{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 الاربعون حديث 2

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: الاربعون حديث 2   الأحد يناير 07, 2018 5:54 pm

لقلوب، سواء أن يأتي بالعمل نفسه بقصد الرياء، وبكيفيته، أو شرطه أو جزئه بقصد الرياء على الشكل المذكور
في الكتب الفقھية. ثانيھما: أن يترك عملاً محرماً أو مكروھاً بنفس الھدف المذكور.
ونحن نشرح في ھذه الأوراق، بعضاً من مفاسد كلّ واحد من ھذه المقامات الثلاثة ونشير إلى ما يبدو علاجاً
لھا على نحو الاختصار.
المقام الأول: الرياء
وفيه عدة فصول
فصل:
اعلم أن الرياء في أصول العقائد والمعارف الإلھية أشد من جميع أنواع الرياء عذاباً وأسوأھا عاقبة، وظلمته
أعظم وأشد من ظلمات جميع أنواع الرياء. وصاحب ھذا العمل إذا كان في واقعه لا يعتقد بالأمر الذي يظھره، فھو
من المنافقين، أي أنه مخلَّد في النار، وأن ھلاكه أبديّ، وعذابه أشدّ العذاب.
وأما إذا كان معتقداً بما يظھر، لكنه يظھر من أجل الحصول على المنزلة والرتبة في قلوب الناس، فھذا
الشخص وإن لم يكن منافقاً إلاّ أن رياءه ي ؤدي إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه، ودخول ظلمة الكفر إلى قلبه،
فإن ھذا الشخص يكون مشركا في الخفاء، لأن المعارف الإلھية والعقائد الحقة، التي يجب أن تكون خالصة الله،
ولصاحب تلك الذات المقدسة، قد حوّلھا ـ المرائي ـ إلى الناس، وأشرك فيھا غيره، وجعل الشيطان متصرفاً فيه،
فھذا القلب ليس الله.
ونحن سنذكر في أحد الفصول؛ أن الإيمان من الأعمال القلبية، وليس ھو مجرد علم، وقد جاء في الحديث
الشريف: «كُلُ رِيَاءٍ شِرْكٌ».
ولكن ھذه الفجيعة الموبقة، وھذه السريرة المظلمة، وھذه الملكة الخبيثة، تؤدي بالإنسان في النھاية، إلى
أن تصبح دار قلبه مختصة بغير االله، وتؤدي ظلمة ھذه الرذيلة بالإنسان تدريجياً إلى الخروج من ھذه الدنيا بدون
إيمان.
وھذا الإيمان الذي يمتلكه ھو صورة بلا معنى، وجسد بلا روح، وقشر بلا لب، ولا يكون مقبولاً عند االله تعالى،
كما أشير إليه في حديث مذكور ف كتاب الكافي، عن علي بن سالم، قال: «سَمِعْتُ أبا عَبْدِااللهُ عليه السّلام
16 يقولُ: قالَ االلهِ عزَّ وجلَّ: أَنَا خُيْرُ شَرِيكٍ مَنْ أَشْرَكَ مَعِي غيرِي فِي عَمَل عَمِلَهُ لَمْ أَقْبَلُهُ إلاّ مَا كَانَ لِي خَالِصاً»
.
وبديھي أن الأعمال القلبية في حال عدم خلوصھا لا تصبح مورداً لتوجه الحق تعالى ولا يتقبلھا بل يوكلھا إلى
الشريك الآخر، الذي كان يعمل له ذلك الشخص مراءاة. إذاً فالأعمال القلبية تصبح مختصة بذلك الشخص، وتخرج
من حدّ الشرك، وتدخل إلى الكفر المحض. بل ويمكن القول إن ھذا الشخص ھو من جملة المنافقين. وكما أن
شركه خفي فنفاقه خفي أيضاً، فھذا المسكين يتصور أنه مؤمن ولكنه مشرك منذ البداية، وفي النتيجة ھو
منافق. وعليه أن يذوق عذاب المنافقين، وويل للذي ينتھي عمله إلى النفاق.
فصل: في بيان أن العلم يغاير الإيمان
اعلم أن الإيمان غير العلم باالله ووحدانيته وسائر الصفات الكمالية الثبوتية والجلالية السلبية، والعلم بالملائكة
والرسل والكتب ويوم القيامة. وما أكثر من يكون له ھذا العلم ولكنه ليس بمؤمن. الشيطان عالم بجميع ھذه
المراتب بقدر علمنا وعلمكم، ولكنه كافر. بل إن الإيمان عمل قلبي، وما لم يكن ذلك فليس
ھناك إيمان. فعلى الشخص الذي علم بشيءٍ عن طريق الدليل العقلي أو ضروريات الأديان، أن يسلّم لذلك
قلبه أيضاً، ولأن يؤدي العمل القلبي الذي ھو نحو من التسليم والخضوع، ونوع من التقبل والاستسلام ـ عليه أن
يؤدي ذلك ـ لكي يصبح مؤمناً.
وكمال الإيمان ھو الاطمئنان. فإذا قوي نور الإيمان تبعه حصول الاطمئنان في القلب، وجميع ھذه الأمور ھي
غير العلم. فمن الممكن أن يدرك العقل بالدليل شيئا لكن القلب لم يسلم بعد، فيكون العلم بلا فائدة. مثلاً أنتم
16
أصول الكافي ـ المجلد الثاني ـ كتاب الإيمان والكفر ـ باب الرياء ـ ح 9.
16
أدركتمبعقولكم أن الميت لا يستطيع أن يضرّ أحداً، وأن جميع الأموات في العالم ليس لھم حس ولا حركة بقدر
ذبابة، وأن جميع القوى الجسمانية والنفسانية قد فارقته ولكن حيث أن القلب لم يتقبل ھذا الأمر ولم يسلم أمره
للعقل، فإنكم لا تقدرون على مبيت ليلة مظلمة واحدة مع ميت!!
وأما إذا سلّم القلب أمره للعقل، وتقبل ھذا الحكم منه، فلن يكون في ھذا العمل ـ أي المبيت مع الميت ـ أي
إِشكال بالنسبة إليكم، كما أنه وبعد عدة مرات من الإقدام، يصبح القلب مسلّماً، فلن يبقى عنده بعدھا بأس أو
خوف من الميت.
إذاً؛ أصبح معلوماً أن التسليم ـ وھو من حظ القلب ـ غير العلم الذي ھو من حظ العقل.
ومن الممكن أن يبرھن إنسان بالدليل العقلي، على وجود الخالق تعالى والتوحيد والمعاد وباقي العقائد الحقة
ولكن ھذه العقائد لا تسمى إيمانا، ولا تجعل الإنسان مؤمنا، وإنما ھو من جملة الكفار أو المنافقين أو المشر
كين. فاليوم العيون مغشّاة، والبصيرة الملكوتية غير موجودة، والعين الملكية لا تُدرك، ولكن عند كشف السرائر،
وظھور السلطة الإلھية الحقة، وخراب الطبيعة وانجلاء الحقيقة، سيعرف ويلتفت بأن الكثيرين لم يكونوا مؤمنين
باالله حقا، وأن حكم العقل لم يكن مرتبطا بالإيمان، فما لم تكتب عبارة «لا إله إلا االله» بقلم العقل على لوح القلب
الصافي لن يكون الإنسان مؤمنا بوحدانية االله.
وعندما ترد ھذه العبارة النورانية الإلھية على القلب، تصبح سلطة القلب لذات الحق تعالى، فلا يعرف الإنسان
بعدھا شخصا آخر مؤثرا في مملكة الحق، ولا يتوقع من شخص آخر جاھا ولا جلالا، ولا يبحث عن المنزلة
والشھرة عند الآخرين.
ولا يصبح القلب مرائيا ولا مخادعا حينئذ. وإذا رأيتم رياء في قلوبكم، فاعلموا أن قلوبكم لم تسلّم للعقل، وأن
الإيمان لم يقذف نوره فيھا، وأنكم تعدون شخصا آخر إلھا ومؤثرا في ھذا العال، لا الحق تعالى، وأنكم في زمرة
المنافقين أو المشركين أو الكفار.
فصل: في وخامة أمر الرياء
تأمل أيھا الشخص المرائي... يا من أودعت العقائد الحقة والمعارف الإلھية بيد عدو االله، وھو الشيطان،
وأعطيت ما ھو مخصوص بالحق تعالى للآخرين، وبدّلتَ تلك الأنوار التي تضيء الروح والقلب وھي رأسمال النجاة
والسعادة الأبدية ومنبع اللقاء الإلھي وبذرة القرب من المحبوب أبدلتھا بظلمات موحشة وشقاء أبدي وجعلتھا
رأسمال البُعد والابتعاد عن ساحة المحبوب المقدسة، والابتعاد عن لقاء االله تعالى.
تھيأ، أيھا المرائي، للظلمات التي لا نور بعدھا، وللشدائد التي لا فرج لھا، وللأمراض التي لا يرجى شفاؤھا،
وللموت الذي لا حياة معه، وللنار تخرج من باطن القلب فتحرق ملكوت النفس وملك البدن حرقاً لم يخطر على
قلبي وقلبك، والتي يخبرنا عنھا االله تعالى في كتابه المنزل في الآية الشريفة {نَارُ اللَّهِ الْ مُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ
. حيث تحدثت عن نار االله، ھذه النار التي تتسلط على القلوب فتحرقھا، وليست ھناك نار تحرق 17 عَلَى الأَفْئِدَةِ}
سوى النار الإلھية فإذا فقدت فطرة التوحيد ـ وھي فطرة االله ـ وحلَّ محلھا الشرك والكفر، حينئذ لن تكون شفاعة
الشافعين من نصيب الإنسان بل يخلد الإنسان في العذاب، وما أدراك ما العذاب؟ إنه العذاب الذي ينبعث عن
الغضب الإلھي.
إذاً أيھا العزيز... من أجل خيال باطل ومحبوبية بسيطة في أعين العباد الضعاف، ومن أجل جذب قلوب الناس
المساكين، لا تعرض نفسك للغضب الإلھي، ولا تبع ذلك الحب الإلھي وتلك الكرامات غير المحدودة، وتلك الألطاف
والعنايات الربانية، لا تبعھا بمحبة بسيطة عند مخلوق ليس له أثر، ولا تكسب منه أيّة ثمرة سوى الندامة
والحسرة، عندما تقصر يداك عن ھذا العالم ـ وھو عالم الكسب ـ، وعندما ينقطع عملك، وليس للندم حينئ نتيجة
ولا للإنابة من فائدة.
17
سورة الھمزة: آية 6 ـ 7.
17
فصل: تنبيه علمي لاستئصال جذور الرياء
نذكر ھنا أمراً نأمل أن يكون مؤثراً في علاج ھذا المرض القلبي سواء في ھذا المقام أو المقامات الأخرى،
وھذا الأمر مطابق للبرھان ـ الدليل ـ والمكاشفة والعيان وأخبار المعصومين وكتاب االله، وللعقل حيث يصدق عقول
الناس.
وھو أنه نتيجة لإحاطة قدرة االله تبارك وتعالى بجميع الموجودات، وبسطة لسلطانه على جميع الكائنات،
وإحاطة قيمومته بجميع الممكنات، فإن قلوب العباد جميعا تكون تحت تصرفه وبيد قدرته وفي قبضة سلطانه، ولا
يتصرف ـ ولن يتصرف ـ أحد في قلوب العباد بدون أذنه القيومي وإجازته التكوينية. وحتى أصحاب القلوب أنفسھم
ليست لھم القدرة على التصرف في قلوبھم بدون إذن من االله تعالى. وبھذا المعنى وردت كلمات، إشارة وكناية
وصراحة في القرآن وفي أخبار أھل البيت «عليھم السلام».
إذاً، فاالله تعالى ھو مالك القلب وا لمتصرف فيه وأما العبد الضعيف العاجز فلا يستطيع أن يتصرف بقلبه بدون
إذنه، بل إن إرادته قاھر لإرادتك ولإرادة جميع الموجودات. إذن فرياؤك وتملقك، إذا كانا لأجل جذب قلوب العباد،
ولفت نظرھم، ومن أجل الحصول على المنزلة والتقدير في القلوب والاشتھار بالصلاح، فإن ذلك خارج كلية عن
تصرفك، وھو تصرف االله، فإله القلوب وصاحبھا يوجه القلوب نحو من يشاء بل من الممكن أن تحصل على نتيجة
عكسية. وقد رأينا وسمعنا أن أشخاصا متملقين ومنافقين ممن لم تكن لھم قلوب طاھرة، قد افتضحوا وبان زيفھم
ففرض عل يھم عكس ما أرادوا الحصول عليه من النتائج في نھاية
الأمر. لقد وردت الإشارة إلى ھذا المعنى في الحديث الشريف في الكافي: «عن جرّاحٍ المَدائني، عَنْ أبي
عَبْدِاالله عليه السّلام في قَوْلِ االلهِ عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
..» قال عليه السلام: الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوابِ لاَ يَطْلبُ بِهِ وَجْهَ االلهِ، إِنَّما يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَھي 18 أَحَدًا}
أَنْ يَسْمَعَ به النَّاسُ فَھذا الَّذي أَشْرَكَ بِعِبَادةِ رَبّه. ثُمَّ قال: «مَا مِنْ عبد أَسَرَّ خَيْراً فَذَھَبَتِ الأَيّامُ أَبَداً حتى يُظْھِرَ االلهُ
19 لَهُ خَيْراً، وَمَا مِنْ عَبْدٍ أسرَّ شَرّاً فَذَھَبَتِ الأَيّامُ أَبداً حَتَّى يُظْھِرُ االلهُ لَهُ شَراً»
.
إذاً أيھا العزيز، أطلب السمعة والذكر الحسن من االله، التمس قلوب الناس من مالك القلوب، أعمل أنت الله
وحده فستجد أن االله تعالى ـ فضلاً عن الكرامات الأخروية ونعم ذلك العالم ـ سيتفضل عليك في ھذا العالم نفسه
بكرامات عديدة، فيجعلك محبوباً، ويعظم مكانتك في القلوب، ويجعلك مرف وع الرأس ـ وجيھاً ـ في كلتا الدارين.
ولكن إذا استطعت فخلّص قلبك بصورة كاملة بالمجاھدة والمشقة، من ھذا الحب أيضاً، وطھِّر باطنك، كي يكون
العمل خالصا من ھذه الجھة، ويتوجه القلب إلى االله فقط حتى تطھر الروح، وتزول أدران النفس. فأية فائدة تجني
من حب الناس الضعاف لك، أو بغضھم، أو من الشھرة والصيت عند العباد وھم لا يملكون شيئا من دون االله
تعالى؟ وحتى لو كانت له فائدة ـ على سبيل الفرض ـ فإنما ھي فائدة تافھة ولأيام معدودات، ومن الممكن أن
يسوق ھذا الحب عاقبة عمل الإنسان إلى الرياء، وأن يجعل الإنسان ـ لا سمح االله ـ مشركا ومنافقا وكافرا. وأنه
إذا لم يفتضح في ھذا العالم، فسيفتضح في ذلك العالم في محضر العدل الرباني، عند عباد االله الصالحين وأنبيائه
العظام وملائكته المقربين، ويھان ويصبح مسكينا. إنھا فضيحة ذلك اليوم، وما أدراك ما تلك الفضيحة، واالله يعلم أي
ظلمات تلي تلك المھانة في ذلك المحضر! إن ذلك اليوم ـ كما يقول االله تعالى في كتابه ـ يتمنى الكافر فيه قائلا:
{يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}
20
.، ولكن لا جدوى لھذا التمني.
أيھا المسكين، إنك ولأجل محبة بسيطة، جزئية، ومنزلة عديمة الفائدة بين العباد، تجاوزت تلك الكرامات
وفقدت رضا االله، وعرضت نفسك لغضب االله.
لقد استبدلت الأعمال التي كان ينبغي أن تھيئ بھا دار الكرامة في الآخرة، وتوفر الحياة السعيدة الدائمة
وتصل بواسطتھا إلى أعلى عليين في الجنان استبدلتھا بظلمات الشرك والنفاق وأعددت لنفسك الحسرة
18
سورة الكھف، آية: 11.
19
أصول الكافي ـ المجلد الثاني ـ باب الرياء ـ ح4.
20
سورة النبأ، آية: 40.
18
والندامة والعذاب الشديد، وجعلت نفسك من أھل «سِجِّين»، بالصورة التي وردت في الحديث الشريف في
الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: «قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلّى االله عَلَيهِ وآلِهِ وَسَلَّم: إِنَّ المَلَكَ لَيَصْعَدُ يِعَمَل العَبْدِ
21 مُبْتَھِجَاً بِهِ فَإِذا صَعَدَ بِحَسَنَاتِهِ، يَقُولُ االلهُ عَزَّ وَجَلَّ، اجُعَلوھَا فِي سّجِّينٍ، إِنَّهُ لَيْسَ إِيايَ أَرَادَ بِھَا»
.
إننا ھنا وفي ھذا الحال، لا نستطيع أن نتصور «سجين» ولا أن نفھم ديوان، عمل «الفُجّارِ»، ولا أن نرى صور
ھذه الأعمال وھي في سجين.. وسنرى حقيقة الأمر في أحد الأيام ولكن عندھا تقصر أيدينا عن العمل ولا سبيل
حينئذ للنجاة.
أيھا العزيز.. ! استيقظ وأبعد عنك الغفلة والسكرة وزن أعمالك بميزان العقل قبل أن توزن في ذلك العالم،
وحاسب نفسك قبل أن تُحاسب، وآجلُ مرآة القلب من الشرك والنفاق والتلوّن، ولا تدع صدأ الشرك والكفر يحيط
به بمستوىً لا يمكن جلاؤه حتى بنيران ذلك العالم، لا تدع نور الفطرة يتبدل بظلمة الكفر، لا تدع ھذه الآية {فِطْرَةَ
.. أن تضيع لا تخنْ ھذه الأمانة الإلھية بھذا النحو، نظّف مرآة قلبك لكي يتجلّى فيھا 22 اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاَ عَلَيْھَا..}
نور جمال الحق فيغنيك عن العالم وكل ما فيه. ولكي تتوھج نار الحب ـ العشق ـ الإلھي في قلبك، فتحرق الأنواع
الأخرى من الحب، ولا تستبدل حينذاك جميع ھذا العالم بلحظة واحدة من الحب الإلھي، ولكن تحصل على لذة
في مناجاة االله وذكره، تعتبر غيرھا من جميع اللذات الحيوانية، لعباً ولھواً. وإذا لم تكن من أھل ھذه العوالم، وترى
ھذه المعاني غريبة وعجيبة لديك فإياك أن تضيع تلك النعم الإلھية في العالم الآخر المذكورة في القرآن المجيد
وأخبار المعصومين عليھم السلام وتخسرھا من أجل جذب قلوب المخلوقين... لا تُضيّع كل ھذا الثواب من أجل
شھرة وھمية في أيام معدودات، لا تحرم نفسك من كل ھذه الكرامات، لا تبع السعادة الأبدية بالشقاء الدائم.
فصل: في الدعوة إلى الإخلاص
إعلم أن مالك الملوك الحقيقي وولي النعمة الواقعي، الذي تفضّل علينا بكل ھذه الكرامات، وھيأ لنا كل ھذه
النعم، قبل المجيء إلى ھذا العالم، من الغذاء الطيب ذي المواد النافعة المناسبة لمعدتنا الضعيفة، ومن المربّي
الخادم بلا منّة بل بفعل الحب الفطري الذاتي. وھيأ لنا البيئة والھواء المناسبين وباقي النعم العظيمة الظاھرة
والباطنة. كما أعدَّ لنا الكثير في العالم الآخر وفي البرزخ قبل ذھابنا إلى ھناك، ھذا المتفضل قد طلب منا قائلا:
«أخلص قلبك لي ولأجل كرامتي، كي تحصل أنت على النتيجة، وتحصل أنت على الفائدة» ومع ذلك لا يلقى
منا أذناً صاغية بل يرى التمرد والسير على خلاف رضاه، فأي ظلم عظيم نكون قد اجترحناه بذلك؟! وأي مالك
الملوك نحارب؟! ونتيجة ذلك كله تكون وبالاً علينا نحن، أما االله تعالى فلا يصاب سلطانه بضرر ولا ينقص من ملكه
شيء ولا نخرج من سلطنته وسلطت، حتى إذا كنا مشتركين لأننا ألحقنا الضرر بأنفسنا، {... فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ
. فھو غني عن عبادتنا وإخلاصنا وعبوديتنا، ولا يؤثر تمرّدنا وشركنا وابتعادنا عنه شيئاً في مملكته، 23 الْعَالَمِينَ}
وحيث أنه أرحم الراحمين فقد اقتضت رحمته الواسعة وحكمته البالغة أن يعرض لنا طريق الھداية وسبيل الخير
والشر والحسن والقبح ويدلنا على زلاّت طريق الإنسانية، ومزالق طريق السعادة، والله تعالى في ھذه الھداية
والإرشاد بل في ھذه العبادات والإخلاص والعبودية، له سبحانه علينا منن عظيمة وجسيمة بحيث لا يمكن أن
نفھمھا ما لم تنفتح عين البصيرة والبرزخية التي ترى الواقع، وما دمنا في ھذا العالم الضيق والمظلم، وفي ظلام
الطبيعة، وما دمنا مقيدين بسلاسل الزمان، معتقلين في ھذا المكان السجن المظلم فإنّا لا ندرك منن االله
العظيمة علينا، ونتخيل بأن نعم االله علينا تتلخص في ھذا الإخلاص وھذه العبادة، وفي ذلك الإرشاد وتلك الھداية
فحسب.
لا تتوھم أبدا أن لنا المنة على الأنبياء العظام والأولياء الكرام على علماء الأمة وھم الأدلاّء إلى سعادتنا
ونجاتنا، والذين أنقذونا من الجھل والظلمة والشقاء، أخذونا إلى عالم النور والسرور والبھجة والعظمة والذين
تحملوا ولا يتحملون كل ھذه المشاق والمصاعب من أجل تربيتنا وإنقاذنا من تلك الظلمات التي تلازم الاعتقادات
21
أصول الكافي ـ المجلد الثاني ـ كتاب الإيمان والكفر ـ باب الرياء ـ ح 7.
22
سورة الروم، آية: 30.
23
سورة آل عمران، آية: 97.
19
الباطلة، ومن الجھل المركب بكل أشكاله، ومن أنواع الضغوطات والعذاب الذي ھو صورة الملكات والأخلاق الرذيلة،
ومن تلك الصور الموحشة والمرعبة التي ھي ملكوت أعمالنا وأفعالنا القبيحة ـ وكذلك ـ لأجل إيصالنا إلى تلك
الأنوار وأنواع البھجة والسرور والراحة والأنس والنعيم والحور والقصور التي لا نقدر أن نتصورھا، حيث أن عالم الملك
ھذا مع كل ما له من عظمة، أضيق من أن يحتوي على واحدة ن حُلل الجنة، وأن أعيننا لا تطيق رؤية شعرة
واحدة من شعر حور العين، وتكون كل ھذه المثوبات صورا ملكوتية لتلك العقائد والأعمال والتي أدركھا الأنبياء
العظام، خصوصا صاحب الكشف الكلي والكتاب الجامع خاتم الأنبياء صَلّى االله عَلَيهِ وآلِهِ وَسَلَّم، أدركوھا بالوحي
الإلھي ورأوھا وسمعوھا ودعونا إليھا. ونحن المساكين كالأطفال، المتمردين على حكم العقلاء بل المخطئين
لھم، قد واجھناھم دائما بالعناد والمحاربة والانفصال، ولكن تلك النفوس الزكية والأرواح الطيبة الطاھرة ـ الأنبياء ـ
بما يكمن فيھم من الرأفة والرحمة بعبادة االله، لم يقصّروا أبدا في دعوتھم، على الرغم من جھلنا وعنادنا، بل
ساقونا نحو الجنة والسعادة بكل ما يملكون من القوة وأساليب الدعوة أن ينتظروا منا جزاءً ولا شكورا.
وحتى عندنا يحدد الرسول الأكرم صَلّى االله عَلَيهِ وآلِهِ وَسَلَّم أجره بـ «المودَّة في القُرْبَى»، فإن صورة ھذه
المودة في العالم الآخر قد تكون بالنسبة إلينا أعظم الصور نورا وعطاءا. وھذا ھو أيضا من أجلنا نحن ومن أجل
وصولنا إلى السعادة
والرحمة. إذاً، فأجر الرسالة عائد إلينا أيضا، ونحن الذين ننتفع به، فأية منّة لنا نحن المساكين عليھم؟!... وأية
فائدة تعود عليھم ـ سلام االله عليھم ـ من إخلاصنا لھم وتعلقنا بھم؟!... أية منّة لكم ولنا على علماء الأمة؟ بدءاً
من ذلك العالم الذي يوضح ويبين لنا الأحكام الشرعية، إلى النبي الأكرم صلّى االله عليه وآله وسلم وإلى ذات االله
المقدسة جلَّ جلاله فإن لكل منھم حسب درجته ومقامه من حيث إرشادھم لنا إلى طريق الھداية مِنَناً لا
نستطيع مكافأتھم عليھا في ھذا العالم، فھذا العالم لا يليق بجزائھم... {فَلِلَّهِ وَلرَسُولهِ وَلأولِيَائِهِ المنّة} وكما يقول
تعالى: {... قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ ھَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ
. إذاً، فإن كنّا صادقين في ادعاء الإيمان، فلله المنّة علينا في ھذا 24 السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
الإيمان نفسه. فاالله بصير وعالم بالغيب، وھو يعلم ماھية صور أعمالنا، وكيفية صورة إيماننا وإسلامنا في عالم
الغيب. أما نحن المساكين حيث لا نعرف الحقيقة، فإننا نتعلم العلم من العالم ونمنّ عليه، ونصلّي جماعة مع
العالم ونمنّ عليه، مع أن لھم المنّة علينا ونحن لا نعلم. بل وإن ھذه المنّة التي نمنُّ بھا عليھم ھي التي تحبط
أعمالنا وتجرّھا إلى «سجين»، وتذروھا في الھواء لكي تفني وتذھب.
المقام الثاني: الرياء
وفي فصلان:
الفصل الأول: الرياء في العمل
اعلم أن الرياء في ھذا المقام، وإن لم يكن بحجم المقام الأول ـ من الدفع نحو الكفر ـ إلاّ أنه، بعد الالتفات إلى
موضوعه، قد يفضي بعمل المرائي أيضا في ھذا المقام (العمل) إلى الكفر فيصبح واحدا في النتيجة مع عمل
المرائي في ذلك المقام: مقام الرياء في العقيدة.
لقد أوضحنا في شرح الحديث السابق، أنه يمكن أن تكون للإنسان في عالم الملكوت صورة تغاير الصورة
الإنسانية، وأن تلك الصور تتبع ملكوت النفس وملكاتھا، فإذا كنتم ذوي ملكات فاضلة إنسانية، فستجعل ھذه
الملكات صوركم، إنسانية عندنا يحشر الإنسان ومعه تلك الملكات ما لم تخرج عن طريق الاعتدال، بل إن الملكات
إنما تكون فاضلة حين لا تتصرف النفس الأمارة بالسوء فيھا، ولا يكون لخطوات النفس دور في تشكيلھا.
يقول أستاذنا الشيخ محمد علي الشاه آبادي دام ظله: «إن المعيار في الرياضة الباطلة والرياضة الشرعية
الصحيحة ھو خطى النفس وخطى الحق، فإذا كان تحرك السالك بخطى النس وكانت رياضته من أجل الحصول
24
سورة الحجرات، الآيتان: 17 ـ 18.
20
على قوى النفس وقدرتھا وتسلطھا، كانت رياضته باطلة وأدى سلوكه إلى سوء العاقبة. وتظھر الدعاوى الباطلة ـ
عادة ـ من مثل ھؤلاء الأشخاص».
أما إذا كان تحرك السالك بخطى الحق وكان باحثا عن االله، فإن رياضته ھذه حقّه وشرعية وسيأخذ االله تعالى
. وسيؤول 25 بيده ويھديه كما تنص على ذلك الآية الشريفة التي تقول: {وَالَّذِينَ جَاھَدُوا فِينَا لَنَھْدِيَنَّھُمْ سُبُلَنَا...}
عمله إلى السعادة. فتسقط عنه «الأنا» ويزول عنه الغرور. ومعلوم أن خطوات الشخص الذي يعرض أخلاقه
الحسنة وملكاته الفاضلة على الناس ليلفت أنظارھم إليه ھي خطوات النفس، وھو متكبر وأناتي ومعجب
بنفسه، وعابد لھا.
ومع التكبر تكون العبودية الله وھماً ساذجاً، وأمراً باطلا ومستحيلا، وما دامت مملكة وجودكم مملوءة يجب
النفس وحب الجاه والجلال والشھرة والترأس على عباد االله، فلا يمكن اعتبار ملكاتكم ملكات فاضلة، ولا أخلاقكم
أخلاقا إلھية. فالفاعل في مملكتكم ھو الشيطان، وليس ملكوتكم وباطنكم على صورة إنسان. وعند فتح العيون
البرزخية، ترون ملكوتكم على غير صورة الإنسان، وإنما ھي صورة أحد الشياطين مثلا. وحصول المعارف الإلھية
والتوحيد الكامل أمر مستحيل بالنسبة إلى قلب كھذا ما دام مسكنا للشيطان، وما دام ملكوتكم غير إنساني، وما
دامت قلوبكم غير مطھرة من ھذه الانحرافات والأنانيات.
26 ففي الحديث القدسي يقول االله تعالى: «لا تسعني أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي، بَلْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ»
ليس موجود يكون آية جمال المحبوب سوى قلب المؤمن. إن المتصرف في قلب المؤمن ھو االله، لا النفس. الفاعل
ي وجوده ھو المحبوب، فلا يكون قلب المؤمن متمردا ولا تائھا.
«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ إِصْبَعَي الرَّحْمنِ يُقَلِّبِه كَيْفَ يَشَاء»
27
وأنت أيھا المسكين العابد للنفس، والذي تركت الشيطان والجھل يتصرفان في قلبك، ومنعت يد الحق أن
تتصرف في قلبك، أيّ إيمان لديك حتى تكون محلا لتجلّي والسلطة المطلقة؟
فاعلم إذاً، أنك ما دمت على ھذه الحال، وما دامت رذيلة الغرور موجودة فيك، فأنت كافر باالله، معدود من زمرة
المنافقين، رغم زعمك بأنك مسلم ومؤمن باالله.
الفصل الثاني: خلق االله الإنسان لنقسه سبحانه
أيھا العزيز! استيقظ وانتبه وافتح أذنيك، وحرّم نوم الغفلة على عينيك، واعلم أن االله خلقك لنفسه كما يقول
في الحديث القدسي:
«يا بنَ آدَمَ خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ لأَجْلِكَ وَخَلَقْتُكَ لأَجْلِي»
واتخذ من قلبك منزلا له، فأنت وقلبك من النواميس 28
والحرمات الإلھية، واالله تعالى غيور، فلا تھتك حرمته وناموسه إلى ھذا الحدّ، ولا تدع الأيادي تمتد إلى حرمه
وناموسه. احذر غيرة االله، وإلا فضحك في ھذا العالم بصورة لا تستطيع إصلاحھا مھما حاولت. أتھتك في ملكوتك
وفي محضر الملائكة والأنبياء العظام ستر الناموس الإلھي؟ وتقدم الأخلاق الفاضلة التي تخلَّق بھا الأولياء إلى
الحق، إلى غير الحق؟ وتمنح قلبك لخصم الحق؟ وتشرك في باطن ملكوتك؟ كن على حذر من الحق تعالى فإنه
مضافاً إلى ھتكه سبحانه لناموس مملكتك في الآخرة ـ وفضحه لك أمام الأنبياء العظام والملائكة المقربين،
سيفضحك في ھذا العالم ويبتليك بفضيحة لا يمكن تلافيھا... وبتمزيق عصمة لا يمن ترقيعھا.
إن الحق تعالى «ستارُ» ولكنه غيور أيضا... إنه «أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ولكنه «أَشَدُّ المَعَاقِبِيَن» أيضا يستر ما لم
يتجاوز الحد. فقد تؤدي ھذه الفضيحة الكبرى ـ لا سمح االله ـ إلى تغليب الغيرة على الستر، كما سمعت في
الحديث الشريف.
25
سورة العنكبوت، آية 69.
12 .اتحاف السادة المتقين ـ المجلد السابع ص 234 غوالي اللئالي ـ المجلد الرابع ص7 وفيه (ولكن 26 إحياء العلوم ـ المجلد الثالث ص
يسعني).
27
صحيح مسلم ـ المجلد 18 ـ ص 51 .إحياء العلوم ـ المجلد الأول ص 76 .الجامع الصغير ـ المجلد الأول ص 83 والمجلد الثامن ص 151.
28
المنھج القوي ـ المجلد الخامس ـ ص 516 .علم اليقين ـ المجلد الأول ـ ص 381.
21

_________________


عدل سابقا من قبل ابوكوثر في الإثنين يناير 08, 2018 1:55 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاربعون حديث 2   الأحد يناير 07, 2018 6:02 pm

فارجع إلى نفسك قليلا، وعد إلى االله، فاالله رحيم، وھو يبحث عن ذريعة لإفاضة الرحمة عليك. إذا أنبت إليه،
فإنه يستر بغفرانه معاصيك وعيوبك الماضية، ولن يطلع عليھا أحداً ويجعلك صاحب فضيلة، ويظھر فيك الأخلاق
الكريمة، ويجعلك مرآة لصفاته تعالى ويجعل إرادتك فعّالة في ذلك العالم كما أن إرادته نافذة في جميع العوالم.
كما ورد في حديث منقول: إن أھل الجنة عندما يستقرون في الجنة، تبلغھم رسالة من الحق تعالى خلاصتھا:
من الحي الأبدي الذي لا يموت، إلى الحي الأبدي الذي لا يموت إذا أردتُ شيئاً قلتُ له كن فيكون، جعلتك ھذا
اليوم في مستوىً إذا أردتَ شيئاً قلت كن فيكون.
لا تكن محباً لنفسك، سلّم إرادتك للحق تعالى، فإن الذات المقدسة يتفضل عليك بجعلك مظھراً لإرادته،
ويجعلك متصرفاً في كافة الأمور. ويخضع لقدرتك مملكة الإيجاد. وھذا ھو غير التفويض الباطل، كما ھو معلوم في
محله.
فيا أيھا العزيز. أنت أعرف بنفسك فاختر إمّا ھذا وإمّا ذاك فاالله غنيٌّ عنّا وعن كل المخلوقات إنه غنيٌّ عن
إخلاصنا وإخلاص كل الموجودات.
المقام الثالث: الرياء
وفيه فصول
فصل: تلاعب الشيطان مع الناس من خلال المناسك والعبادات
إعلم أن الرياء في ھذا المقام، أكثر من المقامات الأخرى وأوسع شيوعاً، إذ أننا نحن العامة من الناس، لسنا
على العموم أھلاً لذينك المقامين. ولھذا لا يدخل الشيطان إلينا من ذلك الطريق، ولكن بما أن معظم الناس
المتعبدين، ھم من أھل المناسك والعبادات الظاھرية، فإن الشيطان أثر حرية في التلاعب بھم، في ھذا المقام
ومن خلال العبادات.
كما أن مكائد النفس في ھذه المرحلة أكثر. وبتعبير آخر: بما أن عامة الناس؛ يفوزون بالجنة بالأعمال
الجسمانية، أنھم يحصلون على الدرجات الأخروية بممارسة الأعمال الحسنة وترك الأعمال السيئة، فإن الشيطان
يدخل عليھم من ھذا الطريق نفسه، ويسقى جذور الرياء والتملق في أعمالھم، فتفرّع وتورق، ويبدل حسناتھم
سيئات، ويدخلھم جھنم ودركاتھا عن طريق المناسك والعبادات، ويحوّل الأمور التي يريدون أن يعمّروا بھا آخرتھم
إلى أدوات لتخريبھا ـ الآخرة فيجعل الملائكة ما ھو ـ الأعمال ـ من العليين بأمر من االله في سجين.
فعلى الذين يملكون ھذا الجانب فقط، ولا زاد لھم سوى زاد الأعمال، عليھم أن يكونوا حذرين كل الحذر لئلا
يفقدوا ـ لا سمح االله ـ الزاد والراحلة كليھما، وصبحوا من أھل جھنم، ولا يبقى لھم طريق نحو السعاد ة، وتغلق
في وجوھھم أبواب الجنة، وتفتح لھم أبواب النار.
فصل: في دقّة أمر الرياء
كثيراً ما يتفق أن يكون الشخص المرائي نفسه غافلاً أيضاً عن كون الرياء قد تسرب إلى أعماله، وأن أعماله
صارت رياء وھباء إذ أن مكائد الشيطان والنفس من الدقة والخفاء، وصراط الإنسانية من الرھافة والظلمة بدرجة لا
ينتبه الإنسان إلى ما
ھو فيه إن لم يكن حذرا جدا. إنه يحسب أن أعماله الله ولكنھا تكون في الواقع للشيطان ولما كان الإنسان
مجبولاً على حب النفس، فإن حجاب حب النفس يستر عنه معايب نفسه، وقد يأتي بيان بعض ذلك ضمن شرح
بعض الأحاديث إن شاء االله، ونسأل منه سبحانه التوفيق على ذلك.
ففي دراسة علوم الدين مثلا ـ وھي من الطاعات والعبادات المھمة ـ يبتلي الإنسان الكامل بالرياء من حيث لا
يدري وذلك بسبب الحجاب الغليظ لحب النفس.
إن الإنسان يرغب أن يتفرّد في استيعاب معضة علمية وحلّھا لدى محضر العلماء والرؤساء والفضلاء، ويبتھج
أكثر، كلما كان توضيحه للمسألة العلمية أحسن، ولفت انتباه الحاضرين أكثر. لأنه يحب أن ينتصر على كل من
يناظره. إنه يشعر بنوعٍ من الدلال العلمي والتفوق، وإذا اقترن ذلك بتصديق من إحدى الشخصيات، لكان نور على
22
نور. إن ھذا المسكين غافل عن أنه أحرز ھنا موقعاً لدى الفضلاء والعلماء ولكنه سقط من عين ربھم ومالك ملوك
العالم، وأن عمله قد ترك بأمر الحق المتعال في سجين. ثم إن عمله ھذا من الرياء ممزوج بعده معاص أخرى،
مثل فضحه وإذلاله وإيذائه أخاً له في الإيمان، وأحياناً التجرؤ على مؤمن وھتكه، وكل واحد من ھذه الأعمال ھي
من الموبقات وكافية وحدھا لإدخال الإنسان في جھنم. وإذا ألقت النفس مرة أخرى شباك كيدھا، لتقول لك: إن
ھدفي ھو إعلان الحكم الشرعي وإظھار كلمة الحق وھو من أفضل الطاعات، وليس لإظھار العلم والتكبر وحب
الظھور، فاسأل نفسك في الباطن أنه لو كان زميلي المساوي لي في الدرجة العلمية ھو الذي قال ذلك الحكم
الشرعي وھو الذي حلَّ تلك المعضلة وكنتِ أنتِ مغلوبة في ذلك المحضر، أكان ذلك على حدِ سواء عندك؟ إذا
كان كذلك فأنت صادق. وإذا لم تترك كيدھا وقالت لك: إن إظھار الحق فضيلة، وله ثواب عند االله تعالى، وأنا أريد أن
أنال ھذه الفضيلة، وأعمّر دار الثواب، فقل لھا: لنفرض أن االله تعالى أنعم عليكِ بتلك الفضيلة نفسھا في حالة
مغلوبيتك وتصديقك بالحق، فھل تبقين طالبة للغلبة؟ فإذا رجعتم إلى باطنكم ورأيتم أنكم ما زلتم تميلون الغلبة،
والاشتھار بين العلماء بالعلم والفضل، وأن بحثكم العلمي كان لأجل الحصول على
المكانة في قلوب أولئك، إذاً، فاعلموا أنكم مراءون في ھذا البحث العلمي الذي ھو من أفضل الطاعات
والعبادات وأن عملكم ھذا ـ بحسب الرواي الشريفة في كتاب (الكافي) ھو في «سجين»، وأنكم مشركون باالله.
وإن ھذا العمل ھو لأجل حبّ الجاه والشرف وھما ـ بحسب الرواية ـ أشد ضررا على الإيمان من ذئبين أُطلقا على
قطيع بلا راعٍ.
إذاً، فعليكم أنتم أھل العلم المتكفلين بإصلاح الأمة والإرشاد إلى الآخرة الأطبَّاء للأمراض النفسية، أن تصلحوا
أنفسكم أولا وتجعلوا مزاجكم النفسي سالماً، كي لا تكونوا في زمرة «العالم بلا عمل» وھو صنف معلوم الحال
والعاقبة.
اللّھم طھّر قلوبنا من كدر الشرك والنفاق، وصفَّ مرآة قلوبنا من صدأ حب الدنيا وھي منشأ جميع ھذه الأمور.
اللھم رافقنا، وخذ بأيدينا نحن المساكين المبتلين بھوى النفس وحبِّ الجاه والشرف في ھذا السفر المملوء
بالخطر وفي ھذا الطريق المليء بالمنعطفات والصعاب والظلمات إنك على كل شيء قدير.
إن صلاة الجماعة واحدة من العبادات العظيمة في الإسلام، وفضل إمامتھا أعظم. ومن ھنا فإن الشيطان ينفذ
إلى ھذه العبادة أكثر، وھو مع الإمام أشد عداوة، ويسعى إلى أن ينتزع منه ھذه الفضيلة، ويفرغ عمله من
الإخلاص، ويدخله إلى «سجين»، ويجعله مشركا باالله. ولأجل ذلك يدخل الشيطان إلى قلوب بعض أئمة الجماعة
بطرق مختلفة مثل: العُجُب (سيأتي بيانه إن شاء االله لا حقا) ومثل: الرياء وھو إظھار ھذه العبادة العظيمة، أمام
الناس من أجل الحصول على منزلةٍ في قلوب الناس والاشتھار بالعظمة لديھم. فمثلاً يرى إمام الجماعة أن أحد
المشھورين بالتقوى والدين قد حضر إلى صلاة جماعته، ولأجل جذب قلبه، يكثر من خضوعه ويلتجأ إلى أساليب
مختلفة، وحيل كثيرة لصيده، ومن أجل تعظيم نفسه عند الغائبين الذين لم يحضروا صلاة جماعته، يتحدث في
المجالس عن ذلك المتديّن، ويحاول إفھام الناس أن فلانا يأتم به ويشارك في صلاة جماعته. ثم ھو أيضا يقابله
بالود والح في قلبه، لأجل حضوره في صلاة جماعته ويُكنّ له من الحب والإخلاص ما لم يُكنّ لحظة طوال حياته،
الله ولا لأولياء االله، خصوصا إذا كان ھذا المتدين من التجار المحترمين. وإذا حدث لا سمح االله أن ضلَّ أحد الأشراف
طريقه والتحق بصلاة الجماعة، فإن المصيبة
على إمام الجماعة من وسوسة الشيطان تكون أعظم. إن الشيطان لا يترك حتى إمام جماعة قليلة الأفراد،
فيذھب إليه ويوحي له فيوسوس في نفسه: إنني قد أعرضت عن الدنيا، وأقضيھا في مسجد صغير، مع الفقراء
والمساكين. وھذا أيضا مثل ذاك، أو أسوأ منه، لأنه يثقل قلبه برذيلة الحسد أيضا، فھو فضلا عن كونه لم ينل من
الدنيا شيئا يسلبه الشيطان عدّته لآخرته، فيخسر الدنيا والآخرة.
وفي الوقت نفسه لم يرفع الشيطان يده عنّا: أنا وأنت نقصّر في الحضور في صلاة الجماعة ونحمل الھم
والأسى لعدم توفر الظروف والمناخ لإقامة صلاة الج ماعة بإمامتنا، فيدفعنا إلى الإساءة إلى جماعة المسلمين
23
والطعن بھم وخلق عيوب للجماعة، ونعد عدم الاشتراك في الجماعة، عزلة، نظھر أنفسنا كأننا زاھدون في الدنيا
ومنزّھون عن حب الجاه والذات، في حين أننا أسوأ من كلتا الفئتين السالفتين، فلا نحن نلنا الدنيا الكاملة التي
نالتھا الطائفة الأولى، ولا دنيا الطائفة الثانية الناقصة. ولا نحن فزنا بالآخرة، مع أننا أيضاً لو أُتيح لنا ما نريد لكنّا
أشد من كلتا الطائفتين حباُ للجاه والمال.
والشيطان لا يكتفي بإمام الجماعة وحده فلا تنطفئ شعلة شھوته بجعله ـ إمام الجماعة ـ من أھل النار، بل
يدخل إلى صفوف المصلّين المؤمنين، فحيث أن فضيلة الصف الأول أعظم من سائر الصفوف، وأنّ جانب يمين
الإمام أكثر فضلا من جانب يساره، فھو يستھدفه أكثر من غيره.
مسكين ھذا المتديِّن يجره الشيطان من بيته البعيد ويجلسه في الجانب اليمن من الصف الأول، ثم يوسوس
له كي يتباھى على الناس بھذه الفضيلة، إذ لا يدري ھذا المسكين ماذا يفعل؟ فيأخذ بإظھار فضله بتفاخر ودلال،
ويبرز شركة الباطن فيكون مصيره إلى «سجين» ثم يذھب الشيطان إلي باقي الصفوف ويدفعھم إلى ن يطعنوا
من في الصف الأول بالكتابة والإشارة وأن يجعلوا ذلك المتدين المسكين ھدفا لسھام الطعن والشتم، معتبرين
أنفسھم منزّھين عن مثل أطواره. وأحيانا قد يُرى شخص محترم، خصوصا إذا كان من أھل الفضل والعلم، قد أخذ
الشيطان بيده وأجلسه في الصف الأخير، وكأنه يريد أن يقول للحاضرين: إني بمقامي ھذا لا ينبغي أن أُصلّي مع
شخص كھذا، ولكن لكوني قد أعرضت عن
الدنيا وليس لدي ھوى في النفس، فقد جئت بل وجلست في الصف الأخير ولن ألتقي أشخاصا من ھذا
القبيل في الصف الأول من صلاة الجماعة.
ولا يكتفي الشيطان بالإمام والمأموم، بل يأخذ بزمام بعض ا لمصلين المنفردين عن الجماعة فيقوده من
السوق أو المنزل، بدلال وتبختر، إلى زاوية في المسجد، حيث يفرش سجادته منفردا، دون أن يرى أي إمام
عادلا، ويصلّي في حضور الناس ويطيل السجود والركوع والأذكار الطويلة. ھذا الإنسان يضمر في باطنه كلمة
للناس ھي: «إنني متدين ومحتاط إلى درجة أترك صلاة الجماعة لئلا أبتلي بإمام غير عادل» ھذا الإنسان، فضلا
عن أنه معجب بنفسه ومُراء، فإنه لا يعرف المسائل الشرعية أيضا، وذلك لأن مرجع تقليد ھذا الشخص، قد لا
يشترط أكثر من مجرد حسن الظاھر في صحة الإقتداء ولكن عمله ھذا ليس من ھذا الباب، بل من أجل الرياء أمام
الناس، ولأجل الحصول على المكانة والمنزلة في القلوب.
وھكذا سائر أعمالنا، فھي تحت تصرف الشيطان الملعون الذي ينزل في كل قلب كدر ملوث، ويحرق الأعمال
الظاھرة والباطنة ويجعلنا من أھل النار عن طريق الأعمال الحسنة.
فصل: في الدعوة إلى الإخلاص
إذاً أيھا العزيز، كن دقيقا في أعمالك وحاسب نفسك في كل عمل، وأستنطقھا عن الدافع في الأعمال الخيرة،
والأمور الشريفة، فما الذي يدفعھا إلى السؤال عن مسائل صلاة الليل أو على ترديد الأذكار؟ ھل تريد تتفھّم
أحكام صلاة الليل وتُعلمھا قربة إلى االله، أو تريد أن توحي إلى الناس بأنھا من أھل صلاة الليل؟
لماذا تريد أن تخبر الناس بأي أسلوب كان، عن الزيارة للمشاھد المشرفة وحتى عن عدد الزيارات؟
لماذا لا ترضى أن لا يطلع أحد على الصدقات التي تعطيھا في الخفاء، وتحاول أن تتحدث عنھا ليطّلع عليھا
الناس؟ إذا كان ذلك الله، وتريد أن يتأسىّ به الناس باعتبار أن «الدال على الخير كفاعله» فإن إظھار حسن،
وأشكر االله على ھذا الضمير
النقي والقلب الطاھر!.
ولكن ليكن الإنسان حذر في المناظرة والجدال مع النفس، وأن لا ينخدع بمكرھا وإظھارھا له العمل المرائي
بصورة عمل مقدس. فإن لم يكن الله، فتركه أولى، لأن ھذا من طلب السمعة وھو من شجرة الرياء الملعونة. ولن
يقبل االله المنان عمله، بل يأمر بإلقائه في سجّين. ويجب علينا أن نستعيذ باالله تعالى من شرِّ مكائد النفس، فإن
مكائدھا خفية جداً، ولكننا نعلم إجمالاً أن أعمالنا ليست خالصة الله، وإلا فإذا كنا عباداً الله مُخْلصين، فلماذا تكون
24
للشيطان علينا ھذه السيطرة وبھذا القدر؟ مع أنه أعطى لربِّه عھدا أن ليس له سلطان على عباد االله المخلصين،
الكبير دام ظله: فإن الشيطان كلب أعتاب 29 وأنه لا يمدّ يده إلى ساحتھم المقدسة، وعلى حد القول شيخنا
الحضرة الإلھية، فلا ينبح في وجه من كانت له معرفة باالله ولن يؤذيه وكلب الدار لا يطارد معارف صاحب الدار.
ولكن الشيطان لا يسمح بالدخول لمن ليست له معرفة بصاحب الدار، إذاً؛ إذا رأيت أن لليطان شأناً معك وسيطرة
عليك فاعلم أن أعمالك غير خالصة، وأنھا ليست الله تعالى.
وإذا كنت مخلصاً فلماذا لا تجري ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك مع أنك تعمل أربعين سنة قربة إلى االله
حسب تصورك؟ في حين أنه ورد في الحديث الشريف عن الرضا عن آبائه عليھم السلام قال: قال رسول االله
صلى االله عليه وآله وسلم: «ما خَلُصَ عَبْدٌ لِلّهِ عَزَّ وجلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إِلاَّ جَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى
. إذاً؛ فاعلم أن أعمالنا غير خالصة الله، ولكننا لا ندري، وھا ھنا الداء الذي لا دواء له!. 30 لِسَانِهِ»
ويل لأھل الطاعة والعبادة والعلم والديانة الذين عندما يفتحون أبصارھم ويقيم سلطان الآخرة قدرته، يرون
أنفسھم من أھل كبائر المعاصي، بل وأسوأ من أھل الكفر والشرك، بحيث أن صحفية أعمالھم تكون أشد سوادا
من صحائف الكفار والمشركين.
الويل لمن يدخل بصلاته وطاعته جھنم، الويل لمن تكون صورة صدقته وزكاته
وصلاته أبشع مما يمكن تصوره. أيھا المسكين المرائي، أنت مشرك، وأما العاصي فموحد. إن االله يرحم بفضله
31 العاصي إن شاء، لكنه يقول إنه لن يرحم المشرك إذا رحل من الدنيا بدون توبة
.
لقد سمعت في الأحاديث الشريفة أن المرائي مشرك. إن من يرائي بين الناس برياسته الدينية وإمامته
وتدريسه وصومه وصلاته وبأعماله الصالحة لأجل الحصول على المنزلة في قلوبھم، فھو مشرك. وإنه لن يكون
مشمولا بمغفرة االله تعالى حسب الآية الشريفة وأخبار أھل بيت العصمة ـ صلوات االله عليھم ـ. إذاً؛ فيا ليتك كنت
من أھل الكبائر، ومتجاھراً بالفسق، ومنتھكا للحرمات الظاھرية، وكنت موحدا ولم تشرك باالله.
فيا أيھا العزيز؛ فكّر لتجد سبيلا لنجاتك، واعلم أن الشھرة ين ھؤلاء الناس وَھمٌ باطل، إنھا ليست بشيء. إن
قلوب ھؤلاء التي لو أكلھا عصفورا لما شبع، إن ھي إلا قلوب ضعيفة تافھة، ولا طاقة لھا على شيء وإن ھذا
المخلوق الضعيف لا حول له ولا قوة. القوة ھي قوة االله المقدسة، فھو الفاعل المطلق ومسبب الأسباب. ولو
اجتمع الناس جميعا وكان بعضھم لبعض ظھيرا، لما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة، وإذا سلبت منھم الذبابة شيئا لما
استطاعوا استرجاعه منھا. كما جاء في الآية الكريمة:
{يَاأَيُّھَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْھُمُ
32 الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}
.
القوة الله تعالى وھو المؤثر في جميع الموجودات. اكتب على قلبك بمداد العقل ـ مھما قاسيت في ذلك
وعانيت ـ أن: «لا مؤثر في الوجود إلا االله» !.
ادخل في قلبك بأية وسيلة كانت، التوحيد العملي وھو أول درجات التوحيد، وأجعل قلبك مؤمنا ومسلما،
وأختم على قلبك بھذه الكلمة المباركة بالختم الشريف «لا إله إلا االله» وأجعل صورة القلب صورة كلمة التوحيد،
وأوصله إلى درجة «الاطمئنان»، وافھمه أن الناس لا يملكون لأنفسھم نفعا ولا ضرا، فاالله وحده ھو النافع والضار.
. وتحشر يوم 33 أزل ھذا العمى عن عينك، وإلا فستكون ممن يقول: {... رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}
كشف السرائر، أعمى. وأعلم أن إرادة االله تعالى قاھرة لجميع الإرادات، وإذا اطمأن قلبك بھذه الكلمة المباركة
وتسلّم لھذه العقيدة، فالأمل أن ينجز عملك، وتستأصل جذور الشرك والرياء والكفر والنفاق من قلبك.
29
الشيخ محمد علي الشاه آبادي.
30
بحار الأنوار ـ المجلد 70 ـ ص 242.
31
إن االله لا يغفر أن يشرك به.
32
سورة الحج، آية: 73.
33
سورة طه، آية: 251.
25
واعلم أن ھذه العقيدة الحقة مطابقة للعقل والشرع وليس فيھا شبھة الجبر، وھي الشبھة التي من
المحتمل أن يعتقد بھا بعض من لا إطلاع لھم على مبادئ الموضوع ومقدماته ولم يطرق سمعھم شيء من تلك
الأمور، مع أن ذلك يرتبط بالجبر فھو توحيد والجبر شرك، وھذه ھداية والجبر ضلالة. وھذا ليس مكانا مناسبا لبيان
الجبر والتفويض، ولكن الأمر واضح عند أھله ولا حق لغيرھم بالدخول في ھذه المواضيع، بل وقد نھى صاحب
الشريعة عن الدخول فيھا.
وعلى أي حال؛ أطلب من االله الرحيم في كل حين، وخصوصا في الخلوات، وبتضرع وعجز وتذلل، أن يھديك بنور
التوحيد، وأن ينوّر قلبك ببارقة غيب التوحيد في الإيمان والعبادة، حتى تعلم أن جميع العالم الواھي وكل ما فيه
يكون لا شيء، واسأل الذات المقدس بكل تضرع أن يجعل أعمالك خالصة وأن يھديك إلى طريق الخلوص والولاء.
وإذا واتتك حالة السمو الروحي، فذكر بالدعاء ھذا العبد الضعيف العاطل الخالي من الحقيقة الذي ضيع عمره في
ال ھوى، وأصبح قلبه بسبب كدر المعاصي والأمراض القلبية بحيث لم تعد تؤثر فيه أية نصيحة ولا رواية ولا برھان
ولا دليل ولا آية، لعله يجد بدعائكم طريق النجاة، فإن االله لا يرد دعاء المؤمن في حضرة، بل يستجيب دعاءه.
بعد التذكير بھذه المطالب التي كنت تعرفھا ولم تكن جديدة عليك، راقب قلبك وأنتبه له، وأخضع أعمالك
وتعاملك وحركاتك وسكناتك للملاحظة، وفتش في خبايا قلبك، وحاسبه حسابا شديدا مثلما يحاسب شخص من
أھل الدنيا شريكه، وأترك كل عمل فيه شبھة الرياء والتملق ولو كان عملا شريفا جدا. وإذا رأيت أنك لا تستطيع
أداء الواجبات بإخلاص في العلن، فأدھا في الخفاء مع أنه يستحب الإتيان بھا في العلن. وقليل ما يتفق أن يقع
الرياء في أصل الواجب، والأغلب أن يقع في الخصوصيات والمستحبات والإضافات، وعلى أية حال؛ طھّر قلبك من
دنس الشرك بجد ومجاھدة شديدتين، لئلا تنتل من ھذا العالم ـ لا سمح االله ـ وأنت بھذه الحال السيئة من دون
أن يكون لك أمل بالنجاة أبدا، ويكون الحق المتعال غاضبا عليك، كما ورد في الحديث الشريف المنقول في
(الوسائل) عن (قرب الإسناد) بسند متصل إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «قَالَ رسُول االلهِ صلّى االلهِ
عليه وآله وسلم: مَنْ تَزيَّتَ للنَّاس بِمَا يُحبُّ االله وبارزَ لِلّهِ في السرِّ بما يَكرَهُ االلهُ لَقِي االلهَ وھُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ ولَهُ
34 ماقِتٌ»
.
وفي ھذا الحديث الشريف احتمالان: الأول: ھو ذلك الذي يظھر للناس الأعمال الصالحة ويخفى الأعمال
القبيحة. والآخر: ھو ذلك الذي يظھر للناس ھيكل العمل وفي الباطن يقصد الرياء، وكلتا الصورتين يشملھما الرياء،
لأن الإتيان بالواجبات والمستحبات، بغير قصد الرياء لا يستوجب الغضب، بل يمكن القول أن المعنى الثاني أفضل
لأن التجاھر بالأعمال القبيحة أشد، وعلى كل حال؛ لا سمح االله أن يكون مالك الملوك وأرحم الراحمين غاضبا
على الإنسان «أَعُوذُ بِااللهِ مِنْ غَضَبِ الحَلِيمِ».
فصل: في بيان حديث عَلَوي
نختم ھذا المقام بحديث شريف روي في كتاب (الكافي) عن أمير المؤمنين عليه السلام ونقل الشيخ الصدوق
رضوان االله عليه مثل ھذا الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام وھو من جملة وصايا الرسول صلى االله عليه
وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام وھو ھذا:
بإسناده؛ عن أبي عبداالله عليه السلام: قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ثلاثُ علاماتٍ لِلْمُرَائِي يَنْشَطُ
35 إِذا رَأَى النَّاسَ وَيَكْسَلُ إِذا كَانَ وَحْدَهُ، وَيْحّب أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ»
.
ولما كانت ھذه السيئة ـ الرياء ـ الخبيثة شديدة الخفاء، غابت حتى عن الإنسان نفسه بحيث يكون في
الباطن من أھل الرياء وھو يتوھم عمله خالصا، ولھذا ذكروا لھا علامة، وبواسطة تلك العلامة يطلع الإنسان على
سريرته، وينھض لمعالجتھا. وھذه العلامة ھي أن الإنسان يشاھد في نفسه عزوفا عن الطاعات عندما يكون
وحده، وإذا تعبد فمع كلفة أو من منطلق العادة لا تكون ذات إقبال وتوجه، بل يأتي بالعبادة مقطعة الأوصال من غير
كمال وتمام، ولكن عندما يحضر في المساجد والمجامع، وفي المحافل العامة يؤدي تلك العبادة في الظاھر
34
وسائل الشيعة. المجلد الأول ـ الباب الحادي عشر من أبواب مقدمة العبادات ح 14 ص 50.
35
أصول الكافي ـ المجلد الثاني ـ كتاب الإيمان والفر ـ بال الرياء ـ ح 8.
26
بنشاط وسرور وحضور قلب ويميل إلى إطالة الركوع والسجود، ويؤدي المستحبات أداء حسنا مع توفير كافة
أجزائھا وشروطھا.
إن الإنسان إذا كان منتبھا بعض الشيء، ليسأل نفسه عن سبب مثل ھذا التصرف؟ ولماذا تنصب شباكھا
باسم التقدس؟ لمّوھت على الإنسان وقالت: بما أن العبادة في المسجد أعظم ثوابا أو أن في صلاة الجماعة كذا
من الثواب، يشتد النشاط. أما إذا صلّيت منفردا وفي غير المسجد، فيكون الاھتمام من أجل أنه: «يستحب أداء
العمل أمام الناس بصورة حسنة لكي يقتدي به الآخرون ويرغبون في الدين». أنھا ـ النفس ـ تخدع الإنسان بأية
وسيلة كانت، ولھذا لا يفكر في العلاج. وإن المريض الذي يعتقد نفسه سالما، لا يؤمل له الشفاء، إن ھذا الشقي
يرغب في باطن ذاته ولب سريرته أن يظھر عمله للناس وھو غافل عن أن ذلك بدافع من الشيطان، بل إن نفسه
تظھر له المعصية في صورة العبادة، وتظھر التكبر والغرور في شكل ترويج للدين. إن الإتيان بالمستحبات في
الخلوات مستحب، فلماذا ترغب النفس دائما في أن تؤديھا في العلن؟ إنه يبكي من خوف االله في المحافل العامة
بحرقة وألم، ولكنه في الخلوات مھما ضغط على نفسه لا تندى عينه. ما الذي حدث لكي يذھب عنه خوف االله إلا
بين الناس؟ تسمع له في ليالي القدر وفي جموع الناس الحسرات والنحيب والحرقة والبكاء، يصلي مائة ركعة
ويقرأ دعاء الجوشن الكبير والصغير وعدة أجزاء من القرآن المجيد في وسط الجموع، دون أن يتلكأ أو يحس بالتعب.
إذا كانت أعمال الإنسان لأجل رضا االله فقط أو لإستحصال رحمته أو خوفا من النار وشوقا إلى الجنة، فلماذا
يرغب في أن يمدحه الناس على كل عمل عمله؟ فنجد أُذُنُه متوجھة إلى ألسن الناس وقلبه عندھم، لكي
يسمع من يمدحه، بقوله: ما أشد تدين والتزام ھذا الإنسان؟ وما أحرصه على أداء الفرائض في مواعيدھا
والمستحبات في أوقاتھا؟ وإنه إنسان مستقيم وصادق في معاملاته! إذا كان االله ھو الھدف في عملك فما ھذا
الميل المفرط نحو الناس؟! وإذا كانت الجنة والنار ھما اللتان تدفعانك إلى العمل فما الذي يحكي لنا ھذا
الانحراف؟! ان تبه، فإن ھذا الحب ھو من نفس شجرة الرياء الخبيثة، فاسع ما استطعت لإصلاح نفسك من أمثال
ھذا الحب إذا كان ذلك ممكناً.
في ھذا المقام أُنبّه إلى نقطة مھمة وھي أن لكل واحد من ھذه الصفات النفسانية، الحسنة منھا والسيئة،
درجات كثيرة جدا، بحيث أن مرتبة من الصفات يعتبر الاتصاف بھا من الحسنات والتخلي عنھا من السيئات وتكون
من مختصات أولياء االله أو العرفاء باالله ولا يشاركھم فيھا غيرھم من سائر الناس. والصفة التي تعتبر نقصا لأولياء
االله، والعرفاء باالله، لا تعتبر نقصا لغيرھم من الناس حسب المقام الذي يتمتعون به، بل قد يكون بمعنى من
المعاني كمالاً لھم. وكذلك تكون حسنات فئة سيئات لفئة أخرى.
والرياء من جملة ما يدور كلامنا عليه حاليا. فالإخلاص من جميع مراتب الرياء ھو من مختصات أولياء االله
والآخرون ليسوا شركاء في ھذه المرتبة، واتصاف عامة الناس بدرجة من رجات الإخلاص ليس نقصا بالنسبة إليھم
بحسب المقام الذي ھم فيه، ولا يضر بإيمانھم وإخلاصھم. فمثلا تميل نفوس عامة الناس بحسب الغريزة والفطرة
إلى أن تظھر خيراتھا أمام الناس، وإن لم يقصدوا أن يظھروھا، ولكن نفوسھم مفطورة على ھذا الميل. وھذا ليس
موجبا لبطلان العمل أو الشرك أو النفاق أو الكفر، وإن كان ذلك نقص بالنسبة للأولياء وشرك ونفاق لدى الولي أو
العارف باالله. والتنزه عن مطلق الشرك والإخلاص في جميع مراتبه ھو أول مقامات الأولياء ولھم مقامات أخرى لا
يناسب ھذا المجال ذكرھا.
ثم إن قول الأئمة «عليھم السلام» أن «عبَادَتِنَا عِبَادَةُ الأحْرارِ» أي حبا الله، لا طمعا بالجنة ولا خوفا من النار،
فھو من المقامات الاعتيادية ـ بالنسبة إليھم ـ وھو أولى درجات الولاية، ولھم في العبادات حالات لا يمكن أن
تستوعبھا عقولنا ولا عقولكم.
وبھذا البيان ال ذي سمعت يمكن الجمع بين الحديث السابق المنقول عن رسول االله صلى االله عليه وآله
وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، والحديث الذي ينقله زرارة، عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر عليه السلام
وھو: حديث محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سَأَّلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ الشِّيْءَ مِنَ
27
الخَيْرِ فَيَرَاهُ إِنْسانٌ فَيَسَرَّهُ ذلِكَ، قالَ: ثُمَّ لا بَأْسَ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلاّ وَھُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْھَرَ لَهُ فِي النَّاسِ الخَيْرُ إِذا لَمْ يَكُنْ
36 صَنَعَ ذلِكَ لِذلِكَ»
.
يعد في أحد الحديثين حب المدح علامة الرياء، ويعد في الآخر السرور بظھور الخيرات أمرا لا بأس به. وبكون
ھذا حسب اختلاف مراتب الأشخاص. وھناك وجه آخر للجمع بين الحديثين، صرفنا النظر نه ھنا.
تتمة:
اعلم، أن السمعة وھي عبارة عن إيصال خصال النفس إلى أسماع الناس لاجتذاب قلوبھم ولأجل الاشتھار،
من شجرة الرياء الخبيثة. ولھذا السبب. ذكرناھا مع الرياء في باب واحد، ولم نعمد إلى ذكر كل واحد منھما بصورة
منفصلة.
الحَديث الثَالِث: العُجْب
بالسَّند المتّصل إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراھيم، عن أبيه عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر
الحلال، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام قال: «سألتُهُ عن العُجْبِ الذي يُفْسِدُ العَمَلَ، فقال:
العُجْبُ درجاتٌ منھا أن يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءٌ عَمَلِه فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبهُ وَيَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً وَمِنْھا أن يؤمن العبد
37 بربه فيمن على االله عز وجل والله عليه فيه المن»
.
: 38 الشرح
العُجْب: ھو عبارة حسب ما ذكره العلماء رضوان االله عليھم عن: «تعظيم العمل الصالح واستكثاره والسرور
والابتھاج به، والتغنج والدلال بواسطته، واعتبار الإنسان نفسه غير مقصرٍّ وأما السرور بالعمل مع التواضع والخضوع
الله تعالى وشكره على ھذا التوفيق وطلب المزيد منه، فإنه ليس بعجب بل ھو أمر ممدوح». ينقل المحدّث
العظيم مولانا العلامة المجلسي طاب ثراه، عن المحقق الخبير والعالم الكبير الشيخ بھاء الدين العامل رضوان االله
أنه قال: «لا ريب في أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك يحصل لنفسه 39 عليه
ابتھاج. فإن كان من حيث كونھا عطية من االله له، ونعمة منه تعلى عليه، وكان مع ذلك خائفاً من نقصھا شفيقاً
من زوالھا، طالباً من االله الازدياد منھا، لم يكن ذلك الابتھاج عُجباً. وإن كان من حيث كونھا صفته وقائمة به ومضافة
إليه، فاستعظمھا وركن إليھا ورأي نفسه خارجا عن حدّ التقصير، وصار كأنّه يمن على االله سبحانه بسببھا فذلك
ھو العُجْب».
أقول، وأنا الفقير: إن تفسير العُجب بالصورة التي ذكروھا صحيح، ولكن يجب اعتبار العمل أعم من العمل
الباطني والظاھري، القلبي والشكلي، وكذلك أعم من العمل القبيح والعمل الحسن. وذلك لأن العُجب مثلما
يدخل على أعمال الجوارح، يدخل أيضا على أعمال الجوانح فيفس دھا، وكما أن صاحب الفضيلة الحسنة يعجب
بخصالة، كذلك يكون ذو العمل الشنيع أيضا، أي أنه يعجب بخصلة، كما صرّح بھذا، الحديث الشريف خصھما بالذكر
لأنھما خافيان عن نظر أغلب الناس. وسيأتي ذكرھما إن شاء االله.
ويجب أن تعلم أيضاً أن السرور الخالي من العُجب والذي اعتبروه من الصفات الممدوحة إنما يلاحظ بحسب
نوعه، كما سيأتي بيانه في فصل من الفصول اللاحقة.
واعلم أن للعُجب، كما وردت الإشارة إليه في الحديث الشريف، درجات: الدرجة الأولى: العُجْب بالإيمان
والمعارف الحقّة، ويقابله العجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة.
الدرجة الثانية: العُجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات.
الدرجة الثالثة: العُجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابلھا العجب بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة.
36

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
الاربعون حديث 2
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الرابع الخاص بالعرفان والاذكاروالمناجاة-
انتقل الى: