{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 4

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 4   الإثنين يناير 08, 2018 2:13 pm

فصل: في بيان بعض عوامل التكبر
اعلم إن من عوامل التكبر، فضلاً عمّا سبق ذكره من الأسباب، ھو صغر العقل، وضعف القابلية، والضعة، وقلة
الصبر. فالإنسان لضيق أُفقه ما أن يجد في نفسه خصلة مميّزه حتى يتصور لھا مقاماً ومركزاً خاصاً. ولكنه لو نظر
بعين العدل والإِنصاف إلى كل أمر يتقنه وكل خصلة يتميز بھا، لأدرك أن ما تصوره كمالاً يفتخر به ويتكبر بسببه، إمّا
أنه ليس كمالاً أصلاً، وإمّا أنه إذا كان كمالاً فإنه لا يكاد يساوي شيئاً إزاء كمالات الآخرين، وأنه كمن صفع وجھه
ليحسب الناس احمرار وجھه نتيجة النشاط والحيوية. كما قيل: «اِسْتَسْمَنَ ذا وَرَمٍ» 65 .فعلى سبيل المثال أن
العارف الذي ينظر من خلال عرفانه إلى الناس جميعاً بعين الازدراء متكبّرا، أو يقول عنھم أنھم قشريون
وسطحيون. ترى أنه لا يملك شيئاً من المعارف الإلھية، سوى حفنة من المفاھيم التي لا تعدو جميعا من أن تكون
حُجُباً تغطي الحقائق، أو مطبات في الطريق، ومجموعة من المصطلحات ذات البريق الخادع مما لا علاقة لھا
بالمعارف الإلھية، وبعيدة كل البعد عن معرفة االله وعن العلم بأسمائه وصفاته؟ إن المعرفة صفة القلب. وكاتب
ھذه السطور يعتقد أن جميع ھذه العلوم ھي علوم عملية، لا مجرد معرفة نظرية وحياكة مصطلحات. لقد رأينا
خلال ھذا العمر القصير والمعرفة القليلة ضمن من يسمون بالعرفاء والعلماء في سائر العلوم، أشخاصا ـ أقسم
بالعرفان والعلم ـ إنھم لم يتأثروا قلبيا بھذه الاصطلاحات، بل كان لھا تأثير معكوس عليھم.
أيھا العزيز! إن العرفان باالله، كما تعلم، يحيل القلب إلى محل تتجلى فيه أسماء االله وصفاته وينزل فيه
السلطان الحقيقي الذي يمحو آثار التلوث ويطرد التعيّن:
{... إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوھَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَھْلِھَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}66 .إنه يجعل القلب أحدياً
أحمدياً، فلماذا صار قلبك والھاً بجمالك، وزاد في تلونك، وضاعف في تعيناتك وإضافاتك وأبعدك عن الحق تعالى
وتجليات أسمائه، وجعل قلبك موطناً للشيطان فتنظر عباد االله، وأصحاب أبواب الحق، ومظاھر جمال المحبوب،
نظرة تحقير وازدراء؟ إنك تتكبر على االله، وتتفرعن في حضرة ذات االله وأسمائه وصفاته.
يا طالب المفاھيم، ويا مضيّع الحقائق! تمھل، أنظر إلى ما لديك من المعارف فما الأثر الذي تراه من الحق
وصفاته في نفسك؟ ولعل علم الموسيقى والإِيقاع أدق من علمك، واصطلاحات العلوم الأخرى كالفلك والميكانيك
وسائر العلوم الطبيعية والرياضية، تساوي اصطلاحات علمك ودقته تماماً، فكما أن تلك العلوم ليس لھا عرفان باالله،
فكذلك علمك الذي حجبته الاصطلاحات وسجف المفاھيم والاعتبارات، لا يرجى منه تغير في نفس ولا حال، 67
بل إن تلك العلوم لدى منطق العلوم الطبيعية والرياضية أفضل مما ھو لديك من العلم، لأن تلك العلوم تنتج شيئاً،
وليس لعلمك ناتج، أو أن ناتجة معكوس. فالمھندس ينال نتيجة ھندسته والصائغ نتيجة صنعته، أمّا أنت فقد قصرت
يدك عن النتائج الدنيوية، ولم تصل إلى نتائج عرفانك. فحجابك أثقل وأسمك، وما أن يدور الكلام عن الأحديّة حتى
يغشاك ظلام غير متناه، وما أن تسمع عن حضرة أسماء االله وصفاته حتى تتصور كثرة غير متناھية. إذاً لم تعثر
64
سورة النحل، آية: 28.
فوائد الأدب في تاج العروس (ج1 9 ص249 (في مادة (سمن). 65
66
النمل: 34.
إشارة الى الشطر الثاني من ھذا البيت: 67
" العلم الرسمي ھو الاشتغال بالقيل والقال فلم تحصل منه على كيفية ولا حال ". كشكول البھائي, ج1 ص209.
42
على الطريق إلى الحقائق والمعارف من ھذه الاصطلاحات، بل صارت مدعاة للتفاخر والتكبر على العلماء
الحقيقيين. إن المعارف التي تزيد من كدر القلب ليست بمعارف، والويل لمعارف تجعل عاقبة صاحبھا وارثاً
للشيطان!
إن الكبر من أخلاق الشيطان الخاصة. فقد تكبّر على أبيك آدم، فطرد من حضرة االله، وأنت أيضاً مطرود لأنك
تتكبر على كل الآدميين من أبناء آدم. ومن ھنا أيضاً يجب أن تفھم حال سائر العلوم الأخرى. إن الحكيم إذا كان
حكيما وعرف نسبته إلى الخلق وإلى الحق، خرج الكبرياء من قلبه واستقام أمره. ولكن ھذا المسكين الذي
يركض وراء المصطلحات والمفاھيم يظن أنھا ھي الحكمة، وأنھا ھي التي تصنع العالم والحكيم، فمرة يرى نفسه
متصفة بالصفات الواجبة، فيقول: «الحكمةُ ھِيَ التَشَبُّهُ بِالإِله ِ68 «ومرة يحسب نفسه في زمرة الأنبياء
والمرسلين، فيقرأ: {وَيُعَلِّمُھُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}69 ،وأحيانا يقرأ: «الحِكْمَةُ ضالَةُ المُؤْمِنِ» 70} .وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}71 ،ولكن ما أجھله بالحكمة وما أبعده عنھا وعن خيراتھا؟!
يقول الحكيم المتألّه وفيلسوف الإسلام الكبير، المحقق الداماد72 ،رضوان االله عليه: «الحكيم من كان جسده
كالرداء له، متى ما شاء خلعه». فانظر إلى ما يقوله ھو وما نقوله نحن! وما أدركه ھو من الحكمة وما أدركنا نحن
منھا! إذاً، فأنت الذي تتباھى ببضعة اصطلاحات ومفاھيم وتتكبر على الناس، إنما ذلك دليل ضيق نفسك وقلة
صبرك وعدم أھليتك!.
إن من يرى نفسه مرشد الخلائق وھاديھم، ويجلس على كرسي التصوف والتوجيه، يكون أسوأ حالا من
المسعف والمتصوف، وأكثر دلالاً منھما. إنه سرق المصطلحات منھما وأسبغ بعض المظاھر على بضاعته في
السوق، وصرف قلوب الناس عن االله ووجّھھا نحو نفسه ودفع بذلك الإنسان الطيّب النقي السريرة، على إساءة
الظن بالعلماء وعامة الناس. ولكن يعطي أسواقھم شيئاً من الرواج، يطعمون الناس، عن وعي أو بدون وعي،
بعضا من مصطلحاتھم الجذّابة، ظانّين أن ألفاظاً مثل «مجذوب علي» أو «محبوب علي» سوف تمنحھم حقا حالاً
من الانجذاب والحب!.
نتيجة ھذه الأسماء التي يستعملھا الدراوشة والمدعون للعرفان. أنت يا طالب الدنيا وسارق المفاھيم، إن
عملك ھذا كما تظنه لا يدعو إلى الفخر والتكبر! إن المسكين لقلة صبره وصغر عقله ينخدع حتى بنفسه، فيرى
لنفسه مقاما، وقد امتزج فيه حب النفس وحب الدنيا مع المفاھيم المسروقة والإضافات والاعتبارات، فأصبح
مولوداً مشوھاً، إذ نشأ عن تجمعھا مزيج عجيب وخليط غريب. وعلى الرغم من كل ھذه العيوب يحسب نفسه
مرشد الخلائق وھادي الأمة إلى النجاة، ومالك سر الشريعة! بل قد تتجاوز وقاحته الحدود، فيرى نفسه في مقام
الولاية الكلية. وھذا ناشئ أيضاً من صغر العقل وضيق القلب والصدر وقلة الاستعداد والأھلية.
وأنت أيضاً يا طالب علوم الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية، لا تملك من علمك أكثر من حفنة من
الاصطلاحات الخاصة بالأصول والحديث، فإذا لم يضف إليك علمك ھذا الذي كله عمل، شيئاً ولم يستطع إصلاحك،
بل أنتج المفاسد الأخلاقية والعملية، فإن عملك أحط من عمل علماء العلوم الأخرى وأتفه بل أقل عمل كل العوام.
إن ھذه المفاھيم العرضية والمعاني الحرفية والدخول في منازعات لا طائل وراءھا ولا علاقة لمعظمھا بدن االله
بالعلوم حتى تسميھا بالثمرة العلمية، أن ھذه المفاھيم لا تستوجب كل ھذا الابتھاج والتكبر. واالله يشھد وكفى
باالله شھيدا أنه لو كانت ھذه ھي نتيجة العلم، دون أن تستطيع ھدايتك، ودون أن تبعد عنك المفاسد الأخلاقية
والسلوكية، فإن أحط الأعمال خير من عملك لأن تلك نتائجھا عاجلة ومفاسدھا الدنيوية والأخروية اقل. وأنت أيھا
68
الأسفار الأربعة, ج1 ص23.
69
النمل: 34.
نھج البلاغة ـ قصار الحكم ـ 80 ـ (الشيخ صبحي الصالح). 70
71
البقرة: 269.
مير محمد باقر بن شمس الدين محمد المعروف بالداماد (ـ1041ھـ. ق) ولد في اصفھان ودفن في النجف, من علماء الإمامية الأفذاذ 72
وفيلسوف تحرير جمع المعقول والمنقول تفرّد في حل العديد من المعضلات الفقھية والحديثية, وان رواج فلسفة أبي علي " ابن سينا "
والاشراقيين في القرن الحادي عشر وتھيئة الارضية الملائمة لظھور الحكمة المتعالية لملا صدرا (تلميذ المير داماد) مديونة لجھود ھذا
الفيلسوف الكبير. من تأليفاته : القبسات, التقديسات, سدرة المنتھى حاشية على كتاب من لا يحضره الفقيه اختار لنفسه في أشعاره اسم
" اشراق ".
43
المسكين لا تنال سوى الوزر والوبال، ولا تحصد غير المفاسد الأخلاقية والأعمال القبيحة. وعليه، فإن عملك من
حيث الاعتبار العلمي ليس فيه ما يدعو إلى التكبر، بل كل ما في الأمر إنك أفقك العلمي، ما أن تضع اصطلاحاً
فوق اصطلاح حتى تحسب نفسك عالما وسائر الناس جھلاء وتفترش أجنحة الملائكة تحت أقدامك وكأنھا تطير
بك، وتضيّق على الناس في المجالس وفي الطرقات. وتقدح بالعلم وعلمائه وتحتقر نظرائك في النوع.
ولكن الأحطَّ من ھذا والأحقر مكانة ھو ذلك الذي يتكبّر ويتباھى بالأمور الخارجية، مثل المال، والجاه، والخدم،
والحشم والقبيلة. فھذا المسكين بعيد عن الخلق البشري والأدب الإنساني فارغ اليد من كل العلوم والمعارف.
ولكن بما أن ملابسه من أجود الأصواف، وأباه فلان ابن فلان، فھو يتكبّر على الناس. فما أضيق عقله وأشد ظلام
قلبه! إنه يقتنع من كل الكمالات باللباس الجميل، ومن كل جمال بالقبعة والرداء! يرتضي المسكين مقام الحيوانية
ويقبل بحظھا، ويقتنع من جميع المقامات السامية الإنسانية بالصورة الخالية من كل شكل ومضمون، والفارغة من
الحقيقة، ظانّاً نفسه بھذا أنه ذو مقام. وفي الواقع إنه على درجة من الضعة ومن عدم اللياقة، بحيث أنه إذا
شاھد أحداً أعلى منه مرتبة واحدة دنيوية تخضّع له كما يتخضّع العبد لسيده. لا شك أن من لا ھمّ له سوى
الدنيا، لا يكون إلاّ عبداً للدنيا ولأھلھا. وأن يغدو ذليلا لدى من يتزلف ويستذل لديھم.
وعلى كل حال، يعتبر ضيق أُفق الفكر وانحطاط القابلية من ھم عوامل الكِبرٍ، لذلك فمن يتصف بھذا يتأثر
بالأمور التي ليست من الكمال، أو ليست من الكمالِ اللائق، تأثراً شديداً يدفع به إلى العُجْب والكبر. وكلما كثر
حبه للنفس وللدنيا، ازداد تأثرا بھذه الأمور.
فصل: في بيان معالجة الكبر
بعد ما عرفت مفاسد الكبر، حاول أن تعالج نفسك مشمّراً عن ساعد الجد للبحث عن العلاج، واشحذ ھمّتك
لتطھير القلب من ھذا الدرن، وأزل الغبار والأتربة عن مرآته. فإذا كنت ممن قويت نفوسھم، واتسعت صدورھم،
ولم يتجذر حب الدنيا في قلبك، ولم يبھرك زبرجھا وزخرفھا، وكانت عين إنصافك مفتوحة، فإن الفصل السابق خير
علاج علمي لك. وإذا لم تكن قد دخلت ھذه المرحلة، ففكّر قليلا في حالك، فلعل قلبك يصحو.
فيا أيھا الإنسان الذي لم تكن شيئاً في أول أمرك، وكنت كامنا دھور العدم والآباد غير المتناھية، ما ھو الأقل
من العدم واللاشيء على صفحة الوجود؟ ثم لمّا شاءتْ مشيئة االله أن يظھرك، إلى عالم الوجود فمن جرّاء قلة
قابليتك الناقصة وتفاھتك وضعتك وعدم أھليتك لتقبل الفيض، أخرجك من ھيولى العالم ـ المادة الأولى ـ التي لا
تكون سوى القوة المحضة والضعف الصرف، إلى صورة الجسمية والعنصرية، التي ھي أخسّ الموجودات وأحطّ
الكائنات، ومن ھناك أخرجك نطفة لو مسّتھا يدك لاستقذرتھا وتطھّرت منھا، ووضعك في منزل ضيق رجس ھو
خصيتي الأب، وأخرجك من مجرى البول في حالة مزرية قبيحة، وأدخلك في رحم الأم من مكان تنفر من ذكر
أسمه. وحوّلك ھناك إلى علقة ومضغة، وغذّاك بغذاء يزعجك سماع أسمه ويخجلك. ولكن بما أن الجميع ھذا ھو
حالھم وتلك ھي بليتھم، زال الخجل «والبَلِيَّةُ إِذا عَمَّتْ طابَتْ».
في كل ھذه التطورات كنت أرذل الموجودات وأذلھا وأحطھا، عاريا عن إدراك ظاھري وباطني، بريئا من كل
الكمالات. ثم شملتك رحمته وجعلك قابلا للحياة، فظھرت فيك الحياة رغم كونك في أشد حالات النقص، بحيث
أنك كنت أحط من الدودة في أمور حياتك، فزادت برحمته تدريجيا قابليتك على إدارة شؤون حياتك، إلى أن أصبحت
جديرا بالظھور في محيط الدنيا، أظھرك في ھذه الدنيا من خلال أشد المجاري ضعة، وفي أوطأ الحالات، وأنت
أضعف في الكمالات وشؤون الحياة، وأدنى من جميع مواليد الحيوانات الأخرى. وبعد أن منحك بقدرته قواك
الظاھرية والباطنية، ما زلت ضعيفاً وتافھاً بحيث أن أيّاً من قواك ليست تحت تصرفك، فلست بقادر على المحافظة
على صحتك، ولا على قواك ولا على حياتك، ولست بقادر على الاحتفاظ بشبابك وجمالك. وإذا ما ھاجمتك آفة أو
انتابك مرض فلست بقادر على دفعھما عنك. وعلى العموم، ليس تحت تصرفك شيء من ذلك. لو جعت يوما
لتنازلت حتى لأكل الجيفة، ولو غلبك العطش لما امتنعت عن شرب أي ماء آسن. وھكذا أنت في شؤونك الأخرى
عبد ذليل مسكين لا قدرة لك على شيء. ول وقارنت حظك من الوجود ومن الكمالات بما لسائر الموجودات، 
44
لوجدت أن ك وكل الكرة الأرضية، بل وكل المنظومة الشمسية، لا قيمة لكم مقابل ھذا العالم الجسماني الذي
ھو أدني العوالم وأصغرھا.
أيھا العزيز! إنك لم تر سوى نفسك، والذي رأيته لم تضعه موضع الاعتبار والمقارنة. حاول أن تنظر إلى نفسك
وما تملك من شؤون الحياة وزخارف الدنيا وقارنھا بمدينتك. وقارن مدينتك بوطنك، ووطنك بسائر الدول في الدنيا
التي لم تسمع بأكثر من واحدة بالمائة منھا، وقارن كل الدول بالكرة الأرضية، والأرض بالمنظومة الشمسية،
وبالكرات الواسعة التي تعيش على فتات أشعة الشمس المنيرة، وقارن كل المنظومة الشمسية الخارجة عن
محيط فكري وفكرك، بالمنظومات الشمسية الأخرى التي تعد شمسنا وجميع سياراتھا، واحدة من سيارات إحدى
تلك المنظومات التي لا يمكن أن تقارن شمسنا معھا، والتي يقال أن ما اكتشف منھا حتى الآن يبلغ عدة ملايين
من المجّرات، وأن في ھذه المجرة القريبة الصغيرة عدة ملايين من المنظومات الشمسية التي تكبر أصغر
شمسھا على شمسنا ملايين المرات وتسطع نور أكثر. ھذه كلھا من العوالم الجسمانية التي لا يعرفھا إلاّ
خالقھا، وإن ما اكتشفت منھا لا يبلغ الجزء الضئيل منھا. وكل عوالم الأجسام ھذه لا تكون شيئاً بالقياس إلى
عالم ما وراء الطبيعة، فھناك عوالم لا يمكن للعقل البشري أن يتخيلھا.
ھذه شؤون حياتك وحياتي وھذه حظوظنا ونصيبنا من عالم الوجود. وعندما تشاء إرادة االله أن تتوفاك وتنقلك
من ھذه الدنيا، فإنه يأمر جميع قواك بالاتجاه نحو الضعف وجميع حواسك بالتوقف عن العمل، فتختل أجھزة
وجودك، ويذھب سمعك وبصرك وتضمحل قواك وقدراتك، فتصبر قطعة جماد تزكم بعد أيام رائحتك العفنة، أنوف
الناس وتؤذي مشامّھم، ويھربون من صورتك وھيئتك، وما أن تمضي عليك أيام أخر حتى تھترأ أعضاؤك وتتفسخ.
ھذه ھي أحوال جسمك، أما أحوال أموالك وثروتك فأمرھا معروف.
أما عالم برزخك: فإنك إن انتقلت من ھذه الدنيا ـ لا سمح االله ـ قبل أن تصلحه فاالله يعلم كيف تكون صورتك،
وكيف تكون أحوالك، إذ أن قوى الإدراك في ھذا العالم عاجزة عن أن تسمع أو ترى أو تشم شيئاً من ذلك العالم.
إن ما تسمعه عن ظلمة القبر ووحشته وضيقه إنما تقيسه على ما في ھذا العالم من ظلمة ووحشة وضيق، مع
أن ھذا القياس وھذه المقارنة باطلة. نسأل االله أن ينجينا مما أعددنا لأنفسنا بأنفسنا!.
إن عذاب القبر أنموذج من عذاب الآخرة والمستفاد من بعض الأحاديث أن أيدينا تقصر عن الوصول إلى شفاعة
الشفعاء في القبر73 ،فيا له من عذاب! إن نشأة الآخرة أشد وأفظع من جميع الحالات السابقة. إنه يوم تبرز فيه
الحقائق، وتنكشف فيه السرائر، وتتجسد فيه الأعمال والأخلاق. يوم تصفيه الحساب، يوم الذلة في المواقف. تلك
ھي أحوال يوم القيامة!.
أما حال جھنم التي تكون بعد يوم القيامة فأمرھا معلوم أيضاً. إنك تسمع أخباراً عن جھنم! إن النار ليست
وحدھا عذاب جھنم. فلو أن باباً منھا انفتحت على عينيك وعلى ھذا العالم لھلك أھلھا خوفا. وكذلك لو انفتحت
باب أخرى على أذنيك، وأخرى على خياشيمك، لو أن أيّاً منھا فتح على أھل ھذا العالم لھلكوا جميعا من شدة
العذاب.
يقول أحد علماء الآخرة: مثلما أن حرارة جھنم أشد ما تكون، كذلك برودتھا أشد ما تكون. واالله تعالى قادر على
أن يجمع الحرارة والبرودة74 .ھكذا ھي نھاية حالك.
إذاً، فالذي أوله عدم غير متناه، وھو منذ أن يضع قدمه في الوجود تكون جميع تطوراته قبيحة وغير جميلة، وكل
حالاته مخجلة، وكل من دنياه وبرزخه وآخرته أفجع من الأخرى، بم يتكبر؟ بأي جمال أو كمال يتباھى؟ إن من كان
جھله أكبر وعقله أصغر كان تكبره أكثر ومن كان علمه أكثر وروحه أكبر وصدره أوسع، كان تواضعه أكثر.
إشارة للحديث : " قلت لأبي عبد االله " ع " : " أني سمعتك وانت تقول كل شيعتنا في الجنة على ما كان فيھم " قال " ع " : " صدقت 73
كلھم واالله في الجنة, قال : قلت: جعلت فداك أن الذنوب كثير, كبار, فقال " ع " : أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو
وصي النبي ولكني واالله أتخوف عليكم في البرزع, قلت وما البرزخ؟ قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة.
فروع الكافي, ج3 ص242 : كتاب الجنائر, باب ما ينطق به موضع القبر " الحديث 3.
74
الفتوحات المكية, ج1 فصل 1 الباب 61.
45
النبي الكريم صلى االله عليه وآله وسلم الذي كان علمه من الوحي الإلھي، وكانت روحه من العظمة بحيث
أنھا بمفردھا غلبت نفسيات كل البشر، إن ھذا النبي قد وضع جميع العادات الجاھلية والأديان تحت قدميه،
ونسخ جميع الكتب، واختتم دائرة النبوة بشخصه الكريم، وكان ھو سلطان الدنيا والآخرة والمتصرف في جميع
العوالم بإذن االله، ومع ذلك كان تواضعه مع عباد االله أكثر من أي شخص آخر. كان يكره أن يقوم له أصحابه احتراما،
وإذا دخل مجلسا لم يتصدر ويتناول الطعام جالسا على الأرض قائلا: إنني عبد، أكل مثل العبيد وأجلس مجلس
العبيد75.
لقد نقل عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول االله صلى االله عليه وآله وسلم كان يحب أن يركب الحمار
من دون سرج، وأن يتناول الطعام مع العبيد على الأرض، وكان يعطي الفقراء بكلتا يديه. كان ذلك الإنسان العظيم
يركب الحمار مع غلامه أو غيره، ويجلس على الأرض مع العبي، وفي سيرته أن ه كان يشترك في أعمال المنزل،
ويحتلب الأغنام، ويرقع ثيابه ويخصف نعله بيده، ويطحن مع خادمه ويعجن، يحمل متاعه بنفسه، ويجالس الفقراء
والمساكين ويأكل معھم76 .ھذه وأمثالھا، نماذج من سيرة ذلك الإنسان العظيم وتواضعه، مع أنه فضلا عن مقامه
المعنوي كان في أكمل حالات الرئاسة الظاھرية.
وھكذا قد اقتدى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، إذ كانت سيرته من سيرته صلى االله
عليه وآله وسلم77.
فيا أيھا العزيز! إذا كان التكبر بالكمال المعنوي، فقد كان الرسول الأعظم صلى االله عليه وآله وسلم والإمام
علي عليه السلام أرفع شأناً، وإذا كان بالرئاسة والسلطان، فقد كانت لھما الرئاسة الحقة. ومع ذلك، كانا أشد
الناس تواضعا. فاعلم، أن التواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجھل وانعدام المعرفة، فامسح عن نفسك عار
الجھل والانحطاط، وأتصف بصفات الأنبياء، واترك صفات الشيطان، ولا تنازع االله في ردائه ـ الكبرياء ـ فمن ينازع
الحق في ردائه فھو مغلوب ومقھور بغضبه، ويُكَبُّ على وجھه في النار.
وإذا عزمت على إصلاح نفسك، فطريقه العملي، أمر يسير مع شيء من المثابرة، وإنه طريق لو اتصفت بھمة
الرجال وحرية الفكر وعلو النظر، فلن تصادفك أية مخاطر. فإن الأسلوب الوحيد على النفس الأمّارة، وقھر الشيطان،
ولإتّباع طريق النجاة، ھو العمل بخلاف رغباتھما. إنه لا يوجد سبيل أفضل لقمع النفس من الاتصاف بصفة التواضع
ومن السير وفق مسيرة المتواضعين فحيثما تكن درجة التكبر عندك، ومھما تكن طريقتك في العلم والعمل، أعمل
قليل بخلاف ھوى نفسك، فإن مع الإلتفات إلى الملاحظات العلمية تجاه التكبر، والانتباه إلى النتائج المطلوبة. إذا
رغبت بأن تتصدر المجلس متقدما على أقرانك، فخالفھا وأعمل عكس ما ترغب فيه. وإذا كانت نفسك تأنف من
مجالسة الفقراء والمساكين، فمرِّغ أنفھا في التراب وجالسھم، وآكلھم، ورافقھم في السفر، ومازحھم وقد
تجادلك نفسك فتقول لك: إن لك مقاماً ومنزلة، وإن عليك أن تحافظ على مقامك من أجل ترويج الشريعة والعمل
في سبيلھا، فمجالستك الفقراء تذھب بمنزلتك من القلوب، وإن المزاح مع مَنْ ھو دونك، يقلل من عظمتك،
وجلوسك في ذيل المجلس يحط من ھيبتك، فلا تقدر أن تؤدي واجبك الشرعي على خير وجه!! اعلم، أن ھذه
كلھا من مكائد الشيطان والنفس الأمارة. لقد كان مقام رسول االله صلى عليه وآله وسلم في الدنيا من حيث
الرئاسة والمركز أرفع منك، ومع ذلك كانت سيرته ھي التي قرأت عنھا وسمعت بھا.
لقد عاصرت شخصيا من العلماء من كانت لھم الرئاسة والمرجعية الدينية كاملة في دولة واحدة، بل ولكل
الشيعة في العالم وكانت سيرتھم تلي سيرة رسول االله صلى االله عليه وآله وسلم.
في روايات متعددة أشير إلى خُلق وسلوك رسول االله " ص " بعضھا وردت في ھذا الكتاب. عن أنس بن مالك قال : لم يكن شخص 75
أحب إليھم من رسول االله " ص " وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراھيته " ".
" وعن ابن عباس قال : كان رسول االله " ص " يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك ويقول " ص " :
أنا عبد اكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس ا لعبد " كتاب مكرام الأخلاق, ص12 الفصل الثاني.
كان يجلس على الأرض وينام عليھا ويأكل عليھا وكان يخصف النعل ويرفع الثوب ويفتح الباب ويحلب الشاة ويعقل البعير فيحلبھا ويطحن 76
مع الخادم إذا اعيى... ويخدم في مھنه أھله ويقطع اللحم, وإذا جلس على طعام جلس مُحقّراً... يركب ما أمكنه من فرس أو بغلة أو حمار
ويركب الحمار بلا سرج وعليه العذار.. يجالس الفقراء والسماكين ويؤاكل المساكين ويناولھم بيده.
بحار الأنوار, ج16 ص226 " تاريخ نبينا " ص " , باب مكارم أخلاقه " الحديث: 34.
كشف الغمة في معرفة الأئمة ج1 ص162ـ172 " في وصف زھده في الدنيا ". 77
46
منھم، الأستاذ المعظم والفقيه المكرم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي78 حيث كانت له رئاسة
الشيعة ومرجعيتھم من 1340ھـ79 حتى 1355ھـ80 .كان سيرته عجيبة، كان يرافق الخدم في السفر، ويؤاكلھم،
ويفترش الأرض، ويمازح صغار الطلبة. وخلال أيام مرضه في أواخر حياته، كان يخرج بعد المغرب يتمشى في
الشارع وقد لفّ رأسه بقطعة قماش بسيطة متنعلاً حذاءاً بسيطاً من دون أي اھتمام بالمظھر، وكان ھذا يزيد من
وقعة في القلوب، من دون أن تصاب ھيبته بأي اھتزاز أو وھن.
وكان ھناك آخرون من علماء قم ممن لم يلتفتوا أبدا إلى ھذه التقيدات التي يحيكھا لك الشيطان. كانوا
يشترون حاجياتھم من السوق بأنفسھم، ويحملون الماء من مخازن المياه إلى بيوتھم، ويشتغلون في منازلھم.
وكان صدر المجلس وذيله سواء عندھم. وكانوا على درجة من التواضع بحيث تبعث على التعجب ومع ذلك كله
كان مقامھم محفوظا بل كانت منزلتھم تسمو في قلوب اناس أكثر فأكثر.
وعلى أي حال، إن صفة النبي الأكرم صلى االله عليه وآله وسلم وصفة علي بن أبي طالب عليه السلام لا
تقلل من قدر الإنسان إذا اتصف بھا. ولكن لا بُدَّ من ينتبه الإنسان إلى مكائد النفس في ھذه الحالات، لأنھا كثيرا
ما تكون قد أعدت لك فخّاً آخر لتوقعك فيه. فقد يجلس ـ أحدھم من يريد التخلص من الكبيرـ في ذيل المجلس
بھيئة من يريد أن يقول أن مقامه أرفع من مقامات الحاضرين، ولكنه لتواضعه جلس حيث. وإذا التبس على الناس
الأمر وقدّموا عليه من يشك في أفضليته عليه، فإنه ـ من يھرب من صفة التكبر ـ يقدم على نفسه من لا يشك
في تأخره عنه لكي يزيل ذلك الالتباس بالإيحاء بأن تأخيره في الدخول على المجالس وتقديم الآخرين على
نفسه يكون من باب التواضع. ھذه ومئات الأمثلة الأخرى من ھذا القبيل ھي من مكائد النفس التي تريد للإنسان
التكبر والرياء.
فلا بُدَّ من المجاھدة الخالصة الصادقة وبھا يمكن إصلاح النفس. إن جميع الصفات النفسانية قابلة للإصلاح، إلاّ
أن الأمر في البداية يتطلب بعض العناء، ولكن ما أن يضع قدمه على طريق الإصلاح حتى يسھل عليه الأمر. إنما
المھم ھو أن يشرع في التفكير في تطھير نفسه وإصلاحھا، والاستيقاظ من النوم.
إن المرحلة الأولى من مراحل الإنسانية ھي «اليقظة» وھي الاستيقاظ من نوم الغفلة، والصحوة من سكر
الطبيعة، والإدراك بأن الإنسان مسافر، وأنه لا بُدَّ للمسافر من زاد وراحلة. وزاد الإنسان خصاله، وراحلته في ھذه
المرحلة الخطيرة المخيفة، وفي ھذه الطريق الضيقة، على الصراط الذي ھو أحدَّ من السيف وأدق من الشعرة81 ،
الشعرة81 ،ھي ھمّة الرجال وعزمھم. والنور الذي ينير ظلام ھذا الطريق، ھو نور الإيمان والخصال الحميدة. فإذا
تقاعس الإنسان ووھنت ھمته أخفق في العبور، وانكب على وجھه في النار، وساوى تراب الذل، وانقلب في
ھاوية الھلاك. فمن لم يستطع اجتياز ھذا الصراط لا يستطيع اجتياز صراط يوم القيامة أيضاً.
فيا أيھا العزيز، أشدد عزيمتك، ومزّق عن نفسك سجف الجھل، وانج بنفسك من ھذه الورطة المھلكة! كان
إمام المتقين وسالك طريق الحقيقة ينادي في المسجد بأعلى صوته حتى يسمعه الجيران: «تَجَھَّزُوا رَحِمَكُمُ االلهُ
فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحيلِ»82 !وما زادٌ ينفعك سوى الكمالات النفسانية، وتقوى القلب، والأعمال الصالحة، وصفاء
الباطن، وخلوص النية من كل عيب وغش.
آية االله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (1376ـ1355ھـ. ق) من الفقھاء الكبار ومراجع التقليد لدى الشيعة في القرن 78
الرابع عشر الھجري فھو وبعد أن أنھى دراسة المقدمات سافر إلى النجف وسامراء ودرس ھناك على أيدي كبار العلماء كالميرزا الشيرازي
الكبير والميرزا محمد تقي الشيرازي والآخوند الخراساني والسيد كاظم اليزدي والسيد محمد الاصفھاني القشاركي. عاد إلى آراك عام
1332ھـ. ق, وفي عام 1340 قدم إلى قم وبعد إلحاح أعينان الناس عليه آنذاك وبعد الاستخارة ألقى برحله في مدينة قم وأسس فيھا الحوزة
العلمية, وقد تربى في حوزة درسه علماء كبار في مقدمتھم الإمام الخميني (ره) من آثاره: درر الفوائد في الأصول, الصلوة في الفقه, النكاح,
الرضاع, والمواريث.
1920م (المترجم). 79
1935م (المترجم). 80
كما جاء في الحديث النبوي (ص) : " الصراط ادق من الشعر واحدّ من السيف وأظلم من الليل " علم اليقين, ج2 ص969 " .المقصد 81
الرابع في معنى الصراط " وبنفس ھذا المعنى جاء في الرواية المروية عن الإمام الصادق " ع " في آمالي الصدوق, ص177 " المجلس " 33
الحديث 4 وكذلك في بحار الأنوار, ج8 ص65 " كتاب العدل والمعاد " الباب 22.
1935م (المترجم). 82
47
فإذا كنت من أھل الإيمان الناقص والصوري، فعليك أن تطھّر نفسك من ھذا الغش حتى تنضم إلى زمرة
السعداء والصالحين. والغش يزول بنار التوبة والندم، وبإدخال النفس في أتون العذاب واللوم، وصھرھا في حرارة
الندامة والعودة إلى االله. عليك أن تعمل في ھذا العالم، وإلاّ فإن {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ}83.
سوف تذيب قلبك. واالله أعلم كم قرن من قرون الآخرة يستغرق إصلاحك ھذا!! إن التطھر في ھذه الدنيا سھل
يسير، فالتغّيرات والتصورات سريعة الوقوع فيھا، أما في العالم الآخر فالتغيير يكون بشكل آخر، فزوال صفة من
صفات النفس قد يستغرق قرونا عديدة.
إذاً، أيھا الأخ، ما دمت في مقتبل عمرك، وزھرة شبابك، وأوج قوتك، وحرية إرادتك، سارع لإصلاح نفسك، ولا
تلق بالاً لھذا الجاه والمقام، وطأ على ھذه الاعتبارات بقدميك إنك إنسان، فأبعد نفسك عن صفات الشيطان،
فلعلّ الشيطان يھتم بھذه الصفة اھتماماً كبيراً لكونھا صفة من صفاته. وھي التي أدت إلى طرده من حضرة االله،
ولذلك فھو يريد أن يوقع الإنسان، عارفاً أو عاميّاً عالماً أو جاھلا، في مثل ھذه الرذيلة، حتى إذا ما لقيك يوم
القيامة شَمَتَ بك قائلاً: «ويا أبن آدم، ألم يخبرك الأنبياء بأن أتكبر على أبيك قد طردني من حضرة الحق. لقد نزلت
عليّ لعنة االله لأني احتقرت مقام آدم واستعظمت مقامي، فلماذا أوقعتك نفسك في ھذه الرذيلة» ؟.
وعندئذ تصبح، أيھا المسكين!موضع شماتة أرذل مخلوقات االله وأحطھا، فضلاً عن عذابك وابتلاءاتك وندامتك
وحسرتك مما يعجز الكلام عن وصفه. إن الشيطان لم يكن قد تكبّر على االله، بل على أدم وھو من مخلوقات
الحق، فقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}84 .فاستعظم نفسه واستحقر آدم. وأنت تستصغر بني آدم
وتستكبر بنفسك عليھم، فأنت أيضاً تعصي أوامر االله. لقد قال لك تعالى: كن متواضعاً مع عباد االله، ولكنك تتكبر
وتتعالى عليھم. فلماذا، تلعن الشيطان وحده؟ أشرك نفسك الخبيثة معه في اللعن أيضاً، مثلما أنت شريكه في
ھذه الرذيلة. إنك من مظاھر الشيطان، بل إنك تجسّد الشيطان. ولربما كانت صورتك في البرزخ وفي يوم القيامة
صورة شيطانية. فإن المقياس في صورة الإنسان في الآخرة الملكات الحاصلة للنفس. فليس ھناك ما يمنع من أن
تكون على صورة شيطان، أو على صورة نملة صغيرة، إن موازين الآخرة تختلف عن موازين الدنيا.
فصل: قد يكون الحسد سببا للتكبر
اعلم أن من الممكن أحياناً أن يتكبّر فاقد الكمال على واجد الكمال، كأن يتكبر الفقير على الغني والجاھل
على العالم. ولا بُدَّ أن نعرف أنه مثلما كان العُجب أحيانا مدخلا للتكبر، فإن الحسد قد يصبح أيضاً مدخلاً إليه.
فالإنسان الذي يفتقر إلى كمال موجود في غيره، يندفع إلى أن يحسده، ثم يصير سبباً لكي يتكبر عليه ويسعى
جھده لإذلالهِ وإھانته.
روى عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال «الكِبَرُ قَدْ يَكونُ فِي شِرارِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ... » ثُمَّ قَالَ: إِنَّ
رَسولَ االلهِ صَلّى االلهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي بَعضِ طُرقِ المَدِيَنِة وَسَوْدَاءَ تَلقطِ السرقين، فَقِيلَ لَھَا: تَنَحِّي عَنْ
طَرِيقِ رَسُولِ االلهِ صَلّى االلهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ الطَرِيقَ لَمَعرض. فَھَمَّ بِھَا بَعْضُ القَوْمِ أنْ يَتَنَاوَلھا، فَقَالَ
رَسُولُ االلهِ صَلّى االلهُ عَليهِ وآلِهِ وَسَلَّم: «دَعُوھَا فإِنَّھَا جَبَّارة» 85.
وقد تظھر ھذه الصفة في بعض أھل العلم، مبرراً أن التواضع أمام الأغنياء غير محمود، وتقول له نفسه الأمارة
بالسوء إن التواضع للأغنياء منقصة للإيمان. إن المسكين لا يميّز بين التواضع لغني من أجل غناه والتواضع لغير
ذلك. فمرة يتواضع الإنسان مدفوعا برذيلة حب الدنيا والانجذاب نحو طلب الجاه والمقام. فليس ھذا من خلق
التواضع في شيء، بل إنه المداھنة والملق وأنه من الرذائل النفسانية، وصاحبھا لا ي تواضع للفقراء، إلاّ إذا طمع
فيھم بشيء أو أراد منھم شيئاً.
ومرة أخرى يكون طبع التواضع في الإنسان داعية له إلى احترام الناس والتواضع لھم. فقراء كانوا أم أغنياء،
مرموقين كانوا أم مغمورين. فھذا تواضعه خالص من غير شائبة، وروحه طاھرة مطھرة، لم يجتذب قلبه الجاه
83
.7 ،6 :الھمزة
84
الأعراف: 12.
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر، ح 2 (85
48
والمقام. إنه تواضع محمود للفقراء ومحمود للأغنياء، فلا بُدَّ من احترام كل إنسان بما ھو خليق به. أما تحقيرك
لأھل الجاه والغنى والتكبر عليھم فلا يعني أنك لست متملقا، بل يعني أنك حسود، وتكون في الوقت نفسه على
خطأ. ولھذا إذا رأيتھم يحترمونك على غير انتظار وتوقع، تتواضع لھم وتخفض لھم جناحك.
وعلى كل حال، إن مكائد النفس وأحابيلھا من الدقة المتناھية بحيث أن المرء لا يسعه إلاّ أن يستعيذ باالله
منھا.
وَالحَمْدُ الله أوّلاً وآخِراً.
الحَديث الخَامِس: الحسَد
بالسند المتصَّل إلى محمَّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراھيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود
الرقي، عن أبي عبد االله عليه السلام قال: قالَ رَسُولُ اللّه صَلى اللّه عَليهِ وآلِهِ وسَلَّم:
قالَ اللّه عَزَّ وَجلّ لِمَوسَى بنِ عُمْراِن:
« يا ابْنَ عُمْرانِ لا تًحْسُدَنَّ النّاسَ عَلى ما اتَيْتُھُمْ مِنْ فَضْلي ولا تَمُدَّنَّ عَيْنيكَ إِلى ذلِكَ وَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ فَإنَّ
86 الحاسِدَ ساخِطٌ لِنِعَمي صادٌ لِقِسْمِيَ الَّذي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبادي وَمَنْ يَكُ ذلِكَ فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنّي »
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 4   الإثنين يناير 08, 2018 2:18 pm

الشرح:
إن الحسد، حالة نفسية يتمنى صاحبھا سلب الكمال والنعمة التي يتصورھما عند الآخرين، سواء أكان يملكھا
أم لا، وسواء أرادھا لنفسه أم لم يردھا. وھذا يختلف عن الغبطة، لأن صاحب الغبطة يريد النعمة التي توجد لدى
الغير، أن تكون لنفسه، من دون أن يتمنى زوالھا عن الغير. وأما قولنا: « النعمة التي يتصورھا عند الآخرين »
فنعني به أن تلك النعمة قد لا تكون بذاتھا نعمة حقيقية. فطالما تبين أن الأمور التي تكون بحد ذاتھا من النقائص
والرذائل، يتصورھا الحسود من النعم والكمالات، فيتمنى زوالھا عن الآخرين. أو أن خصلة تعدّ من النقائص للإنسان
ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد في مرتبة الحيوانية فيراھا كمالاً، ويتمنى زوالھا. فھناك بين الناس، مثلاً
أشخاص يحسبون الفتك بالغير وسفك الدماء موھبة عظيمة، فإذا شاھدوا من ھو كذلك حسدوه. أو قد يحسبون
سلاطة اللسان وبذاءته من الكمالات، فيحسدون صاحبھا. إذاً، فالمعيار في معرفة ھذه الحالة النفسية ھو توھّم
الكمال وتصور وجود النعمة، لا النعمة نفسھا، فالذي يرى في الآخرين نعمة حقيقية كان، أو موھومة ويتمنى
زوالھا، يعدّ حسوداً.
اعلم أن للحسد أنواعا ودرجات حسب حال المحسود، وحسب حال الحاسد، وحسب حال الحسد ذاته. أما
من حيث حال المحسود، فمثل أن يحسد شخصاً لما له من كمالات عقلية، أو خصال حميدة، أو لما يتمتع به من
الأعمال الصالحة والعبادية، أو لأمور خارجية أخرى، مثل امتلاكه المال والجاه والعظمة والاحتشام وما إلى ذلك، أو
أن يحسد على ما يقابل ھذه الحالات من حيث كونھا من الكمال الموھوم الموجود في المحسود.
أما من حيث حال الحاسد، فقد ينشأ الحسد أحيانا من العداوة، أو التكبّر، أو الخوف، وغير ذلك من الأسباب
والعوامل التي سيرد ذكرھا فيما بعد.
وأما من حيث حال الحسد نفسه، الذي نستطيع أن نقوله أنھا الدرجات والتقسيمات الحقيقية، للحسد دون ما
سبق ذكره، فلشدته وخفته مراتب كثيرة، تختلف باختلاف الأسباب، كما تختلف باختلاف الآثار. وسوف نشير، إن
شاء االله، في عدة فصول إلى مفاسد الحسد وعلاجه. قدر استطاعتنا، ومن االله التَّوفيق.
فصل: في ذكر بعض أسباب الحسد
للحسد أسباب كثيرة، يرجع أكثرھا إلى رؤية الذلة في النفس، تماما كما أن الكبر، ـ نوعا ـ يتم على عكس
ذلك. فكما أن المرء عندما يجد في نفس كمالاً لا يجده في غيره، تنشأ عنده حالة من الترفع والتعزز والتعالي في
نفسه، فيتكبّر. وإذا لاحظ الكمال في غيره، انتابته حالة من الذل والانكسار. ولولا وجود عوامل خارجية ولياقات
نفسانية، لنتج من ذلك الحسد. وقد ينشأ من تصور ذله في تساوي غيره معه، مِثل أن يحسد صاحب الكمال
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح 6 (86
49
والنعمة مثيله أو الذي يليه. ويمكن القول أن الحسد ھو ذلك الانقباض والذل النفسي اللذان تكون نتيجتھما الرغبة
أسباب الحسد في 87 في زوال النعمة والكمال عن الآخرين. وقد حصر بعضھم ـ كالعلامة المجلسي قدس سره ـ
سبعة أمور:
الأول: العداوة.
الثاني: التعزز: أن يكون من حيث يعلم أن يستكبر بالنعمة عليه وھو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزّة نفسه.
الثالث: الكبر: أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته وھو المراد بالتكبر.
الرابع: التعجب: أن تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيراً فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر االله
تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُنَا}88 .و{أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا}89 .وأمثال ذلك كثيرة
فتعجبوا من أن يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع أنھم بشر مثلھم فحسدوھم وھو المراد بالتعجب.
الخامس: الخوف: أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة بأن يتوصل بھا إلى مزاحمته في أغراضه.
السادس: حب الرئاسة: أن يكون يحّب الرياسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيھا.
90 السابع: خبث الطينة: «أن لا يكون بسبب من ھذه الأسباب بل لخبث النفس وشحّھا بالخير لعباد االله»
.
ولكنني أعتقد كما أشرت إليه سابقا، أن معظم ھذه الأسباب بل كلھا تعود إلى رؤية ذل النفس، وإن السبب
المباشر لحسد حسب التعريف المشھور له ما ذكرناه ـ انبعاث الحسد من رؤية ذل النفس فلا مجال لذكر ھذه
الأقسام ـ. وأما بناءًا على ما ذكرناه في معنى الحسد من أن نفس ھذه الحال تكون حسداً فلا اعتراض على
صحة ذكر ھذه الأقسام. وعل ى أي حال يكون البحث حول ھذه المعاني بعيداً عن مقصودنا وعن طبيعة موضوعنا.
فصل: في بعض مفاسد الحسد
اعلم أن الحسد نفسه أحد الأمراض القلبية المھلكة، ويتولّد منه أيضاً أمراض قلبية كثيرة، كالكبر وفساد
الأعمال وتعدّ كل واحدة منھا من الموبقات. وتشكّل سبباً مستقلاً لھلاك الإنسان. ولسوف نباشر بذكر المفاسد
الواضحة منھا. ولا شك في أن ھناك مفاسد خفيّة عن نظر الكاتب.
وأما مفاسد الحسد فسنكتفي بما نقل عن الصادق المصدق:
91 ففي صحيحة معاوية بن وھب قال: قال أبو عبد االله عليه السلام: « آفَةُ الدّينِ الحَسَد والعُجْبُ وَالفَخْرُ »
.
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: « إِن الرَّجُلَ لَيَأْتى بِأي بادِرَةٍ فَيُكَفَّرُ، وَإنَّ الحَسَدَ
92 لَيَأْكُلُ الإيمان كَما تَأْكُلُ النّار الحَطَبَ »
.
ومعلوم أن الإِيمان نور إلھي يجعل القلب موضع تجليات الحق جلّ جلاله، كما جاء في الأحاديث القدسية: « لا
93 يَسَعُنِي أَرْضي ولا سَمائي بل يَسَعُني قَلْبُ عبدِي الْمؤمِنِ »
.
فھذا النور المعنوي، وھذه البارقة الإلھية التي تجعل القلب أوسع من كل الموجودات، تتعارض مع ھذا الضيق
والظلام اللذين تسببھما ھذه الرذيلة، رذيلة الحسد. إن ھذه الصفة القبيحة تضغط على القلب وتضيقه فتبدو
آثارھا في كل كيان الإنسان، باطنه وظاھره. إنھا تصيب القلب بالحزن والكدر، والصدر بالاختناق والضيق، والوجه
بالعبوس والغضب. وھذه الحال تطفئ نور الإيمان، وتميت قلب الإنسان، وكلما اشتدت ازداد ضعف الإيمان.
إن جميع الصفات المعنوية والظاھرية للمؤمن، تتنافى والآثار التي يوجدھا الحسد في ظاھر الإنسان وباطنه.
إن المؤمن يحسن الظن باللّه تعالى، وھو راض بقسمه الذي يقسمه بين عباده. أما الحسود فساخط على اللّه
تعالى، يشيح بوجھه عن تقديراته. لقد جاء في الحديث الشريف: إن المؤمن لا يتمنى السوء للمؤمنين، بل ھم
(بحار الأنوار، المجلد الثالث والسبعون، ص 240 .(87
يس
88
.15 :
89
المؤمنون: 47.
بحار الأنوار, ج70 ص240 " كتاب الإيمان والكفر, باتب الحسد " مرآة العقول ج10 ص159 " كتاب الإيمان والكفر, باب الحسد ". 90
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح 5 (91
(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح 1 (92
(إحياء العلوم، المجلد الثالث، ص 12 .إتحاف السادة المتقين، المجلد السابع ص 234 .غوالي اللئالي، المجلد الرابع ص 7 (93
50
أعزاء عنده، والحسود بعكس ذلك. المؤمن لا يغلبه حب الدنيا، والحسود بل إنما ومُبْتَلى بشدة حبه للدنيا.
والمؤمن لا يداخله خوف ولا حزن إلاّ من بارئ الخلق تعالى، أما الحسود فخوفه وحزنه يدوران حول المحسود.
والمؤمن طلق المحيا، وبشراه في وجھه، والحسود مقطب الجبين عبوس الوجه.
والمؤمن متواضع، والحسود متكبر في معظم الحالات. فالحسد، آفة الإيمان التي تأكله، كما تأكل النار الحطب.
ويكفي في شناعة ھذه الرذيلة ھو أن الحسد يقضي على الإيمان الذي يعدّ وسيلة النجاة في الآخرة، وباعثا
لحياة القلوب، ويجعل الإنسان مفلساً ومسكيناً.
وإن من المفاسد الكبيرة التي لا تنفك عن الحسد، سخط الحسود على الخالق وولي نعمته وإعراضه عن
تقديراته تعالى.
في ھذا اليوم أن حجب الطبيعة الدكناء والحجب الحاصلة من انشغالنا بھذه الطبيعة قد حجبت جميع
مشاعرنا، فأعمت أعيننا وأصمت آذاننا، فلا ندري إننا غاضبون تجاه مالك الملوك ومعرضون عنه ولا نعلم ما ھي
صورة ھذا الغض ب والإعراض في الملكوت حيث مساكننا الأصلية الدائمية؟ وإنما يصل إلى أسماعنا قول الإِمام
الصادق عليه السلام: « ومَنَ يَكُ كَذلكَ فَلَسْتُ مَنْهُ وَلَيْسَ مِنّي » ولا نفھم ماذا يحمل لنا تبرؤ الحق تعالى منّا
وإعراضه عنّا من مصائب؟ إن من يخرج عن ولاية اللّه ويطرد من ظل راية أرحم الراحمين لن يكون له أمل في
النجاة، ولن يشفع له أحد: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإِذْنِهِ} (البقرة/255 .(من ذا الذي يتقدم ليشفع لمن
يسخط عليه اللّه ويكون خارجاً عن حرز ولايته، وقد انقطع حبل المودة بينه وبين مالك الرقاب؟ واسوأتاه! واحسرتاه
على ما نفعله بأنفسنا! لم يفتأ الأنبياء والأولياء يصرخون في آذاننا ويريدون إيقاظنا من النوم، ولكننا نزداد غفلة
وشقاءً يوماً بعد يوم. ومن مفاسد ھذا الخلق الذميم، كما يقول العلماء، ضيق القبر وظلمته. إذ أنھم يقولون إن
صورة ھذا الخلق الفاسد الرديء، التي فيھا ضيق نفساني وكدر قلبي، تشبه ضيق القبر وظلمته، إذ أن ضيق
القبر أو اتساعه منوط بضيق الصدر أو انشراحه.
روي عن الإمام الصادق عليه السلام ـ إلى أن قال ـ، وَأنَّ رَسولَ اللّه صَلى اللّه عَليه وآله وسلمَ خَرَجَ فِي
جِنَازَةِ « سَعْد » وَقَدْ شَيّعَهُ سَبْعُونَ أًلْفَ مَلَكَ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَليهِ وَآله وسلم رَأسَهُ إلى السَّماءِ ثُمّ
قالَ: مِثلُ « سَعْد » يُضمّ؟ قال: قلت جعلت فداك أنّا نحدّث إنه كان يِسْتَخِفُّ بِالْبَولِ فَقال مَعَاذَ اللّه، إنَّما كانَ مِنْ
زعّارة في خُلُقِه عَلى أَھْلِهِ (فروع الكافي، المجلد الثالث، باب المسألة في القبر، ح 6 ،ص 236.(
إن الضيق والضغط والكدر والظلام الذي يحصل في القلب بسبب الحسد قلّما يوجد في خلق فاسد آخر. ولى
أي حال إن صاحب ھذا الخلق يعيش في الدنيا معذباً مبتلىً، ويكون له في القبر ضيق وظلمه، ويحشر في الآخرة
مسكيناً متألماً.
ھذه ھي مفاسد الحسد نفسه دون المفاسد الخلقية الأخرى، أو الأعمال الفاسدة الباطلة، التي يمكن أن
تتولد عن الحسد، وقلّما يتفق أن لا تتولد عن الحسد مفاسد أخرى بل إن عدداً من السيئات الأخلاقية والأعمال
الباطلة الأخرى تكون وليدة الحسد، كالكِبر في بعض الحالات، كما سبق، والغِيبة، والنميمة، والشتم، والإِيذاء،
وغير ذلك مما ھو من الموبقات والمھلكات.
فعلى الإنسان العاقل أن يشمّر عن ساعد الجد لينقذ نفسه من ھذا العار وإيمانه من ھذه النار المحرقة والآفة
الصعبة، وأن ينجو بنفسه من ضغط الفكر وضيق الصدر في ھذه الدنيا ـ وھما نوعان من العذاب المرافقان للعمر
كلّه ـ وكذلك من الضيق والظلمة في القبر وفي البرزخ، ومن غضب اللّه تعالى. على الإنسان أن يفكر قليلاً ليدرك
أن أمراً له ھذا القدر من المفسد يجب أن يعالج، مع العلم أن حسدك لن يضر المحسود. فلا تزول نعمته بمجرد
حسدك له، بل يكون له نفع دنيوي وأخروي، وذلك لأن شقائك وحزنك وأنت عدوه وحاسده يعد نفعاً له. فھو يرى
أنه متنعم وأنت معذب بتنعمه، وھذه نعمة له. فإذا انتبھت لھذه النعمة الثانية التي تتوفر للمحسود جلبت لنفسك
عذاب وضغط فكري آخِرَيْن ويعتبر عذابك ھذا نعمة له وھكذا. وعليه، فإنك تكون دائما في عذاب وشقاء وتعاسة
وغمّ، وھو في نعمة وسرور وانبساط. وفي الآخرة أيضاً يكون حسدك له نفعاً له، وخصوصاً إذا كان الحسد قد دفع 
51
بك إلى الغيبة والافتراء وسائر الرذائل، مما يستوجب أخذ حسناتك وإعطائھا له، فتعود أنت مفلساً، ويزداد ھو
نعمة وعظمة.
لو أنك أمعنت الفكر في ھذه الأمور لأقدمت على تطھير نفسك من ھذه الرذيلة وأنقذت نفسك من ھذه
المھلكة. ولا تظنن أن الرذائل النفسانية والخلق الروحية غير ممكنة الزوال، إن ظنوناً باطلة توحيھا إليك النفس
الأمارة والشيطان لكي تنحرف عن سلوك الآخرة وإصلاح النفس. فما دام الإنسان في دار الزوال وعالم التبدل
ھذا، فمن المم كن أن يتغيّر في جميع صفاته وأخلاقه، ومھما تكن صفاته متمكنة، فإنھا قابلة للزوال ما دام حياً
في ھذه الدنيا، وإنما تختلف صعوبة التصفية وسھولتھا نتيجة شدّة ھذه الصفات وخفّتھا.
ومن المعلوم أن إزالة صفة حديثة الظھور في النفس إنّما يتحقق بقليل من الجھد والترويض، كالنبتة في أيامھا
الأولى التي لم ترسل جذورھا إلى الأعماق بعد ولم تتمكن من التربة. ولكن إذا تمكنت تلك الصفة من النفس
وأصبحت من الملكات المستقرة فيھا، فإنه يصعب إزالتھا، ورغم أن إزالتھا ممكنة، كاقتلاع شجرة ضخمة معمرّة
ضربت بجذورھا في أعماق التربة، فكلما تقاعست وأبطأت في مساعيك لاقتلاع جذور المفاسد من قلبك وروحك،
ازداد تعبك وعنائك في اجتثاثھا.
فيا عزيزي! إن الوقوف منذ البداية دون تسرب المفاسد الأخلاقية أو العملية إلى مملكة ظاھرك وباطنك، أيسر
بكثير من إخراجھا بعد توغلھا، لأن ذلك يتطلب الكثير من العناء والجھد. وإذا تسربت، فإنك كلما أخرت التصدي
لإخراجھا، ازداد الجھد المطلوب منك وضعفت قواك الداخلية.
يقول شيخنا الجليل والعارف الكبير الشاه آبادي (روحي فداه) : إن الإنسان في عز شبابه وقوة فتوته يكون
أقدر على الوقوف بوجه المفاسد الأخلاقية، وأفضل في أداء واجبه الإنساني. فلا تتركوا ھذه القوى تضيع من
أيديكم، ويستولي عليكم ضعف الشيخوخة، وعندئذٍ يصعب عليكم التوفيق في مساعيكم، وحتى لو أنكم وفقتم،
فإن ذلك الإصلاح سوف يتطلب منكم الكثير من المشقة والتعب.
وعليه، إذا فكّر الإنسان العاقل في المفاسد ووجد أنه غير داخل فيھا، فإنه يستطيع أن يمنع نفسه من التلوث
بھا، وإذا وجد نفسه ـ لا سمح اللّه ـ مبتلاةً بھا، فخي ر له أن يسرع في إصلاح نفسه قبل أن تتجذّر تلك المفاسد
فيه، وإذا كانت ـ لا سمح اللّه ـ قد تجذّرت فيه فعليه أن يبذل كل جھد مستطاع في سب يل اقتلاع تلك الجذور
لئلا يصل إلى مرحلة اللاعودة في البرزخ والآخرة، لأنھا إذا أعطت ثمرھا، وخرج صاحبھا بخلقه الفاسد من ھذه
الدنيا المتبدلة في ھيولاھا والمتغيرة في جوھرھا، خرج أمر اقتلاعھا من يديه، وھيھات أن يتبدّل خلق من
الأخلاق النفسانية في الآخرة أو في البرزخ.
جاء في مضمون حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم، أن الخلود في الجنة أو في النار منوط بنية
94 الإنسان
. فالنوايا الفاسدة، التي ھي وليدة الأخلاق والرذيلة، لا يمكن أن تزول إلاّ بزوال منشئھا.
إن الملكات في ذلك العالم تكون على درجة من شدّة الظھور وقوته بحيث أن زوالھا إما لا يكون ممكناً، فيكون
صاحبھا مخلداً في النار. وإمّا إذا أمكن بالضغوطات والمشاق والنيران إزالتھا، فإن ذلك قد يحدث ولكن بعد قرون
ربوبية.
فيا أيھا الإنسان العاقل! إن ما يمكن أن تصلحه في شھر أو في سنة من التعب الق ليل الدنيوي وبمحض
اختيارك واضعاً حدّاً لشقائك في الدنيا والآخرة، لا تھمله لكيلا يوردك موارد الھلاك.
عن الإمام الصادق " ع " عن آبائه عن أمير المؤمنين " ع " انه قال: كان رسول االله " ص " ذات يوم جالساً في مسجده إذ دخل عليه 94
رجل من اليھود... قال اليھودي: فان كان ربك لا يظلم فكيف يخلد في النار أبد الآبدين من لم يعصه إلا اياماً معدودة ؟ قال " ص " : يخلده على
نيته, فمن علم االله نيته انه لو بقي في النار إلى أنفضائھا كان يعصي االله عز وجل, خلّده في ناره, على نيته, ويته في ذلك شر من عمله
وكذلك يخلد من يخلد في الجنة بأنه ينوي انه لو بقي في الدنيا أياماً لأطاع االله أبداً ونيته خير من عمله, فبالثبات يخلد
أھل الجنة في الجنة واھل النار في النار. التوحيد ص398 ,399 " باب الأطفال " الحديث 14.
52
فصل: في بيان جذور المفاسد الخلقية
سبق القول95 بأن الإيمان، الذي ھو حظ القلب، غير العلم الذي ھو حظ العقل. ثم إن جميع المفاسد الأخلاقية
والعملية تنشأ عن كون القلب غافلاً عن الإيمان، وأن ما يدركه العقل عن طريق البرھان العقلي أو عن طريق أخبار
الأنبياء لم يوصله إلى القلب، ولذلك فالقلب لا يعرف عنه شيئاً.
إن من بين المعارف التي يصدّقھا الحكماء والمتكلمون وعامّة الناس من أھل الشرائع، ولا يشكون فيھا أبداً،
ھو أن ما جرى به قلم الحكيم المطلق جلّت قدرته من الوجود والكمال ومن بسط النعمة وتقسيم الآجال والأرزاق،
جاء على خير تقدير وأجمل نظام، وھو يتطابق كل التطابق مع المصالح التامة والنظام الكلي لأتم نظام متصور.
ولكن يعبر كل واحد ـ من الحكماء والمتكلمين ـ بلسانه الخاص واصطلاحه الذي يختص بفنه الذي اتخذه وسيلة
لتبيان ھذه النعمة الإلھية والحكمة الكاملة.
يقول العارف: ظلّ الجميل جميل على الإطلاق. ويقول الحكيم: النظام العيني المطابق للنظام العلمي خال من
. ويقول 96 النقص والشرور، والشرور المتوھمة الجزئية ھي من أجل إيصال الكائنات إلى كمالاتھا التي تليق بھا
المتكلم وأھل الشرائع: أفعال الحكيم تكون على أساس من الحكمة والصلاح، وأن أيدي العقول البشرية الجزئية
. ھذا الموضوع يدور على ألسنة الجميع، وكل 97 المحدودة قاصرة عن إدراك المصالح العالية في التقديرات الإلھية
ما يستدل على ذلك بأدلة تتناسب مع مدى سعة علمه وعقله. ولكن بما أنه لم يتعد حدود الأقوال إلى حيث
القلوب والأحوال، فإن ألسنة الاعتراض مطلقة، وأن من لم يكن له حظ من الإيمان يقوم بتفنيد برھانه وتكذيب
قوله. وعلى ھذا الأساس تكون المفاسد الأخلاقية.
وليعلم من يحسد الناس ويتمنى زوال النعمة عن الآخرين، ويحقد في قلبه على أصحاب النعم، أنه لا إيمان له
بأن اللّه عزّ وجل من باب معرفة الصالح أسبغ نعمه على أولئك، وأن إدراكنا لذلك قاصر. وليعلم أيضاً أنه لا يؤمن
بعدل اللّه تعالى ولا يرى التقسيم عادلاً. إنك في أصول العقائد تقول إن اللّه عادل، وما ھذا إلاّ مجرد لفظة على
لسانك. إن الإيمان بالعدل يناقض الحسد. إنك إذا كنت ترى اللّه عادلاً، لرأيت تقسيمه عادلاً أيضاً. وقد جاء في
الحديث الشريف: يقول اللّه عزّ وجل: «إن الحسود يشيح بوجھه عمّا قسمته بين العباد، وھو ساخط على
نعمي».
إن القلب يخضع بالفطرة للقسمة العادلة، وينفر بالفطرة كذلك من العسف والجور. إن الفطرة الإلھية الكامنة
في أعماق البشر حب العدل والرضى به، وكراھة الظلم وعدم ا لانقياد له. فإذا رأى خلاف ذلك فليعلم أن في
المقدمات نقصاً. فإذا سخط على النعمة وأعرض عن القسمة، فذلك لأنه لا يرى ذلك عدلاً، بل يراه ـ والعياذ باللّه ـ
جوراً. وليس معناه أنه يرى القسمة عادلة ثم يعرض عنھا، أو أنه يرى الخطة المرسومة مطابقة للنظام الأتم
والمصلحة التامة، ثم يسخط عليھا بل يرى أن ھذا جور ومغاير للعدل. أسفاً علينا! إن إيماننا ناقص، ولم تخرج أدلتنا
العقلية من نطاق العقل لتصل إلى حدود القلب. ليس الإيمان بالقول والسماع والمطالعة والمباحثة والنقاش
فحسب وإنما يتطلب أيضاً خلوص النية. إن الباحث عن اللّه يجده لا محالة، والذي يطلب المعارف يبحث عنھا،
{وَمَنْ كَانَ فِي ھَذِهِ أَعْمَى فَھُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} (الإسراء72} .(وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ
مِنْ نُورٍ} (النور40.(
فصل: في بيان المعالجة العملية للحسد
يوجد فضلاً عن العلاج العلمي الذي ذكرنا بعضه، العلاج العملي لھذه الرذيلة، وذلك بأن تتكلف إظھار المحبة
للمحسود وترتب الأمور بحيث يكون ھدفك ھو معالجة مرضك الباطني. إن نفسك تدعوك لإيذائه واعتباره عدواً،
وتكشف لك عن مساوئه ومفاسده. ولكن عليك أن تعمل خلافاً لما تريده النفس، وأن تترحم عليه وتحترمه وتجلّه.
وأحمل لسانك على أن يذكر محاسنه، وأعرض أعماله الصالحة على نفسك وعلى الآخرين، وتذكّر صفاته الجميلة.
الحديث 2 ,ص57 فصل " في بيان أن العلم يغاير الإيمان ". 95
96
الاسفار الأربعة , ج7 ص55 ,105 السفر الثالث, الموقف الثامن, الفصل 1 إلى 9.
97
كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد, ص234 المقصد الثالث, الفصل الثاني.
53
صحيح أن ھذا سوف يكون متكلفاً في بادئ الأمر ومن باب المجاز دون الحقيقة ولكن لما أن الھدف ھو إصلاح
النفس وإزالة ھذه المنقصة والرذيلة، فإن نفسك سوف تقترب في النھاية من الحقيقة، ويخف تكلفك شيئاً
فشيئاً، وترجع نفسك إلى حالھا الطبيعي وتصبح ذات واقعية.
قل لنفسك، على الأقل: إن ھذا الإنسان عبد من عباد اللّه، ولعل اللّه نظر إليه نظرة لطف فأنعم عليه بما
أنعم، خصّه دون غيره بھا، خصوصاً إذا كان المحسود من رجال العلم والدين، وأنه محسود على ذلك، فإن مثل ھذا
الحسد يكون أقبح، ومعاداة أمثال ھؤلاء أسوأ عاقبة. ولا بُدَّ من تفھيم النفس بأن ھؤلاء ھم من عباد اللّه
المُخْلَصِين الذين شملھم توفيق منه، ووھبھم ھذه النعم العظيمة. وھي نعم يجب أن تبعث في القلوب المحبة
لھم واحترامھم والخضوع لھم. فإذا رأى أن ھذه الأمور التي يجب أن تكون دافعاً على المحبة والاحترام توجب
نقيض ذلك فعليه أن يعلم أن الشقاء قد اكتنفه من كل جانب، وأن الظلام قد أحاط بباطنه، فلا بُدَّ أن يبادر إلى
إصلاح نفسه بالطرق العلمية والعملية. وليعلم أنه إذا اتخذ طريق المحبة فإنه سرعان ما يكون موفقا، لأن نور
المحبة قاھر للظلمة ومزيل للكدر، ولقد وعد اللّه تعالى المجاھدين أن يھديھم وأن يعينھم بلطفه الخفي
ويوفقھم. إنّه وليّ التوفيق والھداية.
فصل: في ذكر حديث الرفع
اعلم أنه ورد في بعض الأحاديث الشريفة ما مضمونه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال: إن اللّه
رفع عن أمتي تسع... ومنھا الحسد إذا لم يظھر من خلال يده أو لسانه. ومن المعلوم أنه يجب أن لا تَحُولَ أمثال
ھذا الحديث الشريف دون المساعي الجادة لقلع ھذه الشجرة الخبيثة من النفس، ولا تمنع المحاولات المبذولة
في سبيل تطھير الروح من ھذه النار التي تحرق الإيمان، ومن ھذه الآفة التي تقضي عليه، لأنه يندر أن تدخل
ھذه الرذيلة المفسدة إلى نفس إنسان ولا تتوالد فيھا المفاسد المختلفة، ثم لا يظھر أثرھا أبدا، ويحافظ على
إيمان الإنسان.
مع أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة أن ھذه الصفة تأكل الإيمان، وإنھا آفة الإيمان، وأن اللّه تعالى بريء من
صاحبھا، وإنه مطرود من حضرته، فيجب أن لا يغفل الإنسان عن مثل ھذا الأمر الخطير والفساد الكبير الذي يھدد
كل وجوده وطاقاته، متمسكاً بالتفسير الظاھري لھذا الحديث الشريف.
عليك إذاً، أن تقوم جاھداً، بتقليم فروع الحسد، والسعي لإصلاح النفس، ولا تدع شيئاً منه يترشح إلى
الخارج، وعندئذٍ تضعف جذوره، ويقف نموه. وإذا وافتك المنية وأنت ماضٍ في سبيل الإصلاح والترويض للنفس، فإن
رحمة اللّه سوف تشملك، ولسوف ينالك العفو برحمة اللّه الواسعة وببركة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله
وسلم، وإذا بقيت منه باقية فإن بوارق الرحمة الإلھية سوف تحرقھا وتطھّر النفس وتزكّيھا.
أما ما جاء في رواية حمزة بن حمران
، عن أبي عبد االله عليه السلام أنه قال: «ثَلاثَةٌ لَمْ يَنْجُ مِنْھا نَبِيٌّ فَمَنْ 98
دُونَهُ فِي الوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ والطِّيرَةُ والحَسَدُ إلاّ أنَّ المُؤْمِنَ لا يَسْتَعْمِلُ حَسَدَهُ» فإنه إما يكون من باب المبالغة
الدالة على كثرة الابتلاء بھا، وإما أن يكون التعبير كناية عن كثرة الابتلاء دون أن يكون القصد ھو مضمون الكلام
بذاته، وإما أنه اعتبر الحسد أعم من الغبطة، من باب المجاز، وإما أنه يقصد بالحسد تمنّي زوال بعض النعم
المستعملة لدى الكفار في ترويج مذھبھم الباطل. وإلاّ فإن الأنبياء والأولياء مطّھرون من الحسد بمعناه الحقيقي.
إن القلب الملوث بالمساوئ الأخلاقية والقذارات الباطنية لا يمكن أن يھبط عليه الوحي والإلھام، ولا يكون موطن
التجليات الذاتية والصفاتية. إذاً، لا بُدَّ أن يفسر ھذا الحديث بحسب ما ذكر، أو بشكل آخر، أو يرد علمه إلى قائلة
صلوات اللّه عليه.
والحمد الله أولاً وآخراً.
98 روضة الكافي
, ج8 ص108 الحديث 86 ,سائل الشيعة, ج11 ص293 " كتاب الجھاد " الباب 55 الحديث 8.
54
الحَديث السَادِس: من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخِرة أكبر ھمّه
بالسند المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبداالله
بن س نان وعبدالعزيز العبدي، عن عبداالله بن أبي يعفور، عن أبي عبداالله عليه السلام قال: «مَنْ أَصْبَحَ وأَمْسى
وَالدُّنَْا أَكْبَرُ ھَمَّه، جَعَلَ اللَّهُ الفَقَْ بَيْنَ عَينَيْهِ وَشَتَّتَ أَمْرَهُ وَلَمْ يَنَلْ مِنَ الدُّنْيَا إلاّ مَا قُسِمَ لَهُ وَمَنْ أَصْبَحَ وَأمْسَى
99 وَالآخَِةُ أَكْبَرُ ھَمَّه، جَعَلَ اللَّهُ الغِنَى فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ أَمْرَهُ»
.
الشرح:
اعلمِ أن للدنيا والآخرة اطلاقات حسب آراء أرباب العلوم ولدى مقاييس معارفھم وعلومھم ولا يكون البحث عن
حقيقتھا على ضوء المصطلحات العلمية بمھمة لدينا، فإن بذل الجھد في فھم الاصطلاحات والرد والقبول والجرح
والتعديل يحول دون بلوغ القصد.
وإنما المھم في ھذا الباب ھم فھم الدنياالمذمومة التي على طالب الآخرة أن يتحرز منھا. وما يعين الإنسان
على النجاة، وسوف نبين ذلك إنشاء االله في بضعة فصول، ونسأل الّه تعالى التوفيق في سلوك ھذا الطريق.
فصل: في بيان كلام مولانا المجلسي ـ رحمة اللّه عليه ـ في حقيقة الدنيا المذمومة
يقول المحقق الخبير والمحدث المنقطع النظير مولانا المجلسي رحمة اللّه عليه:
(فاعلم أن الذي يظھر من مجموع الآيات والأخبار على ما نفھمه أن الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور
تمنع الإنسان من طاعة الّه وحبه وتحصيل الآخرة، فالدنيا والآخرة، ضرّتان متقابلتان فكلما يوجب رضى االله سبحانه
وقربه فھو من الآخرة، وإن كان بحسب الظاھر من أعمال الدنيا كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون المقصود
منھا تحصيل المعيشة للعيال لأمره تعالى به وصرفھا
في وجوه البر، وإعانة المحتاجين، والصدقات، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك، فإن ھذه كل ھا من أعمال
الآخرة وإن كان عامة الخلق يعدونھا من الدنيا.
والرياضات المبتدعة والأعمال الريائية، وإن كان مع الترھب وأنواع المشقة فإنھا من الدنيا لأنھا مما يبعد عن
100 االله ولا يوجب القرب إليه كأعمال الكفار والمخالفين) انتھى كلامه
.
ونقل المجلسي ـ رحمه اللّه ـ عن أحد المحققين:
«دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك، والقريب الداني منھما يسمى الدنيا وھي كل ما قبل
الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وھي ما بعد الموت. فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشھوة ولذ ة في
101 عاجل قبل الوفاة، فھي الدنيا في حقك...»
.
يقول الفقير إلى االله: إن الدنيا مرة تطلق على نشأة الوجود النازلة والتي ھي دار تصرّم وتغيّر ومجاز، والآخرة
تطلق على الرجوع من ھذه النشأة إلى ملكوت الإنسان وباطنه والتي ه دار بقاء وخلود وقرار. وھاتان النشأتان
متحققتان لكل نفس من النفوس وشخص من الأشخاص. وعلى العموم، لكل كائن مقام ظھور وملك وشھود.
وتلك ھي مرتبته النازلة الدنيوية. ومقام باطني، وملكوت غيبي، وھي النشأة الصاعدة الأخروية. وھذه النشأة
النازلة الدنيوية وإن كانت ناقصة بذاتھا وإنھا آخر مراتب الوجود، ولكن لما كانت مھد تربية النفوس القدسية، ودار
تحصيل المقامات العالية، ومزرعة الآخرة، فإنھا من أحسن مشاھد الوجود وأعز النشآت، وھي المغنم الأفضل عند
الأولياء وأھل سلوك الآخرة. ولولا ھذه الأمور الملكيّة والتغييرات والحركات الجوھرية، الطبيعية والإرادية، ولولا أن
يسلط الّه تعالى على ھذه النشأة التبدّلات والتصرّمات، لما وصل أحد من ذوي النفوس الناقصة إلى حد كماله
الموعود ودار قراره وثباته، ولحصل النقص الكلي في الملك والملكوت.
إن ما ورد في القرآن والأحاديث عن ذم ھذه الد نيا، لا يكون عائدا في الحقيقة إلى الدنيا من حيث نوعھا أو
كثرتھا، بل يعود إلى التوجه نحوھا وانشداد القلب بھا ومحبتھا.
99
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 15.
100
بحار الأنوار، المجلد 73 ،باب حب الدنيا، ص 63.
101
بحار الأنوار، المجلد 73 ،باب حب الدنيا، ص 25.
55
وعليه، يتبين من ذلك أن أمام الإنسان دنياءان: دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة. فالممدوح ھو الحصول في ھذه
النشأة وھي دار التربية ودار التحصيل ومحل التجارة لنيل المقامات واكتساب الكمالات والإعداد لحياة أبدية
سعيدة، مما لا يمكن الحصول عليه دون الدخول إلى ھذه الدنيا، كما جاء في خطبة لمولى الموحدين أمير
المؤمنين علي عليه السلام ردا على من ذم الدنيا:
«. إنّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَھا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَھِمَ عَنْھَا، وَدَارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْھَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنْ اتّعَظَ
بِھَا. مَسْجِدُ أحِبّاءِ اللّهِ، وَمُصَلّى مَلائِكَةِ اللَّهِ، وَمَھْبَطُ وَحْي اللَّهِ، وَمَتْجَرُ أوْلِيَاءِ اللَّهِ. اكْتَسَبُوا فِھَا الَّحْمَةَ، وَرَبَحُوا فِيھَا
102 الجَنَّةَ...»
.
. وھي دار الدنيا حسب ما ورد في تفسير العيّاشي عن الإمام الباقر 103 وقال تعالى: (... وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)
عليه السلام. وعليه، فإن عالم الملك، وھو مظھر الجمال والجلال وحضرة الشھادة المطلقة، ليس مذموماً بھذا
المعنى، بل المذموم ھو دنيا الإنسان نفسه، أي التوجه إليھا والتعلق بھا وحبھا، وھذا ھو منشأ كلّ المفاسد
والخطايا القلبية والظاھرية. كما جاء في كتاب الكافي الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: قال عليه السلام:
«رَأْسُ كُلّ خَطِيئَةٍ حُبُّ الدُّنْيَا»
. وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «مَا ذِئَْانِ ضَارِيَان فِي غَنَمٍ لَيْسَ لَھَا رَاعٍ 104
. فتعلق القلب بالدنيا 105 ھذا في أَوَّلِھَا وَھذا في آخِرِ ھَا بِأَسْرَعَ فِيھَا مِنْ حُبِّ الَالِ وَالشَّرَفِ فِي دينِ المُؤْمِنِ»
وحبھا، ھو الدنيا المذمومة. وكلما كان التعلق بھا أشد كان الحجاب بين الإنسان ودار الكرامة، والحاجز بين القلب
والحق سبحانه، أسمك وأغلظ. وإن ما جاء في الأحاديث الشريفة من أن الله سبعين ألف حجاب من النور والظلمة،
يمكن أن يكون المقصود من حجب الظلمة ھذه الميول والتعلقات القلبية نحو الدنيا. فكلما كان التعلق بالدنيا
أقوى، كان عدد الحجب أكثر، وكلما كان الحب لھا أشد، كان الحجب أغلظ واختراقھا أصعب.
فصل: في بيان سبب ازدياد حب الدنيا
اعلم أنه ولما كان الإنسان وليد ھذه الدنيا الطبيعية، وھي أمه، وھو ابن ھذا الماء والتراب، فإن حب الدنيا
يكون مغروساً في قلبه منذ مطلع نشوئه ونموه، وكلما كبر في العمر، كبر ھذا الحب في قبه ونما. وبما وھبه الّه
من القوى الشھوانية ووسائل التلذذ للحفاظ على ذاته وعلى البشرية، يزداد حبه ويقوى تعلقه، ويظن أنّ الدنيا
إنّما ھي دار اللذات وإشباع الرغبات، ويرى في الموت قاطعاً لتلك ا للذات، وحتى لو كان يعرف من أدلة الحكماء أو
أخبار الأنبياء صلوات اللّه عليھم أن ھناك عالماً أخروياً فإن قلبه يبقى غافلاً عن كيفية عالم الآخرة وحالاته وكمالاته
ولا يتقبله، فضلاً عن بلوغه مقام الاطمئنان. ولھذا يزداد حبّه وتعلقه بھذه الدنيا.
وبما أن حب البقاء فِطري في الإنسان، فھو يكره الزوال والفناء، ويظن أن الموت، فناء. ولو أنه آمن بعقله بأن
ھذه الدنيا دار فناء ودار ممر، وأن العالم الآخر عالم بقاء سرمدي، فما دام إيمانه العقلي ھذا يكون موجوداً، ولم
يدخل الإيمان قلب، بل ولم يحصل الاطمئنان الذي ھو المرتبة الكاملة للإيمان القلبي. فھو لا يزال يميل فطرةً، إلى
الدنيا والبقا ء فيھا كما طلب إبراھيم خليل الرحمن من الحق المتعال ھذا الاطمئنان، فأنعم به عليه. إذاً، إما أن
القلوب لا تؤمن بالآخرة، مثل قلوبنا، وإن كنا نصدق بھا تصديقاً عقلياً، وإما أنھا لا اطمئنان فيھا، فيكون حب البقاء
في ھذا العالم، وكراھة الموت والخروج من ھذا العالم في القلب موجوداً. ولو أدركت القلوب أن ھذه الدنيا ھي
أدنى العوالم، وأنھا دار الفناء والزوال والتصرم والتغيّر، وأنھا دار الھلاك ودار النقص، وأن العوالم الأخرى التي تكون
بعد الموت عوالم باقية وأبدية، وأنھا دار كمال وثبات وحياة وبھجة وسرور، لحصل فيھا بالفطرة حب تلك العوالم،
ولنفرت من ھذه الدنيا. ولو ارتفع الإنسان عن ھذا
نھج البلاغة، الحكمة رقم 131) الشيخ صبحي الصالح). 102
103
سورة النمل، آية: 30.
104
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح1 و3.
نھج البلاغة ـ الخطبة 5 ـ (الشيخ صبحي الصالح). 105
56
العالم ووصل إلى مقام الشھادة والوجدان ورأى الصورة الباطنية لھذا العالم وللتعلق به، والصورة الباطنية لذلك
العالم ـ عالم الآخرة ـ والتعلق به، لأصبح ھذا العالم ثقيلاً عليه، وغصّة في حلقه ولنفر منه، واشتاق للتخلص من
ھذا السجن المظلم ومن سلسلة قيود الزمان والتغير. كما جاء في كثير من كلام الأولياء.
106 يقول الإمام علي عليه السلام: «وَاللَّهِ لابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَْيِ أُمِّهِ»
.
ذلك لأنه رأى بعين الولاية حقيقة ھذه الدنيا، فلا يؤثر على مجاورة رحمة الحق المتعال شيءٌ أبداً. ولولا
المصالح لما ثبتت نفوسھم الطاھرة، لحظة واحدة في سجن الطبيعة المظلمة. إن الوقوع في الكثرة، ونشأة
الظھور والاشتغال بالتدبرات المُلكية بل التأييدات الملكوتية، يعدّ كل ذلك للمحبين والمنجذبين، ألم وعذاب ليس
بقدورنا أن نتصورھما.
إن أكثر أنين الأولياء إنما ھو ألم فراق المحبوب والبعد عن كرامته، كما أشاروا إلى ذلك بأنفسھم في
مناجاتھم، على الرغم من أنھم لا يحجبھم حجاب مُلكي أو ملكوتي، وقد اجتازوا ج حيم الطبيعة الذي كان خامداً
غير مستعر، وقد خلوا من التعلق بالدنيا وتطھرت قلوبھم من الخطيئة الطبيعية. إلاّ أن الوقوع في عالم الطبيعة ھو
بذاته تلذذ طبيعي وقسري، مما كان يحصل لھم، ولو بأقل مقدار، فكان ذلك من باب الحجاب. وفي ذلك ي قول
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم:
«لَيُرَانُ عَلَى قَلْبِي وإنّي لأَسْتَغفِرُ اللّه فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعينَ مَرَّةً»
. ولعل خطيئة آدم أبي البشر نجمت عن 107
ھذا التوجه القسري نحو تدبير المُلِك والحاجة الاضطرارية إلى القمح وسائر الأمور الطبيعية، وھذه خطيئة بالنسبة
إلى أولياء الّه والمنجذبين إليه. ولو بقى آدم عليه السلام في ذلك الانجذاب الإلھي، ولم ي دخل في قضية
المُلك، لما حدث كل ھذا الشقاء والعناء في الدنيا والآخرة.
فصل: في بيان تأثير الحظوظ الدنيوية في القلب ومفاسده
اعلم أن ما تناله النفس من حظ في ھذه الدنيا، يترك أثراً في القلب، وھو من تأثير الملك والطبيعة، وھو
السبب في تعلقه بالدنيا. وكلّما ازداد التلذذ بالدنيا، اشتد تأثر القلب وتعلقه بھا وحبه لھا، إلى أن يتجه القلب كُلّياً
نحو الدنيا وزخارفھا، وھذا يبعث على الكثير من المفاسد. إن جميع خطايا الإنسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات
سببھا ھذا الحب للدنيا والتعلق بھا كما ورد في الحديث الذي أوردناه من كتاب أصول الكافي قبل قليل.
وإن من المفاسد الكبيرة لحب الدنيا ـ كما كان يقول شيخنا العارف (روحي فداه) ـ ھو أنه إذا انطبع حب الدنيا
على صفحة قلب الإنسان، واشتد الأنس بھا، انكشف له عند الموت أن الحق المتعال يفصل بينه وبين محبوبه،
ويفرّق بينه وبين مطلوبه، فيغادر الدنيا ساخطاً مغتاظاً على ولي نعمته. إن ھذا القول القاصم للظھر يجب أن يوقظ
الإنسان أيّما إي قاظ للحفاظ على قلبه. فالعياذ باللّه من إنسان يسخط على ولي نعمته، مالك الملوك الحق، إذ
ليس أحد يعرف صورة ھذا السخط والعداء، غير اللّه تعالى.
ويقول أيضاً شيخنا المعظم ـ دام ظله ـ نقلاً عن أبيه المعظم، إنه كان في أواخر عمره خائفاً بسبب المحبة

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 800
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 4   الإثنين يناير 08, 2018 2:19 pm

جاء في الحديث، أن أھل الجنة عندما يستقر ون فيھا، تنزل عليھم رسالة من ساحة القدس الإلھي جلّت
عظمته بھذا المضمون: «ھذه رسالة من الحي الثابت الخالد إلى الحي الثابت الخالد إلى الحي الثابت الخالد. أنا
الذي أقول للشيء: كن، فيكون. وقد جعلتك اليوم أيضاً في مستوىً إذا أمرت الشي: وقلت له كن، فيكون».
فلاحظ أي مقام وسلطان ھذا؟ وأية قدرة إلھية ھذه التي تجعل إرادة الإِنسان مظھراً لإرادة اللّه! فيُلبس العدم
لباس الوجود؟ ھذه القدرة وھذا النفوذ ھما أفضل وأرفع من كل النعم الجسمانية. وبديھي، أن تلك الرسالة لم
تكتب عبثاً وجزافاً. إن من كانت إرادته تابعة للشھوات الحيوانية، وعزيمته ميته خامدة، لا يصل إلى ھذا المقام. إن
أعمال اللّه منزّھة عن العبث. فكما أن ھذا العالم قائم على النظام والترتيب، على الأسباب والمسببات، كذلك
ھي الحال في العالم الآخر، بل إن العالم الآخر ألْيَق بالنظام والأسباب والمسببات، وإن جميع نظا عالم الآخرة
ينبعث من المناسبات والأسباب، وإن نفوذ الإرادة يجب أن يتھيأ من ھذا العالم، فإن الدنيا مزرعة الآخرة وإن ھذا
العالم مادة لكل نعم الجنة ونقم النار.
إذاً، كل عبادة من العبادات وكل منسكٍ من المناسك الشرعية، فضلاً عن إن لھا صورة أخروية وملكوتية، وبھا
يتم عمارة الجنة الجسمانية وقصورھا، وتھيئة الغلمان والحور ـ طبقاً للبراھين والأحاديث ـ فإن لكل عبادة من
العبادات أيضاً أثراً يحصل في النفس، مما يقوّي الإِرادة شيئاً فشيئاً ويصل بقدرتھا إلى حد الكمال.
109
قبسات ميرداماد، ص 72.
58
. فالتنازل عن النوم اللذيذ في ليل 110 لذلك كلّما كانت العبادات أشق كانت أرغب: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُھَا»
الشتاء البارد، والانصراف إلى عبادة الحق المتعال، يزيد من قوة الروح وتغلبھا على قوى الجسم، ويقوّي الإرادة.
وإذا ك ان ھذا في أول الأمر على شيءٍ من المشقة والعناء، فإن ذلك يخف تدريجاً كلّما واصل العبادة، وازدادت
طاعة الجسم للنفس. إذ أننا نلاحظ أن أھل العبادة يقومون بالأعمال دون مشقة وتكلف. أما نحن فشعورنا
بالكسل وبالمشقة ناشئ من أننا لا نبدأ بالعمل. فلو إننا بدأنا العمل وكررناه عدة مرات، لتبدلت مشقته إلى
راحة، بل إن أھلھا يلتذون بھا أكثر مما نلتذ نحن بمشتھيات الدنيا. إذاً، الأمر يصبح عادياً بالتكرار. والخير عادة.
ولھذه العبادة ثمرات، منھا: أن صورة العمل نفسه تصبح على قدر من الجمال في ذلك العالم لا يكون له نظير
في ھذا العالم، ونكون عاجزين عن تصور مثلھا.
ومنھا: أن النفس تصبح ذات عزم واقتدار، فتكون لھا نتائج كثيرة، وقد سمعت واحدة منھا.
ومنھا: أيضاً أنھا تجعل الإِنسان يأنس بالذكر والفكر والعبادة، فإن المجاز قد يقرّب الإنسان إلى الحقيقة، فيتوجه
القلب إلى مالك الملوك، وتحل المحبة لجمال المحبوب الحقيقي، ويخفّ تعلق القلب وحبه للدنيا والآخرة. إذ لو
حصلت الجاذبية الربوبية والحال الخاصة، لأمكن إدراك حقيقة العبادة والسر الحقيقي للتذكر والتفكر، ولسقط كِلا
العالمين ـ الدنيا والآخرة ـ من نظره، ولأذھب تجلّي الحبيب غبار الرؤية الإثنينيّة من القلب ولا يعر ف أحد سوى الّه
الكرامة المعطاة لمثل ھذا العبد؟ وكما يقوى عزم الإِنسان بالرياضات الشرعية والعبادات والمناسك وترك الرغبات
ويصبح الإنسان ذا عزم وإرادة، فكذلك في المعاصي تتغلب الطبيعة لدى الإنسان وتضعف إرادته وعزمه. كما سبق
ذكر شيء منه.
فصل: الإنسان بفطرته يحب الكمال التّام المطلق
لا يخفى على كل ذي وجدان أن الإنسان، بحسب فطرته الأصيلة وجبلّته الذاتية، يعشق الكمال التام
المطلق، ويتوجه قل به شطر الجميل على الإطلاق والكامل من جميع الوجوه. وھذا من فطرة االله التي فطر
الناس علي ھا وبھذا الحب للكمال، تتوفر إرادة المُلك والملكوت، وتتحقق أسباب وصول عشّاق الجمال المطلق
إلى معشوقھم.
غير أن كل امرئ يرى الكمال في شيء ما، حسب حاله ومقامه، فيتوجه قلبه إليه. فأھل الآخرة يرون الكمال
في مقامات الآخرة ودرجاتھا، فقلوبھم متوجھة إليھا. وأھل اللّه يرون الكمال في جمال الحق، والجمال في كماله
. ويقولون: «لي مَعَ اللَّهِ حال» 112 وفيھم
سبحانه يقولون (إِنِّي وَجَّھْتُ وَجْھِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) 111
حب وصاله وعشق جماله. وأھل الدنيا عندما رأوا أن الكمال في لذائذھا، وتبيّن لأعينھم جمالھا، اتجھوا فطرياً
نحوھا. ولكن على الرغم من كل ذلك، فإنه لمّا كانَ التوجه الفطري والعشق لذاتي قد تعلقا بالكمال المطلق، كان
ما عدا ذلك من التعلقات عرضياً ومن باب الخطأ في التطبيق. إن الإنسان مھما كثر مُلكه وملكوته، ومھما نال من
الكمالات النفسية أو الكنوز الدنيوية أو الجاه والسلطان، ازداد اشتياقه شدّه، ونار عشقه التھاباً. فصاحب الشھوة،
كلّما ازدادت أمامه المشتھيات، ازداد تعلق قلبه بمشتھيات أخرى ليست في متناول يده، واشتدّت نار شوقه
إليھا. وكذلك النفس التي تطلب الرئاسة، فھي عندما تبسط لواء قدرتھا على قطر من الأقطار، تتوجه بنظرة
طامعة إلى آخر، بل لو أنھا سيطرت على الكرة الأرضية برمتھا، لرغبت في التحليق نحو الكرات الأخرى للاستيلاء
عليھا. إلاّ أن ھذه النفس المسكينة لا تدري بأن الفطرة إنّما تتطلع إلى شيءٍ آخر. إن العشق الفطري الجبلّي
يتجه إلى المحبوب المطلق، إن جميع الحركات الجوھرية والطبيعية والإرادية، وجميع التوجھات القلبية والميول
النفسية تتوجه نحو جمال الجميل الأعلى على الإِطلاق، ولكنھم لا يعلمون، فينحرفون بھذا الحب والعشق
والاشتياق ـ التي ھي براق المعراج وأجنحة الوصول ـ إلى وجھة ھي خلاف وجھتھا، فيحرّروھا ويقيدوھا بلا فائدة.
110
نھاية ابن الأثير، المجلد الأول، ص 440 ،مادة " ھمز " أھمزھا أي أقواھا وأشدّھا.
111
سورة الأنعام، آية: 79.
إشارة إلى الحديث المشھور المنقول عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم (لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي 112
مرسل) راجع كتاب أحاديث المنوي.
59
لقد بعدنا عن القصد، وھو أنه لمّا كان الإنسان متوجھاً قلبياً إلى الكمال المطلق، فإنه مھما جمع من زخرف
الحياة فإن قلبه يزداد تعلقاً بھا. فإذا اعتقد أن الدنيا وزخارفھا ھي الكمال ازداد ولعه بھا، واشتدت حاجته إليھا،
وتجلّى أمام بصره فقره إليھا. بعكس أھل الآخرة الذين أشاحوا بوجوھھم عن الدنيا، فكلّما ازداد توجھھم نحو
الآخرة، قلّ التفاتھم واھتمامھم بھذه الدنيا، وتلاشت حاجتھم إليھا، وظھر في قلوبھم الغِنى، وزھدوا في الدنيا
وزخارفھا. كما أن أھل االله مستغنون عن كلا العالمين (الدنيا والآخرة)، متحررون من كلتا النشأتين وكل حاجتھم
نحو الغنى المطلق، متجلّياً الغِنَى بالذات في قوبھم، فھنيئاً لھم.
إذاً، مضمون الحديث الشريف يمكن أن يكون إشارة لما مرّ شرحه من قوله: «مَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ
ھَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ الفقرَ بَيْنَ عَيَْيْهِ، وَشَتَّتَ أَمْرَه، وَلَمْ يَنَلْ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُسِمَ لَهُ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَالآخِرَةُ أَكْبَرُ
ھَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ الغِنَى فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ أَمْرَهُ».
ومن المعلوم، أن من يتجه قلبه إلى الآخرة، تغدو أمور الدنيا وصعابھا في نظره حقيرة سھلة، ويجد ھذه الدنيا
متصرّمة، ومتغيرة، ويراھا معبراً ومتجراً وداراً للابتلاء والتربية، ولا يھتم بما فيھا من ألم وسرور، فتخف حاجاته ويقل
افتقاره إلى أمور الدنيا وإلى الناس، بل يصل إلى حيث لا تبقى له حاجة، فيجتمع له أمره، وتنتظم أعماله، ويفوز
بالغِنى الذاتي والقلبي.
إذاً، كلّما نظرتَ إلى ھذه الدن يا بعين المحبة والتعظيم، وتعلق قلبَك بھا، ازدادت حاجتك بحسب درجات حبك
لھا، وبان الفقر في باطنك وعلى ظاھرك، وتشتّت أمورك واضطربت، وتزلزل قلبك، واستولى عليه الخوف والھم،
ولا تجري أمورك كما تشتھي، وتكثر تمنياتك ويزداد جشعك، ويغلبك الغم والتحسر، ويتمكن اليأس من قلبك
والحيرة، كما وردت الإشارة إلى بعض ذلك في الحديث
الشريف. فقد روي في «الكافي» بإسناده عن حفص بن قرط، عن أبي عبداالله الإمام الصادق عليه السلام أنه
قال:
«مَنْ كَثُرَ اشِْبَاكُه بالدُّنْيَا كَانَ أَ شَدَّ لِحَسْرِتَهِ عِنْدَ فِرَاقِھَا»
113
.
وعن أبي يعفور قال، سمعت أبا عبداالله (الصادق) عليه السلام يقول:
«مَنْ تَعَلَّق قَلْبُهُ بِالدُّنْيا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِثَلاثِ خِصَا لٍ ھَمٍّ لاَ يَفْنَى وَأَمَلٍ لاَ يُدْرَكُ وَرَجَاءٍ لا يُنالُ»
114
.


التي كان يكنّھا لأحد أولاده، ولكنه بعد الانھماك بالرياضات النفسية تخلص من ذلك الخوف، وانتقل إلى دار السرور
مسروراً، رضوان الّه عليه.
جاء في «الكافي» بإسناده عن طلحة بن زيد، عن أبي عبداالله عليه السّلام قال: «مَثَلُ الدُّنيا كَمَثَلِ ماءِ البحرِ
108 كُلَّما شَرِبَ مِنْهُ العطشانُ ازدادَ عَطَشاً حَتَّى يقتل»
.
إن حب الدنيا ينتھي بالإنسان إلى الھلاك الأبدي، وھو أصل البلايا والسيّئات الباطنية والظاھرية وقد نقل عن
رسول الّه صلّى الّه عليه وآله وسلم قول: «إِنَّ الدِّرْھَمَ وَالدِّينَارَ أَھْلَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَھُمَا مُھْلِكَاكُمْ».
وعلى فرض أن الإنسان لم يرتكب معاصي أخرى ـ على الرغم من أن ھذا الفرض بعيد، أو من المستحيل عادة
ـ فإن التعلق بالدنيا نفسه معصية، بل أن مقياس طول بقاء الإنسان في عالم القبر والبرزخ ھو أمثال ھذه
نھج البلاغة ـ الخطبة 5 ـ (الشيخ صبحي الصالح). 106
107
نھاية ابن أثير، ص 180 ،ج 3 .الجامع الصغير، ج 1 ص 103 .صحيح مسلم، ج 8 ص 72.
108
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا ح 54.
57
التعلقات. فكلّما كان التعلق بالدنيا أقل كان البرزخ وقبر الإنسان أكثر نوراً وأوسع، ومكثه فيه أقصر. لذلك فقد ورد
في بعض الروايات: إن عالم القبر لأولياء االله لا يزيد عن ثلاثة أيام، وإنّما كان ھذا لأجل التعلق الطبيعي والعلاقة
الجِبِلّية لأولياء الّه تجاه العالم.
وإن من مفاسد حب الدنيا والتعلّق بھا ھو أنه يجعل الإنسان يخاف الموت. وھذا الخوف الناشئ من حب
الدنيا، والتع لق القلبي بھا المذموم جداً. غير الخوف من المرجع ـ مآل الإنسان بعد الموت ـ المعدود من صفات
المؤمنين. إن أھم صعوبة في الموت ھي ضغوطات لرفع ھذه العلائق، والخوف من الموت. يقول المحقق المدقق
الإسلامي البارع، السيد العظيم الشأن، الداماد، كرّم اللّه وجھه، في كتابه «القبسات» الذي يعد من الكتب
109 النادرة: «لاَ يُخيِفنك الموتُ، فإنَّ مَرارَته في خوفه»
.
ومن المفاسد الكبيرة لحب الدنيا أنه يمنع الإنسان من الرياضات الشرعية والعبادات والمناسك، ويُقويّ جانب
الطبيعة في الإنسان بحيث يجعلھا تعصي الروح وتتمرد عليھا ويوھن عزم الإنسان وإرادته، مع أن من أكبر أسرار
العبادات والرياضات الشرعية ھو أن تجعل الجسم وقواه الطبيعية تابعة ومنقادة للروح بحيث يكون للإرادة دوراً مؤثراً
في الجسم ويخضع الجسم لأوامر الإرادة فيعمل ما تشاء، ويمتنع عمّا تشاء، ويصبح مُلك الجسم وقواه الظاھرة
مقھوراً ومسخّراً للملكوت بحيث أنه يقوم بما يريد من دون مشقة ولا عناء.
إن من الفضائل والأسرارالشاقة والصعبة للعبادات تحقق ھذا الھدف ـ تسخير مُلك الجسم للملكوت ـ أكثر
حيث يصير الإنسان بذلك ذا عزم، ويتغلب إلى الطبيعة والملك. فإذا اكتملت الإرادة وقوي العزم واشتد، أصبح
كمَثَل الجسم وقواه الظاھرة والباطنة مَثَل ملائكة اللّه الذين لا يعصون االله وإنما يطيعونه في كل ما يأمرھم به
وينھاھم عنه، من دون أن يعانوا في ذلك عنتاً ولا مشقة.
كذلك إذا أصبحت قوى الإِنسان مسخّرة للروح، زال كل تكلف وتعب وتحوّل إلى الراحة واليسر، واستسلمت
أقاليم الملك السبعة للملكوت وأصبحت جميع القوى عمّالاً له.
فاعلم، يا عزيزي، أن العزم والإرادة القوية لذلك العالم ضروريان وذات فعالية. إن البلوغ لأحد مراتب الجنة والذي
يُعدّ من أفضلھا ھو العزم والإرادة. فالإنسان الذي ليست له إرادة نافذة ولا عزم قوي لا ينال تلك الجنة ولا ذلك
المقام الرفيع.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 4
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: