{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 5

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 5   الإثنين يناير 08, 2018 2:21 pm

أما أھل الآخرة، فإنھم كلّ ما ازدادوا قرباً من دار كرم االله، ازدادت قلوبھم سروراً واطمئناناً، وازداد انصرافھم عن
الدنيا وما فيھا. ولولا أن االله قد عين لھم آجالھم لما مكثوا في ھذه الدنيا لحظة واحدة. فَھُم، كما يقول أمير
المؤمنين، علي بن أبي طالب عليه السّلام: «نُزِّلَتْ أَنْفُسَهُ فِي البَلاءِ، كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ، وَلَوْلا الأَجَلُ الَّذِي
. جعلنا االله وإياكم منھم، 115 كَتَبَ اللَّهُ عَلَيھم، لَمْ تَسْتَقِر أّرْوَاحُھُم فِي أَجْسَ ادِھم طَرَفَةَ عَيْنٍ شَوْقً إِلَى الثَّوَابِ»
إن شاء االله.
إذاً، يا عزيزي، بعد أن عرفت مفاسد ھذا التعلق والحب، وأدركت أن ذلك يفضي بالإنسان إلى الھلاك، ويجرّده
من الإيمان، ويجعل دنياه وآخرته متشابكتين مضطربتين، فشم ّر عن ساعد الجد، وقّل حسب طاقتك، التعلق
بھذه الدنيا، واقتلع جذور حبھا من نفسك، واحتقر الأيام القليلة التي تقضيھا في الحياة، وأزھد في خيراتھا
المشوبة بالألم والعذاب والنقمة، واطلب من اللّه أن يعينك على الخلاص من ھذا العذاب وھذه المحنة، ويجعل
قلبك يأنس بدارِ كرمه تعالى: «وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى».
113
أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 16 وح17.
114
أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 16 وح17.
نھج البلاغة ـ الخطبة 193) الشيخ صبحي الصالح). 115
60
الحَديث السَابع: الغضب
بالسند المَصل إِلى محمدّ بن يعقوب عن علي بن إبراھيم، عن محمدّ بن عيسى، عن يونس، عن داود بن
116 فرقد قال: قال أبو عبداالله عليه السّلام: «الغَضبُ مِفْتاحُ كُِ شَر»
.
الشرح:
قال المحقق الكبير أحمد بن محمد، المعروف بابن مسكويه، في كتاب تھذيب الأخلاق وتطھير الأعراق القيم
: 117 الذي يقل نظيره في حسن التنظيم والبيان منصه
«والغضب بالحقيقة ھو حركة للنفس يحدث بھا غليان دم القلب شھوة للانتقام. فإذا كانت ھذه الحركة عنيفة،
أججت نار الغضب وأضرمتھا، فاحتّ غليان دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخاناً مظلماً مضطرباً يسوء منه
حال العقل ويضعف فعله، ويصير مثل الإنسان عند ذلك على ما حكته الحكماء مثل كھف مليء حريقاً وأضرم ناراً
فاختنق فيھا اللھيب والدخان وعلا منه الأجيج والصوت المسمى وحي النار، فيصعب علاجه ويتعذر إطفاؤه، ويصير
كل ما تدنيه منه للإطفاء سبباً لزيادته ومادة لقوته. فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصمّ عن الموعظة، بل تصير
المواعظ في تلك الحال سبباً للزيادة في الغضب ومادّة للّھيب والتأجج وليس يرجى له في تلك الحال حيلة».
«وأما سقراطيس 118 ثم يقول
قال أني للسفينة إذا عصفت بھا الرياح وتلاطمت عليھا الأمواج وقذفت بھا إلى 119
اللجج التي فيھا الجبال، أرجى مني للغضبان الملتھب، وذلك أن السفينة في تلك الحال يلطف لھا الملاحون
ويخلصونھا بضروب الحيل فأما النفس إذا استشاطت غصباً فليس يرجى لھا حيلة البتة وذلكن كل ما رُقي به
الغضب من التضرع والموعظة والخضوع يصير له بمنزلة الجزل من الحطب يوھجه ويزيده استعاراً» انتھى.
فصل: في بيان فوائد القوة الغضبية
اعلم أن غريزة الغضب من النعم الإلھية التي يمكن بھا عمارة الدنيا والآخرة، وبھا يتم الحفاظ على بقاء الفرد
والجنس البشري والنظام العائلي، ولھا تأثير كبير في إيجاد المدينة الفاضلة ونظام المجتمع. فلولا وجود ھذه
الغريزة الشريفة في الحيوان لما قام بالدفاع عن نفسه ضد ھجمات الطبيعة، ولآل أمره إلى الفناء والاضمحلال.
ولولا وجودھا في الإنسان، لما استطاع، أن يصل إلى كثير من مراتب تطوره وكمالاته زائداً على تحقق ما تقدم.
بل إن التفريط والنقص من حال الاعتدال يعد من مثالب الأخلاق المذمومة ومن نقائص الملكات التي يترتب عليھا
الكثير من المفاسد والمعايب، كالخوف، والضعف، والتراخي، والتكاسل، والطمع، وقلة الصبر، وعدم الثبات في
المواقف التي تتطلب الثبات، والخمود، والخنوع، وتحمل الظلم، وقبول الرذائل والاستسلام لما يصيبه أو يصيب
عائلته، وانعدام الغيرة، وخور العزيمة...
120 إن االله سبحانه يصف المؤمنين بقوله: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَھُمْ)
.
إن القيام بالأمر المعروف والنھي عن المنكر، وتنفيذ الحدود والتعزيرات وسائر التعاليم السياسية الدينية
والعقلية، لا يكون إلاّ في ظل القوة الغضب ية الشريفة. وعلى ذلك، فإن الذين يظنون أن قتل غريزة الغضب
بالكامل وإخماد أنفاسھا يعد من الكمالات والمعارج النفسية إنّما يرتكبون خطيئة عظيمة، ويغفلون عن حدّ الكمال
ومقام الاعتدال. ھؤلاء المساكين لا يعلمون أن االله تبارك وتعالى لم يخلق ھذه الغريزة الشريفة في جميع أصناف
الحيوانات عبثً، وأنه جعل ھذه الغريزة في بني آدم رأسمال الحياة المُلكية والملكوتية، ومفتاح الخيرات والبركات.
إن الجھاد ضد أعداء الدين، وحفظ النظام العائلي للإنسان، والدفاع عن النفس والمال والعِرض، وعن سائر القوانين
الإِلھية، والجھاد مع النفس وھي ألد أعداء الإِنسان، لا يكون كل ذلك إلاّ بھذه الغريزة الشريفة. إن منع الاعتداءات
والذب عن الحدود والثغور، ودفع المؤذيات والمضرات عن الفرد والمجتمع، ويجري تحت لواء ھذه الغريزة. لذلك
سعى الحكماء إلى معالجة خمود ھذه الغريزة وركودھا. وھناك معالجات علمية وعملية لإيقاضھا وتحريكھا: مثل
116
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 3.
117
تھذيب الأخلاق، لأبي علي أحمد بن محمد مسكويه، ص 193 منشورات الجامعة الأمريكية ـ بيروت.
118
تھذيب الأخلاق، لأبي علي أحمد بن محمد مسكويه، ص 195 منشورات الجامعة الأمريكية ـ بيروت.
في كتاب (الأربعون حديثا) وأما بقراط... وفي كتاب تھذيب الأخلاق وأما سقراطيس... (المترجم). 119
120
سورة الفتح، آية: 29.
61
الإقدام على الأمور العظيمة المخيفة، والذھاب إلى ميادين الحرب، والجھاد ضد أعداء االله. فقد نُقل عن بعض
المتفلسفين أنه كان يرتاد الأماكن المخوفة ويلبث فيھا قليلاً ويلقى بنفسه في المخاطر العظيمة، ويركب البحر
في أوج تلاطم أمواجه، وذلك لكي يخلص نفسه من الشعور بالخوف ويتحرر من الضعف والكسل.
وعلى أي حال، فإن غريزة الغضب موجودة لدى كل إنسان ومودعة في باطنه، ولكنھا في بعضھم خامدة
منكمشة، كالنار تحت الرماد. فالواجب على من يلحظ في نفسه حال الخمول والضعف وانعدام الغيرة أن يعالج
الحالة بضدھا، ويخرج نفسه مما ھي فيه إلى حال من الاعتدال. وھذه الحال المحاولة من الشجاعة التي تعدّ من
الملكات الفاضلة والصفات الحسنة، مما سوف ترد الإِشارة إليه.
فصل: في بيان ذم الإفراط في الغضب
إذا كانت حال التفريط ونقص الاعتدال من الصفات المذمومة التي تؤدي إل ى كثير من المفاسد التي ذكرنا
بعضھا، كذلك ھي حال الإِفراط وتجاوز حد الاعتدال، فھي أيضاً تعدّ من الصفات المذمومة التي تقود إلى مفاسد
كثيرة. ويكفي لتبيان مفاسد ھذه الحال ذكر ھذا الحديث الشريف الوارد في الكافي. عن أبي عبداالله عليه
السلام أنه قال، قال رسول اللّه صلّى اللّه عل يه وآله وسلم «الغَضَبُ يُفْسِدُ الإِيمانَ كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ»
121
.
فقد يصل الغضب بالإنسان إلى حد الارتداد عن دين اللّه، وإطفاء نور الإيمان، بحيث أن ظلام الغضب وناره
تحرق الحقائق الحقّة. بل قد يصل الأمر إلى الكفر الجحودي الذي نتيجته الھلاك الأبدي، ثم ينتبه على نفسه بعد
فوات الأوان وحين لا ينفع الندم ويمكن أن تكون نار الغضب، جمرة الشيطان، التي وردت في كلام الإمام الباقر
صورتھا في ذلك العالم، صورة نار 122 عليه السلام «إنَّ ھَا الغَضَب جَمْرَةٌ مِن َ الشَّيْطانِ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ»
الغضب الإلھي.
كما ورد عنه عيه السلام في حديث شريف رواه صاحب «الكافي» :
«مَكْتُوبٌ فِي الَوْراةِ فيما ناجَى االلهُ عزّ وجلّ مُوسى: يا مُوسى أَمْسِكْ غَضَبَكَ عَمَّنْ مَلَّكْتُكَ عَلَيْهِ أكُفَّ عَنْكَ
123 غَضَبِي»
.
ولا شك في أنه ليست ھناك نار أشد من نار غضب اللّه عذاباً. وقد جاء في كتب الحديث، عن أبي عبداالله
عليه السلام قال: «قَالَ الحَواريّون لِعيسى عليه السّلام: أَيُّ الأَشْياءِ أَ شَدّ؟ قٌالَ أَشَدُّ الأَشْياءِ غَضَبُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
124 قالُوا بِمَ نَتقي غَضَبُ اللّهِ؟ قالَ بَأْن لا تَغْضِبُوا»
.
وھكذا يتضح أن غضب االله من أصعب الأمور وأشدھا، وأن نار غضبه أشد إحراقً، وصورة الغضب للإنسان في
ھذه الدنيا ھي صورة نار غضب االله في العالم الآخر. وكما أن الغضب يظھر من القلب، فلعل نار الغضب الإلھي
الذي يكون مبدأه الغضب وسائر الرذائل القلبية الأخرى، تنبعث من باطن القلب، وتسري إلى الظاھر، وتخرج
ألسنة نيرانھا المؤلمة من الأعضاء الظاھرية مثل العين والإذن واللسان وغيرھا بل إن ھذه الأعضاء تكون أبوابا
تنفتح على جھنم، فتحيط نار جھنم بالأعمال والآثار الجسمية التي في ظاھر جسد الإنسان، لتتجه إلى باطنه،
فيقع الإنسان في العذاب والشدّة بين جھنمين: أحدھما يبرز من باطن القلب ويدخل ألسنة لھيبھا بواسطة أم
الدماغ إلى عالم الجسم. وثانيھما صورة قبائح الأعمال وتجسم الأفعال، حيث تتصاعد نيرانھا من الظاھر إلى
الباطن، واالله سبحانه وتعالى يعلم مدى ھذا الضغط؟ وھذا العذاب؟ إنه غير الاحتراق وغير الانصھار. أتظن أن
إحاطة جھنم تشبه ھذه الإحاطات التي تتصوره؟ إن الإحاطة ھنا إنما تكون بظاھر السطح فقط. أما الإحاطة ھناك
فتكون بالظاھر وبالباطن، بالسطوح وبالأعماق. وإذا أصبحت صورة الغضب عند الإنسان صفة راسخة لا سمح االله ـ
وصورة الغضب آخر مراحل الرسوخ ـ كانت المصيبة أعظم، وأصبح للإنسان في البرزخ ويوم القيامة صورة السباع،
121
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 1.
122
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 12.
123
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 7.
124
وسائل الشيعة، المجلد 11 ،أبواب جھاد النفس، ص289.
62
السباع التي لا شبيه لھا في الدنيا. وذلك لأن سَبُعية الإنسان، وھو في حالة الغضب، لا يمكن مقارنتھا بسبعية
أي حيوان آخر من الحيوانات. وكما أن الإنسان في حالة كماله أعجوبة الدھر ولن تجد له نظيراً، كذلك في حال
نقصه واتصافه بالرذائل وبالصفات الخسيسة لن تجد بين الكائنات من يقف معه في ميزان المقارنة، لقد وصفھم
. ووصف قلوبھم فقال: (فَھِيَ كَالْحِجَارَةِ أَْ أَشَدُّ قَسْوَةً) 125 االله بقوله: (إِنْ ھُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ ھُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)
126
.
ھذا الذي مرّ بك كان جانباً من مفاسد نار الغضب الحارقة، إذا لم يستتبع الغضب معاص أخرى، بل بقى ناراً
داخلية مظلمة تتعقدّ في الباطن وتنجس وتختنق فتطفئ نور الإيمان، كالنار المشتعلة التي يخالطھا الدخان
الأسود الذي يغشى النور فيطفئه. ولكن ذلك أمر بعيد، بل قد يكون من الأمور المستحيلة أن يكون الإِنسان في
حال غضب شديد مستعرة ناره، ثم يمتنع عن إرتكاب معاص وموبقات مھلكة أخرى. فكثيراً ما يؤدي الغضب
المستعر، وھذه الجمرة الشيطانية الملعونة، في مدة دقيقة واحدة إلى إلقاء الإِنسان في ھاوية الھلاك والعدم،
كأن يسبّ الأنبياء والمقدسات ـ والعياذ باالله ـ أو يقتل نفساً بريئة مظلومة، أو يھتك الحرمات، فيخسر الدنيا
والآخرة، كما جاء في الكافي عن أبي عبداالله عليه السلام في حديث له: كان أبي يقول: «أَيُّ شَيْءٍ أشَدُّ مِنَ
127 الغَبِ؟ إِنَّ الَجَُ لَيَْبَ فَيَُْلَ النََّْ الَّتي حَرَّمَ االلهُ وَيَقِْفُ المُحَْنَةَ»
.
لقد وقعت أفظع الفتن وارتكبت أفجع الأعمال بسبب الغضب واشتعال ناره الحارقة. وعلى الإِنسان، وھو سليم
النفس، أن يكون على حذر كثير من حال غضبه. وإذا كان يعرف من نفسه حدوث حالات الغضب، عليه، في أثناء
ھدوئه النفسي، أن يعالجھا وأن يفكر في مبادئھا وفي مفاسدھا عند اشتدادھا وآثارھا ونتائجھا في النھاية، لعله
يصل إلى معرفة طريق لإنقاذ نفسه. فليفكر في أن ھذه الغريزة التي وھبھا االله تعالى إياه لحفظ نظام الظاھر
والباطن وعالم الغيب والشھادة، إذا استخدمھا لغير تلك الأھداف وبخلاف ما يريد االله سبحانه وضد المقاصد
الإِلھية، فما مدى خيانته؟ وما ھي العقوبات التي يستحقھا؟ وكم ھو ظلوم جھول؟ لأنه لم يَصُنْ أمانة الحق
تعالى، بل استعملھا في العداوات والمخاصمات. إن إِمرءً ھذا شأنه لا يمكن أن يأمن الغضب الإلھي.
ثم إن عليه إن يفكر في المفاسد العملية والأخلاقية التي تتولد من الغضب وسوء الخلق. إذ كل مفسدة من
ھذه المفاسد يمكن أن تكون سبباً في ابتلاء الإِنسان بصورة دائمة ببلايا شديدة في الدنيا، وبالعذاب والعقاب في
الآخرة.
أما المفاسد الأخلاقية التي تتولد من ھذا الخلق فھي الحقد على عباد االله، وقد ينتھي به الأمر إلى الحقد
على الأنبياء والأولياء، بل وحتى على ذات االله المقدسة الواجبة الوجود ووليّ النعم، وشدّة ھذا القبح وھذه
المفسدة واضح للجميع، نعوذ باالله تعالى من شر نفس عنيدة إذا ما انفصم وثاقھا للحظة واحدة، جرّت الإِنسان
إلى تراب الذل وقادته إلى أرض الھلاك الأبدي. وكذلك الحسد الذي مرّت بك بعض مفاسده وشروره في شرح
الحديث الخامس. وغير ذلك من المفاسد الأخرى التي تتولد من الغضب.
وأما مفاسد الغضب المؤثرة في الأعمال فإنھا ليست بمحصورة، فلعله يتفوه بما فيه الارتداد أو سب الأنبياء
والأولياء ـ والعياذ باالله ـ وھتك الحرمات الإِلھية، وخرق النواميس المقدسة، وقتل الأنفس الزكية، والافتراء على
العوائل المحترمة بما يصمھا بالعار والذل ويقضي على النظام العائلي بكشف الأسرار وھتك الأستار. وغير ذلك من
المفاسد التي لا تحصى والتي يبتلي بھا الإنسان لدى فورة الغضب الباعثة على نسف الإيمان وھدم البيوت.
لذلك يمكن أن توصف ھذه السجية بأنھا أم الأمراض النفسية ومفتاح كل شر. ويقابلھا كظم الغيض وإخماد
سعير الغضب فإنه من جوامع الكلم ودائرة تمركز الحسنات ومجمع الكرامات. كما جاء في حديث (الكافي) عن
أبي عبداالله عليه السلام أنه قال سمعت أبي يقول:
«أتى رَسُولَ االلهِ رَجُلٌ بَدَوِيٌ، فَقالَ: إنّي أسْكُنُ البادِيَةَ فَعَلِّمْنِي جَوامِعَ الكَلامِ فَقالَ: آمُرُكَ أَنْ لاَ تَغْضَبَ. فَأعادَ
عَلَيْهِ الأعْرَابِيُّ المَسْأَلَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتّى رَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى نَفْسِه. فَقالَ: لا أَسْأَلُ عَنْ شيْء بَعْدَ ھذَا. ما أمَرَنِي
125
سورة الفرقان، آية: 44.
126
سورة البقرة، آية 74.
127
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 4.
63
رَسُولُ االلهِ إِلاّ بِالْخَيْرِ. قالَ: وَكانَ أَبي يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ أشَدُّ مِنَ الغَضَبِ؟ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتي حَرَّم
128 االلهُ وَيَقْذِفُ المُحْصَنَةَ»
.
بعد أن يدرك الإنسان، في حال تعلقه وسكون نفسه وخمود غضبه، المفاسد الناجمة عن الغضب، والمصالح
الناجمة عن كظم الغيظ، يلزم أن يحتم على نفسه أن يطفئ ھذا اللھيب الحارق وھذه النار المشتعلة في قلبه،
مھما لاقى من عنت ونصب في سبيل ذلك، ليغسل قلبه من الظلام والكدر، ويعيد إليه صفاءه ونقاءه. وھذا أمرٌ
ممكن تماماً بشيءٍ من مخالفة النفس والعمل ضد ھواھا، وبقليل م ن النصح والإرشاد والتدبر في عواقب الأمور.
وھذه وسيلة يمكن بھا إزالة جميع الأخلاق الفاسدة والعادات القبيحة من ساحة النفس، وإبدالھا بجميع الصفات
الحسنة والأخلاق المحمودة التي يجب أن يتحلّى بھا القلب.
فصل: في بيان علاج الغضب إن للغضب المشتعل
إن للغضب المشتعل علاجاً علمياً وعملياً أيضاً.
أما علاجه العملي فھو أن يتفكر الإِنسان في تلك الأمور التي ذكرت، ويعدّ ھذا من العلاج العملي أيضاً.
أما العلاج العملي فأھمّه صرف النفس عن الغضب عند أول ظھوره. وذلك لأن الغضب أشبه بالنار، فھو يزداد
شيئاً فشيئاً ويشتّد، حتى يتعالى لھيبه، وترتفع حرارته ويفلت العنان من يد الإنسان، ويخمد نور العقل والإيمان،
ويطفئ سراج الھداية، فيصبح الإنسان ذليلاً مسكيناً. فعلى الإنسان أن يأخذ حذره قبل أن يزداد اشتعاله ويرتفع
سعيره، فيشغل نفسه بأمور أخرى، أو أن يغادر المكان الذي ثار فيه غضبه، أو أن يغير من وضعه. فإذا كان جالساً
فلينھض واقفاً، وإذا كان واقفاً فليجلس، أو أن يشغل نفسه بذكر االله تعالى. بل ھناك من يرى وجوب ذكر االله في
حال الغضب، أو أن يشغل نفسه بأي أمر آخر.
على كل حال، يسھل كبح جماح الغضب في بداية ظھوره. ولھذا العمل في ھذه المرحلة نتيجتان:
الأولى: ھي أن يھدئ النفس ويقلل من اشتعال الغضب. والثانية: ھي أن يؤدي إلى المعالجة الجذرية
للنفس. فإذا راقب الإنسان حاله وعامل نفسه بھذه المعاملة تغيّرت حاله تغيراً كُلياً واتجھت نحو الاعتدال. وقد
وردت الإشارة إلى بعض ذلك كتاب (الكافي) بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«إِنَّ ھَذَا الغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيطانِ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ وإِنَّ أحَدَكُمْ إِذا غضِبَ احْمَرَّتْ عَيْناهُ وَانْتَخَتْ أوْدَاجُهُ
129 وَدَخَلَ الشَّيْطانُ فيه، فَإِذا خاف أَحَدُكُمْ ذلِكَ مِنْ نَفِْهِ فَلْيَلْزَمِ الأرْضَ فَإنَّ رِ جْزَ الشَّيْطانِ يَذْھَبُ عَنْهُ عِنْدَ ذلِكَ»
.
وبإسناده، عن ميسر قال: ذُكر الغضب عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال: «إِنَّ الرَّجَ لَيَغَْبُ فَما يرضى أبداً
حَّى يَدْخُلَ النّار فَأَيُّما رَجُلٍ غَضَ عَلى قَوْمٍ وَھُوَ قائٌِ فَْيَجِْسْ مِنْ فَوْرِه ذلَِ فَإنَُّ سَيَذْھَبُ عَنْهُ رِجْزُ الشَّيْطانِ وَأَيُّما
130 رَجُلٍ غَضِبَ عَلى ذي رَحِمٍ فَلَْدْنُ مِنْهُ فَلَْمَسَّه، فَإنَّ الرَّحِمَ، إذا مُسَّت، سَكَتْ»

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 5   الإثنين يناير 08, 2018 2:23 pm

يستفاد من ھذا الحديث الشريف علاجان عمليان حال ظھور الغضب. الأول عام، وھو الجلوس من القيام، أي
تغيير وضعية الإِنسان، ففي حديث آخر أنه إذا كان جالساً عند الغضب فليقم واقفاً.
وقد نقل عن الطرق ا لعامة أن رسول االله صلى االله عليه وآله وسلم عندما كان يغضب، يجلس، إذا كان واقفً،
ويستلقي على قفاه إذا كان جالساً، وبذلك يسكن غضبه.
والعلاج العملي الآخر علاج خاص بالأرحام، وھو أن يمسّه فيسكن غضبه.
ھذه معالجات يقوم بھا الغاضب لنفسه. أما إذا أراد الآخرون معالجة الغاضب فعند ظھور بوادر الغضب، عليھم أن
يعالجوه بإحدى الطرق العلمية والعملية المذكورة. ولكن إذا اشتدت حاله واشتعل غضبه، فإن النصائح تنتج عكس
المطلوب. ولذلك يكون علاجه وھو في ھذه الحال صعباً، إلاّ بتخويفه من قبل شخص يھابه ويخشاه، وذلك لأن
الغاضب إنما يغضب عندما يرى نفسه أقوى ممن يغضب عليه، أو يرى أنه، على الأقل، يتساوى معه في القوة. أما
مع الذين يرى أنھم أقوى منه، فلا يُظھر الغضب أمامھم، بل تكون الفورة والاشتعال في باطنه ويبقى محبوساً في
128
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 4.
129
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح12.
130
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 2.
64
داخله ويولد الحزن في قلبه. وعليه فإن العلاج في حالات الانفعال الشديدة من الغضب والفورة يكون على جانب
كبير من الصعوبة. نعوذ باالله منه.
فصل: في بيان أن معالجة الغضب باقتلاع جذوره
من أھم سبل معالجة الغضب ھي اقتلاع جذوره بإزالة الأسباب المثيرة له. وھي أمور عديدة، وسوف نتناول
بعضاً منھا مما يتناسب وھذا الكتاب.
من تلك الأسباب حبّ الذات، ويتفرّع عنه حب المال والجاه والشرف والنفوذ والتسلط. وھذه كلھا تتسبب في
إشعال نار الغضب، إذ أن من كانت فيه ھذه الأنواع من الحب، يھتم بھذه الأمور كثيراً، ويكون لھا في قلبه مكان
رفيع. فإذا اتفق أن واجه بعض الصعوبات في واحدة منھا، أو أحس بأن ھناك من ينافسه فيھا، تنتابه حال من
الغضب والھيجان دون سبب ظاھر، فلا يعود يملك نفسه، ويستولي عليه الطمع وسائر الرذائل الناجمة عن حب
الذات والجاه وتمسك بزمامه، وتحيد بأعماله عن جادة العقل والشرع. ولكن إذا لم يكن شديد التعلق والاھتمام
بھذه الأمور، فإن ھدوء النفس والطمأنينة الحاصلة من ترك حب الجاه والمقام
وسائر تفرعاته، تمنع النفس من أن تخطو خطوات تخالف العدالة والرويّة. إن الإِنسان البسيط غير المتكلف
يتحمل المنغصات ولا تتقطع حبال صبره، فلا يستولي عليه الغضب المفرط في غير وقته. أما إذا اقتلع جذور حب
الدنيا من قلبه اقتلاعاً، فإنّ جميع المفاسد تھجر قلبه وتحل محلھا الفضائل الأخلاقية السامية.
ومن الأسباب الأخرى لإثارة الغضب ھو أن الإِنسان قد يظن الغضب، وما يصدر عنه من سائر الأعمال القبيحة
والرذائل السافلة، كمالاً، وذلك لجھله وقلة معرفته. فيحسب الغضب من الفضائل ويراه بعض الجھال فتوّة وشجاعة
وجرأة، فيتباھى ويطري على نفسه في أنه فعل كذا وكذا، فيحسب ھذه الصفة الرذيلة المھلكة شجاعة، ھذه
الشجاعة التي تكون من أعظم صفات المؤمنين، والصفات الحسنة. فلا بد وأن نعرف بأن الشجاعة غير الغضب،
وأن أسبابھا ومباد ئھا وآثارھا وخواصّھا تختلف عن أسباب الغضب ومبادئه وآثاره وخواصّه. مبدأ الشجاعة ھو قوة
النفس والطمأنينة والاعتدال والإيمان وقلة المبالاة بزخارف الدنيا وتقلباتھا. أما الغضب فناشئ عن ضعف النفس
وتزلزلھا، وقلة الإِيمان، وعدم الاعتدال في المزاج وفي الروح، وحب الدنيا والاھتمام بھا، والتخوف من فقدان اللذائذ
البشرية. لذلك تجد ھذه الرذيلة مستحكمة في المرضى أكثر مما ھي في الأصحاء، وفي الصغار أكثر مما ھي
في الكبار، وفي الشيوخ أكثر مما ھي في الشبان. فالشجاعة عكس الغضب تماماً. ومن كانت فيه رذائل أخلاقية
كان أسرع إلى الغضب ممن فيھم فضائل أخلاقية، إذ يكون البخيل أسرع في الغضب من غيره إذا تعرّض ماله
وثروته للخطر.
ھذا من حيث مبادئ الشجاعة والغضب وما يوجبھما، وھما من حيث الآثار والنتائج مختلفان أيضاً. فالغاضب،
وھو في حال ثورة غضبه، يكون أشبه بالمجنون الذي فقد عنان عقله، ويصبح مثل الحيوان المفترس الذي لا تھمّه
عواقب الأمور، فيھجم دون تروّ أو احتكام إلى العقل، فيسلك سلوكاً قبيحاً، يفقد سيطرته على لسانه ويده وسائر
أعضائه، وتلتوي شفتاه في ھيئة قبيحة بحيث أنه لو أعطى مرآة، لخجل من صورته التي يراھا فيھا.
إن بعض أصحاب ھذه الرذيلة يغضبون لأتفه الأمور، بل يغضبون حتى على
الحيوانات والجمادات، ويلعنون حتى الريح والأرض والبرد والمطر وسائر الظواھر الطبيعية إذا كانت خلاف
رغباتھم. ويغضبون أحياناً على القلم والكتاب والأواني فيمزقونھا أو يحطمونھا. أما الشجاع فھو بخلاف ذلك تماماً.
فأعماله لا تكون إلاّ عن رويّة ووفق ميزان العقل وطمأنينة النفس. يغضب في محله، ويحلم في محله، لا تھزّه
التوافه ولا تغضبه. وإذا غضب غضب بمقدار، وينتقم بعقل، ويعرف كيف ينتقم ومتى وممن؟ وكيف يعفو ومتى
وممن؟ وفي حال غضبه لا يفقد زمام نفسه، ولا يبادر بالكلام البذيء ول ا بالأعمال القبيحة، ويزن كل أعماله
بميزان العقل والشرع والعدل والإِنصاف، ويخطو خطوات لا يندم عليھا بعد ذلك.
65
فعلى الإِنسان الواعي أن لا يخلط بين ھذا الخُلق الذي يتصف به الأنبياء والأولياء والمؤمنون، يعدّ من الكمالات
النفسية. والخلق الآخر الذي ھو من النقائص والصفات الشيطانية ومن وسوسة الخناس. إلاّ أن حجاب الجھل
وعدم المعرفة وحب الدنيا وحب الذات، يعمي عين الإِنسان ويصمّ أذنه ويلقيه في المسكنة والعذاب.
وھناك أسباب أخرى ذكروھا للغضب، مثل العُجب والزھو والكبرياء والمراء والعناد والمزاح وغيرھا مما يطيل
البحث الدخول في تفاصيلھا، ولعل أكثرھا ينطوي تحت ھذين الموضوعين المذكورين بصورة مباشرة أو غير
مباشرة. والحمد الله.
الحَديث الثَامن: العصبيّة
بسندي المتَّصل إلى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَليِّ بْنِ إِبْراھِيمَ، عَنْ أبيه، عَنِ النَّوْفَلي، عَن السَّكُوني، عَنْ أبي
عَبداالله عليه السلام قالَ: قالَ رَسُولُ االلهِ صلّى االله عليه وآله وسلم: «مَنِ كانَ في قَلْبه حَبَّةٌ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ
131 عَصَبَيَّةٍ، بَعَثَهُ االلهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ أَعْرابِ الجَاھِليَّةِ»
.
الشرح:
الخردل، نبات معروف له خواص كثيرة، ويصنع منه الشمع، والعصبيّ: ھو الذي يعين قومه على الظلم ويغضب
لعصبته ويحامي عنھم. وعُصبة المرء أقرباؤه من جھة الأب، لأنھم يحيطون به فيقوى بھم، والتعصب بمعنى
الحماية والدفاع.
يقول الفقير إلى االله: العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية. ومن آثارھا الدفاع عن الأقرباء، وجميع
المرتبطين به وحمايتھم، بما في ذلك الارتباط الديني أو المذھبي أو المسلكي، وكذلك الارتباط بالوطن وترابه،
وغير ذلك من ارتباط المرء بمعلّمه، أو بأستاذه، أو بتلم ذته وما إلى ذلك. والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا
غير الحميدة، وتكون سبباً في إيجاد مفاسد في الأخلاق وفي العمل. وھي بذاتھا مذمومة حتى وان كانت في
سبيل الحق، أو من أجل أمر ديني، من غير أن يكون مستھدفاً لإظھار الحقيقة، بل يكون من أجل تفوقه أو تفوق
مسلكه ومسلك عصبته، أما إظھار الحق والحقيقة وإثبات الأمور الصحيحة والترويج لھا وحمايتھا والدفاع عنھا، فإما
أنه ليس من التعصب، وإما أنه ليس تعصباً مذموماً.
إن المقياس في الاختلاف يتمثل في الأغراض والأھداف وخطوات النفس والشيطان أو خطوات الحق والرحمن.
وبعبارة أخرى، إن المرء إذا تعصّب لأقربائه أو أحبّتِهِ ودافع عنھم، فما كان بقصد إظھار الحق ودحض الباطل، فھو
تعصب محمود ودفاع عن الحق والحقيقة. ويعدّ من أفضل الكمالات الإنسانية، ومن خلق الأنبياء والأولياء. وعلامته
المميزة ھو أن يميل الإنسان إلى حيث يميل الحق فيدافع
عنه، حتى وان لم يكن ھذا الحق إلى جانب من يحبّ، بل حتى لو كان الحق إلى جانب أعدائه. إن شخصاً
ھذا شأنه يكون من جملة حماة الحقيقة، ومن زمرة المدافعين عن الفضيلة وعن المدينة الفاضلة، ومن الأعضاء
الصالحين في المجتمع، ومن المصلحين لمفاسده.
أما إذا تحرّك بدافع قوميته وعصبيته بحيث أخذ بالدفاع عن قومه وأحبته في باطلھم وسايَرَھم فيه ودافع
عنھم، فھذا شخص تجلت فيه السجية الخبيثة، سجية العصبية الجاھلية. وأصبح عضواً فاسداً في المجتمع،
وأفسد أخلاق المجتمع الصالح، وصار في زمرة أعراب الجاھلية، وھم فئة من أعراب البوادي قبل الإسلام ممن
كانوا يعيشون في ظلام الجھل، وقد قويت فيھم ھذه النزعة القبيحة، والسجية البشعة بل إن ھذه الصفة توجد
في معظم أھل البوادي ـ عدى من اھتدى بنور الھداية كما ورد في الحديث الشريف عن الأمام أمير المؤمنين
عليه السلام: أن االله سبحانه يعذب طوائف ستة بأمور ستة:
أَھْلَ البَوَادِي بِالعَصَبِيَّةِ وَأَھْـلَ الْقُرَى بِالْكِبَرِ وَالأُّمَرَاءِ بِالظُلْمِ، وَالفُقَھَاءِ بِالحَسَدِ، وَالتُّجَّارِ بِالخِيَانَةِ وَأَھْلِ الرَّسَاتِيقِ
بِالجَھْلِ.
131
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 3.
66
فصل: في بيان مفاسد العصبية
يستفاد من الأحاديث الشريفة عن أھل بيت العصمة والطھارة أن العصبية من المھلكات والباعثة على سوء
العاقبة والخروج من عصمة الإيمان، وأنھا من ذمائم أخلاق الشيطان.
جاء في الكافي بسنده الصحيح، عن أبي عبداالله الصادق عليه السلام قال: «مَنْ تَعَص?بَ أوْ تُعُصِّبَ لَهُ فَقَدْ خُلِعَ
. أي أن المتعصب بتعصبه يكون قد خرج من إيمانه، وأما المتعصب له، فبما أنه قد رضي 132 رِبْقُ الإيمان مِنْ عُنُقِه»
بعمل المتعصب، يصبح شريكاً له في العقاب. كما جاء في الحديث الشريف: «ومن رضي بعمل قوم حشر معھم.
أما إذا لم يرض به واستنكره فلن يكون منھم».
133 وعن أبي عبداالله الصادق عليه السلام قال: «مَنْ تَعَصَّبَ عَصَّبَهُ االلهُ بِعصابَةٍ مِنَ النّارِ»
.
وعن أبي عبداالله عليه السلام قال: «لَمْ َيْدُخِل الجَنَّةَ حَمِيَّةَ غَيْرُ حَمِيَّةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ وَذلِكَ حينَ أسْلَم
134 غَضَباً للنَّبِيِّ»
.
وقد وردت قصة إسلام حمزة بن عبدالمطلب بعبارات مختلفة، وھي خارجة عن نطاق بحثنا ھذا. وعلى كل
حال، فمن المعلوم أن الإيمان، وھو الفوز الإِلھي ومن الخِلَعِ الغيبية الله جل جلاله، الذي يفيض بھا على المخلصين
من عباده، والخاصّة في محفل انسه، يتنافى مع مثل ھذه السجية الممقوتة التي تدوس الحق والحقيقة، وتطأ
بأقدام الجھل على الصدق والاستقامة.
ولا شك في أن ا لقلب إذا غطّاه صدأ حب الذات والأرحام والتعصب القومي الجاھلي، فلن يكون فيه مكان لنور
الإِيمان، ولا موضع للاختلاء مع االله ذي الجلال تعالى. إن ذلك الإنسان الذي تظھر في قلبه تجليات نور الإيمان
والمعرفة، ويطوق رقبته الحبل المتين والعروة الوثقى للإِيمان، ويكون رھن الحقيقة والمعرفة، ھو ذلك الإنسان
الذي يلتزم بالقواعد الدينية وتكون ذمته مرھونة لدى القوانين العقلية، ويتحرك بأمر من العقل والشرع، دون أن يھز
موقفه أيّ من عاداته وأخلاقه وما يأنس به من مألوفاته. فلا تحيد به عن الطريق المستقيم. إن الإِنسان الذي
يدعي الإِسلام والإيمان ھو ذلك الذي يستسلم للحقائق ويخضع لھا، ويرى أھدافه، مھما عظمت، فانية في
أھداف ولي نعمته، ويضحي بنفسه وبإرادته في سبيل إرادة مولاه الحقيقي. ومن الواضح أن مثل ھذا الشخص لا
يعرف العصبية الجاھلية، وانه بريء منھا، ولا يتجه قلبه إلاّ إلى حيث الحقائق ولا تغشي عينيه أستار العصبية
الجاھلية السميكة وأنه يطأ بقدميه في سبيل إعلاء كلمة الحق والإِعلان عن الحقيقة على كل العلاقات
والارتباطات، ويفدى بجميع الأقرباء والأحبة والعادات على أعتاب ولي النعم المطلق. وإذا تعارضت العصبية
الإِسلامية عنده مع العصبية الجاھلية، قدَّم الإسلام وحب الحقيقة.
إن الإنسان العارف بالحقائق يعلم أن جميع العصبيات والارتباطات والعلاقات ليست سوى أمور عرضية زائلة، إلا
تلك العلاقة بين الخالق والمخلوق، وتلك ھي العصبية الحقيقية التي ھي أمر ذاتي غير قابل للزوال، وھو أوثق
من كل ارتباط، وأقوى من كل حسب وأسمى من كل نسب.
في حديث شريف أن رسول االله صلى االله عليه وآله وسلم قال: «كُلَّ حَسَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلاّ
. وذلك لأن حسب رسول االله ص لّى االله عليه وآله وسلم روحاني وباق، وبعيد عن جميع 135 حَسَبي وَنَسَبي»
العصبيّات الجاھلية، وھذا الحسب والنسب الروحانيين في ذلك العالم، يكون ظھوره أكثر وكماله أوضح فإن نسبه
علاقة إلھية لا تظھر على كمال حقيقتھا إلاّ في ذلك العالم. إن ھذه العلائق الجسمانية المُلكية القائمة على
العادات البشرية إنما تتقطع بأتفه الأسباب، وليس لأي منھا في ذلك العالم نفع ولا قيمة، إلاّ تلك العلائق التي
تتوثق في نظام ملكوتي الھي وتحت ظل ميزان القواعد الشرعية والعقلية التي لا انفصام لھا.
132
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 2.
133
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 4.
134
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، ح 5.
135
وسائل الشيعة، كتاب النكاح، الباب الثامن من أبواب مقدمات وآداب النكاح، ح 5.
67
فصل: في بيان الصورة الملكوتيّة للعصبية
سبق في شرح بعض الأحاديث القول بأن المعيار في الصور الملكوتية والبرزخية وفي يوم القيامة ھو الملكات
وقوتھا، وإن ذلك العالم ھو محل ظھور سلطان النفس الذي لا يعصي له الجسم أمراً. فقد يحشر الإِنسان في
ذلك العالم على صورة حيوان أو شيطان. وقد مرّ بنا في الحديث في بداية المقال: «مَنْ كَان فِي قَلْبِهِ حَبَّة مِنْ
خَرْدَل مِنْ عَصَبِية بَعَثَهُ االلهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الجَاھِلِيَّةِ». ولعله إشارة إلى ذلك الموضع الذي ذكرناه.
إن الإنسان الذي فيه ھذه الرذيلة، لعله عندما ينتقل إلى العالم الآخر يرى نفسه من أعراب الجاھلية من غير
إيمان باالله تعالى ولا بالنبوة والرسالة، ويرى أنه في الصورة التي يحشر بھا أولئك الأعراب، ولا يعلم بأنه كان في
الدنيا يعتنق العقيدة الحقة من الإيمان باالله وبرسوله وأنه من أمة الرسول الخاتم صلّى االله عليه وآله وسلم. كما
جاء في الحديث عن أھل جھنم ينسون اسم رسول االله، ولا يستطيعون أن يعرفوا أنفسھم، إلاّ بعد أن يشاء الحق
سبحانه أن يُنجيھم. وبما أن ھذه السجية من سجايا الشيطان، كما ورد في بعض الأحاديث، فلعل أعراب
الجاھلية وأصحاب العصبية يحشرون يوم القيامة على ھيئة الشياطين.
في الكافي في الصحيح، عن أبي عبدال له الصادق عليه السلام قال: «إِنَّ المَلائكَة كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ إِبْليسَ
منْھُمْ وَكانَ في عِلْم االلهِ أنَّهُ لَيْسَ مِنْھُمْ فَاسْتَخْرَجَ ما فِي نَفْسِهِ بالحَمِيَّةِ وَالغَضَبِ. فقال خَلَقْتَني مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ
136 مِنْ طينٍ»
.
فاعلم أيھا العزيز أن ھذه الخصلة الخبيثة، من الشيطان، وإنھا من مغالطات ذلك الملعون ومعاييره الباطلة. انه
يغالط عن طريق ھذا الحجاب السميك الذي يخفي عن النظر كل الحقائق، بل يظھر رذائل النفس كلّھا محاسن،
وجميع محاسن الآخرين رذائل، من الواضع أنه كيف يكون مصير الإِنسان الذي يرى جميع الأشياء على غير
حقيقتھا وواقعيتھا.
وفضلا عن كون ھذه الرذيلة ھي نفسھا تكون سبب ھلاك الإنسان، فإنھا كذلك منشأ الكثير من المفاسد
الأخلاقية والأعمال القبيحة التي لا يتسع المجال لذكرھا.
وعليه، إذا عرف الإِنسان العاقل أن ھذه المفاسد ناشئة من تلك السجية الفاسدة، وأذعن للشھادة الصادقة
المصدقة من رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم وأھل بيته عليھم السلام بأن ھذه الرذيلة تجر الإنسان إلى
الھلاك وتدخله النار، فما عليه إلاّ أن يتصدى لعلاج نفسه من ھذه السجية، وأن يطھر قلبه حتى من حبة خردل
منھا، حتى يكون طاھراً عند الانتقال من ھذه الدنيا إلى العالم الآخر عند اقتراب أجله، فينتقل بنفس صافية. إن
على الإنسان أن يدرك أن الفرصة محدودة والوقت قصير جدا، لأنه لا يعلم متى يحين موعد رحيله.
أيتھا النفس الخبيثة لكاتب ھذه السطور، لعل الأجل المقدر قد حان وأنت منھمكة في الكتابة، فينقلك بكل
رذائلك إلى العالم الذي لا عودة منه.
ويا أيھا العزيز يا من تقرأ ھذه الوريقات، خذ العبرة من حال ھذا الكاتب الذي يرزح الآن أو مستقبلاً تحت الثرى،
وھو في العالم الآخر مبتلى بأعما له وأخلاقه البشعة. لقد ضيّع الفرصة الثمينة التي كانت عنده بالبطالة والأھواء،
فأتلف ذلك الرأسمال الإلھي وأباده. فانتبه إلى نفسك لأنك ستكون يوماً مثلي دون أن تعلم متى يكون ذلك.
فلعلك الآن وأنت مشغول بالقراءة، إذا تباطأت ذھبت الفرصة من يدك. يا أخي، لا تؤجل ھذه الأمور لأنھا لا تحتمل
التأجيل، فكم من إنسان سليمٍ وقويٍ فاجأه الموت في لحظة وأخرجه من ھذه الدنيا إلى العالم الآخر ولا نعلم عن
مصيره شيئا. إذاً، لا تضيّع الفرصة، بل اغتنم اللحظة الواحدة، لأن القضية عظيمة الأھمية، والرحلة شديدة
الخطورة. فإذا قصّر الإنسان في ھذه الدنيا التي ھي مزرعة الآخرة، يكون السيف قد سبق العذل، ولن تستطيع
إصلاح فساد النفس، ولا يكون نصيبك سوى الحسرة والندم والذل.
إن أولياء االله لم يخلدوا إلى الراحة أبداً، وكانوا دائمي الخوف من ھذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر. إن حالات
علي بن الحسين عليه ال سلام، الإمام المعصوم، تثير الحيرة. وأنين أمير المؤمنين علي عليه السلام، الولي
136
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية ح 6.
68
المطلق، تبعث على الدھشة. ما الذي جرى لنكون على ھذا القدر من الغفلة؟ من الذي جعلنا نطمئن؟ انه لا
يغرينا أحد بتأجيل عمل اليوم إلى الغد إلا الشيطان. انه يريد أن يزيد من أعداد أنصاره وأعوانه، وأن يجعلنا نتخلّق
بأخلاقه حتى نحشر مع أتباعه. إن ذلك الملعون ھو الذي يسعى دائماً إلى تھوين أمور الآخرة في أعيننا،
وبتذكيرنا لرحمة االله ولشفاعة الشافعين يريد أن ينسينا ذكر االله وطاعته. ولكن يا للأسف! فھذه كلھا أمنيات
باطلة، وھي من أحابيل مكر ذلك الملعون وحيله. إن رحمة االله تحيط بك الآن، رحمته في صحتك وسلامتك
وحياتك وأمنك وھدايتك وعقلك وفرصتك وإرشادك إلى إصلاح نفسك وأن آلاف الرحمة الإلھية المختلفة تحيط بك
من جميع الجھات، ولكنك لا تنتفع بھا، بل تطيع أوامر الشيطان. فإذا لم تستطع أن تستفيد من رحمات ھذ الدنيا،
فاعلم أنه لن تنالك في العالم الآخر رحمات االله اللامتناھية بل تحرم من شفاعة الشافعين. إن مظھر شفاعة
الشافعين في ھذه الدنيا ھو الاھتداء بھداھم، وفي ذلك العالم ھو الشفاعة لأنھا باطن الھداية. فإذا حرمت
الھداية ھنا، حرمت الشفاعة ھناك. وعلى قدر اھتدائك تكون
لك الشفاعة. إن شفاعة رسول االله صلّى االله عليه وآله وسلم. مثل رحمة االله المطلقة تنال من ھو جدير بھا.
فإذا انتزع الشيطان ـ لا سمح االله ـ وسائل الإيمان من يدك، فلن تكون جديراً بالرحمة والشفاعة. نعم، رحمة
االله واسعة في الدارين. فإذا كنت تطلب الرحمة، فلماذا لا تستفيد من فيوضات الرحمة المتتالية في ھذه الدنيا،
وھي بذور الرحمات الأخرى؟ إن ھذا العدد الكبير من الأنبياء والأولياء دعوك إلى مائدة ضيافة االله ونعمه، ولكنك
رفضتھا وھجرتھا بوسوسة من الخنّاس، وبإيحاء من الشيطان، وضحّيت بمحكمات كتاب االله، والمتوا ترات من
أحاديث الأنبياء والأولياء، وببديھات عقول العقلاء، وببراھين الحكماء الدامغة، على مذبح نزعات الشيطان والأھواء
النفسية. الويل لي ولك من ھذه الغفلة والعمى والصمم والجھل!.
فصل: في عصبيات أھل العلم
من جملة عصبيات الجاھلية ھو العناد في القضايا العلمية، والدفاع عن كلمة سبق أن صدرت منه أو من
معلمه أو شيخه، دون النظر إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل. ولا شك أن مثل ھذا التعصب أقبح من كثير من
العصبيات الأخرى وأجدر بالذم من جوانب عديدة. فمن جانب المتعصب نفسه نرى أن أھل العلم ينبغي أن يكونوا
ھم المربين لأبناء البشر، باعتبارھم فروع شجرة النبوة والولاية، وعارفين بوخامة الأمور وعواقب فساد الأخلاق.
فإذا اتصف العالم ـ لا قدر االله ـ بالعصبية الجاھلية أو بالصفات الرذيلة الشيطانية، كانت الحجة عليه أتم وعقابه
أشد. إن من يعرف نفسه على أنه، وشمع محفل العرفان، والھادي إلى السع ادة ومعرف طرق الآخرة، ثم لا
يعمل ـ لا سمح االله ـ بما يقول، ويختلف باطنه عن ظاھره، يكون في زمرة أھل الرياء والنفاق، ويحسب من علماء
السوء، ويكون عالماً بلا عمل. وھذا عقابه أكبر وعذابه أشدّ. وقد أشار االله سبحانه إلى أمثال ھذا في القرآن
137 بقوله: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَھْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
.
إذاً، من أھم التزامات أھل العلم ھو أن يحافظوا على ھذه الأمور وھذه المقامات، وأن يطھروا أنفسھم كل
التطھير من ھذه المفاسد، لكي يصلحوا بھذا أنفسھم والمجتمع، وتكون مواعظھم مؤثرة، وتقع نصائحھم موقعھا
من القلوب. إن فساد العالِم يؤدي إلى فساد الأمة. ومن البديھي أن الفساد الذي يتسبب في مفاسد أخرى
والخطيئة التي تزيد خطايا أخرى وتعظمھا تكون أعظم عند وليّ النِعم من الفساد الجزئي الذي لا يتعدّى إلى
غيره.
ومن ناحية أخ رى في قباحة ھذه السجيّة لدى أھل العلم ھو جانب العلم نفسه، إذا أن ھذه العصبية خيانة
للعلم وتجاھل لحقه إذ أن من يتحمل عبء ھذه الأمانة ويلبس لبوسھا، فعليه أن يرعى حرمتھا واحترامھا، وأن
يعيدھا إلى صاحبھا صحيحة سليمة. فإذا ما تعصّب، تعصّب الجاھلية يكون قد خان الأمانة وأرتكب الظلم والعدوان،
وھذه بذاتھا خطيئة كبرى.
137
سورة الجمعة، آية 5.
69
والناحية الثانية من جرّاء ھذه السجيّة القبيحة إھانة أھل العلم فيما إذا كان التعصّب في المباحث العلميّة مع
العلم بأن أھل العلم من الودائع الإلھية الواجب احترامھم. بينما يكون ھتكھم ھتكاً لحرمات االله ومن الموبقات
الكبيرة. وقد تؤدي العصبية التي لا تكون في محلھا، إلى ھتك حرمة أھل العلم. أعوذ باالله من ھذه الخطيئة
الكبيرة!.
وھناك جانب آخر ھو جانب المتعصب له، أي الأستاذ وشيخ الإنسان. وھذا يوجب العقوق، وذلك لأن المشايخ
العظام والأساطين الكرام ـ نضّر االله وجوھھم ـ يميلون إلى جانب الحق، ويھربون من الباطل، ويسخطون على من
يتذرع بالتعصب لقتل الحق وترويج الباطل. ولا شك في أن العقوق الروحي أشد من العقوق الجسمي، وحق
الأبوة الروحية أسمى من حق الأبوة الجسمية.
إذاً، يتحتّم على أھل العلم ـ زادھم االله شرفاً وعظمة ـ أن يتبرءوا من المفاسد الأخلاقية والعلمية، وأن يزينوا
أنفسھم بحلية الأعمال الحسنة والأخلاق الكريمة، وأن لا ينزلوا عن المركز الشريف الذي أنعم االله تعالى به
عليھم، إذ أن مدى الخسران في ذلك لا يعلمه إلا االله. والسلام.
الحَديث التَاسِع: النفاق
بالسند المتَّصل إلى ثقة الإِسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ
عِيسى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَوْنٍ بْنِ القَلاَنِسي، عَنْ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِااللهِ الصادق عليه السلام،
138 قالَ: «مَنْ لَقِيَ المُسْلِمِين بِوَجْھَيْنِ وَلِسَانَيْنِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ»

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 5
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: