان ھذا الموضوع ـ
ليس منا وفي مصر مائة ألف يوجد أحد أروع منه ـ ويعظمه، ويلقي اليأس في القلب، لأن من طبيعة ھذا الملعون
دفع الإنسان إلى الشقاء الأبدي من خلال اليأس، بأن يقول له في المقام مثلاً: كيف يمكن أن يكون أروع إنسان
في بلد يحتضن مائة ألف أو يزيدون من الناس؟ فإن ھذا من أساليب كيد ھذا اللعين، ووساوس النفس الأمارة.
ولكن جوابه ھو أن من ابتعد عن المحرمات الإلھية يندرج في ھذا الروايات، حسب ما يستفاد من الأحاديث
المباركة، ويعتبر من أورع الناس.
ثم إن الابتعاد عن المحرمات الإلھية، لا يستدعي جھداً جباراً، بل الإنسان مع قليل من الترويض النفسي
والعمل، يستطيع أن يترك جميع المحرمات، شريطة إرادته على أن يكون من أھل السعادة والنجاة، ومن أھل
الولاية للأئمة الأطھار وكرامة الحق المتعالى. وإذا لم يكن له صبر على المعصية، بھذا المقدار، لما تحقق له البعد
عن المعصية. أنه يجب أن يتمتع بقدر من الجلادة والإصرار والترويض النفسي.
تتميم: في بيان مفاسد الخيانة وحقيقة الأمانة
توجد في المقام نكتة لا بد من الإشارة إليھا، وھي أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم بعد أن أوصى
بالورع فرع عليه قائلا (وَلا تَجْتَرِىء عَلَى خِيانَةٍ أبَدَاً) مع أن الورع يكون عن كل المحرمات، أو يكون أعم من الخيانة،
وعليه لا بد من تَفسير الخيانة بمعنى أعم من التفاھم العرفي لھا، حتى تتطابق مع الورع، بأن نقول إن مطلق
المعصية أو اقتراف مطلق ما يمنع السير إلى االله خيانة، لأن التكاليف الإلھية أمانات للحق سبحانه كما ورد في
. الخ. حيث فسّر بعض المفسرين الأمانة بالتكاليف 517 الآية الكريمة (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
الإلھية، بل إن جميع الأعضاء، والجوارح والقوى، أمانات للحق المتعالى واستعمالھا على خلاف رضا الحق
513
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب الورع، ح11.
514
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب الورع، ح 3.
515
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،باب 21 من أبواب جھاد النفس ح17و11.
516
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،باب 21 من أبواب جھاد النفس ح17و11.
517
سورة الأحزاب، آية: 72.
202
سبحانه، خيانة، كما أن توجيه القلب إلى غير الحق يعدّ من الخيانة. بيت شعر: ھذه الروح التي أعارھا لي
الصديق الحميم سأرجعھا إليه في اليوم الذي أرى وجھه. أو أن المقصود من الخيانة نفس المعنى المتعارف،
ويكون وجه التخصيص بذكرھا لأجل شدة الاھتمام بالخيانة، فكأنّ الورع كل الورع ھو الابتعاد عن خيانة الأمانة.
ومن يرجع إلى أخبار المعصومين عليھم السّلام المأثورة في ردّ الأمانة والابتعاد عن الخيانة، لأدرك حجم
اھتمام الشارع المقدس بھذا الموضوع. ويضاف إلى ذلك ھو أنّ قبحھا الذاتي لا يخفى على أحد. وأنه يجب إخراج
الإنسان الخائن من المجتمع البشري، وإلحاقه بأرذل الشياطين. ومن المعلوم أن الإنسان الذي يشتھر بين الناس
بالخيانة، تضيق عليه الحياة وتصعب، حتى في ھذا العالم أيضاً.
إنّ البشر بصورة عامة يعيشون مع بعضھم البعض في ظلّ التعاون والتعاضد حياة سعيدة، ولا يمكن لأحد،
الحياة بصورة منفردة، إلاّ إذا غادر المجتمع البشري والتحق بالحيوانات الوحشية. ثم إن العجلة الكبيرة التي تدور
لتحريك الحياة الاجتماعية، ھي اعتماد الناس بعضھم على بعض، فإذا زال الاعتماد وتلاشت الثقة، لما تمكّن
الإنسان أن يعيش ھنيئاً رغيداً. إن الركيزة الأساسية للاعتماد المتبادل بين الناس قائمة على الأمانة وترك
الخيانة، فلا يحظى الخائن، بالاطمئنان لدى الناس ويعدّ مارقاً على المدينة وخارجاً عن العضوية للمجتمع البشري
وتكون عضويته مرفوضة لدى أصحاب المدينة الفاضلة. ومن الواضح أن مثل ھذا الإنسان يعيش حياة ضنك وفي
صعوبة بالغة.
ونحن لأجل تتميم الفائدة، نذكر في ھذا الباب بعض الأحاديث المنقولة عن أھل بيت العصمة عليھم السلام،
إذ تكتفي بھا القلوب الواعية، والأعين الباصرة.
محمّد بن يعقوب بإسناده عن أبي عبداالله عليه السّلام قال: لاَ تَنْظُرُوا إلى طولِ رُكوعِ الرَّجُلِ وَسُجُودِهِ فَإِنَّ ذلِكَ
.
شَيْءٌ اعْتَادَهُ فَلَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ لِذَلِكَ، وَلكِنِ انْظُرُوا إِلَى صِدْقِ حَدِيثِهِ وَأَدَاءِ أَمَانَتِهِ518
وبإسناده عن أبي كَھْمَسٍ قالَ: قُلْتُ لأبِي عَبْدُااللهِ عليه السّلام: عبَدْااللهُ بْنُ أبِي يَعْفورٍ يُقْرئُكَ السَّلاَمَ. قالَ:
«عَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلامُ، إذا أَتَيْتَ عَبْدَااللهِ فَأَقْرِئُهُ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ لَكَ، انْظُرْ مَا بَلَغَ بِهِ عَلِيٌّ
عِنْدَ رَسولِ اللِه صلّى االله عليه وآله وَسَلم فَالْزَمْهُ، فَإِنَّ عَلِياً عليه السّلام إِنَّما بَلَغَ بِهِ عِنْدَ رَسولِ االلهِ بِصِدْق
519 الحَديثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ»
.
فيا عزيزي: تدبّر في ھذا الحديث الشريف، وانظر إلى أن مقام صدق الحديث وأداء الأمانة دفعا بعلي بن أبي
طالب عليه السّلام إلى بلوغ ذلك المقام الرفيع.
ويفھم من ھذا الحديث أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم كان يحبّ ھاتين الخصلتين أكثر من غيرھما،
لأن ھاتين الصفتين من الصفات الكمالية لمولانا علي بن أبي طالب عليه السّلام قد بلغتا به ذلك المقام الرفيع،
وإن الإمام الصادق عليه السّلام قد أبدى اھتماماً بھاتين الصفتين أكثر من كل الأفعال والأوصاف، وذكّر عليه
السّلام ابن أبي يعفور الذي ھو من المخلصين والمقربين له عليه السّلام بھما خاصة.
وبإسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قالَ أبو ذَرٍّ رَضي االلهُ عَنْهُ ـ سَمِعْتُ رَسُولَ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلم يَقُولُ: حافَّتا الصِّراط يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّحِمُ والأمانَةُ، فَإِذَا مَرَّ الوصولُ لِلرَّحِمِ المُؤَدِّي لِلأَمَانَةِ نَفَذَ إلَى الجَنَّةِ، وَإِذَا
520 مَرَّ الخَائِنُ لِلأَمَانَةِ القَطُوعُ لِلرَّحِمِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَعَھُمَا عَمَلٌ وَتَكْفَأُ بِهِ الصِّراطُ فِي النّار
.
فعلم بأن صورتي الرحم والأمانة في ذلك العالم تقفان على طرفي الطريق، وتعينان من يصل رحمه ويؤدي
أمانته، ومع تركھما لا يفيدنا أي عمل آخر وإنما بتركھا يھوي الإنسان في النار.
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «أَدُّوا الأمانَةَ وَلَوْ إِلَى قَاتِلِ وَلَدِ
الأَنْبِياءِ.
518
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الأمانة، ح12.
519
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصدق وأداء الأمانة، ح5.
520
كتاب فروع الكافي، المجلد الخامس، باب أداء الأمانة، ح 3و 4.
203
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام في وصيَّتِهِ لَهُ: اعْلَمْ أنَّ ضَارِبَ عَلِيٍّ عليه السّلام بِالسَّيْفِ وَقَاتِلَهُ لَو
521 ائتَمَنَني وَاسْتَنْصَحَنِي وَاسْتَشَارَنِي ثُمَّ قَبِلْتُ ذلِك مِنْهُ لأَدَّيْتُ إِلَيْهِ الأَمَانَة
.
ومحمّد بن عليٍّ بن الحسين بإسناده عن أبي حمزة الثماليِّ قالَ: سَمِعْتُ سَيِّدَ العَابِدِينَ عَليَّ بنَ الحسينِ
بن أبي طالب عليه السّلام يَقُولُ لِشِيعَتِهِ: عَلَيْكُمْ بِأَدَاءِ الأَمَانَةِ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً صلّى االله عليه وآله وسلم
522 بِالحَقِّ نَبِيّاً لَوْ أَنَّ قَاتِلَ أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ عَلَيٍّ عليھما السّلام ائْتَمَنَني عَلَى السَّيْفِ الَّذِي قَتَلَهُ بِهِ لأَدَّيْتَهُ إِلَيْهِ»
.
وبإسناده عن الصادق عليه السّلام عن آبائه عليھم السّلام عن النَّبيِّ صلّى االله عليه وآله وسلم في حديثِ
المَناھى أَنَّهُ نَھَى عَنِ الخِيَانَةِ وَقالَ: «مَنْ خَانَ أَمَانَةً فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَرُدَّھَا إِلَى أَھْلِھَا ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ مَاتَ عَلَى غَيْرِ
523 مِلَّتِي وَيَلْقَى االلهَ وَھُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ وَمِنَ اشْتَرَى خِيَانَةً وَھُوَ يَعْلَمُ فَھُوَ كَالَّذِي خَانَھَا»
.
وتوجد بھذا المضمون أحاديث أخرى مذكورة في كتب الأخبار. ويعرف الجميع مضاعفات سخط الذات المقدس
الحق وغضبه على البعد. كما أنه من المعلوم أن الشفعاء، لا يشفعون لمن ھو مغضوب عليه لدى الحق سبحانه.
وخاصة أن الخائن يكون خارجاً أيضاً عن أمة رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم. ففي حديث آخر (لَيْسَ مِنَّا مَنْ
وفي حديث ثالث عن النبيِّ صلّى االله عليه وآله وسلم مَنْ خَانَ أَمَانَة فِي الدُّنيَا وَلَمْ يَرُدّھا عَلَى 524 خَانَ مُؤمِناً)
أَھْلِھَا مَاتَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الإسلامِ وَلَقِيَ االلهَ وَھُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ فَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيَھَوى بِهِ فِي شَفِير جَھَنَّم أَبَد
525 الآبِدين
أعوذ باالله من ھذه الخطيئة.
ومن المعلوم أن خيانة المؤمنين تعمّ الخيانة المالية والخيانات الأخرى التي ھي أكبر من الخيانة المالية.
فيجب على الإنسان في ھذه الدنيا أن يراقب النفس الأمارة كثيراً، إذ ربما تقوم بعملية التعتيم للحقائق على
الإنسان وتذليل الصعوبات وتسھيلھا، مع أنھا توجب الشقاء الدائم والخذلان الأبدي.
ھذه ھي حالة الخيانة لعباد االله، ويتبين من ھنا أيضاً وضع الخائن لأمانة الحق المتعالي.
في الإشارة إلى بعض أمانات الحق
ولا بد من معرفة أن الحق تبارك وتعالى، قد وھبنا كافة القوى والأعضاء الظاھرية والباطنية، وبسط لنا بساط
الرحمة والنعمة في مملكتنا الظاھرية والباطنية، ووضعھا كلھا تحت قدرتنا لتسخيرھا، وائتمننا عليھا بلطفه
ورحمته، وھي ـ ھذه العطايا ـ طاھرة ونظيفة من كل القذارات الصورية والمعنوية وكذلك ما أنزل علينا من عالم
الغيب كان بعيداً عن الشوائب والعناصر الغريبة، فإذا أرجعنا ھذه الأمانات لدى لقائنا بالذات المقدس، من دون أن
تصير ممزوجة مع عالم المادة، وقذارات المُلك والدنيا، كُنَّا أُمناء على الأمانة التي أودعت عندنا، وإن لم نحافظ
على طھارة ھذه الأمانات، غدونا من الخائنين والخارجين عن الإسلام الحقيقي، وملّة رسول االله صلى االله عليه
وآله وسلم.
وفي الحديث المشھور إن (قَلْبَ المُؤمن عَرْشُ الرحْمن) وفي الحديث القدسي المعروف «لا يَسُعُنِي أَرْضِي
. فإن قلب المؤمن عرش الحق المتعالي، وسرير سلطنته 526 وَلا سَمَائِي وَلكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْديَ المُؤْمِنِ»
وسكنى ذاته المقدس، وإنه سبحانه صاحب ھذا البيت، فالالتفات إلى غير الحق خيانة للحق، والحب لغير ذاته
الأقدس ولغير أوليائه الذين يعتبر حبّھم حبّه سبحانه، خيانة لدى العرفاء.
وإن ولاية أھل بيت العصمة والطھارة، ومودّتھم، ومعرفة مرتبتھم المقدسة، أمانة من الحق سبحانه. كما ورد
بولاية أمير 527 في الأحاديث الشريفة في تفسير الأمانة في الآية (إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرضِ)
المؤمنين عليه السّلام. كما أن غصب خلافته وولايته، خيانة لتلك الأمانة وأن رفض المتابعة للإمام علي عليه
السّلام مرتبة من مراتب الخيانة. وفي الأحاديث الشريفة.
521
كتاب فروع الكافي، المجلد الخامس، باب أداء الأمانة، ح 3و 4.
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،باب وجوب أداء الأمانة، من كتاب أحكام الوديعة ح 13 522
523
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح2.
524
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح2.
525
وسائل الشيعة، المجلد 13 ،الباب 3 من أبواب أحكام الوديعة ح5.
526
إتحاف السادة المتقين، المجلد 7 ،ص 234.
527 إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
.
204
إن الشيعي ھو الذي يتّبع أمير المؤمنين عليه السلام اتباعاً كاملاً وإلاّ فإن مجرد دعوى التشيع من دون الاتباع
لا يكون تشيعاً.
إن كثيراً من الأوھام، تعتبر من قبيل الشھوة الكاذبة يشتھي الإنسان الطعام وھو شبعان، فإذا لمسنا في
قلوبنا مودّة علي عليه السّلام وأولاده الطاھرين اغتررنا بھا، وحسبنا أن ھذه المودة لوحدھا ستبقى وتستمر من
دون حاجة إلى تبعية كاملة لھم. ولكن ما ھو الضمان على بقاء ھذه المودة إن لم نحافظ عليھا بل إن تخلّينا عن
آثار الصداقة والمودة التي ھي المشايعة والتبعية؟ إذ من الممكن أن الإنسان ينسى علي بن أبي طالب عليه
السّلام من جراء الذھول والوحشة الحاصلتين من الضغوط الواقعة على غير المخلصين والمؤمنين. ففي الحديث
(إن طائفة من أھل المعصية يتعذبون في جھنم وھم ناسون اسم رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم، وبعد
انتھاء فترة العذاب وحصول الطھارة والنظافة من قذارات المعاصي يتذكّرون اسم النبي المبارك أو يلقى الاسم في
قلوبھم، فيصرخون ويستغيثون قائلين وا محمداه صلى االله عليه وآله وسلم فتشملھم بعد ذلك الرحمة).
إننا نظن أن حادثة الموت وسكراته، تضاھي حوادث ھذا العالم. عزيزي إنك عندما تعاني من مرض بسيط،
تنسى كل علومك وثقافاتك، فكيف بك عندما تواجه الصعاب والضغوط والمصائب والأھوال التي ترافق الموت
وسكراته؟ إذا تصادق الإنسان مع الحق سبحانه، وعمل حسب متطلبات الصداقة، وتذكّر الحبيب وتبعه، كانت تلك
الصداقة مع الولي المطلق، والحبيب المطلق الذي ھو الحق المتعالي محبوبةً لديه سبحانه، وملحوظة عنده
تعالى. ولكنه إذا ادعى المودة ولم يعمل حسب مقتضاھا بل خالفه، فمن الممكن أن الإنسان يتخلى عن تلك
الصداقة مع الولي المطلق قبل رحيله من ھذه الدنيا نتيجة التغييرات والتبدلات والأحداث المتقلبة في ھذا في
ھذا العالم. بل والعياذ باالله قد يصير عدواً له سبحانه وتعالى. كما أننا شاھدنا أشخاصاً كانوا يدعون المودة
والصداقة وبعد العِشرة اللامسؤولة، والأعمال البشعة تحوّلوا إلى أعداء وخصماء الله ورسوله صلّى االله عليه وآله
وسلم وأھل بيته عليھم السّلام. وإذا فرضنا أن ھؤلاء رحلوا من ھذا العالم على حب محمد وآله، فھم على
حسب الروايات الشريفة والآيات المباركة من أھل النجاة يوم القيامة ومصيرھم السعادة، ولكنھم يكونون في
معاناة لدى البرزخ
528 وأھوال الموت وعند لحشر ففي الحديث (إِنَّنا شُفَعاؤُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلكِنْ تَزَودُّوا لَبرْزَخِكُم)
.
أعوذ باالله من عذاب القبر وضغطه وشدة البرزخ وعذابه، حيث لا يشابھه شيء في ھذا العالم. إن الكوّة التي
تفتح من جھنم على القبر، لو انفتحت على ھذا العالم لھلكت كافة الموجودات. نعوذ باالله منه.
فصل: في بيان الخوف من الحق المتعالي
إعلم أن الخوف من الحق جل وعلا من المنازل التي قلّما نستطيع أن نجد للعوام من الناس منزلة وفضيلة في
مستوى منزلة الخوف من الحق سبحانه. وھذا الخوف مضافاً إلى أنه يكون من الكمالات المعنوية، يعتبر منشأً
لكثير من الفضائل النفسية، وعاملاً ھامّاً لإصلاح النفس، بل مصدر جميع الإصلاحات للنفس، ومبدأ لعلاج جميع
الأمراض الروحية. ويجب على الإنسان المؤمن باالله، السالك والمھاجر إلى االله، أن يھتم كثيراً بھذه المنزلة، وأن
يُقبل بوجھه أكثر فأكثر على ما يبعث الخشية من االله في القلب، ويعمّق جذوره فيه، مثل التفكر في العذاب
والعقاب وشدّة أھوال الموت وبعد الموت من عالم البرزخ والقيامة، والصراط والميزان والحساب وألوان عذاب جھنم،
ومثل التذكر لعظمة الحق المتعالي وجلاله وقھره وسلطانه ومكره وسوء العاقبة وأمثال ذلك.
وحيث أننا عرضنا شرحاً مختصراً لكل ھذه المراحل في ھذا الكتاب، اقتصرنا ھنا على ذكر بعض الأحاديث في
فضيلة الخوف من االله تعالى.
محمَّدُ بنُ يعقوبَ بإسناده عن إسحاق بنِ عمّارٍ قالَ: قالَ أبو عبد االله عليه السّلام: «يا إسْحاقُ، خَفِ االلهَ كَأّنَّكَ
تَراهُ، وإِنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَراكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالمَعْصِيةِ
529 فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَھوَنِ النَّاظِرينَ عَلَيْكَ»
.
528


بل وحسب زعم الكاتب أن من عوامل ھذا الرفض والاستبعاد للمكافأة الكبيرة على العمل الصغير، العُجب
واستعظام العمل: مثلاً إذا صام شخص يوماً واحداً، أو أحيا ليلة واحدة بالعبادة، فلا يستكثر الثواب الكثير إذا سمع
بأن جزاءه ثواب عظيم، ولكنه إذا عرف بأنّ ھذا الثواب ثمن عمله استبعد عظمة الأجر والثواب، وبعد أن استعظم
عمله ويُعجب به، يتلاشى الاستبعاد ويُصدّق الثواب العظيم ويؤمن به.
عزيزي إذا فرضنا بأننا كنا طيلة حياتنا التي نعيشھا خمسين أو ستين عاماً، من الملتزمين لكل الوظائف
الشرعية، ثم ارتحلنا من ھذه الدنيا مع إيمان صحيح وعمل صالح وتوبة مقبولة فماذا نستحق من الجزاء لھذا القدر
من الإيمان والعمل؟ مع أنّ ھذا الإنسان حسب القرآن الكريم والسنة النبوية واتفاق جميع الأمم، تشمله رحمة
الحق سبحانه، وتدخله الجنة الموعودة، ھذه الجنة التي يخلّد الإنسان في نعمھا ورفاھھا، ويعيش إلى الأبد في
الرحمة والروح والريحان، ولا مجال لإنكار ذلك أبداً، مع أنه إذا أردنا أن نقارن الجزاء بالعمل ـ على فرض أن يكون
لعملنا مكافأة ـ لما استحق ھذا القدر من الجزاء الذي يعجز العقل عن تصور كميته وكيفيته.
فيظھر أن القضية لا ترتبط بمقارنة المكافأة مع العمل، بل تكون منوطة بشيء آخر ـ الرحمة الواسعة الإلھية ـ
وعليه لا يبقى مجال لاستبعاد ھذه المكافأة العظيمة على عمل صغير ورفضھا.
فصل: في بيان عدد النوافل
إن مقصود رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم من قوله (أمَّا الصَّلاةُ فالْخَمْسُونَ رَكْعَة) الموافق لسنته (الآخِذُ
بِسُنَتِي فِي صَلاَتِي)، ھو الصلوات من فرائضھا ونوافلھا عدا ركعتين بعد صلاة العشاء تؤديان من جلوس وتعدّان
ركعة واحدة، حيث يكون مجموع عدد الركعات مع ھاتين الركعتين من جلوس إحدى وخمسين ركعة. ولعل تجاھل
رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم لذكر ھذه الركعة لأجل أن خمسين ركعة ھذه، مستحب مؤكد. كما تدلّ
على ذلك رواية ابن أبي عمير قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ االلهِ عليه السّلام عَنْ أَفْضَلِ مَا جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ:
«تَمَامُ الخَمْسِينَ»
537
.
ويستفاد من بعض الروايات أنه قد جرت سيرة رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم على أداء الخمسين ركعة
ھذه. مع أن ھناك روايات أخرى تدل على أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم قد كان يأتي بالعَتَمة ـ الركعتان
من جلوس بعد صلاة العشاء ـ ولعلّ عدم ذكرھا ضمن النوافل، وجعل السنّة خمسين ركعة، لأجل أن العتمة بديل
عن صلاة الوتر من دون أن تكون لھا استقلالية، كما تدل على ذلك رواية فضيل بن يسار، وتسمى في الرواية
الشريفة بالوتر. وفي بعض الروايات أنه من صلى العتمة ومات كان من الذين ماتوا وقد أقاموا صلاة الوتر. ففي
الحقيقة أن صلاة العتمة ھي صلاة الوتر التي لا بد أن نؤديھا فبل وقتھا خشية موتنا تلك الليلة، فعندما يحلّ وقتھا
535
سورة القدر، آية: 3.
536
سورة البقرة، آية: 261.
537
وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 13 ،من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا ح5 ص 32.
208
لا تكون تلك العتمة مُجزية عنھا. وفي بعض الروايات أن العَتَمَة لم تكن من نوافل الصلوات اليومية، وإنما أضيفت
حتى تكون النوافل ضعف الفرائض.
وملخص الحديث أنه لا تھاتف بين ھذه الروايات، فإنه من الممكن أن تكون خمسون ركعة من أفضل السُّنن،
وھاتان الركعتان من جلوس ـ العتمة ـ مستحبتان غير مؤكدتين، وإنما شرعتا لتتميم عدد الضعف، وللاحتياط في
الإتيان بالعتمة قبل مفاجأته الموت بالليل قبل أن يأتي بصلاة الوتر.
وعلى أي حال ھناك فضل كبير للنوافل اليومية، بل اعتبر في بعض الروايات أنّ من المعاصي ترك النافلة وفي
بعض آخر أن االله سبحانه سيعذّب الإنسان على ترك السنّة. وفي بعضھا تصريح بوجوب النوافل. ويكون ھذا التعبير
لأجل التأكيد على الإتيان بھا والردع عن تركھا. وينبغي على الإنسان مھما أمكن أن لا يتركھا، لأن الھدف
المنشود من ورائھا حسب الروايات المذكورة إتمام الفرائض وقبولھا. ففي بعض الأحاديث قال الصادق عليه
ويظھر من ھذا الحديث أن الشيعة ھم الذين يأتون بالإحدى 538 السلام (شِيعَتنا أَصْحَابُ الإحْدى وَخَمْسِينَ رَكْعَة)
وخمسين ركعة، ولم يتقصروا على الاعتقاد بھا فحسب من دون أن ينجزوھا. ويقابلھم أھل السنة. ويظھر ذلك من
حديث علامات المؤمن عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام قَالَ: عَلاَمَاتُ الْمُؤْمِنْ خَمْس، وَعدَّ
539 مِنھا صَلاة الإحْدى وَخَمْسِين

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 18   الثلاثاء يناير 09, 2018 10:04 am

.
في بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شھر
وأما السُّنة الثانية للرسول الأكرم صلّى االله عليه وآله وسلم فھي الصيام ثلاثة أيام في الشھر. وقد ورد في
فضل ذلك ما يتجاوز أربعين رواية. وحصل خلاف لدى العلماء الإعلام حول كيفية ذلك. والذي يشتھر بينھم ويتطابق
مع الأحاديث الكثيرة، وعمل رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم في نھاية عمره الشريف، وعمل أئمة الھدى،
ھو صوم ثلاثة أيام في الشھر الواحد ھي: أول خميس من الشھر، وھو يوم عرض الأعمال. والأربعاء الأول من
العشرة الثانية وھو يوم نحس مستمر، ويوم نزول العذاب. والخميس الأخير من الشھر الذي ھو يوم عرض الأعمال
أيضاً. وفي الرواية عن أبي عبد االله عليه السّلام... لأَنَّ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الأُمَم كَانُوا إِذَا نَزَلَ عَلَى أَحَدِھِم الْعَذَابَ، نَزَلَ
. وفي صدر ھذا 540 فِي ھذِهِ الأَيَّامِ فَصَامَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلم ھذِهِ الأَيَّامَ لأَنَّھَا الأَيَّامَ الْمَخَوفَةِ)
الحديث (وَقَالَ لِيَعْدِلَنَّ ـ صيام ثلاثة أيام في الشھر ـ صَوْمُ الدَّھْرِ). وعلّل في بعض الروايات بالآية الكريمة (مَنْ جَاءَ
541 بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرَ أَمْثَالِھَا)
.
وأما الروايات التي تخالف الأحاديث المذكورة من جھة تعيين أيام الصيام الثلاثة، فھي محمولة على مراتب
الفضل. وإذا افترضنا التھافت والتعارض بين ھاتين المجموعتين من الأخبار، كان الترجيح من جھات شتّى للروايات
التي منھا الحديث الشريف. بل نستطيع أن نقول بأنه من التعارض بين النصّ والظاھر أو بين الأظھر والظاھر،
والمجموعة التي فيھا الحديث المذكور نصّ وأظھر فتتقدم على المجموعة التي تقابلھا وتعارضھا.
وأما مرسلة الصدوق التي تقول (وَرُوِيَ عَنِ العَالَمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَمِيسَيْنِ يَتَّفِقَانِ فِي آخر الْعَشْرِ، فَقَالَ صُمْ
. فلا تتنافى مع ھذه الأخبار، لأن ظاھرھا البلوغ إلى الثواب العاجل، إذ من المحتمل أن لا 542 الأَوَّلَ لاَ تَلْحَقَ الثَّانِيَ)
لا يتوفق الإنسان إلى الصيام في الخميس الثاني بسبب مفاجأته الموت. كما ورد نفس ھذا المضمون في تعليل
صلاة العَتَمَة. فھذه الرواية ـ مرسلة الصدوق ـ بنفسھا تدل على المقصود، من أفضلية الصوم في الخميس الأخير
من الشھر، ولا تمتّ إلى الأخبار المعارضة بصلة. والظاھر أن الإنسان إذا صام الخميس الأول من الشھر، وبقي
على قيد الحياة حتى حلول الخميس الأخير من الشھر، فالأفضل صومه أيضاً، لنيل ثوابه، إذ أن الصوم في
الخميس الأول لا يغني عنه. وما ذكره المحقق الجليل فيض الكاشاني والمحدّث العالي الشأن صاحب الحدائق
538
وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا، ص 41.
539
وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا، ص 42.
وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 1 540
541
وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 8.
542
وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح4.
209
عليھما الرحمة للجمع بين ھاتين المجموعتين من الأحاديث فبعيد، وخاصّة كلام صاحب الحدائق رضوان االله تعالى
عليه.
في بيان أفضلية الصدقة
وأما السُّنة الثالثة لرسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم، فھي عبارة عن: (أَمَّا الصَّدَقَةَ فَجُھدُكَ حَتَّى تَقُولَ قَدْ
أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِف) وھي من المستحبات، التي قل أن يبلغ مثوبتھا في الأجر والثواب، عمل آخر. والأخبار في
التصدق حتى على من لا يوافقنا في الدين، وعلى الحيوانات البرية والبحرية، أكثر مما يتناسب مع حجم ھذا
الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعضھا:
محمَّد بن يعقوب بإسناده عن عبد االله بن سنان في حديث قالَ: قَالَ أبو عبد االله عليه السّلام: لَيْسَ شَيْءٌ
أَثْقَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى المُؤْمِنِ، وَھِيَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ العَبْدِ.
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام في حديث قالَ: إنَّ االلهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً إلاّ وَلَهُ خَازِنٌ يَخْزُنُهُ إلاَّ الصَّدَقَةَ
فَإِنَّ الرَّبَّ يَلِيھَا بِنَفْسِهِ؛ وَكَانَ أَبِي إِذَا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه فقبله وشمه ثم رده في يد
543 السائل
.
وھناك أحاديث أخرى قريبة من مضمون ھذا الحديث، دالّة على عظمة شأن الصدقة وجلالة قدرھا، حيث إن
االله سبحانه لم يخوّل أمرھا إلى شخص آخر، وإنما تولى ھو بنفسه مع يد قدرته وإحاطته القيّومية، المحافظة
على صورة الصدقة الغيبية الكاملة.
ثم إن التدبر في ھذا الحديث الشريف وأمثاله المذكورة في الأبواب المختلفة من كتب الأصحاب رضوان االله
عليھم أجمعين، يبعث على استكشاف التوحيد الفعلي للحق سبحانه، والتجلّي القيوميّ لدى أھل المعرفة
وأصحاب القلوب ـ العرفاء ـ ويشير إلى نكتة مھمة، يجب على من يؤدي ھذا الأمر المھم ـ التصدّق ـ الالتفات إليھا،
وھي:
إن الإنسان عندما يتصدق بيده إذا منّ على الفقير أو أساء إليه والعياذ باالله، كانت منّته وإساءته أولاً إلى االله
تعالى وثانياً إلى الفقير. كما أنه إذا خشع وتواضع وأبدى منتھى الذل والمسكنة لدى تقديم الصدقة إلى السائل
المؤمن، كان خضوعه وذله وخشوعه الله أولاً ثم للفقير المؤمن ثانياً. كما رأينا بأن عالم آل محمد صلّى االله عليه
وآله وسلم، وعاشق جمال الحق المتعالي، الإمام باقر العلوم عليه السّلام (إِذَا تَصَدَّقَ بِشيءٍ وَضَعَهُ فِي يَدِ
السّائِلِ ثُمَّ ارتَدَّه مِنْهُ فَقَبَّلَه وَشَمَّهُ ثُمَّ رَدّهُ فِي يَدِ السّائِلِ).
واالله سبحانه وتعالى يعلم بأن مثل ھذه المغازلة مع المعشوق جل وعلا إلى أي حدّ كانت تبعث على قرار
نفس العاشق المجذوب، وراحة أعماق الإمام المقدسة وكانت تسبّب إخماد ذلك اللھب والضرام المتأجج في
صدره صلوات االله وسلامه عليه.
ومن المؤسف جداً آلاف المرات أني قدمت إلى ھذا العالم وأنا مستغرق في بحار ھوى النفس، وملتصق
بالأرض المادية، ومقيّد بالشھوات وأسير للبطن والفرج، وغافل عن عالم مُلك الوجود، وسكران بسكر الأنانية
والذاتية، من المؤسف إني سأفارق ھذا العالم، ولم أدرك شيئاً من محبّة الأولياء، ولم أفھم شيئاً أبداً من جذباتھم
وجذواتھم ومنازلھم ومغازلتھم، بل كان حضوري في ھذا العالم حضوراً حيوانياً، وحركاتي حركات حيوانيةً
وشيطانيةً. وعليه فسيكون موتي أيضاً حيوانياً وشيطانياً. اللھم إليك المشتكى وعليك المعول.
إلھي: أنقذنا بنور ھدايتك، وأيقظنا من ھذا النوم العميق، وخذ بأيدينا إلى عالم الغيب والنور ودار البھجة
والسرور، ومحفل الإنس، والخلوة الخاصة بك.
وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قالَ: قالَ رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: «أرْضُ الْقِيِامَةِ نَارٌ مَا
وفي الرواية عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قالَ االلهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى «أَنَا 544 خَلاَ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ صَدَقَتَهُ تُظِلُّهُ»
543 فروع الكافي، المجلد، ص
.9
544
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص3.
210
خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَلْتُ بِالأَشْيَاءِ غَيْرِي إِلاّ الصَّدَقَةَ فَإِنِّي أَقْبضُھَا بِيَدِي، حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ يَتَصَدَّقَ بِشِقَّةِ التَمْرَة فَأُرَّبِّيھا
545 لَهُ كَمَا يُرَبِّي الرَجُلُ مِنْكُمْ فَصِيلَةُ وَفِلْوَهُ حَتَّى أَتْرُكَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحدٍ»
. وروايات كثيرة من ھذا القبيل.
وعن أبي 546 وورد في أحاديث كثيرة عن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (الْصَدَقَةُ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)
وعن أبي عبداالله عليه السلام (قَالَ: حُسْنُ الصَّدَقَةِ 547 الحسن عليه السّلام (قَالَ: إسْتَنْزِلُوا الْرِزْقَ بِالصَّدَقَةِ)
وقال رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (قَالَ الْبِرُّ وَالْصَدَقَةُ يَنْفِيَانِ الفَقْرَ، وَيَزِيدَانِ فِي العُمْرِ، 548 يَقْضِي الدَيْنَ)
وعن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: «إنَّ الصَّدقةَ وصلة الرَّحمِ تُعَمِّرانِ الدِّيار 549 وَيَدْفَعَانِ سَبْعِينَ مِيتَةَ سُوءٍ)
وعن أبي جعفر عليه السّلام (إِنَّهُ قَالَ الْصَدَقَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، جُزْءِ الصَّدَقَةِ فِيهِ 550 وتَزيدانِ في الأَعْمارِ»
بِعَشْرَة وَھيَ الصَّدَقَةُ عَلَى العَامَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِھَا وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ فِيهِ بِسَبْعِينَ وَھِيَ
الصَدَقَةُ عَلَى ذَوِي العَاھَاتِ، وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ فِيهِ بِسَبْعَمَائَةِ وَھِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى ذَوِي الأَرْحَامِ، وَجُزْءُ الْصَدَقَةِ بِسَبْعَةِ
وعن رسول االله صلى 551 آلافٍ وَھِيَ الْصَدَقَةُ عَلَى العُلَمَاءِ وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ بِسَبْعِينَ أَلْفاً وَھِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَوتى)
. عن أبي عبد االله عليه السّلام أنه قال (إِرْغَبُوا فِي 552 االله عليه وآله وسلم (إِنَّ الصَّدَقَة لاَ تَزِيدُ المَالَ إِلاَّ كَثْرَةً)
الصَّدَقَةِ وَبَكِّرُوا بِھَا، فَمَا مِنْ مُؤْمِن يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ حِينَ يُصْبحُ يُرِيدُ بِھَا مَا عِنْدَ االلهِ، إِلاَّ دَفَعَ االلهُ بِھَا عَنْهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ
وعن رسول االله صلّى االله 553 مِنَ السَّمَاءِ فِي ذلِكَ الْيَوْم أَوْ قَالَ وَقَاهُ االلهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي ذلِكَ الْيَومِ)
554 عليه وآله وسلم (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْھَبَ االلهُ عَنْهُ نَحْسُ لَيْلَتِهِ فَلْيَفْتَتِح لَيْلَتهُ بِصَدَقَةٍ، يَدْفَعُ االله عَنْهُ نَحْسَ لَيْلَتِهِ)
وعن أبي بصير عن 555 وعن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (إِنَّ االلهَ لاَ إِلهَ إِلاَّ ھُوَ لَيَدْفَعُ بِالصَّدَقَةِ الدَّاءَ و... )
أبي جعفر عليه السّلام قال: لأَنْ أَحُجَّ حِجَّةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَةً وَرَقَبةً حَتَّى انْتَھى إِلى عَشْر وَمِثْلَھَا
وَمِثْلَھَا حَتَّى انْتَھى إِلَى سَبْعِينَ وَلأَنْ أَعْدَل أَھْلَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أَشْبعُ جُوعَتَھُم وَأَكْسُو عَوْرَتُھُمْ وَأَكُفُّ
وُجُوھَھُمْ عَنِ النَّاسِ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَحُجَّ حِجَّةً وَحِجَّةً حَتَّى انْتَھى إِلَى عَشْرٍ وَعَشْرٍ وَمِثْلَھَا وَمِثْلَھَا حَتَّى انْتَھَى
556 إِلَى سَبْعِين.
.
مع أنه قد ورد في عتق الرقاب عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: قالَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلم
. وعن أبي عبد االله عليه السّلام أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ 557 مَنْ أَعْتَقَ مُسْلِماً أَعْتَقَ االلهُ بِكُلِّ عِضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنَ النَّار
558 عَلَيْهِ السّلام أَعْتَقَ أَلْفَ مَمْلُوكٍ مِنْ كَدَّيدَهِ
وغير ذلك من الروايات التي يبعث عرضھا على إطالة لا موجب لھا.
في بيان أمر دقيق آخر
ونحن ننھي ھذا الموضوع بذكر أمر دقيق لا بد من معرفته وھو أنه قد ورد في الآية الشريفة قوله: (لَنْ تَنَالُوا
559 الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
.
وفي الحديث عن الحسين بن علي والصادق صلوات االله عليھما أَنَّھُمَا كَانَا يَتَصَدَّقَانِ بِالسُكَّرِ وَيَقُولانِ إِنَّهُ أَحبُّ
560 الأَشْيَاءِ إِلَيْنَا وَقَدْ قَالَ االله تَعَالَى (لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)
.
545
البحار المجلد 96 ،باب فضل الصدقة وانواعھا وآدابھا، ح 44 ،ص 127.
546
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 2 ،ح1 وص 10 ح 4.
547
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 2 ،ح1 وص 10 ح 4.
548
فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 10 ح 5.
549
البحار، المجلد 96 ،باب فضل الصدقة وأنواعھا، ح 55 ،ص 130.
550
البحار، المجلد 96 ،باب فضل الصد قه وأنواعھا، ح17ص119.
مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 18 من أبواب الصدقة، ح 10 ص 196 551
مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 160 552
مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 170 553
554
فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 ـ 7.
555
فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 ـ 7.
556
وسائل الشيعة، المجلد 6 ،الباب 2 من أبواب الصدقة، ح1 ص 260.
557
وسائل الشيعة، المجلد 16 ،الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4.
558
وسائل الشيعة، المجلد 16 ،الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4.
559
سورة آل عمران، آية: 92.
560
مجمع البيان، المجلد الثاني، ص 472 ،طباعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
211



بل وحسب زعم الكاتب أن من عوامل ھذا الرفض والاستبعاد للمكافأة الكبيرة على العمل الصغير، العُجب

واستعظام العمل: مثلاً إذا صام شخص يوماً واحداً، أو أحيا ليلة واحدة بالعبادة، فلا يستكثر الثواب الكثير إذا سمع

بأن جزاءه ثواب عظيم، ولكنه إذا عرف بأنّ ھذا الثواب ثمن عمله استبعد عظمة الأجر والثواب، وبعد أن استعظم

عمله ويُعجب به، يتلاشى الاستبعاد ويُصدّق الثواب العظيم ويؤمن به.

عزيزي إذا فرضنا بأننا كنا طيلة حياتنا التي نعيشھا خمسين أو ستين عاماً، من الملتزمين لكل الوظائف

الشرعية، ثم ارتحلنا من ھذه الدنيا مع إيمان صحيح وعمل صالح وتوبة مقبولة فماذا نستحق من الجزاء لھذا القدر

من الإيمان والعمل؟ مع أنّ ھذا الإنسان حسب القرآن الكريم والسنة النبوية واتفاق جميع الأمم، تشمله رحمة

الحق سبحانه، وتدخله الجنة الموعودة، ھذه الجنة التي يخلّد الإنسان في نعمھا ورفاھھا، ويعيش إلى الأبد في

الرحمة والروح والريحان، ولا مجال لإنكار ذلك أبداً، مع أنه إذا أردنا أن نقارن الجزاء بالعمل ـ على فرض أن يكون

لعملنا مكافأة ـ لما استحق ھذا القدر من الجزاء الذي يعجز العقل عن تصور كميته وكيفيته.

فيظھر أن القضية لا ترتبط بمقارنة المكافأة مع العمل، بل تكون منوطة بشيء آخر ـ الرحمة الواسعة الإلھية ـ

وعليه لا يبقى مجال لاستبعاد ھذه المكافأة العظيمة على عمل صغير ورفضھا.

فصل: في بيان عدد النوافل

إن مقصود رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم من قوله (أمَّا الصَّلاةُ فالْخَمْسُونَ رَكْعَة) الموافق لسنته (الآخِذُ

بِسُنَتِي فِي صَلاَتِي)، ھو الصلوات من فرائضھا ونوافلھا عدا ركعتين بعد صلاة العشاء تؤديان من جلوس وتعدّان

ركعة واحدة، حيث يكون مجموع عدد الركعات مع ھاتين الركعتين من جلوس إحدى وخمسين ركعة. ولعل تجاھل

رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم لذكر ھذه الركعة لأجل أن خمسين ركعة ھذه، مستحب مؤكد. كما تدلّ

على ذلك رواية ابن أبي عمير قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ االلهِ عليه السّلام عَنْ أَفْضَلِ مَا جَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ:

«تَمَامُ الخَمْسِينَ»

537

.

ويستفاد من بعض الروايات أنه قد جرت سيرة رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم على أداء الخمسين ركعة

ھذه. مع أن ھناك روايات أخرى تدل على أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم قد كان يأتي بالعَتَمة ـ الركعتان

من جلوس بعد صلاة العشاء ـ ولعلّ عدم ذكرھا ضمن النوافل، وجعل السنّة خمسين ركعة، لأجل أن العتمة بديل

عن صلاة الوتر من دون أن تكون لھا استقلالية، كما تدل على ذلك رواية فضيل بن يسار، وتسمى في الرواية

الشريفة بالوتر. وفي بعض الروايات أنه من صلى العتمة ومات كان من الذين ماتوا وقد أقاموا صلاة الوتر. ففي

الحقيقة أن صلاة العتمة ھي صلاة الوتر التي لا بد أن نؤديھا فبل وقتھا خشية موتنا تلك الليلة، فعندما يحلّ وقتھا

535

سورة القدر، آية: 3.

536

سورة البقرة، آية: 261.

537

وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 13 ،من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا ح5 ص 32.

208

لا تكون تلك العتمة مُجزية عنھا. وفي بعض الروايات أن العَتَمَة لم تكن من نوافل الصلوات اليومية، وإنما أضيفت

حتى تكون النوافل ضعف الفرائض.

وملخص الحديث أنه لا تھاتف بين ھذه الروايات، فإنه من الممكن أن تكون خمسون ركعة من أفضل السُّنن،

وھاتان الركعتان من جلوس ـ العتمة ـ مستحبتان غير مؤكدتين، وإنما شرعتا لتتميم عدد الضعف، وللاحتياط في

الإتيان بالعتمة قبل مفاجأته الموت بالليل قبل أن يأتي بصلاة الوتر.

وعلى أي حال ھناك فضل كبير للنوافل اليومية، بل اعتبر في بعض الروايات أنّ من المعاصي ترك النافلة وفي

بعض آخر أن االله سبحانه سيعذّب الإنسان على ترك السنّة. وفي بعضھا تصريح بوجوب النوافل. ويكون ھذا التعبير

لأجل التأكيد على الإتيان بھا والردع عن تركھا. وينبغي على الإنسان مھما أمكن أن لا يتركھا، لأن الھدف

المنشود من ورائھا حسب الروايات المذكورة إتمام الفرائض وقبولھا. ففي بعض الأحاديث قال الصادق عليه

ويظھر من ھذا الحديث أن الشيعة ھم الذين يأتون بالإحدى 538 السلام (شِيعَتنا أَصْحَابُ الإحْدى وَخَمْسِينَ رَكْعَة)

وخمسين ركعة، ولم يتقصروا على الاعتقاد بھا فحسب من دون أن ينجزوھا. ويقابلھم أھل السنة. ويظھر ذلك من

حديث علامات المؤمن عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام قَالَ: عَلاَمَاتُ الْمُؤْمِنْ خَمْس، وَعدَّ

539 مِنھا صَلاة الإحْدى وَخَمْسِين

.

في بيان استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شھر

وأما السُّنة الثانية للرسول الأكرم صلّى االله عليه وآله وسلم فھي الصيام ثلاثة أيام في الشھر. وقد ورد في

فضل ذلك ما يتجاوز أربعين رواية. وحصل خلاف لدى العلماء الإعلام حول كيفية ذلك. والذي يشتھر بينھم ويتطابق

مع الأحاديث الكثيرة، وعمل رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم في نھاية عمره الشريف، وعمل أئمة الھدى،

ھو صوم ثلاثة أيام في الشھر الواحد ھي: أول خميس من الشھر، وھو يوم عرض الأعمال. والأربعاء الأول من

العشرة الثانية وھو يوم نحس مستمر، ويوم نزول العذاب. والخميس الأخير من الشھر الذي ھو يوم عرض الأعمال

أيضاً. وفي الرواية عن أبي عبد االله عليه السّلام... لأَنَّ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الأُمَم كَانُوا إِذَا نَزَلَ عَلَى أَحَدِھِم الْعَذَابَ، نَزَلَ

. وفي صدر ھذا 540 فِي ھذِهِ الأَيَّامِ فَصَامَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلم ھذِهِ الأَيَّامَ لأَنَّھَا الأَيَّامَ الْمَخَوفَةِ)

الحديث (وَقَالَ لِيَعْدِلَنَّ ـ صيام ثلاثة أيام في الشھر ـ صَوْمُ الدَّھْرِ). وعلّل في بعض الروايات بالآية الكريمة (مَنْ جَاءَ

541 بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرَ أَمْثَالِھَا)

.

وأما الروايات التي تخالف الأحاديث المذكورة من جھة تعيين أيام الصيام الثلاثة، فھي محمولة على مراتب

الفضل. وإذا افترضنا التھافت والتعارض بين ھاتين المجموعتين من الأخبار، كان الترجيح من جھات شتّى للروايات

التي منھا الحديث الشريف. بل نستطيع أن نقول بأنه من التعارض بين النصّ والظاھر أو بين الأظھر والظاھر،

والمجموعة التي فيھا الحديث المذكور نصّ وأظھر فتتقدم على المجموعة التي تقابلھا وتعارضھا.

وأما مرسلة الصدوق التي تقول (وَرُوِيَ عَنِ العَالَمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَمِيسَيْنِ يَتَّفِقَانِ فِي آخر الْعَشْرِ، فَقَالَ صُمْ

. فلا تتنافى مع ھذه الأخبار، لأن ظاھرھا البلوغ إلى الثواب العاجل، إذ من المحتمل أن لا 542 الأَوَّلَ لاَ تَلْحَقَ الثَّانِيَ)

لا يتوفق الإنسان إلى الصيام في الخميس الثاني بسبب مفاجأته الموت. كما ورد نفس ھذا المضمون في تعليل

صلاة العَتَمَة. فھذه الرواية ـ مرسلة الصدوق ـ بنفسھا تدل على المقصود، من أفضلية الصوم في الخميس الأخير

من الشھر، ولا تمتّ إلى الأخبار المعارضة بصلة. والظاھر أن الإنسان إذا صام الخميس الأول من الشھر، وبقي

على قيد الحياة حتى حلول الخميس الأخير من الشھر، فالأفضل صومه أيضاً، لنيل ثوابه، إذ أن الصوم في

الخميس الأول لا يغني عنه. وما ذكره المحقق الجليل فيض الكاشاني والمحدّث العالي الشأن صاحب الحدائق

538

وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا، ص 41.

539

وسائل الشيعة، المجلد الثالث، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلھا، ص 42.

وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 1 540

541

وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح 8.

542

وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصوم المندوب، ح4.

209

عليھما الرحمة للجمع بين ھاتين المجموعتين من الأحاديث فبعيد، وخاصّة كلام صاحب الحدائق رضوان االله تعالى

عليه.

في بيان أفضلية الصدقة

وأما السُّنة الثالثة لرسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم، فھي عبارة عن: (أَمَّا الصَّدَقَةَ فَجُھدُكَ حَتَّى تَقُولَ قَدْ

أَسْرَفْتُ وَلَمْ تُسْرِف) وھي من المستحبات، التي قل أن يبلغ مثوبتھا في الأجر والثواب، عمل آخر. والأخبار في

التصدق حتى على من لا يوافقنا في الدين، وعلى الحيوانات البرية والبحرية، أكثر مما يتناسب مع حجم ھذا

الكتاب. ونحن نكتفي بذكر بعضھا:

محمَّد بن يعقوب بإسناده عن عبد االله بن سنان في حديث قالَ: قَالَ أبو عبد االله عليه السّلام: لَيْسَ شَيْءٌ

أَثْقَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى المُؤْمِنِ، وَھِيَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ العَبْدِ.

وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام في حديث قالَ: إنَّ االلهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً إلاّ وَلَهُ خَازِنٌ يَخْزُنُهُ إلاَّ الصَّدَقَةَ

فَإِنَّ الرَّبَّ يَلِيھَا بِنَفْسِهِ؛ وَكَانَ أَبِي إِذَا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه فقبله وشمه ثم رده في يد

543 السائل

.

وھناك أحاديث أخرى قريبة من مضمون ھذا الحديث، دالّة على عظمة شأن الصدقة وجلالة قدرھا، حيث إن

االله سبحانه لم يخوّل أمرھا إلى شخص آخر، وإنما تولى ھو بنفسه مع يد قدرته وإحاطته القيّومية، المحافظة

على صورة الصدقة الغيبية الكاملة.

ثم إن التدبر في ھذا الحديث الشريف وأمثاله المذكورة في الأبواب المختلفة من كتب الأصحاب رضوان االله

عليھم أجمعين، يبعث على استكشاف التوحيد الفعلي للحق سبحانه، والتجلّي القيوميّ لدى أھل المعرفة

وأصحاب القلوب ـ العرفاء ـ ويشير إلى نكتة مھمة، يجب على من يؤدي ھذا الأمر المھم ـ التصدّق ـ الالتفات إليھا،

وھي:

إن الإنسان عندما يتصدق بيده إذا منّ على الفقير أو أساء إليه والعياذ باالله، كانت منّته وإساءته أولاً إلى االله

تعالى وثانياً إلى الفقير. كما أنه إذا خشع وتواضع وأبدى منتھى الذل والمسكنة لدى تقديم الصدقة إلى السائل

المؤمن، كان خضوعه وذله وخشوعه الله أولاً ثم للفقير المؤمن ثانياً. كما رأينا بأن عالم آل محمد صلّى االله عليه

وآله وسلم، وعاشق جمال الحق المتعالي، الإمام باقر العلوم عليه السّلام (إِذَا تَصَدَّقَ بِشيءٍ وَضَعَهُ فِي يَدِ

السّائِلِ ثُمَّ ارتَدَّه مِنْهُ فَقَبَّلَه وَشَمَّهُ ثُمَّ رَدّهُ فِي يَدِ السّائِلِ).

واالله سبحانه وتعالى يعلم بأن مثل ھذه المغازلة مع المعشوق جل وعلا إلى أي حدّ كانت تبعث على قرار

نفس العاشق المجذوب، وراحة أعماق الإمام المقدسة وكانت تسبّب إخماد ذلك اللھب والضرام المتأجج في

صدره صلوات االله وسلامه عليه.

ومن المؤسف جداً آلاف المرات أني قدمت إلى ھذا العالم وأنا مستغرق في بحار ھوى النفس، وملتصق

بالأرض المادية، ومقيّد بالشھوات وأسير للبطن والفرج، وغافل عن عالم مُلك الوجود، وسكران بسكر الأنانية

والذاتية، من المؤسف إني سأفارق ھذا العالم، ولم أدرك شيئاً من محبّة الأولياء، ولم أفھم شيئاً أبداً من جذباتھم

وجذواتھم ومنازلھم ومغازلتھم، بل كان حضوري في ھذا العالم حضوراً حيوانياً، وحركاتي حركات حيوانيةً

وشيطانيةً. وعليه فسيكون موتي أيضاً حيوانياً وشيطانياً. اللھم إليك المشتكى وعليك المعول.

إلھي: أنقذنا بنور ھدايتك، وأيقظنا من ھذا النوم العميق، وخذ بأيدينا إلى عالم الغيب والنور ودار البھجة

والسرور، ومحفل الإنس، والخلوة الخاصة بك.

وبإسناده عن أبي عبد االله عليه السّلام قالَ: قالَ رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: «أرْضُ الْقِيِامَةِ نَارٌ مَا

وفي الرواية عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قالَ االلهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى «أَنَا 544 خَلاَ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ صَدَقَتَهُ تُظِلُّهُ»

543 فروع الكافي، المجلد، ص

.9

544

فروع الكافي، المجلد 4 ،ص3.

210

خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَلْتُ بِالأَشْيَاءِ غَيْرِي إِلاّ الصَّدَقَةَ فَإِنِّي أَقْبضُھَا بِيَدِي، حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ يَتَصَدَّقَ بِشِقَّةِ التَمْرَة فَأُرَّبِّيھا

545 لَهُ كَمَا يُرَبِّي الرَجُلُ مِنْكُمْ فَصِيلَةُ وَفِلْوَهُ حَتَّى أَتْرُكَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمُ مِنْ أُحدٍ»

. وروايات كثيرة من ھذا القبيل.

وعن أبي 546 وورد في أحاديث كثيرة عن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (الْصَدَقَةُ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ)

وعن أبي عبداالله عليه السلام (قَالَ: حُسْنُ الصَّدَقَةِ 547 الحسن عليه السّلام (قَالَ: إسْتَنْزِلُوا الْرِزْقَ بِالصَّدَقَةِ)

وقال رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (قَالَ الْبِرُّ وَالْصَدَقَةُ يَنْفِيَانِ الفَقْرَ، وَيَزِيدَانِ فِي العُمْرِ، 548 يَقْضِي الدَيْنَ)

وعن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: «إنَّ الصَّدقةَ وصلة الرَّحمِ تُعَمِّرانِ الدِّيار 549 وَيَدْفَعَانِ سَبْعِينَ مِيتَةَ سُوءٍ)

وعن أبي جعفر عليه السّلام (إِنَّهُ قَالَ الْصَدَقَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، جُزْءِ الصَّدَقَةِ فِيهِ 550 وتَزيدانِ في الأَعْمارِ»

بِعَشْرَة وَھيَ الصَّدَقَةُ عَلَى العَامَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِھَا وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ فِيهِ بِسَبْعِينَ وَھِيَ

الصَدَقَةُ عَلَى ذَوِي العَاھَاتِ، وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ فِيهِ بِسَبْعَمَائَةِ وَھِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى ذَوِي الأَرْحَامِ، وَجُزْءُ الْصَدَقَةِ بِسَبْعَةِ

وعن رسول االله صلى 551 آلافٍ وَھِيَ الْصَدَقَةُ عَلَى العُلَمَاءِ وَجُزْءُ الصَّدَقَةِ بِسَبْعِينَ أَلْفاً وَھِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَوتى)

. عن أبي عبد االله عليه السّلام أنه قال (إِرْغَبُوا فِي 552 االله عليه وآله وسلم (إِنَّ الصَّدَقَة لاَ تَزِيدُ المَالَ إِلاَّ كَثْرَةً)

الصَّدَقَةِ وَبَكِّرُوا بِھَا، فَمَا مِنْ مُؤْمِن يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ حِينَ يُصْبحُ يُرِيدُ بِھَا مَا عِنْدَ االلهِ، إِلاَّ دَفَعَ االلهُ بِھَا عَنْهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ

وعن رسول االله صلّى االله 553 مِنَ السَّمَاءِ فِي ذلِكَ الْيَوْم أَوْ قَالَ وَقَاهُ االلهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فِي ذلِكَ الْيَومِ)

554 عليه وآله وسلم (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْھَبَ االلهُ عَنْهُ نَحْسُ لَيْلَتِهِ فَلْيَفْتَتِح لَيْلَتهُ بِصَدَقَةٍ، يَدْفَعُ االله عَنْهُ نَحْسَ لَيْلَتِهِ)

وعن أبي بصير عن 555 وعن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم (إِنَّ االلهَ لاَ إِلهَ إِلاَّ ھُوَ لَيَدْفَعُ بِالصَّدَقَةِ الدَّاءَ و... )

أبي جعفر عليه السّلام قال: لأَنْ أَحُجَّ حِجَّةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَةً وَرَقَبةً حَتَّى انْتَھى إِلى عَشْر وَمِثْلَھَا

وَمِثْلَھَا حَتَّى انْتَھى إِلَى سَبْعِينَ وَلأَنْ أَعْدَل أَھْلَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أَشْبعُ جُوعَتَھُم وَأَكْسُو عَوْرَتُھُمْ وَأَكُفُّ

وُجُوھَھُمْ عَنِ النَّاسِ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَحُجَّ حِجَّةً وَحِجَّةً حَتَّى انْتَھى إِلَى عَشْرٍ وَعَشْرٍ وَمِثْلَھَا وَمِثْلَھَا حَتَّى انْتَھَى

556 إِلَى سَبْعِين.

.

مع أنه قد ورد في عتق الرقاب عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: قالَ رَسُولُ االلهِ صَلَّى االلهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلم

. وعن أبي عبد االله عليه السّلام أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ 557 مَنْ أَعْتَقَ مُسْلِماً أَعْتَقَ االلهُ بِكُلِّ عِضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنَ النَّار

558 عَلَيْهِ السّلام أَعْتَقَ أَلْفَ مَمْلُوكٍ مِنْ كَدَّيدَهِ

وغير ذلك من الروايات التي يبعث عرضھا على إطالة لا موجب لھا.

في بيان أمر دقيق آخر

ونحن ننھي ھذا الموضوع بذكر أمر دقيق لا بد من معرفته وھو أنه قد ورد في الآية الشريفة قوله: (لَنْ تَنَالُوا

559 الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)

.

وفي الحديث عن الحسين بن علي والصادق صلوات االله عليھما أَنَّھُمَا كَانَا يَتَصَدَّقَانِ بِالسُكَّرِ وَيَقُولانِ إِنَّهُ أَحبُّ

560 الأَشْيَاءِ إِلَيْنَا وَقَدْ قَالَ االله تَعَالَى (لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)

.

545

البحار المجلد 96 ،باب فضل الصدقة وانواعھا وآدابھا، ح 44 ،ص 127.

546

فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 2 ،ح1 وص 10 ح 4.

547

فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 2 ،ح1 وص 10 ح 4.

548

فروع الكافي، المجلد 4 ،ص 10 ح 5.

549

البحار، المجلد 96 ،باب فضل الصدقة وأنواعھا، ح 55 ،ص 130.

550

البحار، المجلد 96 ،باب فضل الصد قه وأنواعھا، ح17ص119.

مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 18 من أبواب الصدقة، ح 10 ص 196 551

مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 160 552

مستدرك وسائل الشيعة، المجلد 7 ،الباب 7 من أبواب الصدقة، ح1 ص 170 553

554

فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 ـ 7.

555

فروع الكافي، المجلد 4 ص 5 ـ 7.

556

وسائل الشيعة، المجلد 6 ،الباب 2 من أبواب الصدقة، ح1 ص 260.

557

وسائل الشيعة، المجلد 16 ،الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4.

558

وسائل الشيعة، المجلد 16 ،الباب 1 من أبواب استحباب أخبار عتق العبد، ح 7 و6ص 4.

559

سورة آل عمران، آية: 92.

560

مجمع البيان، المجلد الثاني، ص 472 ،طباعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.

211

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 18
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: