{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 11

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 11   الإثنين يناير 08, 2018 4:01 pm

فصل: في شروط التوبة
ذكرنا في الفصل السابق أركان التوبة. وسوف نذكر شروط قبولھا وشروط كمالھا مرتباً. ثم أن عمدة شروط
القبول أمران كما أن عمدة شروط الكمال أمران أيضاً.
ونحن نذكر في ھذا الفصل الكلام الشريف لمولى الموالي الذي ھو في الواقع من جوامع الكلام، ومن كلام
الملوك وملوك الكلام.
رُوِيَ فِي نَھْجِ البَلاَغَةِ أَنَّ قَائِلاً قَالَ بِحَضْرَتِهِ عَلَيه السَّلام: أَسْتَغْفِرُ االلهَ، فَقَالَ لَهُ: «ثَكِلَتْك أُمُّكَ أَتَدْرِي مَا
الاستغفارُ؟ إنَّ الاسْتِغْفَارَ دَرَجَةُ العِليِّينَ وَھُوَ اسمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ: أَوَّلُھَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى. الثَّانِي العَزْمُ
عَلَى تَرْكِ العَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً. والثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى المَخْلُوقِينَ حُقُوقَھُمْ حَتَّى تَلْقَي االلهَ سُبْحَانَهُ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ
تَبِعَةٌ. الرَّابعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَھَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّھَا. والخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى
السُّحْتِ فَتُدِيبَهُ بِالأَحْزَانِ حَتّى تُلْصِقَ الجِلْدَ بِالعَظْمِ وَيَنْشَأَ بَيْنَھُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ. والسّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الجِسْمَ أَلَمَ
280 الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ المَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ االلهَ»
.
277
سورة البقرة، آية: 222.
الحديث السابع عشر المذكور لدى أول ھذا البحث (التوبة). 278
279
راجع معجم الأحاديث النبوية ج 1 ،ص 304.
نھج البلاغة، قصار الحكم، الرقم 417) ،الشيخ صبحي الصالح). 280
120
يشتمل ھذا الحديث الشريف على ركنين من أركان التوبة ھما: الندامة والعزم على العودة وعلى شرطين
مھمين للقبول: ھما إرجاع حقوق المخلوق لأھلھا ورد حقوق الخالق الله سبحانه. ولا تقبل التوبة من الإنسان
بقوله أستغفر االله. إن على الإنسان التائب أن يردَّ كل ما أخذه من الناس من دون حق إلى أصحابه وإذا وجد
حقوقاً أخرى للناس في ذمته واستطاع أن يؤديھا إلى أصحابھا أو يطلب السماح منھم، يجب أن لا يتوان في ذلك.
وأن يقضي كل الفرائض الإلھية أو يؤديھا. وإذا تعذر عليه إنجاز ذلك أدّى المقدار الميسور منه. وليعلم أن لكل ھذه
الحقوق أصحاب سيطالبونه بھا في النشأة الأخرى بأشق الأحوال وليس له في ذلك العالم وسيلة لأداء ھذه
الحقوق، إلا أن يتحمل ذنوب الآخرين، ويدفع إليھم أعماله الحسنة فيصير حينذاك عاجزاً وشقياً ولا يملك طريقاً
للخلاص وملجأ للاستخلاص. أيھا العزيز إياك أن تسمح للشيطان والنفس الأمارة بالبھيمة عليك والوسوسة في
قلبك فيصوران لك العملية جسيمة وشاقة ويصرفانك عن التوبة. اعلم بأن إنجاز الشيء القليل من ھذه الأمور
يكون أفضل. ولا تيأس من رحمة االله ولطفه، حتى وإن كانت عليك صلاة كثيرة وصيام غير قليل، وكفارات عديدة،
وحقوق إلھية كثيرة، وذنوب متراكمة، وحقوق الناس لا تعدّ، والخطايا لا تحصى.
لأن الحق المتعالي يسھّل عليك الطريق عندما تقوم بخطوات حسب قدرتك في اتجاھه، ويھديك سبيل
النجاة. واعلم بأنّ اليأس من رحمة الحق من أعظم الذنوب، ولا أظن أن ھناك ذنباً أسوأ وأشدّ تأثيراً في النفس من
القنوط من رحمة االله. فإنّ الظلام الدامس إذا غشي قلب الإنسان اليائس من الرحمة الإلھية، لما أمكن إصلاحه،
ولتحوَّل إلى طاغية، لا يوجد سبيل للھيمنة عليه. فإيّاك أن تغفل من رحمة الحق عزّ وجلّ، وإيّاك أن تستعظم
الذنوب وتبعاتھا. إن رحمة الحق سبحانه أعظم وأوسع من كل شيء. نصف بيت شعر:
«إن عطاء الحق غير مشروط بقابليّة المعطى إليه»
ماذا كانت في بدء الأمر؟ كنت في غياھب العدم ولا توجد فيك القابلية والأھليّة، ولكن الحق جلّ وعلا، قد
وھبك نعمة الوجود وكمالاته وبسط مائدة النعم اللامحدودة، والرحمة اللامتناھية، وسخر لك كافة الموجودات، من
دون استحقاق واستعداد ومن دون سؤال ودعاء مسبق.
ثم إنك في ھذا اليوم لا يكون وضعك أسوأ، من اليوم الذي كنت فيه عدماً صرفاً، ولا شيئاً بحتاً. إن االله قد وعد
بالرحمة والمغفرة. تقدم إلى الأمام خطوة واحدة، باتجاه عتبة قدسه. فإنه سيأخذ بيدك مھما كلّف الأمر. إنك إن
لم تستطع أن تؤدي حقوقه، فھو سيتنازل عنھا. وإن لم تستطع أن تدفع حقوق الناس، فإنه سيجبرھا.
ھل سمعت قصة الشاب الذي كان ينبش القبور في عھد الرسول صلّى االله عليه وأله وسلم؟
أيھا العزيز إنّ طريق الحق سھل بسيط، ولكنّه يحتاج إلى انتباه يسير، فيجب العمل، لأن التباطئ والتسويف،
ومضاعفة المعاصي في كل يوم، تبعث على صعوبة الأمر، وأمّا الإقبال على العمل، والعزم على إصلاح السلوك
والنفس، فيقرّب الطريق ويسھّل العمل.
جرّبه، واعمل في الاتجاه المذكور، فإذا حصلت على النتيجة تبين لك صحة الموضوع. وان لم تصل إلى النتيجة
المتوخاة فإن طريق الفساد مفتوح ويد المذنب طويلة. وأما الأمران الآخران ـ الخامس والسادس المذكوران في
الرواية المنقولة عن نھج البلاغة المتقدمة ـ اللذان ذكرھما الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فھما من شروط
كمال التوبة، والتوبة الكاملة، لأن التوبة لا تتحقق ولا تقبل من دونھما ليست بكاملة.
اعلم أن لكل منزل من منازل السالكين مراتب ودرجات تختلف حسب اختلاف حالات قلوبھم. وإن التائب إذا أراد
البلوغ إلى مرتبة الكمال، فلا بد من تدارك ما تركه، وتدارك الحظوظ أيضاً، يعني لا بد من تدارك اللذائذ النفسانية
التي لحقت به أيام الآثام والمعاصي وذلك بالسعي لمحو كل الآثار الجسمية والروحية التي حصلت في مملكة
جسمه ونفسه من جراء الذنوب حتى تعود النفس مصقولة كما كانت في بدء الأمر، وتعود الفطرة إلى روحانيتھا
الأصلية. وتحصل له الطھارة الكاملة.
121
لقد علمت بأن لكل معصية ومتعة انعكاس وأثر في الروح، كما قد يحصل أثر من بعض الذنوب واللذائذ في
الجسم، فلا بد للتائب أن ينتفض ويستأصل تلك الآثار ويقوم بالرياضة البدنية والروحية حتى تزول منھما كل تبعات
ومضاعفات الخطايا والآثام، كما أمرنا الإمام علي عليه الصلاة والسلام.
فعن طريق ممارسة الرياضة الجسمية من الإمساك عن أكل المقويات والمنشطات والصيام المستحب أو
الواجب إذا كان في ذمته صيام واجب، يذيب اللحوم التي نشأت على جسمه من الحرام والمعصية أو أيام الخطايا
والآثام.
وعن طريق الرياضة الروحية من العبادات والمناسك يتدارك اللذائذ الطبيعية، لأن صورة المتع الطبيعية لا تزال
ماثلة في ذائقة النفس، وما دامت عالقة بھا فإن النفس ترغب إليھا، ويعشقھا القلب ويُخشى من لحظة طغيان
النفس وتمرّدھا على صاحبھا ـ والعياذ باالله ـ. فلا بد على السالك لسبيل الآخرة والتائب عن المعاصي أن يُذيق
الروح ألم الرياضة الروحية ومشقّة العبادة. فإذا سھر ليلة في المعصية تداركھا بليلة من العبادة. وإذا عاش يوماً
واحداً مع اللذائذ الطبيعية تداركه بالصوم والمستحبات المناسبة حتى تطھر النفس من كل آثار المعاصي وتبعاته
التي ھي عبارة عن تعلق حب الدنيا بالنفس ورسوخه فيھا، وتتطھر من كل ذلك.
نعم تكون التوبة في الصورة أكمل، ويعود النور إلى فطرة النفس، ولا بد في غضون اشتغاله بھذه الأمور التفكر
والتدبر في نتائج المعاصي وشدّة بأس الحق المتعالي ودقة ميزان الأعمال وشدّة عذاب عالم البرزخ والقيامة.
وليعلم وليلقّن النفس والقلب، بأن كل ذلك نتاج وصور ھذه الأعمال القبيحة والمخالفة مع مالك الملوك. ونأمل بعد
ھذا العلم والتمعن أن تنفر النفس عن المعاصي، وترتدع بشكل كامل ونھائي، وينتھي بالتوبة إلى النتيجة
المطلوبة، وتتم توبته وتكمل.
فھذان المقامان من المتممات والمكملات لمنزل التوبة. والإنسان في بدء الأمر عندما يريد أن يدخل مقام
التوبة ويتوب إلى االله لا يظن بأن المطلوب منه المرتبة الأخيرة من التوبة حتى يجد الطريق صعباً وعملية التوبة
شاقة فينصرف عنھا ويتركھا.
إن كل مقدار يساعد عليه حال السالك، في سلوكه لطريق الآخرة، يكون مطلوباً ومرغوباً فيه، وعندما تطأ
قدماه الطريق ييسّر االله تعالى له الطريق. فلابد أن لا تمنع صعوبة الطريق، الإنسان عن الھدف الأصيل، لأنه مھمّ
جداً وعظيم جداً. وإذا انتبھنا إلى جلال الھدف وعظمته، تذلَّلت جميع الصعاب من أجله. وأي شيء أعظم من
النجاة الأبدية والروح والريحان الدائميان؟ وأي بلاء أعظم من الھلاك الدائمي والشقاء السرمدي؟ ومع ترك التوبة
والتسويف والتأجيل قد يبلغ الإنسان إلى الشقاء الأبدي والعذاب الخالد والھلاك الدائم. وعند الورود على مقام
التوبة قد يتحول الإنسان إلى سعيد مطلق، ومحبوب للحق سبحانه. فإذا كان الھدف جليلاً على ھذا المستوى،
فلا بأس من المعاناة والآلام لأيام يسيرة.
واعلم أن الدخول في مقام التوبة بالمقدار الممكن والميسور مھما كان قليلاً فھو مجد وناجع. قارن أمور الآخرة
بالأمور الدنيوية فإن العقلاء إذا لم يستطيعوا أن يحققوا مبتغاھم الأعلى والأرفع، لم يتركوا الھدف الأقل، وإذا لم
يستطيعوا من تحصيل الھدف الكامل المنشود فإنھم لم يغضوا الطرف عن المطلوب الناقص.
وأنت أيضاً إذا لم تستطع أن تحقق التوبة الكاملة، فلا تعدل عن التوبة ولا تعرض عنھا وحاول أن تحققھا
بالمستوى المستطاع والممكن.
فصل: في نتيجة الاستغفار
من الأمور الھامة التي لا بد للتائب أن يقدم عليھا، اللجوء إلى مقام غفارية االله تعالى وتحصيل حالة
الاستغفار، والطلب من الحق جل جلاله ومن مقام غفارية ذاته المقدس بلسان مقاله وحاله وفي السرّ والعلن
وفي الخلوات. الطلب منه بكل مذلة ومسكنه وتضرع وبكاء بأن يستر عليه ذنوبه وانعكاساته. نعم إن مقام الغفارية
والستارية للذات المقدس يستدعي ستر العيوب وغفران تبعات الذنوب، لأن الصور الملكوتية للأعمال بمثابة وليد
الإنسان، بل ألصق من ذلك. وإن حقيقة التوبة وكلمات الاستغفار بمثابة اللعان ونفي الولد.
122
إن الحق تبارك وتعالى بسبب غفّاريته وستّاريته يقطع الصلة بين وليد الإنسان ـ الصور الملكوتية للأعمال
المحرمة ـ والإنسان، بواسطة لعان المستغفر. ويحجب عن تلك المعصية كل الكائنات التي اطّلعت على أحوال
الإنسان من الملائكة، وكُتّاب صحائف الجرائم، والزمان والمكان وأعضاء نفس الإنسان وجوارحه، وينسيھم جميعاً
تلك المعصية. كما أشير إليه في الحديث الشريف حيث يقول «يُنْسِي مَلَكَيْه مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوب» ومن
المحتمل أن يكون المقصود وحيه تعالى للأعضاء والجوارح وبقاع الأرض، بكتمان المعاصي الوارد في الحديث
الشريف ھو إنساء المعاصي. كما يحتمل أن يكون المقصود من وحيه، الأمر بعدم الإدلاء بالشھادة. ويمكن أن يكون
المقصود رفع الآثار التي تركتھا المعاصي على الأعضاء والتي بھا تتم الشھادة التكوينية.
كما أنه لو لم يتب لأمكن أن يشھد كل عضو بلسان مقاله أو حاله على أفعاله الأثيمة.
وعلى أيّ حال كما أن مقام الغفّارية والستّارية اقتضى الآن ونحن في ھذا العالم أن لا تشھد أعضائنا وجوارحنا
ضدنا وأن يستر الزمان والمكان أفعالنا المشينة، كذلك يقتضي ستر أعمالنا في العوالم الأخرى، عندما نتوب توبة
صحيحة ونستغفر استغفاراً خالصاً ونرحل من ھذا العالم، أو أن الناس يحجبون عن أعمالنا. ولعل مقتضى كرامة
الحق ـ جل جلاله ـ ھو الثاني حتى لا يكون الإنسان التائب مطأْطأَ رأسه ومفضوحاً أمام الآخرين واالله العالم.
فصل: في تفسير التوبة النصوح
أعلم أن ھناك تفسيرات مختلفة في بيان المقصود من التوبة النصوح. ومن المناسب أن نذكرھا ھنا بصورة
مجملة. ونحن نكتفي بنقل كلام المحقق الجليل الشيخ البھائي قدس االله نفسه.
عن الشيخ البھائي أنه قال: 281 نقل المحدث الخبير المجلسي ـ رحمة االله ـ
ثم اعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير التوبة النصوح على أقوال:
منھا: أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوھم إلى أن يأتوا بمثلھا لظھور آثارھا الجميلة في صاحبھا أو ينصح
صاحبھا فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليھا أبداً.
ومنھا أن النصوح ما كانت خالصة لوجه االله سبحانه من قولھم عسل نصوح إذا كان خالصاً من الشمع، بأن يندم
على الذنوب لقبحھا، وكونھا خلاف رضى االله تعالى لا لخوف النار مثلاً.
وحكم المحقق الطوسي في التجريد «بأن الندم من الذنوب للخوف من النار، ليس بتوبة» ومنھا أن النصوح من
النصاحة وھي الخياطة لأنھا تنصح من الدين ما مزقته الذنوب أو يجمع بين التائب وبين أوليائه وأحبائه كما تجمع
الخياطة بين قطع الثوب.
ومنھا أن النصوح وصف للتائب وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي أي توبة تنصحون بھا أنفسكم بأن
تأتوا بھا على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية. ويكون ذلك بذوب
النفوس بالحسرات ومحو ظلمات القبائح بنور الأعمال الحسنة.
تكميل: في بيان أن جميع الموجودات ذات علم وحياة
اعلم أن للتوبة حقائق ولطائف وأسرار، ولكل واحد من أھل السلوك إلى االله توبة خاصة تتناسب مع مقامه.
وحيث أن لا حظّ ولا نصيب لنا في تلم المقامات، فلا يناسب شرحھا والإسھاب فيھا في ھذا الكتاب. والأفضل أن
ننھي الحديث بذكر فائدة دقيقة تستكشف من الحديث الشريف ـ المذكور في أول فصل التوبة ـ وتتفق مع ظاھر
الكتاب الكريم والأحاديث الكثيرة المأثورة في الأبواب المتفرقة.
وتلك الفائدة ھي أن لكل واحد من الموجودات علم وحياة ومعرفة، بل أن جميع الموجودات تحظى بالمعرفة
لمقام الحق المقدس جل وعلا. فإن الوحي إلى الأعضاء والجوارح وبقاع الأرض، بالكتمان، وإطاعتھا للأمر الإلھي،
. وأوردته الأحاديث الشريفة كثيراً، كل ذلك دليل على 282 وتسبيح الموجودات بأسرھا الذي نص عليه القرآن الكريم
علم وشعور وحياة الموجودات، بل دليل على الارتباط الخاص بين الخالق والمخلوق، لا يطلع عليه أحد إلا ذاته
المقدس جل وعلا ومن ارتضى من عباده.
281
بحار الأنوار ـ المجلد 16 ص 17 ـ الطباعة الحديثة.
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الجمعة1 .(282
123
وھذه الفائدة الدقيقة إحدى المعارف التي لمّح إليھا القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين، وتتطابق مع
برھان الفلاسفة الإشراقيين وذوق أھل العرفان ومشاھدات أصحاب السلوك والرياضة الروحانية.
وقد ثبت في أبحاث ما وراء الطبيعة من الفلسفة أن حقيقة الوجود عين الكمالات والأسماء والصفات، وعندما
يظھر في كل مرتبة ـ من مراتب الوجود ـ الوجود، ويتجلى في مرآة للأعين، يكون ظھوره مع جميع الشؤون
ولكل من مراحل 283 والكمالات ـ لأن الوجود عين ھذه الكمالات السبعة ـ من الحياة والعلم وبقيّة الأمھات السبعة
تجلي حقيقة الوجود ومراتب تنزلات نور الجمال الكامل للمعبود تعالى شأنه، ارتباط خاص مع مقام الأحدية،
. وقالوا إنّ (ھو) 284 ومعرفة كامنة خفية مع مقام الربوبية. كما تقول الآية الكريمة (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ ھُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِھَا)
إشارة إلى مقام غيب الھوية. و(آخِذٌ بِالنَّاصيةِ) ھو الربط الأصيل الغيبي السرّي الوجودي الذي لا مجال لأحد في
معرفته.
الحَديث الثَامِن عشرَ: الذَّكر
بالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إلى فَخْرِ الطّائِفَةِ وَذُخْرِھا مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الكُلَيْني ـ رضوان االله عليه ـ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى،
عَنْ أحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عيسى، عَنِ ابْنِ مَحْبُوب، عَنْ عَبْدِ االلهِ بْنِ سِنان، عَنْ أبي حَمْزَةَ الثُمالِي، عَنْ أَبي جَعْفَرَ
عليه السَّلام قالَ: «مَكْتُوبٌ فِي التَّوراةِ الَّتي لَمْ تُغَيَّر أَنَّ مُوسى عليه السَّلام سَأَل رَبَّهُ فَقالَ: يا رَبِّ أَقَريبٌ أنْتَ
مِنّي فَأُناجيك، أمْ بَعيدٌ فَأُناديكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ: يا مُوسى أَنَا جَليسُ مَنْ ذَكَرَنِي. فَقالَ مُوسى: فَمَنْ
في سِتْرِك يَوْمَ لا سِتْرَ إِلاّ سِتْرُكَ. فَقالَ: الَّذينَ يَذْكُرُونَني فَأَذْكُرُھُمْ وَيَتحابُّونَ فِيَّ فَأُحِبُّھُمْ فَاؤُلئِكَ الَّذينَ إِذا أرَدْتُ أنْ
285 أُصيبَ أھْلَ الأرْضِ بِسُوءٍ ذَكَرْتُھُمْ فَدَفَعْتُ عَنْھُمْ بِھِم»

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 798
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 11   الإثنين يناير 08, 2018 4:03 pm

الشرح:
يفھم من ھذا الحديث الشريف بأن التوراة الرائجة بين اليھود محرّفة ومزورة. وإن محتوى التوراة الصحيحة
يتواجد عند أھل البيت ـ عليھم السلام ـ. ويعرف أيضاً من منطويات التوراة والإنجيل المتداولين ـ لتدني مستواھما
على جميع الأصعدة ـ إنھما ليسا بحديث إنسان عادي، بل إنه حديث ينسجم مع أوھام بعض أھل الشھوات
وذوي الأھواء النفسية.
يقول المحدث المحقق المرحوم المجلسي: «كان الغرض من السؤال عن آداب الدعاء مع علمه بأنه أقرب إلينا
من حبل الوريد بالعلم والقدرة والعِليّة أي تحب أن أناجيك كما يناجى القريب أو أناديك كما ينادى البعيد؟ وبعبارة
أخرى إذا نظرت إليك فأنت أقرب من كل قريب، وإذا نظرت إلى نفسي أجدني في غاية البعد عنك فلا أدري في
انتھى 286 دعائي أنظر إلى حالي أو إلى حالك؟. ويحتمل أن يكون السؤال للغير أو من قبلھم كسؤال الرواية»
كلامه.
في الإحاطة القيوميّة الله تعالى
من المحتمل أن النبي موسى عليه السلام ـ في الحديث المذكور ـ يعرض عجزه عن كيفية دعائه الله تعالى
فيقول: إلھي أنت منزّه من الاتصاف بالقرب والبعد حتى أدعوك دعاء من يكون دانياً أو قاصياً، فأنا متردّد في أمري
ولا أجد دعاءاً يليق بعظمتك وجلالك. فاسمح لي أن أناديك، وعلّمني كيفية ندائك واھدني إلى ما يتناسب ومقام
قدسك في ھذا المجال.
فأتي الجواب من مصدر الجلال والعزّة: بأنني حاضر حضور القيومية في جميع النشآت وأن ھذه العوالم بأسرھا
حاضرة لديّ. أنا جليس من يذكرني ونديم من يتحدث معي.
وبالطبع أن ذاته المقدس لا يتصف بالقرب والبعد وأنّ له إحاطة قيوميّة، وسعة وجوديّة تعمّ جميع دائرة الوجود
وكافة سلسلة الموجودات.
القدرة، الإرادة، الرحمانيه، الرحيميه، القيوم (المترجم). 283
284
سورة ھود، آية: 56.
285
أصول الكافي، المجلد كتاب الثاني، الدعاء، باب ما يجب من ذكر االله في كل مجلس، ح4.
286
مرآة العقول، المجلد 12 ،ص122.
124
وما ورد في الآيات الشريفة من الكتاب الإلھي الكريم من توصيف الحق المتعالي بالقرب مثل قوله تعالى: (وَإِذَا
. وغيرھا من الآيات
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) 287وقوله ـ عزّ من قائل ـ (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) 288
فمن باب المجاز والاستعارة. لأن ساحته المقدسة تتنزه عن القرب والبعد الحسيان والمعنويان. إذ يستلزم ذاك ـ
القرب والبعد الحسيان والمعنويان ـ نوع من التحديد والتشبيه، والحق المتعالي منزّه عن ذلك، بل إن حضور قاطبة
الموجودات أمام وجوده المقدس، حضور تعلّقي، وإحاطة ذاته المتعالية لكل دقائق الكائنات وسلسلة الموجودات،
إحاطة قيّوميّة وھذا الحضور وھذه الإحاطة يختلفان عن الحضور الحسي والمعنوي وعن الإحاطة الظاھريّة
والباطنيّة.
ويستفاد من ھذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى رجحان الذكر ـ ذكر االله ـ الخفيّ، واستحباب الذكر السرّي
289 والقلبي، كما يقول االله سبحانه أيضاً في الآية المباركة (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً)
.
وجاء في الحديث الشريف أنه لا يعلم أحدٌ ثواب ذكر االله سبحانه، إلاّ االله تعالى لعظمته وكِبَره. وقد يكون
الإجھار في الذكر وإظھاره راجحاً في بعض الحالات والمقامات ولدي طُروّ بعض العناوين، مثل الذكر لدي أھل
الغفلة لكي ينتبھوا.
ففي الحديث الشريف من الكافي قَالَ أَبُو عَبْدِ االلهِ عَلَيْهِ السَّلام الذَّاكِرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الغَافِلِينَ، كَالمُقَاتِلُ فِي
290 المُحَارِبِينَ
.
ونقل عن عدة الداعي للشيخ ابن فھد: «قالَ النَّبِيُّ صلّى االله عليه وسلم: مَنْ ذَكَرَ االلهَ فِي السُّوقِ مُخْلِصاً
عِنْدَ غَفْلَةِ النَّاسِ وَشُغْلِھِمْ بِما فِيهِ كَتَبَ االلهُ لَهُ ألْفَ حَسَنَةٍ وَغَفَر االلهُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَغْفِرَةً لَمْ تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ
291 بَشَرٍ»
.
وكذلك يستحب الإجھار بالذكر في أذان الأعلام والخطبة وغيرھا.
فصل: خصائص ذكر االله تعالى
يستفاد من ھذا الحديث الشريف، أن لذكر االله والتحابّ بين الأشخاص في سبيل االله، خصائص: إحداھا ـ وھي
الأھم ـ أن ذكر العبد الله، يبعث على ذكر االله لعبده، كما نطقت بھذا المضمون أحاديث أخرى أيضاً. ويقابل ھذا
الذكر النسيان، قد قال سبحانه وتعالى عن الناسي في القرآن (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَھَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)
292
.
فكما أن نسيان الآيات والعمى الباطني عن رؤية مظاھر جمال الحق وجلاله يسبب عمىً في العالم الآخر،
يكون التذكّر للآيات والأسماء والصفات وتذكّر الحق سبحانه وجماله وجلاله باعثاً على حِدّة في البصيرة، وإزاحة
للحجب، بقدر قوة التذكر ونورانيته.
ھذا وأن تذكر آيات الحق سبحانه، وصيرورته ـ ھذا التذكر ـ ملكة ـ راسخة ـ في الإنسان يجعل لبصيرته قوّة،
فيرى من خلال الآيات، جمال الحق.
وأن تذكّر الأسماء والصفات يبعث على مشاھدة الحقّ في تجلّيات أسمائه وصفاته. وأن تذكر الذات عزّ شأنه
من دون حجاب الآيات والأسماء والصفات، يوجب رفع الحجب بأسرھا ومشاھدة الحبيب من دون غشاء وحجاب.
ويعتبر ھذا ـ التفسير ـ واحداً من التوجيھات والتفسيرات للفتوحات الثلاثة التي ھي قرة عين العرفاء والأولياء
وھي:
الفتح القريب. الفتح المبين. الفتح المطلق. الذي ھو فتح الفتوح.
287
سورة البقرة، آية: 168.
288
سورة ق، آية: 16.
289
سورة الاعراف، آية: 205.
290 أصول الكافي
، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر اللّه عز وجل في الغافلين، ح1.
291 عدة الداعي، ص
.242
292
سورة طه، آية 126.
125
وكما أن التذكّرات الثلاثة ـ المذكورة ـ تزيل الحجب الثلاثة، وكذلك التحابب بين الناس في االله سبب لمحبة االله،
وتكون نتيجته رفع الحجب حسب ما يقوله العرفاء الشامخون.
ومن الواضح أن للتحابب بين الناس مراتب ودرجات، كما أن للحبّ في االله من جھة الخلوص والخلوِّ من
الشوائب مراتب كثيرة ودرجاتٍ عديدةٍ أيضاً، والحب الخالص التام ھو الحب المحض الفارغ من شوب كثرات الأسماء
والصفات، وھو الموجب لحصول الحب التام. والمحبوب المطلق في الشريعة العشاق، لا يكون محجوباً عن الوصال،
ولا يبقى بينه وبين محبوبه حجاباً.
وبھذا البيان نستطيع أن نوفّق بين سؤالي النبي موسى عليه السلام، لأنه ـ عليه السلام ـ عندما سمع من
حضرته تعالى بأنه ـ عزّ وجل ـ جليس من ذكره، وسمع من محبوبه، أُمنّيته من الوعد بالوصال والوصول إلى
الجمال، أراد أن يستقصي أھل الوصال حتى ينھض بالمسئولية مع كافة الشؤون المتوجبة عليه، فقال: «فَمَنْ في
سِتْرِكَ يَوْمَ لا سِتْرَ إِلاّ سِتْرُكَ لِي؟ وَمَنْ يَكُونُ فِي سِتْرِكَ، بَعْدَ إَنّ تَخَلَّصَ مِنَ التَعَلُّقِ بِغيْرِكَ، وَحَطَّمَ قُيُودَ الحُجَبِ،
وَوَصَلَ إِلَى جَمَالِكَ الجَمِيلِ؟» فقال ھم طائفتان: الذين يذكرونني ابتداءاً، والذين يتحابّون لأجلي حيث يكون تذكراً
في مظھر جمالي التام، الذي ھو الإنسان. إنھما ـ طائفتان ـ في مأمني وجلسائي وأنا جليسھم.
فتبين أن لھذين الطائفتين خصلة واحدة عظيمة، ولھا نتاج عظيم آخر، إذ أنھم يذكرون االله فينقلبوا ـ بذكرھم له
ـ محبوبين للحق المتعالي ونتيجته أنھم يستقّرون
في ستره سبحانه وملجأه يوم لا ستر فيه، ويختلي بھم الحق عز وجل في المحلّ الأرفع.
ومن خصال ھاتين الطائفتين أن االله سبحانه يرفع لكرامتھم، العذاب عن عباده بمعنى أنه ما دامت الطائفتان
تعيشان بين العباد، لا يُنزل االله سبحانه العذاب على الناس.
فصل: في الفرق بين مقام التفكر والتذكر
اعلم أن التذكّر من نتائج التفكّر، ولھذا يعتبرون مقام التفكر مقدماً على مقام التذكر. يقول العارف عبد االله
الأنصاري «التَّذَكُّر فَوْقَ التَّفَكُرِ، فَإِنَّ التَّفَكُّر طَلَبٌ وَالتَّذَكُّر وُجُودٌ» إذ أن التفكر طلب للمحبوب والتذكر حصول
للمطلوب. فما دام الإنسان يطلب ويبحث يكون محجوباً عن مطلوبه وعندما يصل إلى محبوبة يتحرّر من عناء
البحث والتفتيش.
إن قوّة التذكّر وكماله، يرتبطان بقوة التفكر وكماله. والتفكر الذي يفضي إلى التذكر التام للمعبود، لا يساوي
الأعمال الأخرى ولا يقاس في الفضيلة بھا. ففي الأحاديث الشريفة أن تفكّر ساعة أفضل من عبادة سنة واحدة أو
ستين عاماً أو سبعين عاماً. ومن الواضح أن الغاية من العبادات وثمرتھا المھمة، حصول المعرفة والتذكر للمعبود
الحق. وستُحصل على ھذه الخاصيّة من التفكّر الصحيح، أحسن من الحصول عليھا عن طريق العبادة.
إذ لعلّ تفكر ساعة واحدة، يفتح أبواباً من المعارف على السالك، لا تفتحھا عبادة سبعين سنة، أو إن في تفكر
ساعة واحدة تذكّر للإنسان بحبيبه سبحانه، ما لا يحصل من المشاق والمساعي المجھدة فترة سنين عديدة
مثل ھذا التذكّر.
واعلم أيھا العزيز أن تذكر الحبيب، والتفكر فيه دائماً، يثمر نتائج كثيرة لكافة الطبقات.
أما الكُمّلون والأولياء والعرفاء فإن تذكر الحبيب في نفسه، غاية آمالھم وفي ظلّه يبلغون جمال حبيبھم. ھَنِيئاً
لَھُمْ.
وأما عموم الناس والمتوسطين منھم، فھو أفضل مصلح للأخلاق والسلوك وللظاھر والباطن.
إذا عاش الإنسان مع الحق سبحانه وتعالى في جميع الأحوال وكافة المستجدات، وشاھد نفسه أمام الذات
المقدس عزّ شأنه، لأحجم عن الأمور التي تسخط االله، وردع نفسه عن الطغيان. إن المشاكل والمصائب المنبثقة
من النفس الأمارة والشيطان الرجيم قد نشأت عن الغفلة عن ذكر الحق وعذابه وعقابه. إن الغفلة عن الحق
تضاعف كدورة القلب، وتمكّن النفس والشيطان من التحكّم في الإنسان وتسبّب زيادة المفاسد على مرّ الأيام.
126
وأن التذكر للحق جلّ شأنه يبعث على صفاء النفس وصقلھا، ويجعلھا مظھراً للمحبوب ويوجب صفاء الروح
ونقائھا، ويحرّر الإنسان من أغلال الأسر، ويُخرج حب الدنيا الذي ھو رأس الخطايا ومصدر السيئات من القلب،
ويجعل الھموم ھماً واحداً، والقلب نظيفاً وطاھراً لورود صاحبه ـ الحق جلّ وعلا ـ.
فيا أيھا العزيز مھما تتحمل من الصعاب في سبيل الذكر والتذكر للحبيب ـ الحق سبحانه ـ كان ذلك قليلاً. روّض
قلبك على التذكر للمحبوب، لعل االله يجعل صورة القلب، صورة لذكر الحق، وكلمة لا إله إلا االله الطيبة، الصورة
النھائية والكمال الأقصى للنفس، فإنه لا زاد أفضل منه للسلوك إلى االله، ولا مصلح أحسن منه لعيوب النفس، ولا
رفيق أجدى منه في المعارف الإلھية.
فإذا كنت طالباً للكمالات الصورية والمعنوية، وسالكاً لطريق الآخرة ومھاجراً ومسافراً إلى االله، اجعل قلبك
معتاداً على تذكّر المحبوب، واعجن قلبك مع ذكر الحق تبارك وتعالى.
فصل: في بيان أن الذكر التام ھو الذكر البالغ إلى كل أطراف المملكة (جسم الإنسان)
إن ذكر الحق والتذكر لذاته المقدس من صفات القلب، وإن القلب إذا تذكر ترتبت عليه ـ القلب ـ جميع الفوائد
المذكورة للذكر، ولكن الأفضل أن يعقب الذكر القلبي، الذكر اللساني. وإن أفضل وأكمل مراتب الذكر كافّة ھو الذكر
الساري في نشآت مراتب الإنسانية، والجاري على ظاھر الإنسان وباطنه، سرّه وعلنه.
فيكون الحق سبحانه مشھوداً في سرّ الوجود، وتكون الصورة الباطنية للقلب والروح، صورة تذكر المحبوب.
ويطغى على الأعمال القلبية والقالبية ـ الظاھرية ـ التذكر الله سبحانه. وتنفتح الأقاليم السبع الظاھرية، والممالك
الباطنية، على ذكر الحق، وتتسخّر لتذكر الجميل المطلق. بل لو أن حقيقة الذكر تحوّلت إلى صورة باطنية للقلب،
وانفتحت مملكة القلب على يديه ـ الذكر ـ لجرى حكمه في كل الممالك والأقاليم ـ القوى الجسمية الظاھرية
والباطنية ـ ولكانت حركة وسكون العين واللسان واليد والرجل، وأفعال كل القوى والجوارح مع ذكر الحق. ولم تقم ـ
القوى الظاھرية والباطنية في جسم الإنسان ـ بإنجاز ما يخالف الوظائف الشرعية المقررة. فتكون حركاتھا
في جميع أطراف المملكة ـ جسم 293 وسكناتھا مبدوّة ومختومة بذكر الحق، وتَنْفُذُ (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاھَا وَمُرْسَاھَا)
الإنسان بما فيه القوى الظاھرية والباطنية ـ.
وفي النتيجة يتحول الإنسان إلى حقيقة الأسماء والصفات، بل إلى صورة اسم االله الأعظم، ومظھره. وھذه
ھي الغاية القصوى لكمال الإنسان ومنتھى رجاء أھل االله. وكلما حصل انخفاض عن ھذا المستوى الرفيع، وقلّ
نفوذ الذكر ـ في الإنسان ـ انتقص وبنفس النسبة من كمال الإنسان، وأثّر نقصان كل من الظاھر والباطن، في
الآخر، لأن نشآت وجود الإنسان مترابطة ومتأثرة بعضھا ببعض.
ومن ھنا يعلم أن ذكر الحق بالنطق واللسان الذي يعدّ من أقل مراتب الذكر، يكون مجدياً ونافعاً أيضاً لأنه:
أولاً: قام اللسان بوظيفته بواسطة ذكره وإن كان ھذا الذكر قالباً لا روح له.
وثانياً: يمكن أن يصير ھذا الذكر باللسان سبباً لتفتّح لسان القلب أيضاً بعد فترة من المواظبة على ذكر اللسان
والاستمرار عليه بشروطه.
قال شيخنا الكامل العارف الشاه آبادي ـ روحي فداه ـ يجب أن يكون الإنسان الذاكر مثل المعلم الذي يريد أن
يعلم الطفل الصغير الذي لم ينطق بعد الكلمات، حيث يكرر الكلمة، حتى ينفتح لسان الطفل وينطق الكلمة، ثم
نرى المعلم يداعب الطفل ويردد الكلمة بمثل ما سمعھا من الطفل فيزول تعب المعلم وكأن مددا يبلغه من
الطفل. كذلك الذاكر يجب أن يعلم قلبه الذكر إذا لم ينفتح لسانه ـ القلب ـ على الذكر. وسبب تكرار الذكر ھو
انفتاح لسان القلب على الذكر. وآية انفتاحه ـ لسان القلب ـ أن لسان الفم يتبع القلب، فيزول نصب تكرار الذكر
وعنائه. في البدء كان اللسان ذاكرا والقلب استمد الذكر منه، وبعد انفتاح لسان القلب بالذكر، يتبعه لسان الفم،
ويستمد اللسان منه ـ القلب ـ الذكر، أو من الغيب.
293
سورة ھود، آية: 41.
127
ولا بُدَّ من معرفة أن الأعمال الظاھرية الصورية لا تليق بمقام الغيب، ولا تحشر في عالم الملكوت، إلاّ إذا بلغھا
من باطن الروحانية ولُباب القلب مدداً، ووھبھا حياة ملكوتية، ولا يكون ذلك إلاّ بالنفحة الروحية التي ھي بمثابة
الروح والباطن، لصورة خُلوص النية، والنية الخالصة، وبموجبھا يحشر الجسم في عالم الملكوت ويعتبر لائقاً للقبول
في مقام الغيب القدسي. ولھذا أورد في الروايات الشريفة أن قبول الأعمال على قدر توجه القلب. ومع كل ذلك
أيضاً يكون الذكر باللسان محبوباً ومستحباً، ويقود الإنسان في نھاية المطاف إلى الحقيقة. ومن ھذا المنطلق ورد
في الأحاديث الشريفة مدح عظيم للذكر اللساني. وقليلاً ما تجد موضوعاً يشتمل على أحاديث كثيرة مثل موضوع
الذكر. وقد أثنت أيضاً الآيات الكريمة كثيراً على ذكر االله باللسان. وإن كانت ھذه الآيات غالباً ما تتحدث عن الذكر
القلبي أو الذكر مع الروح، ولكن تذكر الحق في كل مرتبة محبوب ومطلوب. ونحن نختم الكلام في ھذا المقام
بعرض بعض الأحاديث الشريفة للتيمّن والتبرك.
فصل: في ذكر بعض الأحاديث في فضل ذكر االله
في الكافي بِسَنَدٍ صَحيح عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ يَسارِ قالَ : قالَ أبُوعَبْدِااللهِ عليه السَّلام: «ما مِنْ مَجْلِسٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ
294 أبْرارٌ وَفُجّارٌ فَيَقُومُونَ عَلى غَيْرِ ذِكْرِ االلهِ عَزَّ وجلَّ إِلاّ كانَ حَسْرَةً عَلَيْھِمْ يَوْمَ القِيامَةِ»
.
من الواضح أن الإنسان عندما تنكشف عليه يوم القيامة، النتائج العظيمة لذكر االله، ويرى نفسه بعيداً عنھا،
ويعلم بأنه قد حرم من نعم كثيرة، ولا يستطيع تداركھا، تستولي عليه الحسرة والندامة. فيجب على الإنسان أن
يغتنم الفرصة ولا يُخلي مجالسه ومحافله من ذكر االله.
الكافي بِسَنَدٍ مُوَثَّقٍ عَنْ أبي جَعْفَرٍ عليه السَّلام: مَنْ أَرادَ أنْ يَكْتالَ بِالْمِكْيالِ فَلْيَقُلْ إذا أرادَ أنْ يَقُومَ مِنْ
295 مَجْلِسِه. {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلينَ * وَالْحَمْدُ لِلِّهِ رَبِّ العالَمينَ}

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 11
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: