{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 12

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 12   الثلاثاء يناير 09, 2018 8:54 am

وَنُقِلَ عَنِ الإِمَامِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلام بأَنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْونَ يَومَ القِيَامَةِ كَيْلَهُ
296 تَامّاً مِنَ الثَّوَابِ فَلْيَتْلُوا ھذِهِ الآيَاتِ المُبَارَكةِ ـ سبحان ربك إلى آخره ـ فِي دَبْرِ كُلِّ صَلاةٍ
.
وَعَنِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلام مُرْسَلاً، كَفَّارَاتُ المَجَالِسِ أَنْ تَقُولَ عِنْدَ قيَامِكَ مِنْھَا سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا
297 يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ
.
الكافي بِإِسْنادِهِ عَنْ ابْنِ فَضّالٍ رَفَعَهُ قَالَ: «قَالَ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلام: يَا عِيسى اذْكُرْنِي فِي
نَفْسِكْ أذْكُرْكَ في نَفْسِي وَاذْكُرْنِي فِي مَلإك أذْكُرْكَ فِي ملأ خَيْرٍ مِنْ مَلأ الآدَميّينَ. يا عيسى ألِنْ لي قَلْبَكَ وَأكْثِرْ
298 ذِكْري فِي الخَلَواتِ وَاعْلَمْ أنَّ سُرُوري أنْ تُبَصْبِصَ إِلَيَّ وَكُنْ فِي ذلِكَ حَيّاً وَلا تَكُنْ مَيِّتاً»
.
«التبصبص» ھو حركة ذنب الكلب نتيجة الخوف أو الطمع. وھذا كناية عن شدّة الالتماس والمسكنة. و(كُنْ فِي
ذلِكَ حَي?ا وَلا تَكُنْ مَيِّتاً) بمعنى انتباه القلب وحضوره. الكافي بِإِسْنَادِهِ عَنْ أبِي عَبْدِ االلهِ عَلَيْهِ السَّلام: قالَ «إنَّ االلهَ
299 عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مَنْ شُغِلَ بِذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي مَنْ سَأَلَنِي»
.
عَنْ أحْمَد بْنِ فَھْدٍ في عُدَّة الدّاعي عَنْ رَسُولِ االلهِ صَلّى االله عليه وأله وسلم قالَ: «... وَاعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ
أعْمالكُمْ [ عِنْدَ مَليكِكُمْ ] وَأزْكاھا وَأرْفَعَھا في دَرَجاتِكُم وَخَيْرَ ما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ذِكْرُ االلهِ سبحانه وتعالى فَإِنَّه
300 أخْبَر عَنْ نَفْسِه فَقالَ: أَنَا جَليسُ مَنْ ذَكَرَنِي»
.
إن الأحاديث المأثورة في فضل ذكر االله وكيفيته وآدابه وشرائطه تفوق استيعاب ھذه الصفحات. والحمد الله أوّلاً
وآخراً وظاھراً وباطناً.
294
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ما يجب ذكر االله في كل مجلس، ح 1.
295
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ما يجب ذكر االله في كل مجلس، ح 3.
296
جامع الأحاديث، كتاب الصلاة، ح 3487.
297
وسائل الشيعة، المجلد 15 ،ح 28901.
298
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر اللّه في السر، ح 3.
299
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب الاشتغال بذكر اللّه، ح 1.
300 عدة الداعي، ص
.238
128
الحديث التاسع عشرَ: الغيبة
بِسَنَدِيَ المُتَّصِلِ إِلى ثِقَةِ الإسْلامِ وَالمُسْلِمينَ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الكُلَيْني ـ رضوان االله تعالى عليه ـ عَنْ عَلِيّ
بْنِ إبْراھِيمَ، عَنْ أبيه عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبي عَبْدِ االلهِ عليه السَّلام قال: قال رَسُولُ االلهِ صلّى االله
عليه وآله وسلم: «الغِيبَةُ أَسْرَعُ في دينِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِنَ الأَكْلَةِ فِي جَوْفه».
قالَ: وَقالَ رَسُولُ االلهِ صلّى االله عليه وآله وسلم: «الجُلُوسُ فِي المَسْجِد إِنْتِظارَ الصَّلاةِ عِبادَةٌ ما لَمْ يُحْدِثْ. قيلَ
301 يا رَسُولَ االلهِ وَما يُحْدثُ قالَ: الاغتيابِ»
.
الشرح:
الغيبة كما في اللغة مصدر «غاب»، واسم مصدر لـ «اغْتِيَاب». قال الجوھري: «اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه،
والاسم الغيبة وھو أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقاً سمّي غيبة، وإِنْ كانَ كذباً
.
سمّي بھتاناً. انتھى» 302
. انتھى. ولكن يبدو بأن صاحب الصحاح ـ 303 قال المحقق المحدث المجلسي عليه الرحمة: ھذا بحسب اللغة
الجوھري ـ ذكر المعنى الاصطلاحي لا اللغوي. لأن المعنى اللغوي لِـ غاب واغتاب وجميع مشتقاته ليس بذلك.
وإنما ھو معنى أعم من ذلك، وقد يكتب اللغويون المعنى الاصطلاحي أو الشرعي للكلمة في كتبھم. وينقل عن
صاحب القاموس إنّ غاب بمعنى عاب. وعن المصباح المنير: «اغتابه إذا ذكره بما يكرھه من العيوب وھو حقّ».
وحسب اعتقاد الكاتب أن ھذه المعاني المذكورة لا تمتّ إلى المعنى اللغوي بشيء، بل في كل منھا قيود
تداخلت مع المعنى المصطلح. وعلى أيّ حال لا جدوى في البحث عن المعنى اللغوي، فإن المھم ھو الوصول
إلى الموضوع الشرعي الذي أصبح متعلقاً للتكليف الشرعي ـ الحرمة ـ. وحسب الظاھر يكون لھذا الموضوع ـ
الغيبة ـ قيود شرعية لا يرقى إليھا الفھم العرفي والمعنى اللغوي. ونتطرق للبحث في ذلك بعد قليل.
والأكَلَةُ كفرحة، داءٌ في العضو يأتَكِلُ منه كما في القاموس وغيره وقد يقرأ بمدّ الھمزة على وزن فاعلة أي
304 العلّة الّتي تأكل اللحم والأوّل أوفق باللغة كذا قال المجلسي
.
وعلى أي حال فالمقصود ھو أن مرض الأكلة عندما يحلّ في العضو وخاصّة الأعضاء اللطيفة من الجسم مثل
الباطن منه يأكله بسرعة ويقضي عليه، كذلك الغيبة تأكل دين الإنسان أسرع من ذلك وتفسده وتقضي عليه.
«مَا لَمْ يُحْدِث» من باب الأفعال، والضمير المستتر فيه يعود إلى «الجالس» المستفاد من «الجلوس» المذكور
في الرواية.
«والاغْتِيَابَ» منصوب ومفعول لفعل مقدر ـ يحدث ـ مفھوم من كلام السائل. وفي بعض النسخ ـ «ما الحدث»
في مكان «ما يحدث» وعليه يكون «الاغتياب» مرفوع على الخبرية.
فصل: في تعريف الغيبة
اعلم أن الفقھاء ـ رضوان االله عليھم أجمعين ـ ذكروا تعاريف كثيرة للغيبة، لا يتناسب عرضھا ومناقشة كل واحد
منھا من ناحية الجامعيّة ـ الشمول لكل أفراد الغيبة ـ والمانعية ـ عدم الاستيعاب لما ليس من الغيبة ـ مع حجم
ھذا الكتاب، إلاّ إذا اقتصرنا على ذكر التعاريف إجمالا.
يقول الشيخ المحقق السعيد الشھيد في (كشف الريبة) وأما في الاصطلاح فلھا تعريفان : أحدھما مشھور:
«ھُوَ ذِكْرُ الإنْسانِ حالَ غَيْبَتِه بِما يَكْرَهُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ مِمّا يُعَدُّ نُقْصاناً فِي العُرْفِ بِقَصْدِ الانْتِقاص وَالذَّمِّ».
وحاصل معنى الأول: أن الغيبة عبارة عن 305 وثانيھما: «التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يَكْرَهُ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِ وَھُوَ أَعم من الأَوَّل»
ذكر إنسان في غيبته بما يكره نسبته إليه، مما يُعَدُّ نقصاً وذمّاً لدى الناس، وكون ھذا الذكر بقصد الانتقاص
والطعن. وحاصل المعنى الثاني ھو التنبيه إلى ما ھو كذلك. ثم إن التعريف الثاني يكون أعمّ من الأول فيما إذا كان
301
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغيبة والبھت، ح1.
302
بحار الأنوار المجلد 75 ص 221.
303
بحار الأنوار المجلد 75 ص 221.
304
بحار الأنوار، المجلد 75 ،ص220.
305
بحار الأنوار، المجلد 75 ،ص221.
129
الذكر ـ في الأول ـ بمعنى القول كما ھو المتفاھم العرفي، فيكون التنبيه ـ في الثاني ـ أعم أن من القول والكتابة
والحكاية وغيرھا من سائر طرق التفھيم. وإذا كان الذكر أھم من القول كما ھو الموافق للّغة، كان مرجع التعريفين
واحداً. والمستفاد من الأخبار أيضاً يدل على ھذين التعريفين.
مثل ما في مجالس الشيخ في حديث أبي بصير في وصيّة النبيّ ـ صلّى االله عليه وآله وسلم ـ لأبي ذَرٍّ ـ
رضوان االله عَليهِ ـ وفيه ـ «قُلْتُ: يا رَسُولَ االلهِ ما الغيبَةُ؟ قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما ھُوَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذا ذَكَرْتَهُ بِما
306 لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَھَتَّهُ»
.
وورد في الحديث النبوي الشريف: «ھل تَدْرُونَ مَا الغيبَةُ؟ فَقالُوا: االلهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما
307 يَكْرَهُ... الخ»
.
ويرجع ھذا المعنى الأول حسب المتفاھم العرفي إلى معنى الذكر، أو إلى المعنى الثاني بناءً على أن الذكر
أشمل من القول. ولم يذكر الحديث غياب الأخ، لأنه مفھوم من معنى الغيبة فلا حاجة لذكره. ومن الواضح أيضاً أن
المقصود من الأخ ھو الأخ في الإيمان لا في النسب. و(مَا يَكْرَهُ) تعبير عن كل ما فيه نقص عرفاً. وإرادة الانتقاص
والطعن وإن لم تذكر في الحديثين الشريفين: لأبي ذر، والنبوي المشھور، ولكنھا مستفادة من فحوى الكلام. بل
أن صدر رواية أبي ذر يدلّ إلى ذلك، فكان مستغنياً عن ذكره. لأن في صدر الرواية «الغَيْبَةُ أشَدُّ مِنَ الزِّنا. قُلْتُ: وَلِمَ
ذاكَ يا رَسُولَ االلهِ؟ قالَ: لأنَّ الرَّجُلَ يَزْني فَيَتُوبُ إِلَى االلهِ فَيَتُوبُ االلهُ عَلَيْهِ، والغِيبَةُ لا تُغْفَرُ حَتّى يَغْفِرَھا صاحِبُھا ثمّ
. ويفھم من ھاتين الجملتين أن الذكر مع قصد الانتقاص، يكون غيبةً وإن 308 قال:... وأكْلُ لَحْمِه مِنْ مَعاصِي االلهِ»
كان ذكر الغير بقصد الشفقة عليه لما كانت غيبة حتى يحتاج إلى طلب المغفرة. ولما كانت من أكل لحمه.
ويستفاد من رواية عائشة أن الغيبة أعم من الذكر القولي: «قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةُ فَلَمّا وَلَّتْ أَوْمَأتُ بِيَدي أَنَّھا
. بل العرف لا يفھم من أخبار الغيبة، خصوصية للفظ، وإنما 309 قَصِيرَةٌ فَقَالَ ـ صلّى االله علية وآله وسلم ـ: اغْتَبْتِھا»
تعرض له من جھة أنه أسلوب من أساليب التفھيم، بمعنى إن الغيبة غالباً ما تكون باللفظ، لا من جھة أن للّفظ
خصوصية مميزة.
يبقي مطلب واحد وھو أن المستفاد من أخبار الغيبة أن كشف ستر المؤمنين حرام بمعنى أنه يحرم إظھار
عيوب المؤمنين المستورة، من دون فرق بين أن تكون ھذه العيوب خلقية أو خُلقية أو سلوكية، سواء كان
الشخص المتصف بالعيب راضياً بكشف عيبه أو لا. وسواء كان ھناك قصد انتقاص أم لا. ولكن يستفاد من مراجعة
عدّة روايات في المقام أن لقصد الانتقاص والطعن دور في حرمة الغيبة، إلاّ إذا كان العمل بنفسه من الأمور التي
يحرم شرعاً ذكره وإشاعته. بأن يكون معصيةً وتعدّياً على حقوقه سبحانه حيث لا يجوز لصاحب المعصية إظھارھا
للآخرين، وإنھا من إشاعة الفاحشة. وھذا لا يكون مرتبطاً بحرمة الغيبة. ولا يبعد أن يكون إظھار المستور من
عيوب المؤمنين عند عدم رضاھم بذلك محرّماً، حتى وإن لم يكن ھناك قصد للانتقاص منھم. وعلى أي حال إن
التفصيل في ھذا الموضوع، أكثر مما ذكرنا، يكون خارجاً عن المطلوب.
فصل: في الغيبة ومساوئھا
اعلم أن حرمة الغيبة محل اتفاق إجمالاً، بل تعدّ من ضروريّات الفقه ومن المعاصي الكبيرة والموبقات المھلكة.
ويكون البحث في ذلك والموارد التي ستثنى منھا، خارجة عن نطاق ھذا الكتاب. واللازم في ھذا المقام التنبيه
على فساد ھذه السيئة الموبقة وعلى مضاعفاتھا، حتى نبتعد عنھا ولا نبتلي بھا إنشاء االله أو إذا ابتلينا ـ لا
سمح االله ـ لتراجعنا وتُبنا، واستئصلنا مادة الفساد، ولا نفسح المجال للرحيل من ھذا العالم مع ھذا الدنس
والابتلاء بھذه المعصية الكبيرة الماحقة للإيمان. لأن لھذه الخطيئة الكبيرة في عالم الغيب، وراء حجاب الملكوت،
صورة مشوھة بشعة، تبعث ـ مضافاً إلى قبح منظرھا ـ على الفضيحة في الملأ الأعلى ولدى محضر الأنبياء
306
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، باب 152 من أبواب أحكام العشرة ح 9.
307
المحجة البيضاء، المجلد 5 ،ص 256.
308
وسائل الشيعة، المجلد 8 ،ح16312.
309
جامع السعادات، المجلد 2 ،ص 294.
130
المرسلين والملائكة المقربين. والصورة الملكوتية لھا، ھي التي أشار إليھا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم،
وشرحتھا الأحاديث الشريفة صراحةً وتلويحاً أيضاً. قال االله تعالى: (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
310 لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِھْتُمُوهُ)
.
نحن غافلون عن أن أعمالنا بأنفسھا في صور تناسب معھا، تعود إلينا، في عالم آخر. وغافلون عن أن لھذا
العمل، صورة أكل الميتة. إن صاحب ھذا العمل ـ المغتاب ـ يضاھي الكلاب الجارحة، في افتراسه لأعراض الناس
ولحومھم، وسترجع إليه الصورة الملكوتية لھذا العمل ـ كلب ينھش لحم الميت ـ في نار جھنم.
311 وفي رواية أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم لمّا رجم الرجل في الزنا قال رجل لصاحبه: «ھذا أُقْعِصَ
كَما يُقْعَصُ الكَلْبُ فَمَرَّ النَّبِيّ مَعَھُما بِجيفَةٍ فَقالَ: إِنْھَشا مِنْھا، فَقالا: يا رَسْولَ االلهِ نِنْھَشُ جيفَةً؟ فَقالَ: ما أصَبْتُما
312 مِنْ أخيكُما أنْتَنُ مِنْ ھذِه»
.
نعم أن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم قد شاھد نتيجة قوّة نور بصيرته وحدّة مشاھدته ـ النبوية الغيبية
ـ عملھم ـ المغتابين ـ وعرف بأن جيفة الغيبة أشدّ من جيفة الميتة وصورة عمل الغيبة أشدّ قبحاً وفظاعة من
صورة الميتة المتفسخة.
وفي رواية أخرى أن المغتاب يأكل من لحمه يوم القيامة. وفي وسائل الشيعة عن كتاب «المجالس» لصدوق
الطائفة ـ رضوان االله عليه ـ عن نوف البّكالي قال أتى أمير المؤمنين عليه السلام (إلى أن قال) قلت زدني قال:
«أجْتَنِبْ الغيبَةَ فَإنِّھا أدام كِلابِ النَّارِ ثُمَّ قالَ: يا نُوفُ كَذَبَ مَنِ زَعَمَ أنَّهُ وُلِدَ مِنْ حَلالٍ وَھوَ يَأْكُلُ لُحُومَ النّاس بِالغيْبَةِ»
313
ولا تھافت بين ھذه الأحاديث الشريفة. إذ يمكن أن يتحقق كل ذلك: يأكل ـ المغتاب ـ لحم الميتة ويأكل لحم
جسده أيضاً. يكون على صورة الكلب فيأكل الجيفة، ويكون على صورة الميتة تأكله كلاب جھنم أيضاً. ھناك ـ في
عالم الآخرة ـ إن الصورة تابعة للحيثيات التي توجد في الفاعل فيمكن أن تكون لموجود واحد صورٌ مختلفة. كما ھو
مقرّر في محله العلوم الفلسفية والعرفانية ـ.
وعن عقاب الأعمال بإسناده... عن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم في حديث: «.. وَمَنْ مَشى في غيبَةِ
314 أخيهِ وَكَشْفِ عَوْرَتِهِ كانَتْ أَوَّلُ خُطْوَةٍ خَطاھا وَضَعَھا في جَھنَمَّ وَكَشَفَ االلهُ عَوْرَتَهُ عَلى رُؤوسِ الخَلائق»
.
ھذا وضعه يوم القيامة وفي جھنم حيث يفضحه االله تعالى بين الناس وأمام الملكوتيين.
وفي وسائل الشيعة عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليھم السلام في حديث المناھي أن رسول
االله صلّى االله عليه وآله وسلم... ونھى عن الغيبة وقال: «مِنْ اغْتابَ امْرَءً مُسْلِماً بَطَلَ صَوْمُهُ وَنَقَضَ وُضُوءَهُ وَجاءَ
يَوْمَ القِيامَة يَفُوحُ مِنْ فيه رائِحَةٌ أنْتَنُ مِنَ الجيفَةِ يَتَأَذّى بِه أَھْلُ المَوْقِفِ وَإِنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ ماتَ مُسْتَحِلا? لِما
315 حَرَّمَ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ»
.
وھذا حاله قبل وروده على نار جھنم حيث يكون أمره مفضوحاً على رؤوس الأشھاد ويعتبر من الكفار، لأن
المستحل لما حرّمه االله يكون كافراً، وتكون نھاية المغتاب ـ يوم القيامة ـ حسب ھذه الرواية تضاھي نھاية الكافر
لأنھما يستحلان ما حرّمه االله.
وروي أيضاً عن رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم في بيان حال المغتاب في البرزخ الرواية التالية:
«عن أَنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ االلهِ صلّى االله عليه وآله وسلم: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلى قَوْمٍ يَخْمِشُونَ وُجُوھَھُمْ
316 بِأَظافِيرِھِمْ، فَقُلْتُ: يا جَبْرَائيلَ! مَنْ ھؤُلاءِ؟ قَالَ: ھؤلاء الَّذينَ يَغْتابُونَ النَّاسَ وَيَقَعُونَ في أَعْراضِھِمْ»
.
310
سورة الحجرات، آية: 12.
311 القعص
: القتل.
312 المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص
.253
313
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح 16.
314 عقاب الأعمال، ص
.340
315
وسائل الشيعة، المجلد 8 الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح13.
316
المحجة البيضاء، المجلد 5 ،ص251.
131
فتبين أن المغتاب مفضوح في عالم البرزخ وعلى استحياء أمام أھل المحشر يوم الوقوف بين يدي رب
العالمين، وفي حالّ من الذلّ والمسكنة عندما يزجّ به في نار جھنم، بل إن بعض مراتب الغيبة يدفع بصاحبھا على
الفضيحة في ھذا العالم أيضاً.
ففي أصول الكافي عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَمّارٍ قالَ: «سَمِعْتُ أبا عَبْدِ االلهِ عليه السَّلام يَقُولُ: قالَ رَسُولُ االلهِ صلّى
االله عليه وآله وسلم: يا مَعْشَرَ مَنْ أسْلَمَ بِلِسانِهِ وَلَمْ يَخْلُصِ الإيْمانُ إِلى قَلْبِه لا تَذُمُّوا المُسْلِمينَ وَلا تَتَبَّعُوا
317 عَوْراتھِمْ فَإنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْراتِھِم تَتَبَّعَ االلهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ االلهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِه»
.
إن االله سبحانه وتعالى غيور، ويكون ھتك ستر المؤمنين وكشف عوراتھم ھتكاً لناموس إلھي وكرامته. ولو أن
إنساناً تجاوز في الاستھتار الحدود، وھتك حرمات االله، كشف االله الغيور عيوبه التي سترھا عن الآخرين بلطفه
وستّاريته، وھتك أسراره وفضح أمره في ھذا العالم أمام الناس وفي عالم الآخرة أمام الملائكة والأنبياء والأولياء ـ
عليھم السلام ـ.
وفي الحديث الشريف في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام: «قالَ: لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيّ صلّى االله عليه وآله
وسلم قالَ: يارَبِّ ما حالُ المُؤْمِنِ عِنْدَكَ: قالَ: يا مُحَمَّدُ مَنْ أھانَ لي وَلي?ا فَقَدْ بارَزَني بِالْمُحارَبَةِ وَأنَا أسْرَعُ [ شَيْءٍ ]
318 إِلى نُصْرَة أوْلِيائي»
.
والأحاديث في ھذا الموضوع كثيرة.
وعن الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «وَمَنْ اغْتابَهُ بِما فيهِ فَھُوَ خارِجٌ مِنْ وِلايَةِ االلهِ
319 تَعالَى داخِلٌ في ولايَةِ الشَّيْطانِ»
.
ومن الواضح أن من يخرج عن ولاية االله تعالى ويدخل في ولاية الشيطان، لا يكون من أھل النجاة والإيمان. كما
320 ورد في حديث إسحاق بن عمار المتقدم
.
أيضاً من أن إسلام المغتاب بلسانه ولم يخلص الإيمان في قلبه.
ومعلوم أم من يؤمن باالله ويُصدِّق بيوم الجزاء ويعتقد إعتناقه ـ يوم القيامة ـ لصور أعماله وحقائق سيئاته، لا
يقترف موبقة كبيرة، تفضحه في عوالم الغيب والشھادة وفي عالم الدنيا والبرزخ والآخرة، وتقوده إلى شرّ
المصائب، التي ھي نار جھنم، وتخرجه عن ولاية الحق المتعالي وتدخله تحت ولاية الشيطان.
لو أننا اجترحنا مثل ھذه المعصية العظيمة لوجب أن نعرف بأن الأساس غير سليم، وأن حقيقة الإيمان لم
يدخل في قلبنا. ولو أن الإيمان تغلغل في القلب، لصلحت الأمور، لأن آثاره ـ الإيمان ـ تتسرب إلى الظاھر والباطن
والسرّ والعلن.
فلابد من معالجة الباطن وأمراض القلب. ويستفاد من الأحاديث أن ضعف الإيمان وعدم خلوصه كما يسبب
فساداً في الأخلاق وانحرافاً في الأعمال، كذلك توجب الفاسد الأخلاقية نقصاً في الإيمان بل زواله. وھذا الكلام
يتطابق مع بعض البراھين. كما تقرر في محلّه.
واعلم أن ھذه المعصية من جھة أخرى أشد من كافة المعاصي، وأن آثارھا أخطر من آثار الذنوب الأخرى، لأن
الغيبة مضافاً إلى أنھا تمسّ حقوق االله، تمسّ حقوق الناس أيضاً. ولا يغفر االله للمغتاب حتى يرضى صاحب الغيبة.
كما ورد ھذا المضمون في الحديث الشريف المأثور بطرق مختلفة.
عن محمّد بن الحسن في المجالس والإخبار بإسْناده عن أبي ذَرٍّ، عَنِ النَّبيّ صلّى االله عليه وآله وسلم في
وَصِيَّةٍ لَهُ قَالَ: «يا أبا ذَرٍّ إِيّاكَ وَالغيبَةَ، فَإنَّ الغيبَةَ أشَدُّ مِنَ الزِّنا. قُلْتُ: وَلِمَ ذاكَ يا رَسُولَ االلهِ؟ قالَ: لأنَّ الرَّجُلَ يَزْني
321 فَيَتُوبُ إِلَى االلهِ فَيَتُوبُ االلهُ عَلَيْهِ وَالغيبَةُ لا تُغْفَرُ حَتّى يَغْفِرَھا صاحبھا»
.
وفي كتاب علل الشرائع والخصال ومجمع البيان وأخوان الصفا أحاديث بھذا المعنى أو قريب من ھذا المعنى.
317
أصول الكافي، المجلد 2 ،كتاب الإيمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين، ح2.
318
أصول الكافي، المجلد 2 ،كتاب الغيمان والكفر، باب من آذى المسلمين، ح 8.
319
بحار الأنوار، المجلد 75 ،باب الغيبة، ح 12.
320 المنقول عن أصول الكافي
.
321
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح9.
132
ولو أن الإنسان والعياذ باالله مات وعليه حقوق الناس، كان أمره صعباً جداً. إذ أن علاقة الإنسان في حقوق االله
تكون مع الكريم الرحيم الذي لا يتطرق إلى ساحته القدسية شيء من البغض والضغينة والعداوة والتشفي ولكنه
ـ في حقوق العباد قد يرتبط بإنسان فيه تلك الصفات الفاسدة ولا يتجاوز عنه بسرعة أو لا يرضى عنه نھائياً.
فلا بد للإنسان من المواظبة على نفسه كثيراً، والانتباه إلى الملاحظات التي ذكرناھا فإن الأمر خطير جداً
وصعب للغاية. والأحاديث في خطورة الغيبة أكثر من مجال ھذه الصفحات. ونحن نقتصر على ذكر بعضھا.
مثل ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ صلّى االله عليه وآله وسلم أنَّهُ خَطَبَ يَوْماً فَذَكَرَ الرِّبا وَعَظَّمَ شَأْنَهُ فَقالَ: «إنَّ الدرْھَمَ
322 يُصيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبا أعظْمُ مِنْ سَتِّ وَثَلاثينَ زَنْيَةً وَإِنَّ أرْبى الرَّبا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ»
.
323 ورُوِيَ عنه صلّى االله عليه وآله وسلم أنَّهُ قالَ: «مَا النّارُ في اليَبْس بِأسْرَعَ مِنَ الغيبَةِ في حَسَناتِ العَبْدِ»
.
وَعَنِ النَّبِيّ صلّى االله عليه وآله وسلم: «يُؤْتى بِأحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ يُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ الربِّ عَزَّ وَجَلَّ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ كِتابُهُ
فَلا يَرى حَسَناتِهِ فيهِ فَيَقُولُ إلھي لَيْسَ ھذا كِتابِي [ فإنّي ] لا أرى فيهِ حَسَناتي. فَيُقالُ لَهُ إنَّ رَبَّكَ لا يَضِلُّ وَلا
يَنْسى ذَھَبَ عَمَلُكَ بِاغْتِيابِ النّاسِ. ثُمَّ يُؤْتى بِآخَرَ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ كِتابُهُ فَيَرى فيهِ طاعاتٍ كَثيرةً فَيَقُولُ: إلھي ما ھذا
324 كِتابي فَإنّي ما عَمِلْتُ ھذِهِ الطّاعاتِ، فَيُقَالُ لَهُ: إنَّ فُلاناً اغْتابَكَ فَدُفِعَ حَسَناتُهُ إِلَيْكَ»
.
وعن النبي صلى االله عليه وآله وسلم «أَدْنَى الكُفْرِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ مِنْ أَخِيْهِ كَلِمَةً، يَحْفَظُھَا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ
325 يَفْضَحَهُ بِھَا أولئِكَ لا خَلاقَ لَھُمْ»
.
ھذه الأخبار المأثورة في خصوص الغيبة. في حين أن عناوين أخرى من المعاصي المذكورة في الروايات تنطبق
أيضاً على الغيبة وتعمّھا تلك الآثام مع مضاعفاتھا الفاسدة مثل: إھانة المؤمن سبب مستقل لھلاك الإنسان ,
والأحاديث في تشنيع كل واحد منھا قاصمة للظھر.
ونحن أعرضنا عن نقلھا للمحافظة على الاختصار.
فصل: المفاسد الاجتماعية للغيبة
كما أن ھذه المعصية الكبيرة وھذه الجريرة العظيمة، من المفسدات للإيمان والأخلاق والظاھر والباطن، وممَّا
تدفع بصاحبھا إلى الفضيحة في الدنيا والآخرة. حيث ذكرنا سلفاً في الفصل السابق نبذة يسيرة منھا، كذلك
تشتمل ھذه الرذيلة على مفاسد إجتماعية ونوعية أيضاً، ولھذا يكون فسادھا وقبحھا أعظم من كثير من
المعاصي.
إن من الأھداف الكبيرة للشرائع الإلھية والأنبياء العظام ـ سلام االله عليھم ـ مضافاً إلى كونه ـ الھدف الذي
نذكره ـ ھدفاً مستقلا? وليس بمجرد أداة وواسطة وإنّما ھي الوسيلة التي تبعث على إنجاز الأھداف الأساسية
الكبيرة، وشرط ضروري لتحقيق المدينة الفاضلة. مضافاً على ذلك، ھو توحيد الكلمة وتوحيد العقيدة والاتفاق في
الأمور الھامة، والحدّ من ظلم الجائرين الباعث على فساد بني الإنسان ودمار المدينة الفاضلة، ولا يتحقق ھذا
الھدف الكبير المصلح للمجتمع والفرد إلا في ظل وحدة النفوس وإتحاد الھمم والتآلف والتآخي، والصداقة القلبية
والصفاء الباطني والظاھري، وتربية أفراد المجتمع على نمط يساھم كلھم في بناء شخص واحد، يحوّل المجتمع
إلى فرد، ويجعل الأفراد بمنزلة الأعضاء والأجزاء لذلك الفرد وتدار كافة الجھود والمساعي حول الھدف الإلھي
الكبير، والأمر الھامّ العقلي العظيم ـ الوحدة والاخوة ـ الذي فيه مصلحة الفرد والمجتمع. ولو أن مثل ھذه الوحدة
والاخوة ظھرت في طائفة أو نوع، لتغلبوا على جميع الطوائف والأمم التي لا تحظى بالأخوة والوحدة كما يتضح
ذلك من مراجعة التاريخ وخاصة دراسة الحروب الإسلامية والفتوحات العظيمة، حيث تمتع المسلمون لدى بزوغ
القانون الإلھي ـ الإسلام ـ بشيء من الوحدة والاتحاد، واقترنت مساعيھم بشيء من الخلوص في النية، فحققوا
في فترة قصيرة إنجازات عظيمة، وھزموا القوى الجبارة
322
المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 253 وص 264.
323
المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 253 وص 264.
324
جامع الأخبار، ص 171.
325
أصول الكافي، المجلد 2 ،كتاب الإيمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين، رواية تضاھي ھذه الرواية.
133
آنذاك المتمثلة في إيران والروم وانتصروا رغم قلة عددھم وعُدّتھم على الجيوش المدجّجة بالسلاح وعلى
المجتمعات الكبيرة.
إن نبي الإسلام قد أجرى عقد الأخوة في الأيام الأولى بين المسلمين، فسادت الأخوّة حسب الآية الكريمة
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
326
. بين جميع المؤمنين.
وفي الكافي الشريف: عَنْ العَرْقُوفي قالَ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِااللهِ عليه السَّلام يقول لأصْحابه: «إِتَّقُوا االلهَ وَكُونُوا
327 إِخْوَةً بَرَرَةً فِي االلهِ مُتَواصِلينَ مُتَراحِمينَ. تَزاوَرُوا وَتَلاقَوْا وَتَذاكَرُوا أمْرَنا وَأحْيُوهُ»
.
وَعَنْ أبي عَبْدِااللهِ عليه السَّلام قالَ: يَحِقُّ عَلَى المُسْلِمِينَ الإجْتِھادُ فِي التواصُلِ وَالتَّعاوُنَ عَلَى التَّعاطُفِ
328 وَالمُواسَاةِ لأَھْلِ الحاجَةِ وَتَعاطُفِ بَعْضِھِمْ عَلى بَعْضٍ حَتَّى تَكُونُوا كَما أمَرَكُمُ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ: «رُحَماءُ بَيْنَھُمْ...»
.
329 وعنه عليه السَّلام: «تَواصَلُوا وَتَبارُّوا وَتَراحَمُوا وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً كَما أمَرَكُمُ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ»
.
ومن المعلوم أنه كلما يبعث على ازدياد ھذه الصفات، يكون محبوباً ومرغوباً فيه وكلما ينقض ھذه الاخوة ويفرّط
عقد التواصل ويدفع نحو التمزّق، يعتبر مبغوضاً عند صاحب الشريعة ومناقضاً لأھدافه الكبيرة. ومن الواضح لدى
الجميع بأن ھذه المعصية الكبيرة الخطيرة ـ الغيبة ـ إذا أشيعت في المجتمع، أصبحت سبباً للضغينة والحسد
والعداوة والبغض وترسيخ جذور الفساد في المجتمع، وغرس شجرة النفاق فيه، وضعضعة وحدة المجتمع
وتضامنه، ووھن أساس الديانة، وفي النھاية تزداد في المجتمع القبائح والفساد.
فيجب على كل مسلم غيور ملتزم، لصيانة نفسه من الفساد، أھل دينه من النفاق وللمحافظة على المجتمع
الإسلامي ووحدته ولتحكيم عقد الأخوة أن يبتعد عن ھذه الرذيلة، ويمنع المغتابين من ھذه الموبقة القبيحة،
ويتوب إلى االله من ھذا العمل الكريه، إذا كان مبتلياً به، ويسترضي مَنْ اغتابه إذا أمكن، من دون أن يفضي إلى
مشكلة، ويستحلّه فإذا جعله في حلٍّ، وإلاّ استغفر له. وتخلّى عن ھذه الخطيئة، وأنعش من جديد في قلبه
جذور الصداقة والاتحاد، حتى يصبح من الأعضاء الصالحين في المجتمع وينقلب إلى جزء ھامّ في عجلة الإسلام
واالله الھادي إلى سبيل الرشاد.
فصل: في علاج ھذه الموبقة
اعلم أن معالجة ھذه الخطيئة العظيمة وغيرھا من الخطايا تكمن في العلم النافع والعمل.
أما العلم النافع فھو أن يفكر الإنسان في الآثار الناجعة التي تترتب على معالجة ھذه الموبقة، ويقارنھا مع
المضاعفات السيئة والآثار الشنيعة التي تترتب على الغيبة، ثم يعرض كلا الأمرين على العقل ويستھديه لما فيه
الحسن والخير والصلاح.
إن الإنسان لا يعادي نفسه البتة من اقترافه للمعصية، وإنما يجترح السيئات من جرّاء الجھل والغفلة عن
بواعثھا ونتائجھا. ومن جرّاء الفائدة الموھومة المترتبة على تلك المعصية، من إرضاء رغباته النفسية في ذكر
مساوئ الناس وكشف عوراتھم دقائق محدودة، ومن تضييع الوقت في ذكر اللطائف اللاذعة والأحاديث الشنيعة
المنسجمة مع الطبيعة الحيوانية أو الشيطانية ولھوه في جلسته مع أصدقائه وإشفاء غيظه ممن يحسدھم.
ولكن آثار الغيبة القبيحة قد عرفت قسماً منھا في الفصول السابقة وعليك أن تقف على قسم أخر وتتعظ منه،
وتأخذه بعين الاعتبار لدى المقارنة بين حسنات الكفّ عن الغيبة ـ بالمعالجة ـ وسيئات الانھماك فيھا. وتنجم عن
ھذا التفكر والمقارنة، آثار طيبة.
أما آثارھا الشنيعة في ھذا العالم فھو سقوط الإنسان من أعين الناس وسحب ثقتھم به. إن طبائع الناس
مجبولة على حب الكمال والجمال والحسن،
326
سورة الحجرات، آية: 10.
327
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم والتعاطف، ح 1 و4 و3.
328
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم والتعاطف، ح 1 و4 و3.
329
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم والتعاطف، ح 1 و4 و3.
134
والنفور من كل نقص وقبح وانحطاط. وملخّص الحديث أن الناس يفرّقون بين من يتجنّب، ھتك أستار الناس
وكشف أعراضھم وأسرارھم، وبين غيره، حتى إن الذي يتولّى الغيبة يرى في نفسه فطرة وعقلاً، الإنسان الذي
يكون على حذر من ھذه الأمور ـ ھتك الأستار وكشف الأعراض والأسرار ـ مفضّلاً على نفسه. وإذا تمادى الإنسان
وتجاوز الحدود، وھتك أسرار وأعراض الناس، فضحه االله في ھذه الدنيا. كما صُرِّح بذلك في حديث إسحاق بن
عمار المتقدم. ويجب أن يكون على حذر من فضيحة يريدھا االله للإنسان حيث لا يمكن تداركھا.
أعوذ باالله من غضب الحليم. إن من المحتمل أن يفضي ھتك حرمات المؤمنين وكشف عوراتھم بالإنسان، إلى
سوء العاقبة. لأن ھذا العمل الشنيع إذا أصبح ملكة راسخة لدى الإنسان، ترك آثاراً في النفس: منھا الضغينة
والعداوة تجاه المستغاب التي تزداد شيئاً فشيئاً فعندما يدنو منه الأجل، وتنكشف عنه حجب الملكوت، ويرى
المقامات الشامخة للذين اغتابھم وتعظيم الحق لھم، قد تحصل عنده الكراھية للحق سبحانه، لأن الإنسان
يعادي، المحب لعدوه، ويبغض المحب لمبغوضه، فيخرج من الدنيا وھو كاره للحق والملائكة ويمنى بالخذلان
الأبدي والشقاء الدائم.
عزيزي تصادق مع عباد االله الذين تشملھم رحمة االله ونعمه، ويتزينون بالإسلام والإيمان وأحببھم في قلبك.
وإيّاك أن تعادي محبوب الحق المتعالي، لأنه سبحانه يعادي أعداء أحبائه وسوف يبعدك عن ساحة رحمته. إن
عباد االله المخلصين مجھولون بين سائر عباده، ومن الممكن أن يعود عداءك لمؤمن وھتكك حرمته وكشفك عورته،
إلى ھتك حرمة االله تعالى ومعاداته!.
إن المؤمنين أولياء الحق، والتحابّ معھم، تحابّ مع الحق، والتخاصم معھم تخاصم مع الحق. إياك وإثارة غضب
الحق سبحانه، ومعاداة شفعاء يوم القيامة «ويلٌ لِمَنْ شُفَعاؤه خُصَماؤه». فكّر قليلاً في النتائج الدنيوية والأخروية
لھذه المعصية، وتأمل يسيراً في تلك الصور ـ صور تجسّد الأعمال ـ الموحشة المدھشة التي يبتلى بھا الإنسان
في القبر والبرزخ ويوم القيامة. وراجع الكتب المعتبرة لعلمائنا العظام ـ رضوان االله عليھم ـ والأحاديث المأثورة عن
الأئمة الأطھار ـ عليھم سلام االله ـ التي تقصم الظھر، من شدة العقاب المتوعد عليه. ثم قارن بين ربع ساعة من
اللغو في الحديث والثرثرة في ظل تحقيق رغبة وھميّة، وبين آلاف السنين من المعاناة، إذا كنت من أھل النجاة
وارتحلت عن ھذه الدنيا مع الإيمان. وإلاّ تكن ـ من أھل الإيمان والنجاة ـ فقارن تلك الدقائق اليسيرة مع الخلود في
نار جھنم والعذاب الأليم ـ المؤبّد ـ نعوذ باالله منه ـ.
يضاف إلى ذلك أنك إذا خاصمت الشخص الذي تستغيبه، فمقتضى إيمانك بالأحاديث الشريفة أن تكفّ عن
استغابته. لأنه ورد في الخبر أن حسنات المستغيب تنتقل إلى صحيفة عمل المستغاب، وسيئات المستغاب
تنتقل إلى سجلّ عمل المستغيب. فإنك أردت أن تعاديه، ولكنك في الحقيقة قد عاديت نفسك.
إذن اعلم أنك لا تستطيع أن تحارب االله. إن االله قادر على أن يجعل المغتاب نتيجة غيبتك إياه عزيزاً ومقدراً بين
الناس، ويجعلك حقيراً وذليلاً. ويقوم سبحانه أمام الكروبيّيّن ـ المقربين ـ بنفس العملية، فيملأ صحيفة عملك من
السيئات ويفضحك، ويملأ صحيفة عمله من الحسنات معزّزاً مكرّماً.
فافھم أنك تحارب ـ بغيبتك ـ أيّ قادر جبار، وكن على حيطة وحذر من معاداته.
وأما من الناحية العملية فلا بد من كفّ النفس عن ھذه المعصية لبعض الوقت مھما كان صعباً، ولجم اللسان،
والمراقبة الكاملة للنفس، ومعاھدة النفس بعدم اقتراف ھذه الخطيئة، ومراقبتھا والحفاظ عليھا ومحاسبتھا. حيث
يمكن أن يتم إصلاح النفس بعد مضي فترة قصيرة بمشيئته تعالى. واستئصال مادة ھذا الفساد، ويسھل عليك
الأمر قليلاً قليلاً. وبعد فترة تحسّ بأنك تتنفر منھا بحسب طبيعتك وتنزجر عنھا. ثم تكون راحة النفس ومتعتھا في
ترك ھذه المعصية.
فصل: الأولى ترك الغيبة في الموارد الجائزة
إعلم بأن العلماء والفقھاء ـ رضوان االله عليھم ـ استثنوا موارداً من حرمة الغيبة تبلغ في كلمات بعضھم العشرة
ولسنا بصدد عرضھا وتعدادھا، حتى لا تكون 
135
ھذه الصفحات ساحة لبيان الأبحاث الفقھية. والذي يجب أن نذكره ھنا ھو أن على الإنسان أن لا يعيش حالة
الاطمئنان أبداً من مكائد النفس، بل يجب أن يتحرك في منتھى الحذر والاحتياط، ولا يكون في صدد التبرير ـ لغيبته
ـ بالأعذار بأن يقول أن ھذا المورد ھو من الموارد المستثناة فيسمح لنفسه بالبحث عن عيوب الناس وإشاعتھا
في المجتمع.
إن مكائد النفس بالغة الدقة، فيمكن أن تَخدع الإنسان عن طريق الشرع، وتزِجّه في مھلكة. فمثلاً إن غيبة
المتجاھر بالفسق جائزة، وإذا توقف ردعه بعض الأحيان على استغابته وجبت غيبته من باب النھي عن المنكر،
ولكن يجب أن يتأمل الإنسان بأن الدافع النفسي لغيبته ھو الداعي الشرعي الإلھي ـ النھي عن المنكر ـ أو أن
الباعث، أھواء شيطانية، ورغبة نفسانية ـ العداوة والتشفي و... ـ فإن كان الھدف الدافع الإلھي ـ النھي عن
المنكر ـ كان عمله من العبادات، بل كانت غيبته ھذه بنيّة إصلاح المتجاھر بالفسق والإساءة إليه، من أوضح
مصاديق الإحسان والإنعام إليه وإن لم يشعر المغتاب بذلك. ولكن إذا كان قصده مشوباً بالفساد والميول
النفسانية، فلا بد من تخليص النية ـ من غير الدافع الإلھي ـ والصفح عن أعراض الناس وحرماتھم عند عدم وجود
ھدف صحيح.
بل إن تعويد النفس على الغيبة في الأحوال الجائزة، يضرّ بحالھا أيضاً. لأن النفس تميل نحو الشرور والقبائح،
فمن المحتمل أن ينجرّ رويداً رويداً من الموارد الجائزة إلى مرحلة أخرى وھي الموارد المحرمة , كما أن الدخول
في الشبھات غير محمود، رغم جوازه، لأنھا حمى المحرمات ومن الممكن أن الاقتحام في الحمى يفضي إلى
الدخول في المحرمات. يجب على الإنسان مھما أمكن أن يبعد النفس عن الغيبة في الأحوال المسموحة، ويحترز
عن الأمور التي يحتمل أن يكون فيھا طغيان للنفس.
نعم في الأحوال التي تجب الغيبة فيھا، مثل غيبة المتجاھر بالفسق بھدف منعه إذا كان لا يرتدع إلا بھا،
والموارد الأخرى التي ذكرھا العلماء، فلا بد من الإقدام عليھا، مع السعي الحثيث لتخليص النية عن ھوى النفس
ومتابعة الشيطان. ولكن ترك الغيبة في الموارد الجائزة، أولى وأحسن ومن الأجدر أن لا نفعل كل
عمل جائز وخاصة الأمور التي يكون فيھا لمكائد النفس والشيطان دور بارزٌ. في الحديث: مَرَّ عِيْسَى بْنِ مَرْيَمَ
عَلَيْهِ السَّلامُ وَمَعَهُ الحَوَارِيُّونَ عَلَى جِيْفَةِ كَلْبٍ، فَقَالَ الحَوَارِيُّونَ مَا أَنْتَنَ رِيْحَ ھذَا الكَلْبِ فَقَالَ عِيْسَى عَلَيْهِ السَّلامُ:
«مَا أَشَدَّ بَيَاضَ أَسْنَانِهِ»
330
.
إن المربي والموجه للإنسان لا بد وأن يكون ذا نفس طاھرة نقيّة. إن عيسى لم يسمح أن يذكر مخلوق االله
بالسوء. إنھم شاھدوا عيبه وھو قد لوّح بكماله.
سمعت رواية منقولة عن السيد المسيح عليه السلام أنه قال لا تكونوا مثل البعوض الذي يفتش عن الأوساخ
والقاذورات فلا تركزوا على عيوب الناس.
331 وروي عن رسول االله صلى االله عليه وآله وسلم أنه قال: «طوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ»

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 12   الثلاثاء يناير 09, 2018 8:56 am

من الجدير بالإنسان أن يبحث عن عيوبه قليلاً بمثل ما يتحرَّى عن عيوب الناس. وكم ھو قبيح على الإنسان
الذي فيه آلاف العيوب، أن يغفل عن عيوبه، ويتنبه لعيوب الآخرين وبذلك يضيف عيباً آخر على عيوبه. إذا تأمل
الإنسان قليلاً في أحواله وأخلاقه وأعمله وانصرف إلى إصلاحھا، لصلحت أعماله. وإذا اعتقد بأنه خال عن العيوب،
كانت عقيدته ھذه نتيجة جھله المطبق. ولا يوجد عيب أعظم من عيب عدم التفات الإنسان إلى عيبه، ويكون
غافلاً عنه ومن أن الإنسان مجموعة عيوب ونقائص، فيترك عيوبه وينعطف على عيوب الآخرين.
فصل: في بيان أن الاستماع إلى الغيبة، محرم
إن الاستماع إلى الغيبة محرّم، كما أن الاستغابة تكون محرّمة بل يظھر في بعض الروايات أن المستمع مثل
المغتاب في كل الأمور حتى وجوب التسامح منه، وإنه من الكبائر. عن النبي صلّى االله عليه وآله وسلم
«المُسْتَمِعُ أحَدُ المُغْتابَيْنِ»
332
.
330
المحجة البيضاء، المجلد 5 ص 254.
331
المحجة البيضاء، المجلد 5 ص 264.
136
333 وعن علي عليه السلام: «الْسامِعُ أحَدُ الْمُغْتابَيْنِ»
.
بل يظھر من الروايات الكثيرة وجوب ردّ الغيبة.
عَنِ الصَّدُوقِ بِإسْنادِهِ عَنِ الصّادِقِ عليه السَّلام في حَدِيثِ مَناھِي النَّبِي صلّى االله عليه وآله وسلم «أنَّ
رَسُولَ االله صلّى االله عليه وآله وسلم نَھى عَنِ الغيْبَةِ والإِسْتِماعِ إِلَيْھا إِلى أنْ قالَ: ألا وَمَنْ تَطَوَّلَ عَلى أَخيه في
غِيْبَةٍ سَمِعَھا فيهِ في مْجْلسٍ فَرَدَّھا عَنْهُ رَدَّ االلهُ عَنْهُ ألْفَ بابٍ مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ فَإنْ ھُوَ [ لَمْ يَرُدَّھا وَھُوَ ]
334 قادِرٌ عَلَى رَدِّھا كانَ عَلَيْهِ كَوِزْرَ مَنِ اغْتابَهُ سَبْعِينَ مَرَّةً».
.
وَعَنِ الصَّدوق بِإسْنادِه عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليھما السلام عَنْ آبائِه في وَصِيَّةِ النبِيِّ لعليّ عليھما السلام:
«يا عَلِيُّ! مَنِ اغْتيبَ عِنْدَهُ أخُوهُ المًسْلِمُ فَاسْتَطاعَ نَصْرَهُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ خَذَلَهُ االلهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ»
335
.
وَعَنْ عِقابِ الأعْمالِ بِسَنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ صلّى االله عليه وآله وسلم : «مَنْ رَدَّ عَنْ أَخيه غيبَةً سَمِعَھا في مَجْلِسٍ
336 رَدَّ االلهُ عَنْهُ ألْفَ بابٍ مِنَ الشرِّ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ فَإنْ لَمْ يَرُدَّ عَنْهُ وَأعْجَبَهُ كانَ عَلَيْهِ كَوِزْرِ مَنِ اغْتابَ»
.
يقول علامة علماء المتأخرين المحقق الجليل الجامع لفضيلتي العلم والعمل الشيخ الأنصاري ـ رضوان االله
تعالى عليه ـ :
«والظاھر أن الردّ غير النھي عن الغيبة، والمراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة فإن كان عيباً دنيوياً
انتصر له بأن العيب ليس إلا ما عاب االله به من المعاصي التي من أكبرھا ذكرك أخاك بما لم يعبأ االله به وإن كان
عيباً دينياً وجّھه بمحامل تخرجه عن المعصية فإن لم يقبل التوجيه انتصر له بأن المؤمن قد يبتلى بالمعصية
انتھى كلامه 337 فينبغي أن تستغفر له وتھتم له لا أن تعيره، وأن تعييرك إياه لعله أعظم عند االله من معصيته»
رفع مقامه.
ويلاحظ أحياناً أن المستمع فضلاً عن أنه لم يمنع الغيبة، يعمد إلى تحريض الشخص المستغيب، أو يشجّعه
عليھا من خلال مشاركته معه في الاستغابة، أو تحسينه إياه على غيبته وإذا كان المستمع من أھل الصلاح،
رغّب المستغيب في الاستغابة نتيجة موقفه ذات الطابع الديني لدى استماع الغيبة، من الاشتغال بذكر االله أو
الاستغفارأو الأمور الأخرى التي تعدّ من الوسائل الشيطانية لأنه بموقفه ھذا يدفع المستغيب إلى الاستغابة.
ومن الممكن أن يكون الحديث الشريف الذي يضاعف وزر المستمع للغيبة سبعين مرّة بالنسبة إلى وزر
المستغيب، إشارة لھؤلاء الأشخاص ـ يستمعون الغيبة ويشجعون المستغيب من خلال مواقفھم الدينية الظاھرية
على المضي فيھا ـ نعوذ باالله منه.
تتميم: كلام الشھيد الثاني (رحمه االله)
للشيخ الجليل والمحقق العظيم الشھيد السعيد الثاني ـ رضوان االله عليه ـ كلام نختم به ھذا المقام حيث
قال: ومن أضرّ أنواع الغيبة، غيبة المتّسمين بالفھم والعلم المرائين فإنھم يفھمون المقصود إلى صفة أھل الصلاح
والتقوى ليظھروا من أنفسھم التعفّف عن الغيبة ويفھمون المقصود ولا يدرون بجھلھم أنھم جمعوا بين فاحشتين
الرياء والغيبة، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد الله الذي لم يبتلينا بحب الريّاسة أو حبّ الدنيا أو
بالتكيف بالكيفية الفلانية، أو يقول نعوذ باالله من قلّة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل االله أن يعصمنا من كذا بل
مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدّث عنه بما ينافيه ونحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسَمْتِ
أھل الصلاح. وإنما قصده أن يذكر عيبه بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء، ودعوى الخلاص من
الرذائل، وھو عنوان الوقوع فيھا، بل في أفحشھا ومن ذلك أنّه قد يُقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال
فلان ما كان يقصّر في العبادات، ولكن قد اعتراه فتور وابتلى بما يبتلي به كلّنا وھو قلّة الصبر فيذكر نفسه بالذمّ،
332
المحجة البيضاء، المجلد 5 ص 260.
333
غرر الحكم، المجلد الثاني: 12.
334
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151 ،من أبواب أحكام العشرة، ح 13.
335
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151 ،من أبواب أحكام العشرة، ح 1.
336
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151 ،من أبواب أحكام العشرة، ح 5.
337 المكاسب، شرح السيد الكلانتر ـ المجلد الرابع، ص
.69
137
ومقصودة أن يذم غيره، وأن يمدح نفس بالتشبّه بالصالحين في ذمّ أنفسھم فيكون مغتاباً مرائياً، مزكّياً نفسه،
فيجمع بين ثلاث فواحش، وھو يظنّ بجھله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة، ھكذا يلعب الشيطان بأھل
الجھل إذا اشتغلوا بالعلم والعمل من غير أن يتقنوا الطريق فيتبعھم ويحبط بمكائده عملھم ويضحك عليھم ويسخر
منھم.
ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحانه االله ما أعجب ھذا حتى يُصغي
الغافل إلى المغتاب ويعلم ما يقوله، فيذكر االله سبحانه، ويستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه وباطلة وھو يمنّ
على االله بذكره جھلاً وغروراً ومن ذلك أن يقول جرى من فلان كذا وابتلى بكذا، بل يقول جرى لصاحبنا أو صديقنا
كذا، تاب االله عليه وعلينا، يظھر الدعاء له والتألم والصداقة والصحبة واالله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره،
وھو بجھله لا يدري أنّه قد تعرّض لمقت أعظم مما يتعرّض له الجھّال إذا جاھروا بالغيبة.
ومن أقسامھا الخفيّة الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما يظھر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في
الغيبة، فيزيد فيھا، فكأنّه يستخرج منه الغيبة بھذا الطريق فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن ما
كنت أعرف من فلان ذلك، يريد بذلك تصديق المغتاب، واستدعاء الزيادة منه باللطف والتصديق لھا غيبة، بل
338 الإصغاء إليھا، بل السكوت عند سماعھا. انتھى كلامه رفع مقامه
.
وأحياناً تضاف عناوين أخرى على عنوان الغيبة أيضاً فيبعث على ازدياد الفساد والقبح والعقاب. مثل أن يثني
المستغيب على المستغاب أمامه ويعرب له عن حبه له. ويكون ھذا من مراتب النفاق ويعدّ من ذوي اللسانين
والوجھين. والروايات تذم مثل ھذا الإنسان.
ففي الكافي الشريف بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِااللهِ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ: «مَنْ لَقِيَ المُسْلِمِينَ بِوَجْھَيْنِ وَلِسَانَيْنِ جَاءَ
339 يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ»
.
ھذه ھي صورة ھذا العمل القبيح ونتيجة ھذا النفاق في عالم الآخرة. أعوذ باالله من شرّ لساني ونفسي
الأمّارة. والحمد الله أوَّلاً وآخراً.
الحَديث العشرون: النيَّة
بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إلى الشَّيخِ الثّقَةِ الجَليلِ مُحَمَّدِ بِنْ يَعْقُوبَ الكُلَيْني ـ قُدِّسَ سِرُّه ـ عَنْ عَلِيِّ بْنْ إبْراھِيم، عَنْ
أبيهِ، عَن القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ المِنْقَرِيِّ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أبي عَبْدِااللهِ عليه السَّلام في قَوْلِ االلهِ
تَعالى: «لِيَبْلُوَكُمْ أيّكمُ أَحْسَنُ عَمَلاً». قالَ: لَيْسَ يَعْني أكْثَرَكُمْ عَمَلاً وَلكِنْ أصْوَبَكُمْ عَمَلاً. وَإنَّما الإصابَةُ خَشْيَةُ االلهِ
وَالنِّيَّةُ الصادِقَةُ وَالخَشْيَةُ. ثُمَّ قالَ: الإبْقاءُ عَلَى العَمَلِ حتّى يَخْلُصَ أشَدُّ مِنَ العَمَلِ وَالعَمَلُ الخالِصُ الَّذي لا تُريدُ أنْ
يَحْمَدَكَ عَلَيْهِ أحِدٌ إلاّ االلهُ تَعالى أَفْضَلُ مِنَ العَمَلِ. ألا وَإنَّ النِّيَّةَ ھِيَ العَمَلُ ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ كلٌّ يَعْمَلُ عَلى
.
شاكِلَتِه «يعّني عَلى نِيَّته» 340
الشرح:
البلاء بمعنى الاختبار والتمحيص. كما في الصحاح: «بَلَوْتُهُ بَلْوى: جَرَّبْتُهُ وَاخْتَبَرْتُهُ، وبلاه االله بلاءً وأبلاه إِبلاء
حَسَناً وابتًلاه أي اختبره».
و«أيّكم» مفعول ثاني «لِيَبْلُوكُمْ» بعد تضمين يبلو معنى العلم حسب كلام المجلسي، وھو ليس بصحيح. لأن
أيّ الاستفھامية تعلّق الفعل عن العمل ـ فلا تعمل يبلو ولا تتعدى إلى مفعولين ـ. والصواب أن «أيّكم أَحْسَنُ
عَمَلاً» جملة مبتدأ وخبر، وفي المعنى مفعول لفعل «يبلوكم» ـ المعلق عن العمل ـ. ولو جعلنا «أي» موصولة
لكان لكلام المرحوم المجلسي وجھاً، ولكنھا في الاستفھامية أظھر.
و «الصَواب» نقيض الخطأ كما يقول الجوھري. و«الخَشْيَةُ» الثانية غير موجودة في بعض النسخ كما يقول
المجلسي. ولو كانت موجودة لأمكن فيھا احتمالات، أظھرھا أن الـ «و» بمعنى «مع». ونقل عن (أسرار الصلاة)
338
كشف الريبة، عن أحكام الغيبة، ص 197 ـ 198 ،طباعة دار الحوراء، بيروت.
339
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب ذي اللسانين، ح1.
340
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص، ح 4.
138
 للشھيد الثاني رحمه االله «النية الصادقة الحسنة» بدلاً عن «النية الصادقة والخشية». و«الإبقاء على العمل»
مراعاته والمحافظة عليه كما قال الجوھري: «ابقيت على فلان إذا ارعيت عليه وحميته». «والشاكلة» بمعنى
الطريقة والشكل والناحية. كما في القاموس والصحاح فعن القاموس «الشاكلة: الشكل والناحية والنية
والطريقة».
ونحن سنوضح ما يحتاج إلى الشرح من الحديث الشريف ضمن فصول عديدة إن شاء االله.
فصل: في الإشارة إلى توجيه نسبة الابتلاء إلى الحق تعالى
إن «لِيَبْلُوكُمْ» ـ في الحديث الشريف ـ إشارة إلى قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَھُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
341 قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَھُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)
.
قال المحقق المجلسي ـ قدّس االله سرّه ـ تدلّ ھذه الآية الشريفة على أن الموت أمر وجودي. والمراد منه إما
الموت الطارئ على الحياة، أو العدم الأصلي. انتھى.
إن دلالة الآية الشريفة ـ على أن الموت أمر وجودي ـ تتوقف على تعلق الخلق والتكوين بالموت، بالذات، وأما
إذا كان التعلق بالعرض فلا تصح تلك الدلالة، كما يصّرح بذلك المحققون. وعلى فرض دلالتھا، فلا وجه لجعل الموت
ـ في الآية الشريفة ـ عدماً أصلياً لأن اعتبار العدمي الأصلي، وجودياً من الجمع بين النقيضين. مع أنه في نفسه
لا يصح تفسير الموت بالعدم الأصلي.
وملخص القول: إنّ مقتضى التحقيق ھو أن الموت عبارة عن الانتقال عن النشأة الظاھريّة المُلكية ـ الدنيا ـ
إلى النشأة الباطنية الملكوتية. أو أن الموت عبارة عن الحياة الثانية الملكوتية بعد الحياة الأولى المُلكية الدنيوية.
وعلى كل تقدير يكون الموت أمراً وجودياً بل ھو أتم من الوجود المُلكي، لأن الحياة المُلكية الدنيوية مشوبة بالمواد
الطبيعية الميتة التي تكون حياتھا عرضية وزائلة. في حين أن الحياة الذاتية الملكوتية التي تحصل ھناك تبعث
على استقلالية للنفوس، وتكون تلك الدار، دار حياة ومن لوازم الحياة. وأن الأبدان المثالية البرزخية قائمة بالنفوس
قياماً صدورياً ـ مثل قيام المعلول بالعلة ـ كما ھو مقرر في محلّه المناسب.
وبالجملة إن الحياة الملكوتية ـ التي يُعبّر عنھا بالموت حتى لا يكون ثقيلاً على السمع ـ متعلق للجعل
والتكوين وتحت قدرة الذات المقدس.
وقد تقدّم منّا معنى الاختبار والامتحان وكيفية نسبته إلى الحق المتعال جلّ جلاله عند شرح بعض الأحاديث،
على نحو لا يستلزم الجھل على الذات المقدس، ومن دون حاجة إلى تكلّف وتأويل. ولا بد من الإشارة إليه بصورة
مجملة، ھي:
إن نفس الإنسان في بدء فطرتھا وخلقتھا تتمتع بالاستعداد المحض والقابلية الصرفة، وھي خالية عن كل
فعلية من ناحية السعادة والشقاء، وبعد حصول الحركات الطبيعية الجوھرية، والأفعال الاختيارية تتحول
الاستعدادات إلى الفعلية وتنجم التشخصات والتميزات.
فانفراد السعيد الشقي والغث عن السمين، يحصل في ھذه الحياة المُلكية. والھدف من تكوّن الحياة المُلكية
ھو تمحيص النفوس والتفرقة بين السعيد منھا والشقي. وعليه تتّضح الغاية المنشودة من وراء اختبار الناس.
وأما خلق الموت فھو أيضاً دخيل في ھذا الفرز والتفريق بين السعيد والشقي، بل ھو الجزء الأخير من العلّة،
لإن المقياس في الفعليّات ھي الصور ـ الملكوتية ـ الأخيرة التي ينتقل بھا الإنسان من ھذا العالم.
وخلاصة الكلام أن المقياس في التفرقة ھو الصور الأخروية الملكوتية، وھي لا تحصل إلا بواسطة الحركات
الجوھرية والأفعال الاختيارية الدنيوية المُلكية. فاتّضحت الغاية المنشودة من الامتحان والاختبار المترتب على خلق
الموت والحياة من دون بقاء جھل في ذلك.
نعم تفصيل ذلك لأجل دحض كل الملاحظات، يرتبط ببيان العلم الذاتي الله قبل الإيجاد، وعلمه الفعلي لدى
الإيجاد، وھو أكبر من نطاق ھذا الكتاب. وقوله سبحانه (أيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) الذي ربط نتيجة الامتحان بأحسن
341
سورة تبارك، آيات: 1 و2.
139
الأعمال، يعود أيضاً إلى ھذا المعنى المذكور. وعليه يفسّر الحديث الشريف، لأنه فسر الأحسن بالأصوب، والأصوب
بخشية االله والنية الصادقة، وھي الصور الباطنية للنفس، والباعثة على التفرّق الحقيقي للأرواح، أو أنھا من
المظاھر للاختلافات الجوھرية الغيبية للنفس. بل بناءاً على تأثر القلب والباطن من الأعمال الظاھرية كما ذكرناه
سابقاً، يحصل التفرّق عبر الأعمال أيضاً، فامتحان الأعمال، اختبار للذاتيات أيضاً.
وإذا فسّرنا الآية المباركة حسب ظاھرھا، وقطعنا النظر عن تفسير الإمام عليه السلام، كان الاختبار أيضاً بھذا
المعنى المذكور، لأن نفس الحضور في ھذه النشأة الدنيوية وخلق الموت والحياة، باعثان على فرز الأعمال
الحسنة عن العمال السيئة. أما سببية خلق الحياة في ذلك فمعلوم، لأنھا سبب النھوض والحركة والعمل. أما
خلق الموت، فمع العلم بعدم استقرار الحياة الدنيوية، وتيقن حصول الارتحال من ھذه النشأة الفانية، تختلف
الأعمال من إنسان لآخر، ويتم الفرز بين صالحھا وطالحھا.
فصل: في بيان الخشية والنية الصادقة تبعثان على صواب الأعمال
اعلم أن ھذا الحديث الشريف أناط صواب وحسن العمل بأمرين شريفين وجعل المقياس في كمال وتمامية:
لأعمال، ھذين الأصلين: أحدھما الخوف والخشية من الحق المتعالي. وثانيھما النية الصادقة والإرادة الخالصة.
وعلينا أن نشرح الصلة القائمة بين ھذين الأمرين مع كمال العمل وصوابه.
فنقول: ـ الأمر الأول ـ أن الخوف والفزع من الحق المتعالي يوجب خشية النفس وتقواھا، وھي بدورھا تبعث
على قبول آثار الأعمال أكثر.
وتفصيل ھذا الإجمال ھو أننا ذكرنا سابقاً لدي شرح بعض الأحاديث المتقدمة أن لكل الأعمال الحسنة أو
السيئة تأثيراً في النفس. فإذا كانت تلك الأعمال من سنخ العبادات والمناسك كان التأثير ھو خضوع القوى
الطبيعية للقوى العقلية، وقاھرية ملكوتية النفس على المُلك، وانقياد الناحية الطبيعية للإنسان لناحيته الروحانية
حتى يبلغ الأمر إلى الجذبة الروحية والوصول إلى المقصود الأصلي. وكل عمل يبعث على مثل ھذا التأثير أكثر،
وينجّز ھذه الخدمة أحسن، لكان أصوب، ولترتب عليه المقصود الأصلي بشكل أفضل. وكل شيء له دور في ھذا
التأثير، فھو متكفل لصواب العمل. وغالباً ما يكون ھذا ھو المقياس لأفضلية الأعمال. ويمكن أن يكون الحديث
342 المعروف «أفْضَلُ الأعْمالِ أحمَزُھا»
مندرجاً تحت ھذا المقياس أيضاً.
وبعد تبيّن ھذه المقدمة، لا بد أن نعرف بأن التقوى تزكّي النفس وتطھّرھا من الدنس والقذارات. وطبعاً إذا
كانت صفحة النفس ناصعة، وطاھرة من حجب المعاصي وكدرھا، كانت الأعمال الحسنة مؤثرة أكثر، وإصابتھا
للھدف المبتغى أدق، وتَحقُّق السّر الكبير للعبادات الذي ھو ترويض الجانب المادي للإنسان، وقھر ملكوته على
مُلكه ونفوذ الإرادة الفاعلة للنفس بصورة أفضل.
فالخشية من الحق سبحانه، التي لھا التأثير التام في تقوى النفوس ھي من العوامل الكبيرة لإصلاح النفوس،
وذات دور في إصابة العمال وحسنھا وكمالھا. لأن التقوى مضافاً إلى أنھا من العوامل الكبيرة في إصلاح النفس،
تكون ذات قدرة فعّالة في تأثير الأعمال القلبية والقالبية ـ الظاھرية ـ للإنسان، وتكون سبباً لقبولھا أيضاً. كما يقول
343 االله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ)
.
والعامل الثاني المھمّ في إصابة الأعمال ـ لأھدافھا ـ وكمالھا، والذي يكون بمثابة القوة الفاعلة (كما أن
الخشية، والتقوى الحاصلة منھا بمثابة شرط التأثير، وفي الواقع فھما يبعثان على تطھير للقابل، ورفع للمانع)
ھي النية الصادقة والإرادة الخالصة حيث يكون كمال العبادات ونقصھا وصحّتھا وفسادھا كلياً تابعاً لھا. وكلما كانت
العبادات أصفى من الشرك وشوب النية، كلما كانت أكمل. وليس في العبادات شيءٌ ذو أھمية مثل النية
وخلوصھا، لأن نسبة النيّات إلى الأعمال كنسبة الأرواح إلى الأبدان والنفوس إلى الأجساد. كما أن أجسام ـ صور ـ
العبادات، توجد من خلال مقام المُلك للنفس وجسدھا، وتحصل النية وروح العبادة من باطن النفس ـ أعماقھا ـ
ومقام القلب. ولا تقبل عبادة البتة عند الحق المتعالي من دون نية خالصة. إلاّ أنھا إذا لم تكن خالصة من الرياء
342
نھاية ابن الأثير، المجلد 1 ص 440.
343
سورة المائدة، آية: 27.
140
والشرك الظاھري المُلكي ـ وھو الرياء المذكور لدي الفقھاء رضوان االله تعالى عليھم ـ كانت باطلة وغير مجزية
ظاھراً ـ في منطق الفقه ـ. وإن لم تكن خالصة من الشرك الباطني، فھي وإن كانت صحيحة ومجزية حسب ظاھر
الشرع والحكم
الفقھي، ولكنھا ليست بصحيحة حسب باطن الشرع والواقع وفلسفة العبادة، وغير مقبولة لدي الذات
المقدس. فلا ملازمة بين صحّة العبادة وقبولھا، كما أشير إلى ذلك كثيراً في الأخبار المأثورة عن أھل البيت عليھم
السلام. والتعريف الجامع للشرك في العبادة، الشامل لكل مراتبه ھو: إدخال رضى غير الحق في العبادة. سواء
كان ـ رضا غير الحق ـ رضى نفسه أو غيره. إلاّ أنه إذا كان إدخالاً لرضا غير نفسه من الناس في العبادة، لكان
شركاً ظاھرياً ورياءاً فقھياً. وإن كان رضا نفسه كان شركاً خفياً وباطنياً، والعبادة باطلة، ولا تعدّ بشيء لدى أھل
المعرفة، ولا تكون مقبولة لدى الحق سبحانه.
مثلاً من يؤدي لسعة رزقه صلاة الليل، أو أن يتصدّق لدفع البليّة، أو يقدّم الزكاة لتنمية أمواله ويأتي بھذه
العبادات من أجل الحق تعالى، ولكنه يسأل ربه أن يھب له تلك الأمور ببركة تلك العبادات، ھذه العبادات وإن كانت
صحيحة ومجزية، وتترتب عليھا تلك الآثار أيضاً إذا اشتملت ھذه العبادات على أجزائھا وشرائطھا. ولكنھا لا تكون
عبادة للحق المتعالي وغير محتوية للنية الصادقة والإرادة الخالصة. بل أنھا عبادة لتعمير الدنيا ولنيل الرغبات
النفسية الدنيوية، فلا يكون عمله مصاباً. كما أن العبادات إذا كانت نتيجة الخوف من نار جھنم، والشوق إلى
الجنة، لما كانت خالصة للحق سبحانه، ولما ضمنت النية الصادقة، بل نستطيع أن نقول إن مثل ھذه العبادات
خالصة للشيطان والنفس، لأن الإنسان الذي يقوم بمثل ھذه العبادات ـ لأھداف دنيوية أو الفزع من جھنم ـ لم
يُدخل رضى الحق سبحانه في عبادته البتة، حتى يتحقق الشرك، وإنما عَبَدَ الصنم الكبير فقط (إن أم الأصنام
ھي صنم النفس).
إن االله سبحانه يقبل أمثال ھذه العبادات نتيجة عجزھا ونتيجة رحمته الواسعة، بدرجة واحدة، بمعنى أن ھناك
آثار تترتب على ھذه العبادات، ومكافآت في مقابلھا، فلو أن الإنسان عمل بتلك الشرائط الظاھرية، ومع توجه
القلب وحضوره ومع شرائط قبول الأعمال، ترتبت الآثار كافة عليھا وأنجزت تلك المكافآت الموعودة.
ھذا ھو حال عبادة العبيد والأُجراء. وأما عبادة الأحرار الذين يعبدون االله لحبھم الحق المتعالي ولبحثھم عن
الذات المقدسة، ولا يعبدونه من أجل
الخوف من نار جھنم أو الشوق إلى الجنة، فھذه العبادة في أول مقام الأولياء والأحرار. ولھم مقامات ومعارج
أخرى لا يمكن ذكرھا. فما دامت النفس تلتفت إلى العبادة والعابد والمعبود، لم يتحقق الخلوص. يجب أن يخلو
القلب من الغير ولا ينفذ فيه أحد غير الحق حتى يكون خالصاً. كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي
بسنده إلى سفيان بن عيينة (راوي الحديث العشرين) قال:
سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ االلهِ عَزَّ وَجَلَّ: «إِلاّ مَنْ أَتى االلهَ بِقَلْبٍ سَليم». قال: القَلْبُ السَّليمُ الَّذي يَلْقَى رَبَّهُ وَلَيْسَ فِيهِ
344 أحَدٌ سِواهُ قال: «وَكُلُّ قَلْبٍ فيهِ شِرْكٌ أوْ شَكٌّ فَھُوَ ساقِطٌ وَإِنَّما أرادَ بِالزُّھْدِ فِي الدُّنْيا لِتَفْرَغَ قُلٌوبُھُمْ لِلآخِرَةِ»
.
ومن المعلوم أن القلوب التي استقبلت غير الحق وتعرّضت لھزّات الشك والشرك سواء كان الشرك جلياً أم
خفياً فھي ساقطة في محضر القدس الربوبي. وإن من الشرك الخفي الاعتماد على الأسباب والركون إلى غير
الحق.
وقد ورد عن أبي عبد االله عليه السلام أَنّ الشّرِكَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ وَقَالَ: مِنْهُ تَحْوِيلُ الخَاتَمِ لَيَذْكُرَ الحَاجَةَ
. ودخول غير الحق المتعالي إلى القلب يعدّ من الشرك الخفي. وإخلاص النية ھو إخراج غير الحق 345 وَشِبْهِ ھذَا
سبحانه من مقام الذات المقدس ـ القلب ـ.
344
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص، ح 5.
وسائل الشيعة، المجلد 3 ،أبواب أحكام الملابس، باب 61 ،ص 409 ،وقد أفتى صاحب الوسائل بعدم الجواز إلاّ في عدد الركعات. لكنّ 345
سوق الرواية يشھد على الكراھية (منه عفى االله عنه).
141
وكما أن للشرك مراتب، ويكون للشك مراتب أيضاً، وأن منھا الشك الجلي، ومنھا الشك الخفي. وتحصل ھذه
المراتب نتيجة ضعف اليقين ونقصان في الإيمان. إن مطلق الاعتماد على غير الحق سبحانه والالتفات إلى
المخلوق يكون من جراء ضعف اليقين والإيمان، كما أن التزلزل في الأمور نتيجة لذلك أيضاً. ومرتبة إخفاء الشك،
حالة من التلون في القلب وعدم التمكين في التوحيد. فالتوحيد الحقيقي، ھو إسقاط الإضافات والتعيّنات
والكثرات، حتى كثرات الأسماء والصفات، والتمكين فيه يكون بالخلاص من الشك. وإن القلب السليم، ھو القلب
الفارغ من مطلق الشرك والشك. وفي ھذا الحديث الشريف القائل «وإِنَّما أرادَ بالزھد...» إشارة إلى أن الغاية من
الزھد في الدنيا ھو انصراف القلب شيئاً فشيئاً عن الدنيا وتنفره عنھا، وتوجھه إلى المقصود الأصلي والمطلوب
الواقعي ـ الحق المتعالي ـ.
ويبدو من صدر الحديث ـ المروي عن سفيان بن عيينة ـ أن المقصود من الآخرة النھاية القصوى لدائرة الوجود،
ونھاية الرجوع. وھي الآخرة بالقول المطلق. فعليه تكون الدنيا كل دائرة الظھور، والزھد فيھا يستلزم خلوص القلب
من غير الحق تعالى. فكل من في قلبه غير الحق عز وجل، ينتبه إلى غيره سبحانه ـ من دون فرق بين أن يكون
ھذا الغير من الأمور المُلكية المادية أو الأمور المعنوية ومن دون فرق بين أن تكون الصورة أخروية أو من الكمالات أو
المدارج الشامخة، وملخص القول التوجّه إلى غير الحق المتعالي ـ يعدّ من عمل أھل الدنيا ولا يكون زاھداً فيھا
ويكون محروماً من الآخرة الحقيقية، وجنّة اللقاء التي ھي أعلى مراتب الجنة، وإن كانت لھم مراتب أخرى من
الكمالات المعنوية والجنان الرفيعة. كما أن أھل الدنيا ذو مقامات مختلفة بالنسبة إلى الأحوال الدنيوية، ولكن تلك
المقامات بعيدة كثيراً عن أھل االله.
فصل: في تعريف الإخلاص
إعلم أنھم ذكروا تعاريف مختلفة للإخلاص ونحن نذكر بعضھا وھو المتداول لدى أھل السلوك والعرفان، بصورة
مختصرة.
قال العارف الحكيم السالك خواجه عبداالله الأنصاري قدس سره: «الإخلاص تصفية العمل من كلّ شوب» وھذا
أعم من أن يشوب العمل برضى نفسه، أو رضى غيره من المخلوقات الأخرى.
ونقل عن الشيخ البھائي أن أرباب القلوب ـ العرفاء ـ ذكروا تعاريف عديدة للإخلاص:
«قيل: ھو تنزيه العمل أن يكون لغير االله فيه نصيب» وھذا أيضاً قريب إلى التعريف المذكور.
«وقيل: ھو أن لا يريد عامله عليه عوضاً في الدارين». ونقل عن صاحب غرائب البيان: أن المخلصين ھم الذين
يعبدون االله، ولا يرون أنفسھم ولا العالم ولا أھله في العبودية، ولا يتجاوزون حدود العبودية في مشاھدة الربوبية.
وعندما تتساقط من العبد حظوظه بدءاً من التراب وانتھاءاً بالعرش فقد سلك الدين، وھو طريق العبودية الخالصة
من رؤية الحوادث ـ غير االله ـ نتيجة شھود الروح لجمال الرب المتعالي. وھذا ھو الدين الذي إصطفاه الحق
والدين الخالص ھو نور القِدَم، بعد 346 المتعالي لنفسه، وأخلصه من غير الحق قائلاً (أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)
اضمحلال الحدوث في فيّاض نور عظمته ووحدانيته. فكأنّ االله قد دعا عباده على سبيل التنبيه والإشارة نحو
تخليص سرّه في الغير لدى توجھھم إليه. ونقل عن الشيخ المحقق محي الدين العربي أنه قال:
«أَلا لِلّهِ الدّينُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ الغَيْرِيَّةِ وَالأنانيّة، لإنَّكَ لِفَنائِكَ فيهُ بالكلّية فَلا ذاتَ لَكَ وَلا صِفَةَ ولا فِعْلَ ولا دينَ
وَإِلاّ لَما خَلُصَ الدّينُ بالحقيقةَ فَلا يَكُونُ لِلّهِ». فما دامت العبودية والغيرية والأنانية باقية والعابد والمعبود والعبادة
والإخلاص والدين حاضراً، يكون ـ العمل ـ مشوباً بالغيرية والأنانية وھذا شرك لدى أرباب القلوب. إن عبادة أرباب
الإخلاص ھي رسم تجلّيات المحبوب، ولا يوجد في قلوبھم سوى الحق المتعالي الواحد. ومع أن أفق الإمكان قد
اتصل بالوجوب، وإن التدلّي الذاتي، والدنو المطلق الحقيقي قد حصل لھم، وإن رسم الغيرية قد ارتفع بالكلية
عنھم، فھم يقومون بكافة وظائف العبودية. ولا تكون عبادتھم بالروّية والتفكر، بل تكون عبادتھم بالتجلّي. كما أشير
إلى ھذا المعنى في صلاة ليلة معراج رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم.
346
سورة الزمر، آية: 3.
142
فصل: في بيان الإخلاص بعد العمل
اعلم أن ما ورد في الحديث الشريف «الإِبْقَاءُ عَلَى العَمَلِ حَتَّى يَخْلُصَ، أَشَدَّ مِنَ العَمَلِ» حثّ على لزوم
المحافظة والمواظبة على الأعمال، التي تصدر من الإنسان، حين إنجازھا وبعد تحققھا، إذ قد يأتي الإنسان
بالعمل من دون عيب ونقص وخالٍ من الرياء والعُجب وغيره، ولكنه بعد العمل وبواسطة ذكره للآخرين يعاب بالرياء.
كما ورد في الحديث الشريف المنقول عن الكافي:
«عَنْ أبي جَعْفَرٍ عليه السَّلام أنَّهُ قَالَ: الإبْقاءُ عَلَى العَمَلِ أشَدُّ مِنَ العَمَلِ. قالَ: وَمَا الإبْقاءُ عَلَى العَمَلِ؟ قالَ:
يَصِلُ الرَّجُلُ بِصِلَةٍ وَيُنْفِقُ نَفَقَةً لِلّهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ فَكُتِبَ لَهُ سِرّاً ثُمَّ يَذْكُرُھا فَتُمْحى فَتُكْتَبُ لَهُ عِلانَيةً ثُمَّ يَذْكُرُھا
347 فَتُكْتَبُ لَهُ رِياءً»
.
إن الإنسان حتى نھاية حياته لا يأمن أبداً من شرّ الشيطان والنفس، وعليه أن لا يظن بأنه عندما أتى بعمل
لوجه االله، من دون ملاحظة رضى المخلوق، أصبح في مأمن من شرّ النفس الخبيثة. وإنه إذا لم يراقب العلم ولم
يواظب عليه، فمن الممكن أن تجبره نفسه إلى إظھاره أمام الآخرين. وقد يتمّ الإظھار بالإيماء والتلويح، فمثلاً إذا
أراد أن يكشف عن صلاة الليل التي أتى بھا للناس، التجأ إلى أساليب اللفّ والدوران، فيتحدّث عن حسن جوّ
السَحَرِ أو ردائته وعن مناجاة الناس أواذانھم في السحر، وضيّع عمله من جرّاء المكائد الخفيّة للنفس، وألغاه من
الاعتبار.
يجب أن يكون الإنسان مثل الطبيب الرحيم، والمرافق الرؤوف يراقب نفسه، ولا يسمح لفلتان زمامھا مِنْ يده،
لأنھا في لحظة من الغفلة تنفلت من يده وتقوده إلى الذل والھلاك. وعلى أي حال نستعيذ باالله من شرّ الشيطان
348 والنفس الإمّارة. {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}
.
ولا بد من معرفة أن تخليص النية من جميع مراتب الشرك والرياء وغيرھا ومراقبتھا والمحافظة عليھا من الأمور
الصعبة والمھمة جداً، بل إن بعض مراتبھا لا يتيسر إلا للخلّص من أولياء االله تعالى. لأن النية عبارة عن الإرادة
الباعثة نحو العمل، وھي تتبع الغايات الأخيرة الدافعة نحو العمل، كما أن ھذه الغايات تتبع الملكات النفسانية
التي تشكل باطن ذات الإنسان وشاكلته. فمن له حبّ الجاه والرياسة، وغدا ھذا الحب ملكة نفسانية وشاكلة
روحه، كان منتھى أمله البلوغ إلى سدّة الزعامة، وكانت أفعاله الصادرة منه تابعة لتلك الغاية، وكان دافعه ومحرّكه
ھو مبتغاه النفسي المذكور، وصدرت عنه أعماله للوصول إلى ذلك المطلوب. فما دام ھذا الحبّ في قلبه، لا يمكن
أن يصير عمله خالصاً. ومن صار حبّ النفس والأنانية ملكة له، وشاكلة نفسه، كانت غاية مقصده ونھاية مطلوبه
الوصول إلى ما يلائم نفسه وكان الدافع والمحرك له في ھذه الأعمال، نفس ھذه الغاية، سواء كانت الأعمال
للوصول إلى مطلوب دنيوى أو أخروي من قبيل الحور والقصور والجنّات ونِعَم ذلك العالم. بل ما دامت الأنانية،
والذاتية موجودة، كان إقدامه أو سلوكه لتحصيل المعارف ـ الربوبية ـ والكمالات الروحية، لنفسه ونفسانياته من
حبّ للنفس لا من حبّ الله. ومن المعلوم أنھما لا يجتمعان، بل إذا أحبّ االله كان، من أجل نفسه وليس من أجل
االله وكانت غاية المقصود ونھاية المطلوب نفسه ونفسانياته.
فاتضح أن تخليص النية من مطلق الشرك، عمل صعب جداً، ولا يقدر عليه كل أحد. وإن كمال الأعمال ونقصھا
تابع لكمال النية ونقصھا، لأن النيّة ھي الصورة الفعلية، والناحية الملكوتية للعمل. كما أشرنا إليه سابقاً.
وفي الحديث الشريف تلميح إلى ھذا الموضوع، عندما يقول «وَالنِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ العَمَلِ ألا وَإِنَّ النِّيَّةَ ھِيَ العَمَلُ»
واحتمل بعض أن ھذا المعنى مبالغة، ولكنه ليس بشيء من المبالغة، بل مبني على الحقيقة، لأن النية ھي
الصورة الكاملة للعمل، والفصل المحصِّل له، وصحة العمل وفساده وكماله ونقصه، مرتبطة بالنية.
كما أن عمل شخص واحد لإختلاف نيته قد يكون تعظيماً للغير، وقد يكون توھيناً له، وقد يصير تاماً بھا، وقد
يصير ناقصاً لفقدانھا، وقد يكون من سنخ الملكوت الأعلى وله صورة بھية جميلة، وقد يكون من سنخ الملكوت
السفلى وله صورة موحشة مخيفة.
347
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء، ح 16.
348
سورة يوسف، آية: 53.
143
إن ظاھر صلاة علي بن أبي طالب عليه السلام، وظاھر صلاة المنافق متضاھيان في الأجزاء والشرائط
والشكل الظاھري، ولكن ھذا يعرج بعمله إلى االله، ولصلاته صورة ملكوتية أعلى، وذاك يغور في أعماق جھنم،
ولصلاته صورة ملكوتية سفليّة.
وعند تقديم أھل بيت العصمة عليھم السلام، للفقير أقراصاً من خبز الشعير لوجه االله، تنزل من عند االله
سبحانه آيات كريمة في الثناء عليھم، ويحسب الإنسان الجاھل أن تحمّل الجوع ليومين أو ثلاثة أيام ودفع الطعام
إلى الفقير أمراً مھماً، رغم أن مثل ھذه الأعمال يمكن أن تصدر من كل شخص، من دون صعوبة. في حين أن
أھمية ھذا العمل تكمن في القصد الخالص والنية الصادقة. إن روح العمل، القوية واللطيفة والتي تبعث من القلب
السليم الصافي، ھي مصدر ھذه الأھمية القصوى.
إنه لا فرق بين المظھر الخارجي للنبي صلّى االله عليه وآله وسلم وكافة الناس، ولھذا عندما كان يدخل عليه ـ
صلّى االله عليه وآله وسلم ـ شخص من خارج المدينة، وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ جالساً مع مجموعة من
المسلمين، يسأل ـ الوافد ـ أيكم النبي؟ إن الذي يفضّل النبي صلّى االله عليه وآله وسلم على غيره، ھو روحه
الكبيرة، القوية، اللطيفة لا جسمه المبارك وبدنه الشريف. وقد قالوا في العلوم العقلية أن شيئية الشيء بصورته
لا بمادته. بل إن الحدّ التام ھو التعريف بالفصل فقط، أما التعريف بالجنس والفصل فھو من الحد الناقص، لأنّ
الإختلاط بالغرائب والأجانب، والتعريف بالمنافي، يسيء إلى حقيقة الشيء وتعريفه وتماميته. والمادة والجنس
تعتبران من الغرائب والأجانب بالنسبة إلى حقيقة الشيء التي ھي عبارة عن الصورة والفعلية والفصل. فإذن
تمام حقيقة الأعمال ھي صور الأعمال وناحيتھا الملكوتية التي ھي النية.
ويُستفاد من ھذا البيان أن الإمام الصادق عليه السلام قد بيّن في ھذا الحديث الشريف ـ الحديث العشرون ـ:
أولاً: صور الأعمال وموادّھا، وقال إن الجزء الصوري أفضل من الجزء المادي، وأن النية أفضل من العمل، كما
نقول إن الروح أفضل من الجسم وليس لازم ذلك ـ مقتضى أفعل التفضيل ـ إن العمل من دون نيّة يكون صحيحاً،
وإن الجسم من دون الروح يكون جسماً، بل المعنى أن بعد تعلق النية بالعمل، والروح بالجسم يتحقق عمل واحد،
وجسم واحد، وأن كل واحد من الجزء الصوري الملكوتي في ھذين المزيجين الخليطين: أحدھما من النية والعمل،
والآخر من الروح والجسم،
349 يكون أفضل من الجزء المادي المُلكي. وھذا ھو معنى الحديث المشھور «نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»
.
وثانياً: إن العمل يكون فانياً في النية، والمُلك في الملكوت، والمظھر في الظاھر وقال عليه السلام «ألا وإنّ
النيّة ھي العمل» ولا يوجد شيء آخر عدا النية، وأن جميع الأعمال فانية في النية، ولا استقلالية لھا. ثم
استشھد بقوله تعالى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) وإن الأعمال تابعة لشاكلة النفس، وشاكلة النفس وإن كانت
الھيئة الباطنية للروح، والملكات المخمرة فيھا، لكن النية ھي الشاكلة الظاھرية للنفس.
ونستطيع أن نقول بأن الملكات ھي الشاكلة الأولية للنفس، والنيات ھي الشاكلة الثانوية لھا، والأعمال
تتبعھا، كما قال الصادق عليه السلام.
ومن ھنا يتبين بأن طريق تخليص الأعمال من جميع مراتب الشرك والرياء وغيرھا ينحصر في إصلاح النفس
وملكاتھا، ويكون ذلك مَعيناً لكل الإصلاحات، ومصدراً لجميع المعارج والكمالات.
فإذا أخرج الإنسان حب الدنيا عَبْرَ الترويض العلمي أو العملي من قلبه، كانت غايته المنشودة شيئاً آخر غير
الدنيا، وخلصت أعماله من الشرك الأعظم الذي ھو جلب أنظار أھل الدنيا وكسب موقع لديھم، وطھرت نيته،
وتساوى عنده العمل في الجلوة أو الخلوة في السر أو العلن.
وإذا أخرج الإنسان من قلبه حب النفس بالرياضة النفسية، فبالمقدارالذي يفرغ القلب من حب النفس، يمتلأ
حباً الله، وتخلص أعماله من الشرك الخفي أيضاً. وما دام حب النفس في القلب، وما دام الإنسان يعيش في
349
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، ح 2.
144
البيت المظلم للنفس، لا يكون مسافراً إلى االله تعالى، بل يعدّ من المخلّدين في الأرض. فإن الخطوة الأولى نحو
االله، تتمثل في ترك حب النفس، والوطأ بقدمه على الأنانية والذاتية. وھذا ھو المقياس في السفر إلى االله.. قال
بعض أن ھذا ھو أحد معاني الآية الكريمة (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُھَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ
أي من يخرج من بيت نفسه ويھاجر إلى الحق في الرحلة المعنوية ثم يدركه الفناء التام كان 350 أَجْرُهُ عَلَى االله)
أجره على االله تعالى.
ومن المعلوم أن مثل ھذا المسافر لا يستحق أجراً ومكافأة إلاّ مشاھدة الذات المقدس، والوصول إلى الفناء
في حضرته، كما يقال على ألسنتھم بيت شعر:
لا يتطرق إلى قلوبنا أحد أبداً إلا الحبيب.
فَقَدِّم العالم إلى العدوّ فإننا إقتصرنا على الحبيب.
الحَديث الحادي وَالعشرون: الشكر
بالسّند المتّصل إلى حجَّة الفرقة وإمامھم محمّد بن يعقوب الكلينيّ ـ كرَّم االله وجھه ـ عن حميد بن زياد، عن
الحسن بن محمد بن سَماعة، عن وُھَيْب بن حفص، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كَانَ رَسولُ
االله صلّى االله عليه وآله وسلم عِنْدَ عَائِشَةَ لَيْلَتَھا فَقالَتْ: يَا رَسولَ االله لِمَ تُتْعِبُ نَفْسَكَ وَقَدْ غَفَرَ االله لَكَ مَا تَقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ؟ فَقالَ: يَا عَائِشَة ألا أكونُ عَبْداً شَكوراً؟ قال: وَكانَ رَسولُ االله صلَّى االله عليه وآله وسلم يَقومُ
351 عَلى أطْرافِ أصابعِ رِجْلَيْهِ فَأَنْزَلَ االله سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى)
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 12
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: