{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 15

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 15   الثلاثاء يناير 09, 2018 9:24 am

الشرح:
إعلم أن الوسوسة والشك والتزلزل والشرك وأشباھھا من الخطرات الشيطانية والإلقاءات الإبليسية التي
تُقذف في قلوب الناس. كما أن الطمأنينة واليقين والثبات والإخلاص وأمثالھا من الإفاضات الرحمانية والإلقاءات
المُلكية. وتفصيل ھذا الإجمال بصورة مختصرة ھو: أن قلب الإنسان شيء لطيف متوسط بين نشأة المُلك ونشأة
الملكوت، بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، عين منه نحو عالم الدنيا والمُلك، وبھا يعمّر ھذا العالم، وعين أخرى منه
نحو عالم الآخرة والملكوت والغيب، وبھا يعمّر عالم الآخرة والملكوت.
فالقلب بمثابة مرآة لھا وجھان، وجه منھا نحو عالم الغيب، وتنعكس فيه الصور الغيبية، ووجه آخر نحو عالم
الشھادة وتنعكس فيه الصور المُلكية الدنيوية. ويتم انعكاس الصور الدنيوية من خلال القوى الحسّية الظاھرية
وبعض القوى الباطنية مثل الخيال والوھم. وتنتقش الصور الأخروية فيھا من باطن العقل وسرّ القلب. فإذا قويت
الوجھة الدنيوية، والتفتت كلياً إلى تعمير الدنيا، وانحصرت ھمته في ھذا العالم واستغرق في ملاذ البطن والفرج،
وكافة المشتھيات والمتع الدنيوية، انعطف باطن الخيال نحو الملكوت السفلي، الذي يكون بمثابة الظل المظلم
لعالم المُلك والطبيعة، وعالم الجن والشياطين والنفوس الخبيثة، وتكون الالقاءات شيطانية، وباعثة على تخيّلات
باطلة وأوھام خبيثة. وحيث أن النفس تنتبه إلى الدنيا، إشتاقت إلى تلك التخيلات الباطلة، وتبعھا أيضاً العزم
والإرادة، وتتحول كل الأعمال القلبية والقالبية إلى سنخ الأعمال الشيطانية من قبيل الوسوسة
والشك والترديد والأوھام والخيالات الباطلة. وتصبح الإرادة على ضوء ذلك في مُلك الجسم فعّالة، وتتجسد
الأعمال البدنية أيضاً حسب الصور الباطنية للقلب، لأن الأعمال صورة وتمثال للإرادات، التي ھي صور ومثال
للأوھام التي بدورھا إنعكاس لاتجاه القلب. وحيث أن وجھة القلب كانت نحو عالم الشيطان، كانت الإلقاءات في
القلب من سنخ الجھل المركب الشيطاني، وفي النھاية تستشري من باطن الذات، الوسوسة والشك والشرك
والشبھات الباطلة وتسري في كل أنحاء الجسم.
وعلى ھذا القياس المذكور، إذا كانت وجھة القلب نحو تعمير الآخرة، والمعارف الحقة، وعالم الغيب، لحصل له
وئام مع الملكوت الأعلى، الذي ھو عالم الملائكة وعالم النفوس الطيبة السعيدة، والذي يكون ھذا العالم بمثابة
الظل النوراني لعالم الطبيعة، واعتبر العلوم التي تفاض عليه من العلوم الرحمانية الملكية والعقائد الحقة وغدت
الخواطر من الإلقاءات والخواطر الإلھية، ويتطھر من الشك والشرك ويتنزه منھما، وحصلت الإستقامة والطمأنينة
في النفس، وصارت أشواقھا أيضاً على ضوء تلك العلوم، وإرادتھا على ضوء تلك الأشواق. ومجمل الكلام أن
الأعمال القلبية والقالبية والظاھرية والباطنية، تتحقق على أساس العقل والحكمة.
ولھذه الإلقاءات الشيطانية والمَلكية والرحمانية مراتب ومقامات، لا تسمح ھذه الصفحات فعلاً في التطرق إلى
تفصيل ذلك.
وتدل على ذلك بعض الأخبار الشريفة، مثل ما ورد في مجمع البيان عن العياشي:
426
أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب العقل والجھل، ح 10.
171
روى العيّاشي بإسناده عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمّد عليھما السّلام قال: قال رسول االله صلى االله
عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاّ وَلِقَلْبِهِ فِي صَدْرِهِ أُذُنَانِ: أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيھَا المَلَكُ وَأُذُنٌ يَنْفُثُ فِيھَا الوَسْوَاسُ
427 الخَنّاسُ، يُؤَيِّدُ االلهُ المُؤْمِنَ بِالمَلَكِ وَھُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَأَيَّدَھُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ»
.
وفي مجمع البحرين: في حديث آخر: إنَّهُ قَالَ: «الشَّيْطَانُ واضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، لَهُ خُرْطُومٌ مِثْلُ
إلى غير ذلك من 428 خُرْطُومِ الخَنْزِيرِ، يُوَسْوِسُ لابْنِ آدَمَ أنْ أَقْبِلْ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا لاَ يُحِلُّ االلهُ. فَإِذَا ذَكَرَ االلهَ خَنَسَ»
الروايات.
فصل: الوسوسة من الأعمال الشيطانية
بعد أن علمنا عن طريق أھل المعرفة أن الوسوسة من الأعمال الشيطانية، كما ورد في ھذا الحديث الشريف
الذي نحن بصدد شرحه والأحاديث الأخرى نضطر إلى بيان ھذا الموضوع بطريق آخر يكون أقرب إلى أذھان العامة
وأكثر ملائمةً لھا، رغم أن البيان السابق عند أھله موافق للقواعد العقلية والضوابط البرھانية ومطابق لذوق أھل
المعرفة ومشاھدات أصحاب القلوب، ولكن حيث انه يرتكز على قواعد وأسس خارجة عن مستوى ھذا الكتاب،
ننصرف عن بيانھا ونقتصر على ذكر أصل الموضوع فنقول:
إن الشاھد على أن ھذه الوساوس والأعمال من ألعاب الشيطان وإلقاءات ذلك الملعون، وأنه لا يوجد لھا دافع
ديني وباعث إيماني، رغم زعم صاحبھا أن دافعه أمر ديني، ھو أن ھذه الوساوس تخالف أحكام الشريعة وأخبار
أھل بيت العصمة والطھارة.
مثلاً: وردت في أحاديث متواترة عن طريق أھل بيت العصمة عليھم السلام، كيفية وضوء رسول االله صلى االله
عليه وآله وسلم من أنھا كانت غسلة واحدة. ومن ضروريات الفقه اجزاء غَرفة واحدة للوجه، وغرفة لغسل اليد
اليمنى وغَرفة لغسل اليد اليسرى وأما الإجزاء مع غَرفتين أو غسلتين لكل من الوجه واليد اليمنى واليسرى، فھو
محل خلاف حتى أنه يستفاد من وسائل الشيعة الفتوى بعدم الجواز أو التأمل في عدم الجواز. ونقل عن آخرين
خلاف ذلك. مع أن جواز الغسلتين لا يكون محل تأمل أيضاً. والشھرة العظيمة مع الأخبار الكثيرة دالة على
استحبابه، لكن لا يبعد أفضلية الغسلة الواحدة شريطة أن يصل الماء إلى جميع أطراف العضو الذي نريد أن
نغسله. مع العلم بأن الغَسل ثلاث مرات بأن نصبّ الماء في كل مرة على أن يستوعب الماء العضو المغسول ھو
بدعة وحرام من دون أي محذور، ووضوئه يكون باطلاً إذا مسح مع رطوبة الغسلة الثالثة. وفي أخبار أھل البيت
عليھم السلام أن الغسلة الثالثة بدعة، وكل بدعة في النار.
وعليه فإن الإنسان الجاھل المبتلى بالوسوسة، يغسل أعضاء الوضوء أكثر من عشر مرات وفي كل مرة يوصل
الماء إلى كل أطراف العضو الذي يُريد أن يغسله بدقة متناھية، بل يغسل العضو حتى يجري ماء الوضوء ويتحقق
الغسل الشرعي ثم يكرر الغسل مرات عديدة، فمع أي مقياس نستطيع أن نطبق عمله ھذا؟ ومع أي حديث أو
فتوى فقيه يتطابق عمله؟ لقد صلى المسكين عشرين عاماً أو أكثر مع مثل ھذا الوضوء الباطل، وتظاھر أمام
الناس أنه في منتھى القدسية والطھارة. إن الشيطان قد داعبه والنفس الأمارة بالسوء، قد غرّرته، ومع ھذا كله
يخطيء الآخرين ويرى نفسه مصيباً.
إن الذي يخالف النص المتواتر وإجماع العلماء، ھل يجب أن نعدّه من عمل الشيطان أو من طھارة النفس
وتقواھا؟ فإذا كانت ھذه الوسوسة من جراء منتھى التقوى والاحتياط في الدين فلماذا نجد الكثير من ذوي
الوسوسة التي لا مبرر لھا والجھلة المتنسكين، لا يحتاطون في مواضع يجب الاحتياط فيھا أو يستحب؟ ھل
سمعت أحداً يعيش حالة الوسوسة في الشبھات المالية؟ مَن من الوسواسين دفع الزكاة والخمس مرات عديدة
؟ وذھب إلى الحج لأداء الواجب مرات متكررة؟ وأعرض عن الطعام المشتبه؟ لماذا كانت أصالة الحلية في الأطعمة
المشتبه جارية وأصالة الطھارة في مشكوك النجاسة غير جارية؟ مع أنه في باب مشكوك الحلية من الراجح
427
مجمع البيان، المجلد العاشر، ص 571.
428
مجمع البحرين، مادة خنس، ص 305.
172
. عن أبي عبداالله عليه السلام في حديث قال 429 الاجتناب. وتدل على ذلك الأحاديث الشريفة مثل حديث التثليث
وإنما الأمور ثلاثة: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدَهُ فَيُتَّبَعْ وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيَّهُ فَيُجْتَنَبْ وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى االلهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ـ وفي
باب الطھارة عكس ذلك ـ كُلُّ شَيْءٍ لَكَ طَاھِرٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ نَجِسٌ.
كان أحد الأئمة المعصومين سلام االله عليه وعليھم السلام إذا ذھب لقضاء حاجته رش الماء على فخذيه،
حتى إذا ترشحت لدى الاستبراء أو الاستنجاء قطرات من الماء لم يحسٌ بذلك ـ فھو لم يحتط ولم يتوسوس ـ.
وھذا المسكين الذي يري نفسه محتذياً حذو الإمام المعصوم عليه السلام وآخذاً دينه منه، لا يتقي لدى التصرف
في الأموال، ولا يحتاط تجاه الطعام بل يتّكل على قاعدة أصالة الطھارة ويأكل، ثم يقوم ويغسل فمه ويديه. إنه
حين الأكل يتمسك بأصالة الطھارة وبعد أن يشبع يقول كل شيء نجس، وإذا كان من أھل العلم برّر عمله ھذا
بأنني أريد أن أصلي مع الطھارة الواقعية، مع أننا لم نعرف ميزة للصلاة مع الطھارة الواقعية. ولم ينقل عن أحد من
الفقھاء رضوان االله عليھم اعتبار الطھارة الواقعية في الصلاة. وعليه إذا كنت من أھل الطھارة الواقعية فلماذا لم
تكن من أھل الحلّية الواقعية ؟ وإذا فرضنا أنك أردت الطھارة الواقعية فما معنى الغسل في الماء الكر أو الجاري
عشر مرات؟ مع أنه يكفي الغسل مرة واحدة من غير البول أو بعض النجاسات الأخرى في الماء الجاري أو في
الماء الكر. وأما في البول فتكفي مرة واحدة على المشھور وتكفي مرتان إجماعاً فلا يكون الغسل لمرات عديدة إلا
من تدليس الشيطان وتسويل النفس. وحيث أن ذلك لا يتطلب جھداً منا نجعله رأس المال للتظاھر يالقدسيّة.
وأسوأ من كل ذلك وأكثر فضيحة، وسوسة البعض لدى نية الصلاة وتكبيرة الإحرام، لأنه يرتكب عدة محرمات،
ويعتبر نفسه من المقدسين، ويرى بھذا العمل ميزة لنفسه. ھذه النية التي تتوقف عليھا الأعمال الاختيارية
بأسرھا، وتعدّ من الأمور اللازمة للأعمال الاختيارية، ولا يستطيع الإنسان أن يأتي بعمل من الأعمال العبادية أو
غير العبادية من دونھا، فمع ھذا الوصف ومع مختلف أساليب الشيطنة وھيمنة الشيطان عليه قد يبتلى ساعة أو
ساعات لإنجاز ھذا الأمر الضروري الوجود وفي النھاية قد لا يحصل. فھل إن ھذا الأمر من الخواطر الشيطانية
وأعمال إبليس لعنه االله الذي وضع الطوق واللجام على ھذا المسكين، وأخفى عليه ھذا الأمر الضروري وابتلاه
بالمحرّمات الكثيرة من قبيل قطع الصلاة، وتركھا وتجاوز وقتھا، أو أنه من طھارة الباطن والقدس والتقوى ؟
ومن شؤون الوسوسة عدم الإقتداء بأشخاص حكم عليھم بالعدالة نصاً
وفتوىً، فإن ظاھرھم من أھل الصلاح ومن المحافظين على الأعمال الشرعية وباطنھم معلوم عند االله، ولا
يجب علينا البحث والتفتيش الدقيق عنھم، بل لا يجوز البحث والتحرّي عنھم ومع ذلك نرى الشيطان يلجمه
ويقوده إلى زاوية من زوايا المسجد معتزلاً عن جماعة المسلمين فيصلي فرادى ويعلل عدم التحاقه بالجماعة
بأنني أحتاط ولا أجد توجھاً قلبياً نحو الجماعة ولكنه لا يتضايق من إمامته للجماعة مع أن الإمامة أصعب، ومحل
التباسھا أكثر ولكن لمَّا كانت الإمامة موافقة للرغبات النفسية لا يحتاط في ذلك.
ومن شؤون الوسوسة التي يكثر الابتلاء بھا الوسوسة في قراءة الفاتحة في الصلاة حيث قد تخرج نتيجة
التكرار للحروف أو الكلمات وتفخيمھا من القواعد التجويدية وقد تتغير صورة الكلمة كلياً. مثلاً ينطق حرف الضاد من
كلمة (الضالين) بصورة تقترب من حرف القاف. ويتفوه بالحاء في (الرحمن الرحيم) وكأنه ينطق كلمة غريبة ويفصل
بين حرف وحرف في كلمة واحدة مما يسبب تغييراً في ھيئة الكلمة ومادتھا وتنسلخ الكلمة عن وضعھا الطبيعي.
ومجمل القول إن الصلاة التي تعدّ معراجاً للمؤمن، وقرباناً للمتقين، وعموداً للدين تفرغ من كافة شؤوناتھا المعنوية
وأسرارھا الإلھية وتتحول إلى كلمات يراد لھا التجويد وكيفيّة الإلقاء، ومن ثمَّ ينجرّ تجويد الكلمات، إلى فسادھا
وعدم إجزائھا وكفايتھا بحسب ظاھر الشرع. فھل إن ھؤلاء وفي ھذه الحالات، يعيشون وساوس الشيطان أو
تغمرھم فيوضات الرحمن؟
429
وسائل الشيعة، المجلد 18 الباب الثاني عشر من أبواب صفات القاضي، ح 9.
173
لقد وردت روايات كثيرة في حضور القلب لدى الصلاة، والتوجه القلبي في العبادات ولكن ھذا المسكين عرف
من حضور القلب علماً وعملاً، الوسوسة في النية ومدّ كلمة (ولا الضالين) أكثر من القدر اللازم، وتغيير تقاسيم
الوجه والفم حين تلفظ الكلمات.
أليست ھذه بمصيبة حيث أن الإنسان يغفل سنيناً طويلة عن حضور القلب ومعالجة قلقه النفسي ولم يتصدّ
لإصلاحه، ولا يعتبر لحضور القلب شأناً من شؤون العبادة، ولم يتعلم كيفية تحصيله من علماء القلوب ـ العرفاء ـ
ولم يلتزم به، ويشتغل بھذه الأباطيل التي تكون من الخنّاس اللعين حسب نصّ الكتاب الكريم. وأنھا من عمل
الشيطان حسب تصريح الصادِقَين عليھم السلام بذلك. وإن العمل بھا يوجب البطلان، كما ذكرتھا فتاوى الفقھاء
لكنه يعتبر كل ذلك من شؤون الطھارة والقدسية؟
وقد تحدث الوسوسة أو تشتد من جرّاء أن جھلةً مثل ھذا الإنسان الوسواسي يطرون عليه ويعتبرون
وسوسته من الفضائل، ويثنون على ديانته وقدسيته وتقواه، قائلين إنه نتيجة شدَّة دينه وتقواه أصبح وسواسياً،
مع أن الوسوسة لا ترتبط بالديانة أبداً، بل ھي مخالفة للدين ومن ثمار الجھل وعدم العلم. ولكنھم لما لم يبيّنوا له
حقيقة الأمر، ولم يبتعدوا عنه ولم يؤنبوه بل على العكس مدحوه وأثنوا عليه استمر في عمله الشنيع، حتى بلغ
نھايته وجعل نفسه لعبة بيد الشيطان وجنوده، فأقصاه الشيطان من ساحة قدس المقرَّبين.
فيا أيھا العزيز، بعد أن عُلم نقلاً وفعلاً بأن ھذه الوساوس من الشيطان وھذه الخواطر من عمل إبليس، الذي
يفسد عملنا، ويصرف قلوبنا عن الحق المتعالي. ومن المحتمل أنه لا يكتفي بھذه الوسوسة في العمل، بل يبدي
البراعة ليدخل الوسوسة في العقيدة والدين، ويبعد دينك عن دين االله ويجعلك شاكاً في المبدء والمعاد ويدفعك
إلى الشقاء الأبدي. وإذا لم يستطع أن يضلّل أشخاصاً عبر الفسق والفجور، فھو يسلك سبيل العبادات والمناسك
فيبطل نھائياً الأعمال والأفعال التي يجب أن يتقرب بھا إلى االله، ونعرج من خلالھا إلى الحق المتعالي، ويجعلھا
دوافعاً للابتعاد عن ساحة القدس الربوبي جل شأنه والتقرب من إبليس وجنوده. وعلى أي حال يخشى من أن
يعبث في عقائدك. بعد علمنا ذلك لا بد من السعي في سبيل معالجة ھذه الحالة بأي شكل كان وبواسطة أي
ترويض روحاني ممكن.
فصل: معالجة الوسوسة عن طريق العلم والعمل
إعلم أن معالجة ھذه الآفة القلبية التي يخشى منھا أن تؤدي بالإنسان إلى الھلاك الأبدي والشقاء الدائم،
كبقية الأمراض القلبية، يمكن أن تتم بواسطة العلم النافع والعمل بكل سھولةٍ ويسرٍ. فيجب أولاً أن يشعر الإنسان
بأنه سقيم، حتى يسعى في سبيل المعالجة. ولكن النقص يكمن في أن الشيطان قد يزين له الأمور على
مستوى لا يرى فيه ھذا المسكين نفسه مريضاً، وإنما الآخرون يرونه منحرفاً عن السبيل وغير مكترث بالدين.
أما المعالجة لھذه الآفة القلبية بواسطة العلم فيكون بالتفكر في ھذه الأمور المذكورة، حيث يجدر بالإنسان أن
تكون أعماله وأفعاله نتيجة التفكر والتأمل. بأن يفكر في أن ھذا العمل الذي يريد أن ينجزه ويريد أن يجعله مرضياً
الله تعالى من أي مصدر يكون وممن يؤخذ حتى تكون كيفيته بذلك الشكل المخصوص؟ ومن الواضح أن العوام من
الناس يأخذون من الفقھاء كيفية العمل ومراجع التقليد يستنبطونھا من الكتاب والسنة والقواعد الفقھية. وعندما
نرجع إلى الفقھاء نسمع منھم القدح في عمل الوسواسي، ويرون بعض أعماله باطلة، وعندما نرجع إلى
الأحاديث الشريفة، والكتاب الإلھي نجد بأن عمله يعتبر من الشيطان ويجعل صاحبه مجنوناً. إذن إن الإنسان
العاقل إذا فكر وتدبر قليلا قبل أن يھيمن الشيطان على عقله لأوجب على نفسه الإقلاع عن ھذا العمل الفاسد،
ولسعى في سبيل تصحيح عمله حتى يكون مرضياً عند الحق المتعال.
ويجب على كل من يشك في حصول الوسوسة عنده، أن يكون مثل الناس العوام، في عرض عمله على
العلماء والفقھاء، والاستفھام منھم بأنه ھل ابتلي عمله بمرض الوسوسة أم لا؟ لأنه كثيراً ما يكون الإنسان
الوسواسي غافلاً عن حاله ومعتقداً بأنه معتدل وأن الآخرين غير مكترثين بالدين. ولكنه إذا فكّر قليلاً، لوجد أن 
174
مصدر ھذا الاعتقاد ھو الشيطان وإلقاءاته الخبيثة، لأنه يرى بأن العلماء والفقھاء الكبار ومن الذين يؤمن بعلمھم
وعملھم، بل ويكونون مراجع المسلمين في أخذ مسائل الحلال والحرام منھم، يعملون بما يُغاير عمله. ولا
يستطيع القول بأن الملتزمين غالباً والعلماء والفقھاء لا يحفلون بدين االله وأن الإنسان الوسواسي وحده يتقيد
بالدين.
وعندما أدرك ضرورة إصلاح العمل، دخل مرحلة العمل، والعمدة في ھذه
المرحلة عدم الاھتمام بالوساوس الشيطانية والأوھام التي تلقى عليه. فمثلاً إذا كان ـ مجتھداً ـ ومبتلياً
بالوسوسة في الوضوء، فليتوصأ مع غَرفة واحدة رغم وسوسة الشيطان. إن الشيطان يوسوس ويقول بأن ھذا
العمل ليس بصحيح ولكن يواجھه بأن عملي لو لم يكن صحيحاً لوجب أن لا يكون عمل رسول االله صلى االله عليه
وآله وسلم والأئمة الطاھرين عليھم السلام والفقھاء جميعاً صحيحاً. لأن رسول االله صلى االله عليه وآله وسلم
والأئمة الطاھرين قد توضأوا في فترة طويلة تقرب من ثلاثمائة سنة، وكانت كيفية وضوء جميعھم واحدة. فإذا كان
عملھم باطلاً، فليكن عملي باطلاً أيضاً. وإذا كنت مقلداً لمجتھد، فأجب الشيطان بأنني أعمل على ضوء فتوى
المجتھد، فإذا كان وضوئي باطلاً، فلا يؤاخذني ربي عليه، ولا تكون عليّ حجته. وإذا أوقعك الشيطان الملعون في
الشك قائلاً بأن المجتھد لم يقل ھكذا فافتح رسالته العلمية وتأكد من صحة العمل، فإذا لم يعبأ بإلقاءاته عدة
مرات وعملت على خلاف رأيه غدا آيساً منك. ونرجو أن تكون المعالجة النھائية لمرضك. كما ورد ھذا المعنى في
الأحاديث الشريفة:
فعن الكافي بإسناده عن زرارة وأبي بصير قالا: «قُلْنَا لَهُ: الرَّجُلُ يَشُكُ كَثيراً في صَلاَتِهِ حَتَّى لا يَدْري كَمْ صَلّى
وَلاَ مَا بِقِيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُعيدُ. قُلْنَا لَهُ: فَإِنَّهُ يَكْثُر عَلَيْهِ ذلِكَ، كُلَّمَا أَعَادَ شَكَّ. قَالَ: يَمْضِي فِي شَكِّهِ، ثُمَّ قَالَ: لاَ
تُعَوِّدُوا الخَبِيثَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ بِنَقْضِ الصّلاةِ فَتُطْمِعوهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ خَبِيثٌ يَعْتَادُ لِمَا عُوِّدَ، فَلْيَمْضِ أَحَدُكُمْ فِي الوَھْمِ
وَلاَ يُكْثِرَنَّ نَقْضَ الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذلِكَ مَرّاتٍ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الشَّكُّ. قَالَ زُرَارَةُ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يُريدُ الخَبيثُ أَنْ يُطاعَ فَإِذَا
430 عُصِيَ لمْ يَعُدْ إِلَى أَحَدِكُمْ.»
.
وبإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قالَ: «إذا كَثُرَ عَلَيْكَ السَّھْوُ فَامْضِ فِي صَلاَتِكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَدَعَكَ إِنَّمَا
431 ھُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ»
.
ومن الوضوح بمكان أنك إذا خالفت الشيطان فترة من الزمان، ولم تلق بالاً لوساوسه، لا نقطع طمعه عنك،
وعادت الطمأنينة والسكون إلى نفسك. ولكن في غضون أيام تصدّيك للشيطان، تضرّع إلى ساحة الحق المتعالي
والتجئ إلى ذاته المقدس من شرّ ذاك الملعون وشر النفس، واستعذ باالله منه وھو يعينك عليه كما ورد في
الكافي الأمر بالاستعاذة من الشيطان.
بإسناده عن أبي عبد االله عليه السلام قال: «أتى رَجُلٌ النَّبيَّ صلّى االله عليه وآله وسلم فقالَ: يا رَسولَ االلهِ
أشكو إلَيْكَ مَا ألقىَ مِنَ الوَسْوَسَةِ فِي صَلاَتِي حَتّى لاَ أَدْرِي مَا صَلَّيْتُ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَقالَ إِذَا دَخَلْتَ فِي
صَلاَتِكَ فَاطْعَنْ فَخِذَكَ الأَيْسَرَ بِأصْبَعِكَ اليُمْنَى المُسَبِّحَةِ ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ االله وَبِاالله، تَوَكَّلْتُ عَلَى االله، أعوذُ بِاالله
432 السَّمِيع العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، فَإِنَّكَ تَنْحَرُهُ وَتَطْرُدُهُ»
.
والحمد الله أَوَّلاً وَأخراً وظاھراً وباطناً، والصَّلاة والسّلام على محمّدٍ وآله الطاھرين.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 15   الثلاثاء يناير 09, 2018 9:26 am

الحَديث السَادِس وَالعشرون: طالب العلم
بالسَّنَد المتّصل إلى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكلينيِّ، عن محمّد بن الحسن وعليِّ بن محمّد، عن
سھل بن زياد ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعاً عن جعفر بن محمَّد الأشعريِّ، عن عبد االله بن
ميمون القدّاح، وعليِّ بن إبراھيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن القدّاح، عن أبي عبد االله عليه السّلام قال:
قال رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَريقاً يَطْلُبُ فيهِ عِلْماً سَلَكَ االلهُ بِهِ طَريقاً إلَى الْجَنَّةِ، وَإنَّ
430
فروع الكافي، المجلد 3 ،ص 358 و359.
431
فروع الكافي، المجلد 3 ،ص 358 و359.
432
فروع الكافي، المجلد 3 ص 359.
175
الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَھا لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِهِ، وَإنَّه يَسْتَغْفِرُ لِطالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السماءِ وَمَنْ فِي الأرضِ حَتَّى
الحوتُ في الْبَحْرِ. وَفَضْلُ الْعالِمِ عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلى سائِرِ النُّجومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبياءِ، وَإنَّ
433 الأنْبياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا ديناراً ولا دِرْھماً وَلِكْن وَرَّثوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أخَذَ مِنْهُ أخَذَ بِحَظٍّ وافرٍ»
.
الشرح:
إعلم أن ألفاظ ھذه الرواية لا تحتاج إلى الشرح، ولكننا نشرح ھذه الصفات التي ذكرھا رسول االله صلى االله
عليه وآله وسلم في فضل طالب العلم والعلماء، ضمن فصول. وعلى االله التكلان:
فصل: في بيان أن من سلك طريق العلم جعله الحق المتعالي
من السالكين لطريق الجنة لابد من معرفة أن العلوم بصورة كلية تنقسم إلى قسمين:
أحدھما: العلوم الدنيوية التي ھدفھا الوصول إلى المآرب الدنيوية. على أساس أن النية قد تكون الأنانية وقد
تكون إلھية.
والآخر: العلوم الأخروية التي يقصد منھا البلوغ إلى المقامات والدرجات الملكوتية والوصول إلى المراتب
الأخروية. وقد تقدمت منّا الإشارة إلى أن الفرق بين القسمين يكون على أساس النية والقصد غالباً، وإن كانت
ھذه العلوم في نفسھا تنقسم إلى نوعين. ويكون المقصود من ھذا العلم في ھذا الحديث حسب الآثار المذكورة
لطلب العلم وللعلماء في ھذه الرواية، ھو النوع الثاني علم الآخرة. وھذا واضح.
وتقدم منا أيضاً الحديث بأن جميع العلوم الأخروية لا تخرج عن إطار الحالات الثلاثة وھي أنھا: أما من قبيل
العلم باالله والمعارف الإلھية، أو من قبيل علم تھذيب النفس والسلوك إلى االله، أو من قبيل علم الآداب وسنن
العبودية. ونقول ھنا بأن تعمير نشأة الآخرة يرتبط بھذه الأمور الثلاثة. وعليه تكون الجنة أيضاً منقسمة إلى جنات
ثلاثة:
أحدھا جنة الذات وھي التي تكون غاية العلم باالله والمعارف الإلھية. وثانيھا جنة الصفات وھي نتيجة تھذيب
النفس وترويض الروح. وثالثھا جنّة الأعمال وھي صورة أداء العبودية وآثارھا، وھذه الجنات لا تكون معمورة
ومشيّدة.
وكما أن أرض جنة الأعمال قاع ـ مسطّحة ومستوية ـ فكذلك أراضي النفس في بدء الأمر مستوية ولا شيء
فيھا. ويكون عمرانھا تابع لعمران النفس.
وإذا لم يُعمّر مقام الغيب للنفس بالمعارف الإلھية، والجذبات الغيبية الذاتية، لم تحصل للإنسان جَنَّة الذاتَ
وَاللِّقاءِ. وإن لم يھذّب الباطن، ولم يتحلّ الداخل، ولم تقوّ الإرادة والعزم ولم يكن القلب محل تجلٍّ للأسماء
والصفات، لم تكن جَنَّةُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفات التي ھي الجنّة المتوسطة، للإنسان. وإن لم ينھض الإنسان بالعبودية،
ولم تتطابق أعماله وأفعاله وحركاته وسكناته مع أحكام الشريعة، لم يحصل على جَنَّةِ الأَعْمال التي (وَفِيھَا مَا
434 تَشْتَھِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ)
.
وبناءاً على ھذه المقدمة الموافقة للبراھين الفلسفية، وذوق أھل العرفان، وأخبار الأنبياء والأولياء عليھم
السلام، والمستفادة من القرآن الإلھي الكريم، يتبين أن العلوم في أي مستوى كانت: سواء كان علم المعارف أو
غيره فھي السبيل للوصول إلى الجنة التي تتناسب مع ذلك العلم، وسالك سبيل كل علمٍ، سالك لطريق من
طرق الجنة.
وقد ذكرنا سابقاً بأن العلوم بصورة عامة، طريق إلى العمل، حتى علوم المعارف إلاّ أن الأعمال التي تنجم من
علم المعارف، ھي أعمال قلبية، وجذبات باطنية، وتكون نتيجة تلك الأعمال والجذبات وصورھا الباطنية، صورة جنة
الذات واللقاء. إذن: سلوك طريق العلم، سلوك طريق الجنة ـ العلم طريق إلى الجنة ـ، وطريق الطريق، طريق أيضاً.
والسر في قوله عليه السّلام:سلك االله به إلى الجنَّة حيث نسب إلى العبد، السلوك العلمي ـ من سلك
طريقاً يطلب فيه علماً ـ والى ذاته المقدس الحق، السلوك إلى الجنة ـ سلك االله به إلى الجنة ـ لأجل أنه في
433
أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم، باب ثواب العالم والمتعلم، ح1.
434
سورة الزخرف، آية: 71.
176
مقام الكثرة رجّح طلب العبد العلم، وفي مقام الرجوع إلى الوحدة، رجّح طرف الحق. ولولا ھذا التوجيه، لاستطعنا
. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ 435 من جھة أن نقول: يُنتسب أيضاً إلى العبد السلوك إلى الجنة (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا)
. كما نستطيع من جھة أخرى أن ننسب السلوك إلى العلم أيضا، إلى 436 خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَر?ا يَرَه)
437 الذات المقدس وأنه من تأييده وتوفيقاته. (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
.
ولمحقق الفلاسفة، وفخر الطائفة الحقة صدر المتألھين ـ رضوان االله تعالى عليه ـ في ھذا المقام شرح يبتنى
على ذلك، وھو أن نفس إدراك الملائم والمنافر، جنة ونار، وأن العلوم مما يلائم النفس، والجھل مما تنفر منه.
وھذا الرأي مخالف لنظريته، المذكورة في الكتب الحكيمة عند ردّه على الشيخ الغزالي، حيث يذھب ـ الشيخ
الغزالي ـ إلى أن الجنة والنار، عبارة عن اللذات والآلام الحاصلة في النفس، ويجحد وجودھما ـ الجنة والنار ـ
الخارجيين، حسب ما ينقل عنه. وھذا المذھب، مضافاً إلى أنه مخالف لبرھان الحكماء، مغاير لأخبار الأنبياء،
والكتب السماوية، وضرورة الأديان بأسرھا. فنھض ـ صدر المتألھين ـ الفيلسوف العظيم الشأن، للإجابة عليه،
وإبطال تصوره، ولكنه ـ صدر المتألھين ـ قد ذكر في المقام ما يضاھي المنقول عن الشيخ الغزالي، رغم رفضه
وإنكاره لمسلك الغزالي. وعلى أي حال ھذا الكلام ـ مذھب صدر المتألھين ـ ليس بصحيح عندي ولكن لا يتناسب
مع حجم الكتاب عرض أكثر من ھذا المقدار من البحث.
فصل: في بيان أن الملائكة لتضع أجنحتھا لطالب العلم حتى يطأ عليھا
إعلم أن ملائكة االله على أصناف وأنواع كثيرة كلھم جنود الحق المتعالي، ولا يعلمھم أحد إلا الذات المقدس
438 علاّم الغيوب (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ ھُوَ)
.
صنف منھم ملائكة مھيّمون ـ عاشقون ـ مجذوبون، لا يلتفتون نھائياً إلى عالم الوجود، ولا يعرفون بأن االله قد
خلق عالماً أم لا، وإنما ھم مستغرقون في جمال الحق وجلاله، ومنصھرون في كبرياء ذاته المقدس. ويقال بأن
439 كلمة (ن) المباركة في الآية الشريفة (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)
. إشارة إلى ھذا الصنف من الملائكة.
وصنف آخر منھم، ملائكة مقربون ومن سكان الجبروت الأعلى، وھم أنواع كثيرون ولكل منھم شأن وتدبير في
العالم لا يكون لغيرھم من الملائكة.
وطائفة ثالثة ملائكة عالم الملكوت الأعلى والجنات العُليا، على مختلف أصنافھم وتشتت أنواعھم.
وطائفة رابعة ملائكة عالم البرزخ والمثال.
وطائفة خامسة الملائكة الموكّلون على عالم المُلك والطبيعة، حيث يتولّى كل منھم أمراً ويدبّر شأناً، وھذا
القسم من الملائكة المدبرين في عالم الملك، غير الملائكة الموجودين في عالم المثال والبرزخ. كما ھو مقرر في
محلّه، ومُستفاداً من الأخبار أيضاً.
ولابد من معرفة أنه لا توجد أجنحة وريش وأعضاء أخرى للملائكة بجميع أصنافھا، فإن الملائكة المھيمنين حتى
سكان الملكوت الأعلى منزھون ومبرأون من ھذه الأعضاء والأجزاء المقدارية، ومجردون من المادة ولوازمھا
ومقدارھا وعوارضھا. وأما ملائكة عالم المثال والموجودات الملكوتية البرزخية، فمن المحتمل أن تكون في ھذه
الطائفة من الملائكة، جوارح وأعضاء وأجنحة ورياش وغيرھا، ولمّا كانوا من عالم المثال والبرزخ، وكان لھذا العالم
. (أُولِي أَجْنِحَةٍ 440 كميّة وكيفية، كان لھذه الطائفة قدر خاص، وجوارح مخصوصة وإن قوله تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَف?ا)
. يرتبط بھذه الطائفة من الملائكة. ولكن للملائكة المقربين والقاطنين في الجبروت الأعلى، 441 مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)
الإحاطة الوجودية القيّومية، فھم يستطيعون، أن يتمثلوا في كل واحد من العوالم بھيئة وصورة تتناسب مع ذلك
العالم. كما أن جبرائيل الأمين، الذي ھو من المقربين للساحة المقدسة، وحامل الوحي الإلھي، ومن أعلى
435
سورة الكھف، آية: 42.
436
سورة الزلزلة، آية: 7 و8.
437
سورة النساء، آية: 78.
438
سورة المدثر، آية: 31.
439
سورة القلم، آية: 1.
440
سورة الصافات، آية: 1.
441
سورة فاطر، آية: 1.
177
مراتب موجودات سُكّان الجبروت، كما يتمثل لرسول االله صلى االله عليه وآله وسلم، في المثال المقيد دائماً، وفي
المثال المطلق، مرتين، وفي عالم المُلك حيناً، وفي عالم المُلك في صورة دحية الكلبي رضيع رسول االله صلى
االله عليه وآله وسلم الذي كان أجمل الناس.
ولابد من معرفة التمثّل الملكي للملائكة، لا يكون مثيل الموجودات المُلكية، كي يراھا كل سليم الحس
والبصر، بل الجانب الملكوتي للملائكة يغلب الجانب المُلكي. ولھذا لا يراھم الناس مع أبصارھم المُلكية، بل رأى
بعض أصحاب رسول االله صلى االله عليه وآله وسلم جبرائيل وھو في صورة دحية الكلبي، بعد تأييد من الحق
المتعالي، وأشار من خاتم الأنبياء صلى االله عليه وآله وسلم.
ومن ھذا المنطلق أن طلبة العلم والمعارف، والمتوجھين إلى الحق والحقيقة، والسالكين لسبيل رضا االله من
الأبناء الروحانيين لآدم صفي االله عليه السلام الذين يكونون مسجوداً للملائكة ومطاعاً لتمام دائرة الوجود، ھؤلاء
يكونون محل عناية ملائكة االله، ورعايتھم وتأييدھم وإنّ مثل ھذا المُلكي الذي تحوّل إلى وجودي ملكوتي، وھذا
الأرضي الذي أصبح سماوياً قد وطأت أقدامھم، أجنحة الملائكة، فإذا انفتحت عين بصيرته الملكوتية والمثالية لرأى
بأنه مستقر على أجنحة الملائكة، وإنه يطوي المسافات بفضل تأييداتھم.
ھذا بالنسبة إلى الذين ـ الأبناء الروحانيون لآدم عليه السلام ـ ھاجروا من المُلك إلى الملكوت، وإن كانوا لا
يزالوا في الطريق.
وأما الذين، لا يزالون يعيشون في عالم الملك، ولم يطرقوا عالم الملكوت، فمن الممكن أن يكونوا محل تأييد
ولطف الملكوتيين، حيث يفترشون أجنحتھم تواضعاً لھم وابتھاجاً بھم وبأعمالھم. كما أشير إلى ذلك في ھذا
الحديث الشريف وفي حديث (غوالي اللئالئ). عن المقدار ـ رضي االله عنه ـ أنه قال: «سَمِعْتُ رَسولَ االله صلى
442 االله عليه وآله وسلم يَقُولُ: إن الْمَلائِكَة لَتَضَعُ أَجْنِحَتَھا لِطالِبِ الْعِلْمِ حَتى يَطَأ عَلَيْھا رِضاً بِهِ»
فعلم أن الخطوة الأولى إلى االله وإلى مرضاته، وضع الأقدام على أكتاف الملائكة، والجلوس على أجنحتھم،
ويكون ھذا الفرش وھذا الافتراش موجودين حتى نھاية مراتب الدراسة، وحصول العلم والمعارف، ولكن الدرجات
تختلف، والملائكة المؤيدين لھذا السالك في سبيل العلم يتبدلون، حسب تبدل المراتب، ويصل مستوى السالك
إلى مرحلة، يرفع قدمه من على رأس الملائكة المقربين، ويجتاز عوالماً، ويطوي مراتباً، لا يستطيع أن يدنو منھا
الملائكة المقربون، بل يبدي جبرائيل أمين الوحي عجزه عن الوصول إلى تلك الدرجات حيث يقول (لَوْ دَنَوْتُ أنْمُلَةً
443 لاحْتَرَقْتُ)
.
فلمّا لم يكن ھذا الكلام معارضاً للبرھان، بل يوافقه، فلا داعي إلى تأويله ـ إن الملائكة لتضع أجنحتھا لطالب
العلم ـ، كما صنع الفيلسوف العظيم، صدر المتألھين، مع أنه اعترف وأثبت ملائكة عالم المثال، والتمثلات المُلكية
والمَلكوتية للملائكة، في كتبه الفلسفية والعملية، مع بيان أنيق يختص به
فصل: في بيان أنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض
إعلم أنه قد تقرر في محلّه أن حقيقة الوجود، عين جميع الكمالات والأسماء والصفات، كما أن الوجود الخالص
المحض عين الكمال المحض الخالص. ولھذا حيث أن الحق المتعالي جل شأنه يكون وجوداً صرفاً، فھو كمال صرف،
وأنه سبحانه عين جميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية. وفي الحديث: «عِلْمٌ كُلُّهُ، قُدْرَةٌ كُلُّهُ».
وقد ثبت بالبرھان أن حقيقة الوجود، في المرايا ـ العالَمْ ـ عين جميع الكمالات، وإنه لا يمكن البتة تجريد
الكمالات من الوجود، لكنّ ظھور الكمالات، يكون بقدر سعة وضيق الوجود، وصفاء وكدورة المرآة. ولھذا تكون كافّة
الكائنات الوجودية، آيات ذاته تعالى ومرآة أسمائه وصفاته. وھذا الموضوع رغم أنه مبرھن عليه، بل قلّما تجد
مسألة فلسفية تبلغ مستوى الموضوع المبحوث عنه ھنا في الإحكام والقوة، وإتقان الدليل. فھو مطابق
لمشاھدات أصحاب الشھود، ومذاق أرباب المعرفة، وموافق مع الآيات الكريمة، وأخبار أھل بيت العصمة والطھارة
442 غوالي الئالئ، المجلد الأول، ص
.106
443 بحار الأنوار، المجلد الثامن عشر، ص
.382
178
عليھم السلام. كما أشار كتاب االله سبحانه في عدة مواضع، إلى تسبيح الموجودات بأسرھا: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي
، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَھُونَ تَسْبِيحَھُمْ) 444 السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)
445
.
ومن الواضح جدّاً أن التسبيح والتقديس والثناء، يتطلّب العلم والمعرفة لمقام الذات المقدس ـ للحق جل شأنه
ـ، ومن دون العلم والمعرفة لا يمكن التسبيح والتقديس والتحميد.
وقد تولّت الأحاديث بيان ھذا الموضوع الشريف بكل صراحة ووضوح لا يقبل أي توجيه وتأويل. ولكن ذوي
الحجاب والمحجوبين من المعارف الإلھية، من أھل الفلسفة التقليدية وذوي الجدل، قد أوّلوا كلام االله، تأويلاً باھتاً،
فمضافاً إلى أنه مخالف لظاھر الآيات الكريمة ونصوص القرآن الكريم، يكون حديثھم بعض الموارد، مثل قصة تكلم
النمل في سورة النمل المباركة، مخالفاً للنصوص الكثيرة الواردة عن الأئمة الأطھار عليھم السلام ومخالفاً
لبراھين الحكمة القومية أيضاً. ولا يتناسب ذكر البراھين مع مقدماتھا وحجم ھذا الكتاب المختصر.
فتسبيح الموجودات للحق المتعالي يكون عن وعي وشعور. وفي الحديث عن الباقر عليه السلام قال: قال
النَّبيُّ صلى االله عليه وآله وسلم: «إنّي كُنْتُ أنظُرُ إلى الإبِلِ وَالْغَنَمِ وَأَنَا أرْعاھا ـ ولَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إلاّ وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ
ـ فَكُنْتُ أنْظُرُ إلَيْھا [قَبْلَ النُّبُوَّة] وَھِيَ متمكّنة في الْمَكْينةِ ما حَوْلَھا شَيْءٌ يُھيِّجُھا حَتّى تَذْعَرَ فَتَطير، فَأقُولُ: ما
ھذا؟ وَأعْجَبُ حَتَّى جاءني جَبْرَئيلُ فَقال: إنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً ما خَلَقَ االلهُ شَيْئاً إلاّ سَمِعَھا وَيَذْعَرُ لَھا إلاَّ
446 الثَّقَلَيْنِ»
.
ويقول أھل المعرفة أن الإنسان أكثر الموجودات بُعداً وحجاباً عن الملكوت ما دام ھو مُنھمك بعالم المُلك
وشؤونه، لأن اشتغاله أكثر من الكل وأقوى، فيكون احتجابه أكثر من الجميع، وحرمانه عن الوصول إلى عالم
الملكوت أعظم.
وأيضاً لأن كافة الموجودات ذات وجھة ملكوتية يكتسبون بھا الحياة والعلم والشؤون الحياتية (وَكَذَلِكَ نُرِي
447 إِبْرَاھِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)
. وھذا دليل آخر لتحقق العلم والحياة في الموجودات بأسرھا.
وبعد أن عُلم أن لجميع الموجودات علماً ومعرفة، وأنھا ذات وجھة ملكوتية، ولكن الإنسان بما أنه من جھة
ليس في مرتبتھا، بل أرفعھا وأسماھا وبما أنه محجوب من جھة أخرى عن عالم الملكوت، لا يحصل له العلم
بحياة الموجودات وشؤونھا، بعد ھذا الكلام لا مانع من القول باستغفار كل ما في السماء والأرض للإنسان السالك
لطريق العلم، المتوجه إلى الحق المتعالي، الذي ھو زبدة عالم الوجود، وولي النعمة لعالم لعالم التحقق، وطلب
الكائنات من مقام غفارية الذات المقدس الحق جل وعلا، مع ألسنتھم المقالية، ولھجتھم الصريحة الملكوتية،
التي تسمعھا الآذان الملكوتية الصاغية، أن يغرق في بحار غفرانه ھذا النتاج الكامل المُلكي، الذي ھو مفخرة
الطبيعة، وأن يستر عيوبه جميعاً.
كما أنه لا مانع من احتمال آخر وھو أن الكائنات الأخرى تعلم، بأن الوصول إلى مقام فناء ذات الإنسان
المقدس، والغرق في بحر الكمال، لا يتيسر إلا بتبع ذات الإنسان المقدس الكامل العالم باالله، العارف للمعارف
الإلھية، الجامع للعلم والعمل ـ كما ھو مقرر في محلّه ـ فمن ھذه الجھة يسألون الحق سبحانه، الكمال
الإنساني، الذي يحصل بالغرق في بحر غفارية الحق، حتى ينالوا بواسطته كمالاتھم اللائقة بھم ـ واالله العالم.
فصل: في بيان أن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر
وھي ليالي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر
إعلم أن حقيقة العلم والإيمان الذي يتقوّم بالعلم، عبارة عن النور، وھذا الموضوع مضافاً إلى أنه مطابق مع
البرھان والعرفان، موافق لنصوص وأخبار أھل العصمة والطھارة عليھم السلام أيضاً. لأن حقيقة النور التي ھي
عبارة عن الظاھر والمكشوف بالذات، المظھر والكاشف للغير، ثابتة للعلم وصادقة عليه، بل صدق ھذه الحقيقة
444
سورة الجمعة، آية: 1.
445
سورة الإسراء، آية: 44.
446
فروع الكافي، المجد 3 ،ص 233.
447
سورة الأنعام، آية: 75.
179
على العلم يكون حقيقياً، وعلى الأنوار الحسية، مجازياً، لأن النور الحسي، لا ظھور ذاتي له في الحقيقة وإنه من
تعيّنات ـ مصاديق ـ تلك الحقيقة، وتكون لھا الماھية، وأما حقيقة العلم، فھي عين الوجود ذاتاً، وغيره مفھوماً، فھو
في حاقّ الحقيقة، وعالم الخارج موافق للوجود ومتحد معه، وتكون حقيقة الوجود عين النور، وعين العلم (اللَّهُ نُورُ
. فالعلم عين النور. وقد عبّر في الآيات الشريفة عن الإيمان والعلم بالنور (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ 448 السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض)
449 اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)
.
وقد فسر (النور) حسب تفسير أھل بيت العصمة عليھم السلام في آية النور المباركة بالعلم، فَعَنْ الصادِق ـ
عليه السلام ـ : «االلهُ نورُ السَّمواتِ وَالأرْضِ» قال:
كَذلِكَ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ مَثَلُ نورِهِ قالَ: مُحَمَّدٌ صلَى االله عليه وآله وسلم كَمِشْكوةِ قالَ: صَدْرُ مُحَمَّدٍ صلّى االله عليه
وآله وسلم فيھا مِصْباحٌ قالَ فيهِ نورُ الْعِلْم يَعْني النُّبُوَّةَ الْمِصْبَاحُ في زُجاجَةٍ قالَ: عِلْمُ رَسولِ االله صَدَرَ إلى قَلْبِ
450 عَلِيٍّ ـ الحديث
وَعَنْ الباقِر عليه السّلام أنَّهُ يَقولُ: «أنَا ھادِي السَّماواتِ والأرْضِ، مَثَلُ الْعِلْمِ الَّذِي أُعْطيتُهُ ـ وَھُوَ النّورُ الّذي
يُھْتَدَى بِهِ ـ مِثْلُ الْمِشْكوةِ فيھَا الْمِصْبَاحُ، فَالْمِشْكوةُ قَلْبُ مُحَمَّدٍ صلّى االله عليه وآله وسلم، وَالْمِصْباحُ نُورُهُ الَّذي
451 فيهِ الْعِلْمُ»
.
وفي رواية قال: «فَالْمُؤْمِنُ يَنْقَلِبُ في خَمْسَةٍ مِنَ النَّورِ: مَدْخَلُهُ نورٌ، وَمَخْرَجُهُ نورٌ، وَعِلْمُهُ نورٌ، وَكَلامُهُ نورٌ،
452 وَمَصيرُهُ إلى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نورٌ»
.
453 وورد في الحديث المعروف: «الْعِلْمُ نورٌ يَقْذِفُهُ االلهُ في قَلْبِ مَنْ يَشاءُ».
.
ولھذا النور مراتب، حسب مراتب إيمان وعلم ذوي النور.
ولابد من معرفة أن ھذا النور الحقيقي الموجود في قلوب أھل الإيمان والعلم، لمّا كان من أنوار عالم الآخرة،
ينير في عالم الآخرة حسب فعالية النفس بالنور الحسّي. وحيث أن ھذا النور ھو الذي ينير الصراط، يكون نور
طائفة مثل نور الشمس وأخرى مثل نور القمر حتى ينتھي الأمر إلى نور يضيء أمام قدميه فقط.
وعندما علمنا بأن العلم نور وظھور، حقيقة من دون شائبة مجاز، لابد وأن نعرف بأننا نحن المساكين الذين ما
دمنا نعيش في حجب ظلمات الطبيعة، وفي الليل المظلم من عالم المُلك، نكون محجوبين عن العلم: الشمس
الحقيقية، والنور المتزايد للعلم والوعي، ونتصور بأن ھذه الكلمات مبتنية على المثال والمجاز والاستعارة والتخمين
والتعبير.
نعم، لمّا كنا في سُبات في ھذه الحياة المستعارة، وكان سكر الطبيعة يداعب رأسنا ولم نفرق بين الحقيقة
والمجاز، يترائى أمام رؤيتنا المجازية النور المجازي لأنه في الحقيقة تترائى في عالم المجاز، الحقيقة، مجازاً.
«النّاسُ نِيامٌ فَإِذا ماتُوا انْتَبَھُوا».
وعندما نفتح أعيننا، نرى العالم نيّراً بمثل ما نرى الشمس والقمر نيرين، فبنوره في ھذا العالم، تُضاء القلوب
المظلمة، وتُحيي أموات الجھل، وفي ذلك العالم أيضاً نوره يحيط ويشفع، من خلال إحاطته النورية، المقتبسين
من مشكاة علمه والمرتبطين بساحة قدسه.
ولابد وأن نعرف بأن العبادة لا تتحقق من دون علم أيضاً، ومن ھنا يكون للعابد نور مخصوص به، بل إن نفس
الإيمان وعبادة الحق المتعالي من سنخ النور ولكن نور العابد، يضيء لنفسه، وينير تحت أقدامه، ولا ينير للآخرين
ولھذا يكون مثلھم مثل النجوم ليلة البدر، حيث تختفي أنوارھا أمام نور القمر ليلة البدر، وإنما تضيء لنفسھا من
دون أن تنفع الآخرين وتسطع لھم. فمثل العابد أمام العالم، لا يكون مثل النجمة في الليل المظلم حتى ينير قدراً
448
سورة النور، آية: 35 و40.
449
سورة النور، آية: 35 و40.
450 توحيد الصدوق، ص
.175
451
تفسير نور الثقلين، المجلد الثالث، ص 105.
452
تفسير البرھان، المجلد 3 :ص 135.
453 بحار الأنوار، المجلد الأول، ص
.225
180
من المساحة المحيطة بالنجمة وإنما يضيء بمثل إضاءة النجمة ليلة البدر حيث تكون ظاھرة وغير مظھرة لشيءٍ
آخر.
قال صدر المتألھين قدس سره (أن المقصود من العالم في ھذا الحديث الشريف غير العالم الرباني ممّن يكون
علمه لَدُنيّاً وحاصلاً بواسطة الموھبة الإلھية كما ھو شأن علم الأنبياء والأولياء عليھم السلام، ويدل على ما
ندعيه تمثيله بالقمر إذ لو كان المقصود من العلم، اللدني منه، لكان من الجدير به أن يمثل بالشمس لأن نورھا
بإفاضة من الحق المتعال من دون واسطة شيء آخر من نوعه أو جنسه) انتھى كلامه رفع مقامه.
فصل: في بيان أن العلماء ورثة الأنبياء عليھم السلام
ھذه الوراثة روحانية، وولادة العلماء من الأنبياء ولادة ملكوتية، والإنسان كما يكون حسب نشأته المُلكية
والجسمية، وليد المُلك والطبيعة فبعد تربية الأنبياء
للإنسان، وحصول مقام القلب له، تكون له ولادة ملكوتية. وكما أن منشأ تلك الولادة المادية، الأب الجسماني،
يكون منشأ ھذه الولادة الأنبياء عليھم السلام، فيكونوا الآباء الروحانيين، وتكون الوراثة، وراثة روحانية باطنية،
والولادة ولادة ثانوية ملكوتية. وتكون التربية والتعليم بعد الأنبياء من شؤون العلماء، الورثة الحقيقيين للأنبياء. إن
الأنبياء عليھم السلام حسب ھذا المقام الروحاني لا يملكون درھماً ولا ديناراً ولا يلتفتون إلى عالم المُلك
والشؤون المُلكية فتَرِكَتُھم حسب ھذا المقام الروحاني، لا يكون شيئاً آخر عدا العلم والمعارف وإن كان حسب
454 ولادتھم ـ الأنبياء ـ المُلكية والشؤون الدنيوية يحتوون على كل الحيثيات البشرية (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)
.
وورثتُھم حسب ھذا المقام ـ الحيثيات البشرية ـ لا يكونون العلماء، بل أولادھم الجسمانيون الذين يرثون حسب
ھذا المقام الدرھم والدينار.
وھذه الرواية الشريفة ظاھرة بل صريحة على الوراثة الروحانية كما ذكرناھا. ويكون مقصود الرسول الأكرم
. على فرض صحة صدوره 455 صلى االله عليه وآله وسلم من الحديث المنسوب إليه (نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرِّثُ)
عنه صلى االله عليه وآله وسلم، ما يرتبط بشأن النبوة والوراثة الروحانية حيث لا يورثون مالاً ولا منالاً، بل يورثون
العلم. كما ھو واضح. والسّلام.
الحَديث السَابع وَالعشرون: حضور القلب
بالسَّند المتّصل إلى الشيخ الأجلّ والثّقة الجليل محمّد بن يعقوب الكلينيِّ ـ رضوان االله عليه ـ عن عدَّة من
أصحابنا، عن أحمدَ بن محمّد، عن ابن محبوب، عَنْ عمر بنِ يزيدَ، عن أبي عبد االله قال: «فِي التَّوراةِ مَكْتوبٌ يَا بْنَ
آدَمَ تَفَرَّغْ لِعبَاَدتِي أملأُ قَلْبَكَ غِنىً، وَلاَ أكِلُكَ إلى طَلَبكَ، وَعَلَيَّ أَنْ أَسُدَّ فَاقَتَكَ وَأمْلأَ قَلْبَكَ خَوْفاً منِّي. وَإِنْ لا تَفَرَّغْ
456 لِعِبادَتِي أَمْلأ قَلْبَكَ شُغْلاً بِالدُّنْيَا ثُمَّ لا أسُدُّ فَاقَتَكَ وَأَكِلُكَ إِلَى طَلَبِكَ»
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 15
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: