{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 9

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 9   الإثنين يناير 08, 2018 2:37 pm

الشرح:
قال بعض بأن المقصود من الناس في أمثال ھذا الحديث الشريف، الكاملون من قبيل الأنبياء والأولياء والأوصياء،
. ولكن لا مرجح لھذا الكلام، بل 226 فإنھم الناس حقاً. وأمّا عامة الناس فھم النسناس كما ورد في الأحاديث
المناسب في المقام إرادة عموم البشر وھو واضح تماماً. ويكون ـ ھذا المعنى ـ مستفاداً من الأحاديث الموجودة
في ھذا الباب من كتاب الكافي. وإذا عثرنا في حديث على كلمة «الناس» وكان المقصود منھا الكاملين، فليس
ذلك مبرراً لإرادة ھذا المعنى من ھذه اللفظة حيثما وردت. إن «البَلاءَ» ھو الاختبار والامتحان، في الحسن والقبح.
كما صرح بذلك أھل اللغة. يقول الجوھري في الصحاح (و البلاء الاختبار يكون بالخير والشر، يقال أبلاه االله بلاءاً
حسناً وابتلاه معروفاً) ويقول الحق المَتعال {بَلاَءً حَسَنًا} (الأنفال/ 17 (وعلى أي حال إن كل ما يمتحن به الحق
جل جلاله عباده يدعى بلاءً أو ابتلاءً سواءً كان بالأمراض والأسقام والفقر والذل وإدبار الدنيا أو بما يقابل ھذه
الأمور، كأن يُختبر بكثرة الجاه والاقتدار والمال والمنال وبالزعامة والعزّة والعظمة.
ولكن متى ما ذكر البلاء أو البلية أو الابتلاء بصورة مطلقة انصرف وانسبق إلى الذھن من اللفظ، البلاء من
القسم الأول. و«أَمْثَلْ» بمعنى أفضل وأشرف يقال: ھذا أمثل من ھذا أي أفضل وأدنى إلى الخير. وأماثل الناس،
222
بحار الأنوار، المجلد 70 ،باب الخوف والرجاء ص355.
223
بحار الأنوار، المجلد 70 ،باب الخوف والرجاء ص355.
224
سورة يونس، آية: 62.
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدّة ابتلاء المؤمن، ح29 (225
226
مرآة العقول ج9 ص321 " كتاب الإيمان والكفر " الحديث 1.
104
خيارھم. فمعنى «ثُمَّ الأَمْثَلْ فَالأَمْثَلُ» ھو أن من كان أفضل وأحسن ـ بعد الأئمة الأوصياء عليھم السلام ـ فبلاؤه
أشدّ من الآخرين. ومَنْ كان ـ من غير الفئة المذكورة ـ أفضل فبلاؤه أكثر من غيره من الناس.
فمراتب الابتلاء على قدر درجات الفضل ـ عند االله سبحانه ـ. ولا يوجد مثل ھذا التعبير ـ الأمثل فالأمثل ـ في
الأدب الفارسي حتى أذكره. والـ «سُخْفَ» ھو ضعف العقل وخفته، كما ورد في الصحاح وغيره من الكتب اللغوية.
والـ «قَرَارَ» ھو المستقر والمكان، كما يستفاد من معاجم اللغة. وفي ـ كتاب ـ قاموس اللغة: «القرار والقرارة ما قُرَّ
فيه والمطمئن من الأرض» ووجه الشبه ـ بين المؤمن التقي وقرار الأرض ـ ھو أن الأرض محل الأمطار ومستقرھا،
حيث تھطل قطرات السماء عليھا وتستقر، وكذلك المؤمن حيث تھجم عليه البلايا، وتستقر عنده ولا تفارقه. ونحن
إن شاء االله سنشرح ما يحتاج إليه الحديث الشريف في غضون فصول عدّة.
فصل: في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفية نسبته إلى الحق المقدس المتعالي
اعلم أن النفوس البشرية منذ ظھورھا وتعلقھا بالأجساد، وھبوطھا إلى عالم المُلُك ـ عالم المادة ـ تكون على
نحو القوّة ـ الأھلية والقابلية ـ تجاه جميع العلوم والمعارف والملكات ـ الحالات الراسخة المتمركزة في الإنسان ـ
الحسنة والسيئة، بل تجاه جميع الإدراكات والفعليّات ـ الحاضرة التي ھي ذات آثار ـ ثم تتدرج بعناية الحق ـ جل
جلاله ـ نحو الفعلية شيئاً فشيئاً، فتبدو أولاً الإدراكات الضعيفة الجزئية مثل حاسة اللمس والحواس الظاھرية
الأخرى الأخسّ فالأخسّ ثم تظھر ثانياً الإدراكات الباطنية متدرجة أيضاً. ولكن الملكات لا تزال موجودة بالقوة، فإن
لم تتأثر بعوامل تفجر فيھا الطاقات الخيرة وتركت لوحدھا لانتصرت الخبائث وتحققت الملكات الفاسدة وانعطفت
نحو القبائح والمساوئ، لأن الدواعي الداخلية الباطنية كالشھوة والغضب وغيرھا يسوقان الإنسان إلى الفجور
والتعدي والظلم وبعد انقياده لھما يتحوّل في فترة قصيرة إلى حيوان عجيب وشيطان غريب. ولما كانت عناية
الحق تعالى ورحمته قد وسعت بني الإنسان في الأزل، جعل لھم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربي
والمھذب، بمثابة جناحين يطير بھما من حضيض الجھل والنقص والقباحة والشقاء إلى أوج العلم والمعرفة والكمال
والجمال والسعادة ويحرر نفسه من ضغط ضيق عالم الطبيعة إلى الفضاء الرحب الملكوتي الأعلى. وھما: المربي
الباطني المتجسد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبح. والمربي الخارجي المتمثل في الأنبياء
والأدلاّء لطرق السعادة والشقاء. وكل منھما لا يؤدي دوره بدون الآخر، إذ أن العقل البشري عاجز عن معرفة طرق
السعادة والشقاء واكتشاف الطريق إلى عالم الغيب، ونشأة الآخرة، كما أن ھداية الأنبياء، وإرشادھم لا تكون
مؤثرة بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز. فالحق ـ تبارك وتعالى ـ منحنا ھذين النوعين من الموجّه لكي نجعل
الطاقات المكتنزة والاستعدادات الكامنة في النفوس تتحرك من القوة إلى الفعلية والظھور. وقد وھبنا الحق
المتعالي ھاتين النعمتين الكبيرتين لنا امتحاناً واختباراً، لأن الإنسان يتميز أفراده بعضھم عن بعض، ويتم الفصل
بين السعيد والشقي والمطيع والعاصي والكامل والناقص كما قال ولي المؤمنين عليه السلام: «وَالَّذي بَعَثَهُ
بِالحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً»227 وفي كتاب الكافي الشريف في باب التمحيص والامتحان عن ابن أبي
يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام: «لاَ بُدَّ للنّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرْبَلُوا وَيُسْتَخْرَج فِي الغِرْبالِ خَلْقٌ
وبِإسْنادِهِ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عبد االله عليه السّلام: «يا مَنْصُورُ إِنَّ ھذَا {الأمْر لا يَأْتيكُمْ إلاّ بَعْدَ 228 كَثيرُ»
229 إياسٍ وَلا وَااللهِ حَتّى تُمَيَّزُوا وَلا وَااللهِ حَتّى تُمَحَّصُوا وَلا وَااللهِ حَتّى يَشْقَى مَنْ يَشْقَى وَيَسْعَدَ مَنْ يَسْعَدُ»
.
وفي كتاب الكافي 230 وفي حديث آخر عن أبي الحسن عليه السلام قال: «يُخَلَّصُونَ كَما يُخَلَّصُ الذَّھَبُ»
الشريف في باب الابتلاء والاختبار بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام قال: «مَا مِنْ قَبْضٍ وَلا بَسْطٍ إلاّ وَاللهِ
وفي حديث آخر عنه عليه السلام قال: «إنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ فيهِ قَبْضٌ أوْ بَسْطٌ مِمّا أمَرَ االلهُ 231 مَشِيئَةٌ وَقَضاءٌ وَابْتِلاءٌ»
نھج البلاغة. خطبة 16) الشيخ صبحي صالح). 227
(أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان، ح2 ،ح3 ،ح4 (228
(أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان، ح2 ،ح 3 ،ح4 229
(أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص والامتحان، ح2 ،ح3 ،ح4 (230
(أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة باب الابتلاء والاختبار، ح1 ،ح2 (231
105
و«القْبْضُ» في اللغة الإمساك والمنع والأخذ، و«البَسْطُ» بمعنى 232 أوْ نَھى عَنْهُ إلاّ وَفِيهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ابْتِلاءٌ وَقَضاءٌ»
النشر والعطاء: فكل عطاء وتوسعة ومنع امتحان للإنسان، كما أن كل أمر ونھي وتكليف يكون للامتحان أيضاً. فإن
بعث الرسل ونشر الكتب السماوية لغربلة الناس، ولفصل الأشقياء عن السعداء، والمطيعين من العاصيين. ومعنى
امتحان الحق المتعالي للناس واختبارھم ھو الفصل الحقيقي الواقعي على صعيد الخارج ـ للناس بعضھم عن
بعض، لا العلم بالفصل، لأن علم الحق جل جلاله أزلي ومتعلق ومحيط بكل شيء قبل إيجاده. والحكماء قد
أسھبوا الحديث في معنى الابتلاء والامتحان، ولا يتناسب نقله في ھذا الكتاب. فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة ـ
ورغم أن الأمرين المذكورين من أھم نتائجه ـ ھو فصل السعيد عن الشقي على صعيد الخارج الواقعي. وتتم في
ھذا الامتحان والتمحيص حجة االله على خلقه أيضاً، وتكون تعاسة وسعادة وھلاك وحياة كل شخص عن حُجّة
وبينة، ولا يبقى لأحد مجال للاعتراض، فمن سعى في طريق السعادة والحياة الأبدية، كان سعيه توفيقاً من االله
وھدايةً له، لأنه سبحانه قد وفر جميع أسباب ھذا السبيل. ومن جدّ في طريق الشقاء ووجه وجّھه نحو الھلاك
ومتابعة الھوى والشيطان مع توفر كل طرق الھداية وأسباب السعادة، فقد اختار بنفسه الھلاك والتعاسة رغم
نھوض الحجَة البالغة للحق تبارك وتعالى على خلاف ما أرتآه {لَھَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْھَا مَا اكْتَسَبَتْ} (البقرة/ 286.(
فصل: في بيان فلسفة شدّة ابتلاء الأنبياء والأوصياء والمؤمنين
اعلم وقد سبق منا الحديث بأن كل عمل يصدر من الإنسان، بل كل ما يقع منه في عالم مُلك الجسم، وكان
مدرَكاً للنفس، يترك أثراً لدى النفس، من دون فرق بين الأعمال الحسنة أو السيئة، ومن دون فرق بين أن يكون
بنقطة بيضاء ونقطة سوداء فمثلاً: إن كل 233 العمل من نوع الأفراح أو نوع الأتراح. وقد عُبّر عن ھذا الأثر في الأخبار
لذة مما يلتذ الإنسان به من المطعومات أو المشروبات أو المنكوحات أو غيرھا، يترك أثراً في النفس، ويحصل تعلقاً
ومحبة في عمق الروح تجاھه ـ الشيء الذي تمتع فيه ـ ويزداد توجه النفس إليه. وكلما توغل في اللذائذ
والمشتھيات أكثر، ازداد تعلق النفس وحبّھاً لھذا العالم أكثر. وغدا ركونه واعتماده على ھذا العالم أكبر، فتتربى
النفس وترتاض على التعلق بالدنيا. وكلما كانت المتع في ذائقته أحلى، كانت جذور محبّة الدنيا في قلبه أكثر.
وكلما توفرت وسائل العيش والعشرة والراحة بشكل أوفى، أصبحت دوحة التعلق بالدنيا أقوى وكلما أقبلت النفس
على الدنيا أكثر، كلما كانت غفلته عن الحق وعالم الآخرة أكثر. فإن نفس الإنسان إذا ركنت إلى الدنيا كلياً وصار
توجھھا مادياً ودنيوياً، انصرف عن الحق المتعال ودار الكرامة نھائياً و{أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ ھَوَاهُ} (الأعراف/176.(
فالانھماك في بحر اللذائذ والمشتھيات يصرف الإنسان إلى حب الدنيا من دون اختيار، وحب الدنيا يوجب النفور
عن غيرھا، والإقبال على المُلُك ـ الماديات ـ يسبب الغفلة عن الملكوت ـ عالم الغيب ـ. وكذلك العكس فلو أن
الإنسان استاء من شيء وشعر ببشاعته، استدعت صورة ذلك الشيء الكراھية والنفور، وكلما كانت تلك الصورة
في النفس أقوى كان النفور والانزجار منھا أكثر. فمثلاً: إذا دخل شخص على بلد وابتلى بأسقام وآلام فيه وعانا
من ورائه مشاكل داخلية وخارجية لكرھه وتنفّر منه وكلما كانت معاناته أكثر كان ھروبه ونفوره منه أكثر وإذا وجد
مدينة أفضل منه لأقبل عليھا وإن لم يستطع التحرك نحوھا، لاشتاق إليھا وتوجّه قلبه نحوھا. فالإنسان إذا عاش
ھموم الدنيا وآلامھا وأسقامھا ومشاكلھا وعنائھا وشعر بأن أمواج الفتن والمحن تزحف نحوه، خفّ تعلقه بھا ـ أي
الدنيا ـ وقل ركونه إليھا ونفر قلبه منھا. وإذا اعتقد بوجود عالم آخر، وفضاء رحب فارغ من جميع أنواع الشقاء
والتعاسة، ارتحل إليه. وإذا لم يتمكن من السفر بجسمه لذھب بروحه وبعث بقلبه إلى ذلك العالم. وواضح جداً أن
المفاسد الروحية والخلقية والسلوكية بأسرھا تنجم عن حب الدنيا والغفلة عن االله سبحانه وعالم الآخرة، وإن
234 حبّ الدنيا رأس كل خطيئة
.
(أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الابتلاء والاختبار، ح 1 ،ح2 (232
عن زرارة عن أبي جعفر " ع " قال: " ما من عبد إلا وفي قلبه نقطعة بيضاء فإذا اذنب خرج في النقطة نقطة سوداء فإن تاب ذھب ذلك 233
السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض, فإذا تغطى البياض لم يرجع إلى صاحبه إلى خير أبداً ". أصول الكافي, ج2
234 ص273 " كتاب الإيمان والكفر, باب الذنوب " الحديث 20.
إشارة للحديث المنقول عن علي بن الحسين " ع " : " حب الدنيا رأس كل خطيئة " أصول الكافي, ج2 ص131 " كتاب الإيمان والكفر,
باب ذم الدنيا والزھد فيھا " الحديث 11.
106
في حين أن الصلاح الروحي والخلقي والسلوكي ينبعث من التوجه نحو الحق، ودار الكرامة ـ عالم الآخرة ـ
ومن اللامبالاة بالدنيا وعدم الانبھار بزخارفھا. إذاً، علمنا من ھذا التمھيد بأن لطف الحق تبارك وتعالى وعنايته كلما
شملت لشخص أكثر، ووسعته رحمة الذات المقدسة بصورة أوفى، كلما أبعد سبحانه عن ھذا العالم وزخرفه أكثر،
ودفع عنه أمواج المحن والفتن أكثر، حتى تنقلع رغبته في الدنيا وزركشتھا، ووجه وجَّھه حسب مستوى إيمانه
إلى عالم الآخرة وارتبطت روحه بذلك العالم. وإن لم تكن جدوى من احتمال شدائد المحن إلاّ ھذه الجھة ـ الانزجار
والإعراض عن الدنيا والإقبال نحو الآخرة ـ لوحدھا، لكفى. وفي الأحاديث الشريفة إشارة إلى ھذا المعنى: محمّدُ
بْنِ يَعْقُوب بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قالَ: «إنَّ االله تَعالَى لَيَتَعاھَدَ المؤمِنَ بالْبَلاءِ كَما يَتَعاھَدُ الرَّجُلُ أھْلَهُ
ونقل ھذا المعنى في حديث آخر. ولا يحسبن 235 بِالھَدِيَّةَ مِنَ الغَيبَةِ وَيحْمِيهِ الدُّنْيا كَما يَحْمِي الطَّبيبُ الْمَريضَ»
أحد إن محبة الحق وشدة عناية ذاته الأقدس، لبعض عباده جزاف ومن دون جھة ـ والعياذ باالله ـ بل كل خطوة
. إن مَثَلَ الإيمان وتوفير 236 يخطوھا مؤمن وعبد من عباده، غمرته رحمة الحق المتعالي وأقبل على عبده قدر ذراع
بواعث التوفيق، مَثَلُ إنسان قد حمل مصباحاً وسلك طريقاً مظلماً فكلما تقدم خطوة، أضاء أمامه واھتدى للخطوة
اللاحقة. فكلما رفع الإنسان قدماً نحو عالم الآخرة، اتضح السبيل أكثر، وغمرته عنايات الحق بصورة أكبر، وتوفرت
عوامل التوجه إلى عالم القرب ـ الآخرة ـ والانزعاج عن عالم البعد ـ الدنيا ـ. والعنايات الأزلية للحق المتعالي إنما
تسع الأنبياء والأولياء لعلمه ـ سبحانه ـ الأزلي بطاعتھم أيام التكليف. كما أنكم لو علمتم أيام طفولة ولديكم بأن
أحدھما سيطيعكم ويسعى في تأمين رضاكم وثانيھما يبعث على سخطكم وامتعاضكم، فمن المعلوم أن ألطافكم
ستشمل المطيع أكثر من الثاني منذ الأيام الأولى. ومن فوائد شدّة ابتلاء الخواص من العباد، أن ھؤلاء من خلال
المحن والمعاناة يذكرون الحق ويناجونه.
ويتضرّعون على أعتابه المقدسة في ساحة ذاته الأقدس ويعيشون مع ذكره وفكره. ومن الطبيعي أن نوع بني
الإنسان يتشبث حين الشدة بكل ما يرجو فيه النجاة، وعند الرخاء والراحة يغفل عنه. ولما كان الخواص من العباد،
لا يعرفون ملجأً إلاّ الحق، توجھوا نحوه، وانقطعوا إلى مقامه المقدس، وإن الحق المتعال يوفر لھم سبب الانقطاع
إليه من خلال عنايته الخاصة بھم. ولا تستساغ ھذه الفائدة ـ من الابتلاء ـ وحتى الفائدة السابقة، لدى الأنبياء
والأولياء الكُمَّلين، لتنزّه مقامھم الشامخ عن ذلك، وعدم انعطاف قلوبھم تجاه الدنيا، ولا تتبدل في الانقطاع إلى
الحق من جراء تغيّر الأحوال. ويمكن أن يكون إيثار الأنبياء والأولياء للفقر على الغنى، والابتلاء على الراحة،
والمعاناة على غيرھا نتيجة أنھم وقفوا من خلال النور الباطني والمكاشفات الروحانية على أن الحق المتعالي لا
ينظر بعين اللطف إلى ھذا العالم ولا إلى زخارفه، ولا يكون للدنيا وما فيھا موقع أمام ساحته المقدسة إلاّ الذل
. ففي الحديث أن جبرائيل قد نزل على رسول االله صلّى االله 237 والھوان. والأحاديث الشريفة شاھدة على ذلك
عليه وأله وسلم ومعه مفاتيح خزائن الأرض وقال لو اخترتھا لما ھبط من درجاتك الأخروية، شيء أبدا. ولكن رسول
. وفي الكافي الشريف 238 االله صلّى االله عليه وأله وسلم قد امتنع عن القبول تواضعا للحق سبحانه، فاختار الفقر
في حديث بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنَّ الكَافِرَ لَيَھُونُ عَلَى االلهِ لَوْ سَأَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فيھا أَعْطَاهُ
. وفي حديث أن الحق جل وعلا منذ أن خلق 239 وذلك من جرّاء ھوان الدنيا في عين الحق الكبير المتعالي ذلِكَ»
العالم المادي لم ينظر إليه نظرة لطف وعناية. ومن فوائد شدة ابتلاء المؤمنين حسب ما أشير إليھا في الأخبار،
أن لھم درجات لا ينالونھا إلاّ من وراء المصائب والأسقام والآلام. ويحتمل أن تكون ھذه الفوائد صورة ـ غيبية ـ
للإعراض عن الدنيا والإقبال على الحق المتعالي. ويمكن أن تكون صورة ملكوتية لھذه المحن حيث لا تبلغ إلاّ بعد
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح17 (235
236
ورد في الحديث القدسي " من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً " بحار الأنوار, ج3 ص313 " كتاب التوحيد " الباب 14 .كنز العمال ج1,
نھج البلاغة, الخطبة 192 ص285 " الخطبة القاصعة " الشيخ صبحي الصالح ". 237 ص225 الحديث 135.
إشارة للحديث " وھبط مع جبريل ملك لم يطأ الأرض قط, معه مفاتيخ خزائن الأرض فقال: يا محمد إن ربك يقرئسك السلام ويقول ھذه 238
مفاتيح خزائن الأرض, فإن شئت فكن نبياً عبداً وان شئت فكن نبياً ملكاً, فاشار إليه جبرئيل " ع " أن تواضع يا محمد فقال: بل اكون نبياً عبداً
ثمك صعد إلى السماء " آمالي الصدوق, المجلس 69 الحديث 3.
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح 28 (239
107
حصولھا ـ البليّات ـ في عالم المُلك وابتلاء الإنسان بھا، كما ورد في الحديث الشريف المأثور في الكافي بسنده
إلى الإمام الصادق عليه السلام قال: «إِنَّهُ لَيَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةُ عِنْدَ االلهِ فَمَا يَنالُھا إلاّ بِإِحْدَى الخَصْلَتَيْنِ إمّا بِذَھابِ
. وفي رواية شھادة الإمام أبي عبد االله الحسين عليه السلام أنه رأى جده رسول االله 240 مالِ أوْ بِبَلِيَّةٍ في جَسَدِهِ»
ومن المعلوم أن 241 صلّى االله عليه وآله وسلم في المنام وأخبره بـ {أَنَّ لَكَ دَرَجَةً فِي الجَنَّةِ لاَ تَنَالُھَا إلاّ بِالشَّھَادَةِ}
الصورة الملكوتية للشھادة في سبيل االله لم تحصل إلاّ بعد وقوع الشھادة في عالم الملك ـ عالمنا الحاضر ـ كما
242 برھن على ذلك في العلوم العالية. وورد في الأخبار المذكورة أن لكل عمل في ھذا العالم صورة في عالم آخر
.
وفي الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «إِنَّ عَظيمَ الأَجْرِ لَمَعَ عَظيمِ البلاءِ وَما أحَبَّ االلهُ قَوْماً إلاّ
243 ابْتَلاھُمْ»
.
فصل: الأنبياء مبرؤون من العيوب الجسدية
يقول المحدث الكبير المجلسي ـ عليه الرحمة ـ (في ھذه الأحاديث ـ أحاديث ابتلاء الأنبياء ـ الواردة من طرق
الخاصة والعامة، دلالة واضحة على أن الأنبياء والأوصياء عليھم السلام في الأمراض الحسية والبلايا الجسمية
كغيرھم بل ھم أولى بھا من الغير تعظيماً لأجرھم الذي يوجب التفاضل في الدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتھم بل
ھو تثبيت لأمرھم وأنھم بشر إذ لو لم يصبھم ما أصاب سائر البشر مع ما يظھر في أيديھم من خرق العادة لقيل
. وقال المحقق المدقق الطوسي والحكيم العظيم القدوسي 244 فيھم ما قالت النصارى في نبيھم) انتھى
ـ عطّر 245
246 االله مرقده ـ في كتاب التجريد في بحث ما يجب كونه في كل نبي (... وكلما ينفر عنه الخلق... )
.
وقال علامة علماء الإسلام ـ رضوان االله عليه ـ في شرح ھذه الجملة: (وأن يكون منزھاً عن الأمراض المنفّرة
. يقول 247 نحو الأُنبَة وسلس الريح والجذام والبرص لأن ذلك كله مما ينفر عنه فيكون منافياً للغرض من البعثة)
الكاتب: إن درجة النبوة وإن كانت تابعة للكمالات النفسية والدرجات الروحانية، ولا علاقة لھا بالجسم. وأن النقائص
الجسمانية وأمراضھا لا تسيء إلى [280 [المقام الروحاني للأنبياء. وأن الأمراض المنفرة لا تقلل شيئاً من علو
شأنھم وعظمة رتبتھم، إن لم تؤكد كمالاتھم وتدعم درجاتھم، كما أشير إليھا. ولكن ما ألمح إليه المحققان لا
يخلو عن وجه، لأن عوام الناس لا يفرقون بين المقامات ـ الجسمية والروحية ـ ويحسبون أن النقص الجسماني
نتيجة النقص الروحاني أو ملازم له، ويعتبرون أن من عناية الحق سبحانه أن لا يصيب الأنبياء أصحاب الشريعة
والمبعوثين بالرسالة، بأمراض تسبب نفرة الطباع واستيحاش الناس.
فعدم ابتلائھم لا يكون نتيجة أن ھذه المصائب والبلايا تحط من مقام النبوة، بل لأجل فائدة ھي إكمال التبليغ
والإرشاد. وعليه لا مانع من ابتلاء بعض الأنبياء الذين لم يحظوا بالشريعة، وابتلاء الأولياء الكبار والمؤمنين بمثل
ھذه المحن. كما أن النبي أيوب والمؤمن حبيب النجار مبتليين. وقد وردت أحاديث كثيرة في ابتلاء النبي أيوب
عليه السلام:
فمن ذلك ما روي عن تفسير علي بن إبراھيم، عن أبي بصير، عن أبي عبد االله عليه السلام في حديث طويل
قال: «فَسَلَّطَهُ عَلى بَدَنِهِ ما خَلا عَقْلَهُ وَعَيْنَيْهِ فَنَفَخَ فِيهِ إبْلِيسُ فَصارَ قُرْحَةً واحِدَةً مِنْ قَرْنِه إِلى قَدَمِهِ فَبَقِيَ في
ذلِكَ دَھْرَاً طَويلاً يَحْمَدُ االلهَ وَيَشْكُرُهُ حَتّى وَقَعَ في بَدَنِهِ الدُّودُ وَكانَتْ تَخْرُجُ مِنْ بَدَنِهِ فَيَرُدُّھا وَيَقُولُ لَھا ارْجِعي إلى
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمـن، ح23 وح3 (240
(بحار الأنوار، المجلد 67 ،ص250 (241
إشكما ورد في حديث " المعراج " عن الإمام الصادق " ع " أن رسول االله " ص " قال: فإذا أنا بقوم بين أيديھم موائد من لحم طيب 242
ولحم خبيث, وھم يأكلون الخبيث ويدعون الكيب, فسألت جبرئيل من ھؤلاء فقال: الذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال من أمتك, قال: ثم مررت
بأقوام لھم مشاخر كمشاھر الابل يقرض اللحم من اجسامھم ويُلقى في أفواھھم, فقلت: من ھؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: ھم الھمازون اللمازون
ثم مررت بأقوام ترضخ وجوھھم وصخورھم بالصخر, فقلت: من ھؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: الذين يتركون صلاة العشاء.
بحار الأنوار , ج6 ص239 " كتاب العدل والمعاد, باب احوال البرزخ والقبر وعذابه وسؤاله ". وكذلك جاء في علم اليقين ج3 ص884 " المقصد
الرابع " الباب 3.
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح23 وح3 (243
(بحار الأنوار، المجلد67 ،ص250 (244
محمد بن حسن الطوسي المعروف بال ـ " خواجة نصير " والمحقق الطوسي " (597ـ672 (من مشاھير حكماء وعلماء الإسلام ومن 245
المتبحرين في الفلسفة والكلام والرياضيات والھيئة, من تلامذته: العلامة الحلي, قطب الدين الشيرازي والسيد عبد الكريم بن طاووس وصل
الينا من مصنفاته وآثاره: شرح الاشارات, تحرير أقليدس, تحرير المجسطي, أخلاق ناصري.
(بحار الأنوار، المجلد67 ،ص250 (246
247
كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد , ص218 " المقصد الرابع في وجود العصمة.
108
مَوْضِعِكِ الَّذي خَلَقَكِ االلهُ مِنْهُ وَنَتَنَ حَتّى أخْرَجَهُ أھْلُ القَرْيَةِ مِنَ القَرْيَةِ وَألْقوْهُ في المَزْبَلَةِ خارِجَ القَرْيَةِ» (بحر الأنوار،
ح12 ،ص 342 .(وفي الكافي بإسْنَادِهِ عَنْ أبي بَصيرٍ، عَنْ أبي عَبْدِ االله عليه السلام قالَ: «قُلْتُ لَهُ: فَإذا قَرَأْتَ
القرآنَ فَاستَعِذْ بِااللهِ مِنَ الشَّيْطان الرَّجيمِ * إنّه ليسَ لَهُ سُلْطانٌ على الّذين آمنوا وعَلى رَبِّھِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَال: «يا
أَبَا مُحَمَّدٍ يُسَلَّطُ وَااللهِ مِنَ المُؤْمِنِ عَلى بَدَنِهِ وَلا يُسَلَّطُ عَلى دِينِه، قَدْ سُلِّطَ عَلى أيُّوبَ فَشَوِّهَ خَلْقَهُ وَلَمْ يُسَلَّطْ
عَلى دِينِه وَقَدْ يُسَلَّطْ مِنَ المُؤْمِنينَ عَلى أَبْدانِھِمْ وَلا يُسَلَّطُ عَلى دِينِھِم» (روضة الكافي ص 288 ح 433(
وبِإسْنادِهِ عَنْ نَاجيَةَ قَالَ: «قُلْتُ لأبي جَعْفَرٍ عليه السلام: إنَّ المُغيرَةَ يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنَ لا يُبْتَلى بِالْجُذام وَلا باِلبَرَص
وَلا بكَذا ولاَ بِكَذا، فَقالَ: إنْ كانَ لَغافِلاً عَنْ صاحِبِ ياسِينَ إنَّهُ كانَ مُكَنَّعاً ـ ثُمَّ رَدَّ أصابِعَهُ فَقالَ: كَأنّي أنْظُرُ إلى
تَكْنِيعِه، أتاھُمْ فَأَنْذَرھُمْ ثُمَّ عادَ إِلَيْھمْ مِنَ الغَدِ، فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ المُؤْمِنَ يُبْتَلى بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَيَمُوتُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ إلاّ أنَّهُ
إن «صاحب ياسين» ھو حبيب النجار و«التكنيع» مع النون كما ھو في أكثر النسخ بمعنى 248 لا يَقْتُلُ نَفْسَهُ»
التشنج والمُثلة كما في البحار.
وفي ھذا الكلام تأمل. ويستفاد من ھذه الأحاديث 249 قال المجلسي «كأنّه كان الجذام سبباً لتكنيع أصابعه»
والروايات الأخرى أن الأنبياء والمؤمنين قد يصابون بأمراض منفرة لأجل بعض المصالح. وتقابل ھذه الأخبار، أحاديث
أخرى تنفي تشويه جسم النبي أيوب عليه السلام بسبب الأمراض، وانبعاث الرائحة الكريھة من جسده
. ولا جدوى في الجمع بين ھذه الروايات وإطالة البحث فيھا. وملخص الحديث أن مثل ھذه الأمراض لا 250 المبارك
تسيء إلى المؤمنين ولا تعدّ نقصاً لھم ولا للأنبياء عليھم السلام بل تبعث على رفعة درجتھم وعلو شأنھم واالله
تعالى أعلم بالصوّاب.
فصل: في بيان أن الدنيا ليست محلا لثواب الحق المتعالي وعقابه
اعلم أن ھذا العالم الدنيوي لما فيه من النقص والقصور والضعف لا يكون دار كرامة ولا محلاً لثواب الحق
سبحانه ولا محلا? لعذابه وعقابه، لأن دار كرامة الحق عز وجل عالم تكون نعمه خالصة وغير مشوبة بالنقم، وراحته
غير مخلوطة بالشقاء والتعب، ومثل ھذه النعم غير متوفرة في ھذا العالم، لأنه دار التزاحم والصراع. وإن كل نعمة
من نعم ھذا العالم محفوفة بأنواع من العذاب والآلام والمحن. بل قال الحكماء أن لذّات ھذا العالم ھي دفع للآلام
ونستطيع أن نقول إن لذّاته تبعث على الآلام لأن إثر كل لذّة، شقاء ونصب وألم، بل إن مادة ھذا العالم تتمرّد على
قبول الرحمة الخالصة والنعمة المحضة غير المشوبة بالمكاره. وھكذا العذاب والشقاء والألم والتعب في ھذا العالم
لا يكون خالصاً، بل يكون كل ألم وتعب محفوفاً بنعمة أو نعم، وكل واحد من الآلام والأسقام والشقاء والمحن في
ھذا العالم لا يكون محضاً وغير مشوب بنعمة ورحمة: فإن مادّة ھذا العالم تتمرّد على قبول العذاب الخالص
المطلق. إن دار عذاب الحق سبحانه ودار عقابه، دار فيھا العذاب المحض والعقاب الخالص، وأن آلامھا وأسقامھا لا
تضاھى بآلام وأسقام ھذا العالم كأن يمس العذاب عضواً دون عضو، أو يكون عضو سالماً وفي راحة والآخر في
تعب وشقاء. وقد أشير إلى بعض ما ذكرنا في الحديث الشريف الذي شرحناه عندما يقول: «وَذِلكَ ـ السبب في
ابتلاء المؤمن بالبليات ـ أنَّ االلهَ لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيا ثَواباً لِمُؤْمِنٍ وَلا عُقُوبَةً لِكافِرٍ» ھنا ـ عالم الدنيا ـ دار تكليف، ومزرعة
الآخرة، وعالم الكسب. وھناك ـ عالم الآخرة ـ دار جزاء ومكافأة وثواب وعقاب. إن الذين يتوقعون من الحق سبحانه
أن ينتقم في ھذا العالم من كل مرتكب معصية أو فاحشة أو جور أو اعتداء، بأن يضع ـ عز وجل ـ حدّاً له، فيقطع
يده ويقلع العاصي من الوجود إنھم غافلون بأن مثل ھذا العقاب خلاف النظم والسُّنَّة الإِلھية التي أقرّھا االله
سبحانه. إن ھذه الدار، دار امتحان وتفريق بين الشقي والسعيد والمطيع والعاصي، وعالم ظھور الفعاليات وليس
بدار تبيّن نتائج الأعمال والملكات. وإذا انتقم الحق المتعالي من ظالم نادراً، لأمكننا القول بأن عناية الحق عز وجل
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح12 (248
(بحار الأنوار، المجلد 67 ص 250 (249
روى عن الإمام الصادق " ع " عن أبيه الباقر " ع " أن ايوب ابتلى سبع سنين من غير ذنب وان الأنبياء لا يذنبون لانھم معصومون 250
مطھرون لا يذنبون ولا يزيفون ولا يرتكبون نباً صغيراً أو كبيراً. وقال " ع " أن ايوب من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة, ولات قبحت له صورة,
ولا خرجت منه مدة من دم ولا قبح ولا استقذره احد رآه, ولا استوحش منه احد شاھده ولا ندود شيء من جسده وھكذا يصنع االله عز وجمل
بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه وإنما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاھر امره لجھلھم بما له عند ربه تعالى ذكره من
التأييد والفرج ".
109
شملته. وإذا ترك أھل الموبقات والظلم في ضلالھم وغيّھم، كان ذلك استدراجاً. كما يقول االله سبحانه:
{سَنَسْتَدْرِجُھُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَھُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} (القلم/ 44ـ45 .(ويقول: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَھُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِھِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَھُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَھُمْ عَذَابٌ مُھِينٌ} (آل عمران/178 .(وفي مجمع
البيان عن الصادق عليه السلام أنه قال: «إِذا أحْدَثَ الْعَبْدُ ذَنْباً جُدِّدَ لَهُ نِعْمَةٌ فَيَدَعُ الاستغفارَ فَھُوَ الاستدراجُ»
(مجمع البيان، المجلد الخامس، ص 340.(
فصل: أن شدة المعاناة الروحية توازي شدة الإدراك
يظھر من نھاية الحديث الشريف ـ المذكور في بداية الموضوع ـ «وَمَنْ سَخُفَ دينُه وَضَعُفَ عَقْلَهُ، قَلَّ بَلاؤُهُ» إن
البليّة تعمّ الجسمانية والروحانية، فإن الأشخاص الضعاف في عقولھم وإدراكھم في أمان من المعاناة الروحية
والانزعاجات العقلية، على خلاف من يتمتع بالعقل الكامل والإدراك الحذق، حيث تزداد معاناته ومصائبه. ومن
المحتمل أن يعود إلى ھذا المعنى كلام الرسول صلّى االله عليه وأله وسلم القائل: «مَا أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ مَا أوذيتُ»
(الجامع الصغير، المجلد الثاني، ص 144 (لأن كل من يدرك جلال الربّ وعظمته أكثر، ويقف على المقام المقدس
للحق جل وعلا بشكل أعمق، يتألم ويتعذّب من جراء عصيان العباد وھتكھم للحرمة أكثر. وأيضاً كل من كانت
رحمته وعنايته وشفقته على عباد االله أكثر، تأذَّى من اعوجاج العباد وشقائھم أكثر. وقطعاً كان خاتم النبيين صلّى
االله عليه وأله وسلم في كل ھذه المقامات والمنازل الكمالية، أكمل من جميع النبيين والأولياء وبني الإنسان
فتكون محنه وآلامه أعمق. وأيضاً ھناك توجيه آخر ـ لكلام الرسول صلّى االله عليه وأله وسلم ـ لا يتناسب مع ھذا
المقام. واالله العالم ولَهُ الحمد.
الحَديث السَادسِ عشَر: الصَّبر
بِأسَانِيدِنَا المُتَّصِلَةِ إِلى ثِقَةِ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ، فَخْرِ الطَائِفَةِ الحَقَّةِ وَمُقَدَّمِھِمْ مُحَمَّد بْنِ يَعْقُوبَ الكُلَيْنِيّ ـ
رضي االله عنه ـ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعمانِ، عَنْ عَبْدِ االلهِ
بْنِ مَسْكانَ، عَنْ أَبِي بَصِير قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ االلهِ عليه السّلام يَقُولُ: إنَّ الحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، إِنْ نَابَتْهُ
نَائِبَةٌ صَبَرَ لَھَا، وَإِنْ تَدَاكَّتْ عَلَيْهِ المَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ، وَإِنْ أُسِرَ وَقُھِرَ، وَاسْتُبْدِلَ بِاليُسْر عُسْراً، كَمَا كَانَ يُوسُفُ
الصِّدّيقُ الأمينُ لَمْ يُضْرِرْ حُرِيَّتَهُ أَنِ استُعْبِدَ وَقَھُرَ، وَأُسِرَ وَلَمْ تُضْرِرْهُ ظُلْمَةُ الجُبِّ وَوَحْشَتُهُ وَمَا نَالَهُ أنْ مَنَّ االلهُ عَلَيْهِ
فَجَعَلَ الجَبَّارَ العَاتِيَ لَهَ عَبْداً بَعْدَ إِذْ كَانِ [ لَهُ ] مَالِكاً، فَأَرْسَلَهُ وَرَحِمَ بِهِ أُمَّةً وَكَذلِكَ الصَّبْرُ يُعَقِّبُ خَيْراً فَاصْبِرُوا وَوَطِّنُوا
251 أنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ تُؤجَرُوا»
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 9   الإثنين يناير 08, 2018 2:38 pm

الشرح:
إن الـ «نَائِبَةُ» مفرد وجمعھا نوائب وھي الحوادث والكوارث النازلة. وفي الصحاح أنھا المصيبة. و«دَكَّ» بمعنى
دقّ. وفي الصحاح: (وقد دككت الشيء أدكَّه دكاً إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالأرض. انتھى). وتداكّت عليه
أي تداقت واستعملت أيضاً بمعنى الاجتماع والازدحام. كما نقل عن كتاب «النھاية» حديثاً عن الإمام أمير
أي ازدحمتم. ونقل عن النھاية أيضاً 252 المؤمنين عليه السلام «ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكُكُ الإِبِلِ الھيم عَلَى حِيَاضِھَا»
أن أصل دكَّ بمعنى الكسر وأن استعماله في ھذا الحديث بالمعنى الأول ـ الاجتماع ـ أنسب لمكان «لم تكسره»
وان كان المعنى الثاني ـ الكسر ـ أيضاً مناسباً.
رحمه 253 وكلمة (إن) في «وَإِنْ أُسِرَ» وصلية وقوله «وَقَھَرَ وَاسْتَبْدَلَ» معطوفان على «أُسر». وقال المجلسي
االله أن في بعض النسخ «واستبدل بالعسر يسراً» ـ بتقديم العسر على اليسر ـ وعليه تكون جملة (واستبدل)
معطوفة على «لَمْ تَكْسِرْهُ» فيتبين بذلك منتھى الصبر.
وجملة «أَن اسْتُعْبِدَ» مبني على المفعول وفاعل لقوله «لم يضرر». وفي نسخة مرآة العقول «استبعد»
. وفي كتاب وسائل الشيعة «استعبد» بتقديم العين على الباء 254 بتقديم الباء على العين المھملة
، ولكن 255
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 6 (251
252
نھج البلاغة, الخطبة 229 " صبحي الصلاح " , وكذلك في النھاية لأبن الاثير, ج2 ص128.
253
الحديث 1 ,ص23 الھامش 3.
110
المظنون أن نسخة مرآة العقول من سھو الكاتب وان كان معناه ـ استبعد ـ لا يخلو عن الصحة. ولكن المناسب مع
المقام ومع الحديث الشريف ھو ما ورد في نسخة وسائل الشيعة. وقوله «وَمَا نَالَهُ» معطوف على ظلمة الجُبّ
أي لم يضرره ما ناله من إخوته ومن ظلمة الجُبّ والوحشة والبليّات. وقوله «أن مَنَّ االله» الأظھر أنه بتقدير إلى ـ
حرف الجر ـ ومتعلق بـ «لم تضرر» (فالظرف متعلق بلم يُضرر في الموضعين ـ ما ناله وأن استعبد ـ على سبيل
. وأورد المرحوم المجلسي احتمالات كثيرة في ذلك ـ أن منّ االله ولم تُضرر ـ لا يخلو ذكرھا عن 256 التنازع)
257 التطويل
. والمقصود من قوله «عبداً بعد إذ كان مالكاً» أنه أطاعه.
فصل: في بيان أن أسر الشھوة مصدرٌ لكل أسر
اعلم أن الإنسان إذا أصبح مقھوراً لھيمنة الشھوة والميول النفسية، كان رقُّه وعبوديته وذلته بقدر مقھوريته
لتلك السلطات الحاكمة عليه، ومعنى العبودية لشخص ھو الخضوع التام له وإطاعته. والإنسان المطيع للشھوات
المقھور للنفس الأمارة يكون عبداً منقاداً لھا. وكلما توحي ھذه السلطات بشيء أطاعھا الإنسان في منتھى
الخضوع، ويغدو عبداً خاضعاً ومطيعاً أمام تلك القوى الحاكمة، ويبلغ الأمر إلى مستوىً يفضّل طاعتھا على طاعة
خالق السماوات والأرض، وعبوديتھا على عبودية مالك الملوك الحقيقي، وفي ھذا الحال تزول عن نفسه العزة
والكرامة والحرية ويحل محلّھا الذل والھوان والعبودية، ويخضع لأھل الدنيا، وينحني قلبه أمامھما وأمام ذوي الجاه
والحشمة، ويتحمل لأجل البلوغ إلى شھواته النفسية الذل والمنّة، ويستسيغ لأجل الترفيه عن البطن والفرج
الھوان، ولا يتضايق من اقتراف ما فيه خلاف الشرف والفتوة والحرية عندما يكون أسيراً لھوى النفس والشھوة.
وينقلب إلى أداة طيّعة أمام كل صالح وطالح، ويقبل امتنان كل وضيع عنده لمجرد احتمال نيل ما يبتغيه حتى إذا
كان ذلك الشخص أحط وأتفه إنسان، وذلك الاحتمال موھوماً، حيث يزعمون أن الوھم في دائرة الأطماع حجة. إن
عبيد الدنيا وعبيد الرغبات الذاتية، والذين رسن عبودية الميول النفسية في رقابھم، يعبدون كل من يعلمون أن
لديه الدنيا أو يحتملون أنه من ذوي الدنيا، ويخضعون له، وإذا تحدثوا عن التعفف وكبر النفس كان حديثھم تدليساً
محضاً، وأن أعمالھم أقوالھم تكذّب حديثھم عن عفة النفس ومناعتھا. وھذا الأسر والرق من الأمور التي تجعل
الإنسان دائماً في المذلّة والعذاب والنَصَب. ويجب على الإنسان ذي النبل والكرامة أن يلتجأ إلى كل وسيلة
لتطھير نفسه منھا. ويتم التطھير من ھذه القذارات، والتحرير من كل خفّة وھوان، بمعالجة النفس، وھي لا تكون
إلاّ بواسطة العلم والعمل الناجع. أما العمل فيكون بالرياضة الشرعية وبمخالفة النفس فترة يتم فيھا الوازع للنفس
تجاه حبھا المفرط للدنيا والشھوات والأھواء حتى تتعوّد النفس على الخيرات والكمالات. وأما العلم فيتم بتلقين
النفس وإبلاغ القلب: بأن الناس الآخرين يضاھونه في الفقر والضعف والحاجة والعجز، وأنھم يشبھونه أيضاً في
الاحتياج إلى الغنيّ المطلق القادر على جميع الأمور الجزئية والكلية، وأنھم غير قادرين على إنجاز حاجة أحد أبداً،
وأنھم أتفه من أن تنعطف النفس إليھم، ويخشع القلب أمامھم، وان القادر الذي منحھم العزة والشرف والمال
والوجاھة، قادر على المنح لكل أحد. ومن العار حقيقة على الإنسان أن يتذلّل وينحطّ في سبيل بطنه وشھوته،
ويتحمل الامتنان من مخلوق فقير ذليل لا حول له ولا علم ولا وعي. إذا أردت ـ أيھا الإنسان ـ أن تقبل المنّة فلتكن
من الغني المطلق وخالق السماوات والأرض، فإنك إذا وجھت وجھك إلى الذات المقدسة، وخشع في محضره
قلبك تحرّرت من العالَمين ـ ما سوى االله ـ وخلعت من رقبتك طوق العبودية. «العُبُوديَّةُ جَوْھَرَةٌ كُنْھُھَا الرُبُوبِيَّةُ»
(مصباح الشريعة، الباب المائة، في حقيقة العبودية). ونتيجةً لعبودية الحق والانتباه إلى نقطة واحدة مركزية،
وإفناء كل القوى والسلطات ـ النفس وأھوائھا ـ في السلطة الإلھية المطلقة، تنجم حالة في القلب تقھر العوالم
الأخرى ويستولي عليھا، وتظھر للروح حالة من الشموخ والعظمة تأبى الطاعة إلاّ أمام الرب سبحانه وأمام من
تكون طاعتھم طاعة ذات الحق المقدس، وإذا كان من جراء الظروف الطارئة محكوماً لأحد، لما تزلزل قلبه منه
254
مرآة العقول ج8 صذ130.
255
وسائل الشيعة ج2 ص903 " كتاب الطھارة, أبواب الطھارة, أبواب الدفن " الباب 76 الحديث 7.
(بحار الأنوار، المجلد 71 ،ص70 (256
(بحار الأنوار، المجلد 71 ،ص70 (257
111

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 9
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: