{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 شرح الخطبة التطنجية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:24 am



وقال أيضا سبحانه وتعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ }1 وهذه الاثنا هي مثنى الستة العدد التام الذي تم خلق السموات والأرض وخلق كل شيء فيها ومثنّاها تكرارها في عالم الغيب والشهادة وكل هذه المراتب عن منبع التوحيد لقد ظهر فيها على حسب ذلك المقام وتلك المرتبة ، وأشار إلى سر ما ذكرنا مولانا الجواد التقي عليه السلام في زيارة أبيه علي عليه السلام على إقبال الدنيا وسعودها ومن سئل عن كلمة التوحيد فقال أنا والله من شروطها (( السلام على شهور الحول وعدد السّاعات وحروف لا إلـه إلا الله في الرقوم المسطرات ))2 وقد قال مولانا الحجة المنتظر عجل الله فرجه (( فبهم ملأت سمائك وأرضك حتى ظهر أن لا إلـه إلا الله ))3 فهم اثنا عشر هيكل التوحيد قد حصلت وصدرت عن منبع واحد، فهم واحد في عين التكثر ووحدتهم حقيقة منبئة عن كمال التوحيد المستدعي لسلب الجهات ومحو الكثرات وإزالة الإنيات وقطع عالم الصفات وذل جبل الإنيات ، وذلك التوحيد ما يمكن بروزه وظهوره وانتشاره إلا في هذه الهياكل المقدسة المطهرة المنورة لما ذكرنا من سر المراتب ، وإنما خصّ الاثنا عشر من الحروف النورانية دون الأربعة عشر لأن ذلك مقام التمام والأربعة عشر مقام الكمال ، ومقام التوحيد الظاهر مقام الولاية الظاهرة على جهة التكليف ومظهر هذه الولاية ما يمكن إلا باثني عشر دون الأربعة عشر لأن ذلك على نظم اقتضاء الكون الوجودي والتشريعي والحقيقي والصفتي والذاتي والإضافي ، لكن هنا شيء وهوأنه عليه السلامما أتى بلا إلـه إلا الله ليكون ذلك تمام اثني عشر وإنما أتى بلا إلـه إلا هو وهو تمام العشرة الكاملة 
__________________
1 التوبة 36
2 البحار 102/54 ح 11
3 دعاء مولانا الحجة عجل الله فرجه في رجب


ويريد بذلك بيان سر تمام ميقات موسى في قوله عز وجل {* وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً }‏1 وقوله عز وجل { وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ }‏2 ويريد بهذه العشر مجموع مراتب الأكوان التي ظهرت فيها تلك الهياكل الاثنا عشر التي تم بها التوحيد وكملت أركان العرش المجيد ، ووجه الإشارة أن هو يشمل على اسم الله وزيادة هذه الدقة لأنّ هو روح الله وقـوام ذلك الاسم ولذا قـال سبحانـه { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }3 فقدم الهويّة على الألوهية فقوام الألوهية بالهوية فشمل على ما شمل به الله حين قولك لا إلـه إلاالله وزاد على ذلك بعشر لأن هو عدده أحد عشر وواحد يزاد على عدد الله في الحروف المقطعة ليتم إلى الاثني عشر وتبقى العشرة بعد ذلك إشارة إلى ظهور الاثني عشر في العشر ليكون تفصيلا لقول مولانا الحجة عجل الله فرجه (( فبهم ملأت سمائك وأرضك حتى ظهر أن لا إلـه إلا أنت )) ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( الذي ملأ الدهر 
__________________
1 الأعراف 143
2 الفجر 1 _ 2
3 الإخلاص 1


قدسه ))1 وهذا الذي ذكر عليه السلام بيان لكيفية الامتلاء وسريان نور التوحيد السّاطع عنهم عليهم السلام في كل ذرّات السماء والأرض إلى ما لا نهاية له لأنها لا تخلوعن هذه العشرة وهي القبضات العشر من الأفلاك التسعة والأرض وما يتعلق بهما من القرانات والمزاجات وكل شيء يتصوره المتصور أو يدركه المدرك لا يتقوم إلا بهذه العشرة ، فتمّ الوجود بسريان نور التوحيد من هياكل التوحيد الاثني عشر وهو المستفاد من كلامه عليه السلام وروحي له الفداء . 
ثم أنه عليه السلام أراد بذكر هو الإشارة إلى سر آخر وهو بيان أصناف الموحدين وكل من ينطق في التوحيد من المحقّين والمبطلين ويجمع الكل بمراتبهم المتباينة المختلفة أحد عشر صنفا خمسة منهم من الضالين المضلين وهم الذين نظروا إلى أنفسهم فعرفوا ربهم بما وجدوا في أنفسهم من حيث هي .
فمنهم من قال أنه جسم من الشعب المختلفة . 
ومنهم من قال أنه سبحانه صورة ومثال . 
ومنهم من قال أنه مادة وهيولى لكل الوجود أي الموجودات من العوالم . 
ومنهم من قال أنه طبيعة العالم . 
ومنهم من قال أنه نفس العالم وروحه . 
ومنهم من قال أنه معنى، فهذا إن أشار إلى جهة المعنوية فهوكغيرهم من الهالكين الضالين المضليّن، وإلا فهي أدنى مقام التوحيد . 
والخمسة الأخر درجات الفائزين ومقامات المقربين . 
فالأول مقام الواقف في مقام الظـاهر والحق والسر وهذا أدنى المقامات . 
والثاني مقام الواقف في مقام سرّ السر وباطن الظاهر وحق الحق مقام الكلمة التّامة .
_________________
1 اليقين 347
 
 
والثالث مقام الواقف في مقام السر المستسر بالسر وباطن الباطن وحق الحق مقام الحروف العاليات . 
والرابع مقام الواقف مقام السر المقنع بالسر وباطن باطن الباطن وحق الحق مقام الألف والنفس الرحماني الأولي . 
والخامس مقام الواقف مقام السر المجلل بالسر وباطن باطن باطن الباطن وحق الحق وحق الحق وهو مقام النقطة ، وهي النقطة الإلهية وقطب الدوائر الكونية والإمكانية ومقام الوحدة المطلقة التي تنتهي إليها النهايات والبدايات وتدور عليها اللاّنهايات واللابدايات وهو السر المكنون المخزون .
فالألف يدور على النقطة دوران تعلّم وإرشاد وعطية واستمداد ، والنقطة تدور عليه دوران إفاضة وإمداد وتفصيل وانبساط وظهور وانجماد ، وكذلك الألف بالنسبة إلى الحروف وهي بالنسبة إلى الكلمة التامة وهي بالنسبة إلى الدّلالة التي هي آخر المراتب والمقامات وعليها تدور رحى الكائنات وهذه الخمسة هي الهاء المتولدة من الكاف المستديرة على نفسها المتولدة من البسملة المتولدة من الباء المتولدة من النقطة فافهم وسأشرح لك إنشاء الله تعالى .
فقوله عليه السلام (( لا إلـه إلا هو )) إثبات وقوفه في مقامات الهاء التي هي إشارة إلى تثبيت الثابت وتنـزيه الحق سبحانه عن دركات الواو فيكون الأصل في مقامه عليه السلام هو الهاء ، والواو في هذا المقام إنما حصلت بإشباع ضمة الهاء لكونها في محل الرفع ومقام الضم ، فالواو ظهور الهاء وإن شئت قلت أنها ابنته المتولدة منها فلا تلاحظ معها ولا ترتبط بها ، فالهاء هو روح هاء الله وهذه الهاء مثال لها وتلك الهاء سار في كل أطوار اسم الله ولذا تراها تحفظ نفسها في جميع مراتب التكعيب والتربيع والتجذير وصورة ظاهرها عين صورة باطنها وهي من حروف ليلة القدر وهي الليلة المباركة التي أخبر الله سبحانه بها في كتابه الكريم وقال { حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ 
حَكِيمٍ }1 قال عليه السلام (( حـم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والكتاب المبين هو علي عليه السلام والليلة المباركة هي فاطمة عليها السلام وفيها يفـرق كل أمر حكيم أي كل إمام حكيم بعـد إمـام حكيـم ))2 وإنما أشير بها إلى فاطمة عليها السلام لأنها خمسة وهي عليها السلام خامسة أهل الكساء وخامسة النقباء النجباء بحسب الفضل والرتبة والمقام والشرف وإن كان بحسب القوس النزولي الحسين عليه السلام هو الخامس إلا أن المعتبر هو ترتيب الإيجاد على نظم الانوجاد بقابلية الآستعداد ، فالهاء هو السر القيّومي في الخلق الكوني والعيني .
ثمّ أنه عليه السلام بذكر هو أشار إلى سر آخر وهو أن هوهوأعظم الأسماء ومتمم لها فإذا أضفته إلى التسعة والتسعين الاسم فإن لاحظته واحدا يظهر القاف الجبل المحيط بالدنيا على ما سبق وهو حـم عسق قال عليه السلام (( حـم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلم علي عليه السلامكله في عسق )) فإن لاحظته بعدد بسائط حروفه مع الأسماء الحسنى يظهر عدد الاسم الأعظم الأعظم الأعظم الذي يحبه الله ويهواه ، فإضافة سائر الأسماء إليه إضافة المتقوّم بالمقوم ، وتلك الأسماء ليست إلا ظهورات هو 
__________________
1 الدخان 1 _ 4
2 لم نقف على هذه الرواية بالنص ولكن وقفنا على ما يقرب منها ففي الكافي 1/479 ح 4 , وفي تفسير الصافي 4/404 أن رجلا نصرانيا سأل الإمام الكاظم عليه السلام عن تـأويل هذه الآيات فقال عليه السلام (( أما ( حم ) فهو محمد صلى الله عليه وآله وهو في كتاب هو الذي أنزل عليه وهو منقوص الحروف , واما الكتاب المبين فهو أمير المؤمنين علي عليه السلام , وأما الليلة ففاطمة عليها السلام , وأما قوله ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) يقول يخرج منها خير كثير , فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم , فقال الرجل : صف الأول والاخر من هؤلاء الرجال , فقال : إن الصفات تشتبه , ولكن الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله وإنه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم إن لم تغيروا وتحرفوا وتكفروا وقديما ما فعلتم ))
 

والدليل عليه أنه بنفسه من غير ملاحظة الأسماء مستقل في هذه الإفادة لأنك إذا نزلته في المرتبة الثانية يكون الاسم العلي العظيم قال الله عز وجل { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ }1‏ فإن الهاء إذا أشبعتها يتولد منها الواو فيكون المجموع حرفان إشارة إلى جلال القدرة وجلال العظمة وإلى الطائف حول جلال القدرة والطائف حول جلال العظمة ومرتبة الولاية الكليّة ومرتبة النبوة الكليّة ومرتبة القدس والتنـزيه ومرتبة الإضافة ومرتبة الأحدية الظاهرة ومرتبة الواحدية ومرتبة الألوهية ومرتبة الرحمانية قال الله تعالى { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى }‏2 ثم العدد أحد عشر ، فإذا لاحظته في المرتبة الثانية تكون العشرة تظهر في مائة لأنها النسبة الثانية للعشرة التي هي النسبة الثانية للثلاثة التي هي النسبة الثانية للواحد الذي هو النسبة الثانية للأحد فرجعت الإضافات إلى نفسها وفنيت وبقي الدوام والبقاء الأبد للأحد وهوالوجه الباقي بعد فناء كل شيء فإذا لاحظت نسبة العددين في المقام الثاني تكون مائة وعشرة وهو عدد علي عليه السلام 
___________________
1 الزخرف 4
2 الإسراء 110


ولذا قال تعالى { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }1 { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ }2 { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }3 فرجعت تلك الإثنينية التي كانت في هو إلى الواحد فغاب المجمل في المفصّل والباطن في الظاهر والعرش في الكرسي وهو معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( فلما وصلت إلى جلال العظمة خلق الله نور علي عليه السلام فكان نوري يطوف حول جلال العظمة ونور علي يطوف حول جلال القدرة )) وقال الله تعالى { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }‏4 فافهم الإشارة في التنـزيه ، واليمين هو علي عليه السلام لأنه مائة وعشرة فالاسم العلي هو الاسم الأعظم لأنه هو في مقام المسمى وعلي عليه السلام في مقام الأسماء فجمعت الأسماء الحسنى كلها مع المسمى فما شذّ عنه ظهور من الظهورات في أقاليم الأسماء والمسميات ومقامات الأسماء والصفات فذكر هو أعظم من ذكر الاسم الله فإن الاسم الله وإن كان يؤدي هذا المؤدى لكنه في مقام الظاهر على ما يعرفه العوام لدلالة ذلك الاسم المكرم ببيّناته على محمد وعلي عليها السلام لبيان أنهما عليهما السلام اسمان لله سبحانه فإنّ البينات اسم للزبر ، وأما هو فقد أشار به إلى ما هو الأعظم ولذا قال مولانا الرضا عليه السلام (( فأول ما اختاره لنفسه العلي 
_________________
1 البقرة 257 
2 الزخرف 4
3 الحج 62
4 الزمر 67

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:25 am




العظيم لأنه أعلى الأشياء كلها فمعناه الله ))1 فافهم راشدا موفقا واعرف حدود لا إلـه إلا الله واعلم أن الأمر كمـا قـال أمير المؤمنين عليه السلام (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ))2 على المعاني الثلاثة كلّها أي بدلالتنا أو بترجمتنا ووساطتنا أو بمعرفتنا وهو قول مولانا الجواد عليـه السلام المـتقدم (( وحروف لا إلـه إلا الله في الرقوم المسطرات ))3 . 
ثم اعلم أن حروف لا إلـه إلا الله كلها بين ثلاثة أحرف والاثنان في أغلب المقامات واحد لأنهما معا حرف تعريف وهما الألف واللام وحرف التعريف هو الألف وحده إلا أن اللام إنما أتي بها إتماما لقابلية ظهور الألف وإنما خصّوا اللام لأنها جامعة لمراتب القابليات فأشار بحرف التعريف إلى قول علي عليه السلام المتقدم آنفا (( نحن الأعراف الذي .. إلخ )) ، وقوله عليه السلام في الزيارة (( من أراد الله بدأ بكم ))4 وذلك لأن الله سبحانه هوالمعروف الذي لا جهالة فيه والظاهر الذي لا خفاء فيه، والوحدة جهة المعرفة والكثرة علّة النكرة ولما كانوا عليهم السلاممحال معرفة الله فظهرت المعرفة والمعروفية والظهور المطلق فيهم عليهم السلام فهم عليهم السلام حقيقة الأعراف ومعروفية كل المعارف بفاضل معروفيتهم عليهم السلام ولذا أحاطوا علما بكل الوجود علم إحاطة لا علم إخبار وعيان وقد أشار الله سبحانه إلى هذه الدقيقة اللطيفة والقيومية المطلقة والمعروفية الإلهية بقوله الحق 
_________________
1 معاني الأخبار 2 
2 الكافي 1/184 ح 9
3 البحار 102/54 ح 11
4 الزيارة الجامعة الكبيرة 


في سورة الأعراف { وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ }1 وهؤلاء الرجال هم البيوت التي { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ }‏2 وأول البيوت { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }3 ولما كان مقام التوحيد مقام المعرفة لا مقام النكرة أتى بحروف المعرفة في اللفظ الدال عليه فجرى الظاهر اللفظي على طبق الباطن المعنوي ، لكنه ما أتى تلك الحروف على هيئة التعريف وجعلوا أولها مقام النفي لبيان أن هذه المعلومية عين المجهولية وهذا الظهور الذي بفاضل ظهوره ظهرت الأكوان والأعيان ومستجنّات غيوب الإمكان هوعين الخفاء لشدة الظهور لأنه تجاوز عن مقام مدارك الخلق ومشاعرهم بما لا نهاية له فلذا وضع لفظ النفي من مادة حرف التعريف إلا أنهم قدموا اللام على الألف في النفي لبيان ما قال علي بن الحسين عليه السلام (( وإنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم 
________________
1 الأعراف 48
2 النور 36
3 الأعراف 96 _ 97


إلامال دونك ))1 واللام هي مقام الكثرة اللازمة للماهية التي ما شمّت رائحة الوجود فهي نفي وعدم ، ولما أن الكثرة ليست بشيء ولومجتثا وعدما إلا بالوحدة فأتوا بالألف بعد اللام لبيان أن النفي شيء لأن فيه من آثار الوجود وهو قول مولانا الصادق عليه السلام (( إن النفي شيء مخلوق ))2 ولما كانت جهة الوجود فيه ضعيفة تأخرت الألف ، وإنما أتى بالحرفين لبيان أن كل ممكن زوج تركيبي وإن العدم ماهية الوجود كما فصلنا في كتابنا اللوامع الحسينية عليه السلامفطابق اللفظ المعنى والاسم المسمى .
وأما إلالـه فلما كان وضع الألفاظ على الحقائق الحقة الإلهية الأولية وجرت في الدعاوى المجتثة الباطلة الإفكية روعيت فيه جهة المناسبة الحقة فقدم الألف على اللام ، وأما الألف فلبيان الإثبات والتعيين والتعريف ، وأما اللام فلبيان ظهور ذلك التعريف في عالم الخلق من أحوال الكثرات وجهات الإنيات وبيان اكتسابها التعريف إذا جعلوا الألف الذي هو مثال الوحدة تاجا لهم ومشوا على طريقة رشده وهدايته ظاهرا وباطنا وبينات الألف هو ظاهر علي عليه السلام لأنها مائة وعشرة وزبره هو باطنه الذي سره عين علانيته كما يأتي ، واللام أيضا ظهوره عليه السلام محلا لاستواء الرحمن ومؤديا إلى كل ذي حق حقه من بحر الجود والامتنان ، ومثال ذلك القمر الظاهر في فلكه الجوزهر المسبح لله باسمه المبين وهو صاحب التفصيل والعدد والحساب ومميز الصور ومستنطق الطبائع ومستظهر مستجنّات السرائر ومنشأ الاختلاف وداعي رسم الإيمان والكفر والطيب والخبيث والمستقيم والمعتدل والحلو والحامض والمرّ والتفة وأمثالها ، ولا يحصل الكل إلا في القمر والقمر يقطع الدورة ثلاثين يوما لحكم مستقر وأمر مقدر يطول بذكره الكلام ، والقمر هو مثال علي عليه السلام في الظاهر لأنه صاحب التفصيل وعلة الاختلاف قال 
_________________
1 دعاء أبي حمزة الثمالي 
2 البحار 4/322 ح 1


سبحانـه { عَمَّ يَتَـسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَـإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيـهِ مُخْتَلِفُونَ }1 وقال { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ }2 وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( ما اختلف في الله ولافيّ وإنما الاختلاف فيك يا علي )) وقال عليه السلام (( ما لله آية هي أكبر مني وما لله نبأ هو أعظم مني ))3 فكانت اللام اسما له عليه السلام ولذا جعلت في اسمه الشريف إشارة إلى أنه الثلاثون ليلة لميقات موسى والياء بعد اللام إشارة إلى إتمام العشرة وهو أولاده الطيبون سوى الحسين عليه السلام وروحي له الفداء لكونه الفجر لا الليل قال تعالى { وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ }‏4 ومجموع اللام والياء هو الميم فصار في أول اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم زادوا الهاء في الإلـه بعد الألف واللام للإشارة إلى التوحيد كما كانت الألف واللام إشارتين إلى التعريف على الطريق المعلوم لأن الهاء خمسة إشارة إلى المقامات والعلامات الخمسة التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرف الله بها من عرفه لا فرق بينه وبينها إلا أنهم عباده وخلقه ، وتلك الخمسة في عالم ظهور الوحدة عين الوحدة ظاهرها في باطنها وباطنها في ظاهرها قال رسول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم (( الـتوحيد ظاهره في باطنه وباطنه في ظاهره ، 
__________________
1 النبأ 1 _ 3 
2 ص 67 _ 68
3 تأويل الآيات 733
4 الفجر 1 _ 2


ظاهره موصوف لا يرى وباطنه موجود لا يخفى ))1 والهاء مثال لذلك لكون ظاهرها عين باطنها في الصورة الرقمية وسرّها عين علانيّتها واسمها عين مسماها وظهورها عين خفائها وأوليّتها عين آخريتها وقبليّتها عين بعديّتها ، وقد ظهرت هذه الصفات كلها في علي عليه السلام وروحي له الفداء كما قدمنا يسيرا منها في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقـال عليه السلام (( أنا باطن السين )) والسين من الحروف التي ظاهرها عين باطنها واسمها عين مسماها لا في الصورة الرقميـة بل لقد طابقت زبرها بيّناتها ولفظها معناها ، والهاء إشارة إلى تثبيت الثابت وما ظهر هذا الثبات والإثبات البحت البات إلا في مولانا علي عليه السلام ولذا لما ظهر للخضر من قشور ذلك الثبات الحامل للثابت الذات قال في حقه عليه السلام (( كنت كالجبل لا تحركه العواصف ))2 والمشبه عين المشبه به عندنا في القرآن والأخبار ، والجبل هو جبل الأحدية الظاهرية على جبل الواحدية مع ما تقدم سابقا فتم اسم الإلـه طبقا لمسماه وظهر العبد دالا على مولاه فإذا أطلق على ما سواه فليس من باب الوضع الأول ولا المجاز بل هو وضع محتثي ظلي من باب تناسب التضاد . 
وأما الاستثناء فلما كان حصرا واختصاصا وذلك لا يكون إلا بنفي السوى أوتي لها بأل لدلالة الثبات والتعيين والتخصيص ، ولا الدّالة على النفي لسلب الأغيار وتصفية الأكدار فأدغمت من جهة قران المثلين فكسرت الهمزة للمبالغة في التعيين والاختصار أو لئلا يشتبه بأن لا المدغمة لقران المتجانسين ، ولم يعكسوا لئلا يشتبه بأن لا الشرطية ، فالنفي تنزيه والإثبات توصيف والنفي فناء والإثبات بقاء والإثبات إشارة والنفي سلبها ولذا لا يتحقق إلا في مقام ذكر إثبات المخالف وإثبات المخالف مخالف للإثبات البحت ، وهذا الذكر في مقام الواحدية وما بعدها وما تحقق إلا بالولايـة وما يمحى إلا بالولاية ، فحقيقة الاستثناء هي الولاية والولي المطلق فإن ظاهره التعلق 
_________________
1 معاني الأخبار 10
2 أمالي الصدوق 241 , كمال الدين 387
 
 
والارتباط وباطنه وهوأل ، وباطنه التقديس والتنزيه الصرف وهو لا ، فلما كان هذا الظاهر والباطن في الشيء الواحد جرى الإدغام لخفاء أحدهما عند ظهور الآخر قال عليه السلام (( ظاهري إمامة وباطني غيب لا يدرك )) فالاستثناء حكم البرزخية بين الثابت البحت والنفي البحت فهو يثبت الحق وينفي الباطل { وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا }1 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار ))2 ومن هنا يظهر أن الأصل في الاستثناء الاتصال . 
وأما الله فهو الاسم الجامع للاسمين الأعلين لأنه مركب في اللفظ من الألف واللامين والهاء ومن بينات المجموع يستنطق اسم علي عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن بينات الألف يستنطق اسم علي عليه السلام ومن الباقي اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أنهما اسمان لله سبحانه وتعالى فقدم اسم علي عليه السلام وكان بينات الألف لكونه عليه السلام ظهر بالولاية ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ظهر بالنبوة والنبوة ظاهر الولاية وعلي عليه السلام ظاهر الولاية الظاهرة بالنبوة ولذا كان جبرائيل عليه السلام إذا أراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يأتيه إلا بأمر علي عليه السلام وإذنه وما عند علي عليه السلام وراثة عما عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فافهم .
فلا إلـه إلا الله مقام النبوة ولاإلـه إلا هو مقام الولاية ، ولما كان أمير المؤمنين عليه السلام حامل اللواء اختار اسم هو على الله فقال عليه السلام (( أشهد أن لا إلـه إلا هو )) .

ثم اعلم أن ما يتعلق بهذه الكلمة الطيبة في ظاهرها وباطنها من مراتب التوحيد التي هي مائـة وستون وأحوالها وأحكامها وأصحابها وعلاماتها وظهوراتها ومقاماتها وسر اختـلاف مراتب الـتوحيد مع وحدة الموحد وما 
______________
1 الإسراء 81
2 الفصول المختارة 135
 
 
يتعلق بكلمة هو من الأسرار والمعارف والمراتب والكرات والدوائر قد ذكرناها في تفسيرنا على آية الكرسي فلا نطول الكلام هنا بذكرها والذي ذكرنا هنا ذكرناها في مقام آخر من الأمور المتعلقة بهذه الخطبة الشريفة من أسرار أهل البيت عليهم السلام وإلا فكم من أمور مما يتعلق بالتأويلات وأنحاء البواطن والأسرار قد تركتها هنالك وهنا خوفا للتطويل وتقية من أصحاب القال والقيل قال الشاعر وأجاد:
أخاف عليك من غيري ومني ومنك ومن زمانك والمكان 
فلوأني جعــلتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كــفاني


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:27 am

قال عليه السلام وروحي له الفداء
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله 
انتجبه من البحبوحة العليا وأرسله في العرب العرباء
 
لما أظهر عليه السلام التوحيد بما لا عليه مزيد وأحكم مقامات التنزيه والتفريد وسد أبواب الشبهات وأزال أوساخ التوهمات ، وأبان عن مقام الجمال والجلال والعظمة والقدرة والقهارية والرحمانية والألوهية والواحدية والأحدية والقيومية ، وتفرده بالأحداث والإيجاد وعدم تحقق شيء في عالم الكون والفساد ، وأن كل شيء سواه من عالم الكون والفساد وسريان نور التوحيد في أفراد الكائنات وظهور الحق للخلق بأنحاء التجليات وظهور التجليات في مرايا الأسماء والصفات وتقابل الأسماء والصفات مجالي التعلقات وظهر بيان قول سيد الشهداء عليه السلام (( حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها ))1 وما قال هو عليه السلام (( انتهى المخلوق إلى مثله وألجأه الطلب إلى شكله الطريق مسدود )) ، ولما ظهر لنا من وصف كينونة الأزل الظاهر لنا بنا الذي هوحكاية الفاعل عدم استقلال نفسه للمفعول بالمفعول أن الذات الأزلية القديمة تعالى شأنه وتقدس في مقام قدسها وكينونة تنزهها منزهة عن الاتصال والاقتران وعن الظهور وعدمه فتكون تلك الظهورات إما بالإيجاد والإحداث أوبالصفات والأسماء أو بالقدرة والعظمة والكبرياء أو بغير ذلك ليست من حقيقة الذات البحت البات وإنما هي بظهور كينونـات الصفات وتـلك الصفات هي المتجليـة في المخلوقات 
_________________
1 دعا عرفة للحسين عليه السلام
 

بالمخلوقات كما قال عليه السلام (( أقام الأشياء بأظلتها ))1 وقال عليه السلام (( كل شيء سواك قام بأمرك ))2 ولما كانت تلك الظهورات كلها متقومة بظهور واحد وتلك الشئونات متحصلة من شأن واحد والأوامر راجعة إلى أمر واحد والخلائق آئلة إلى مبدأ واحد وذلك هوالذي يبقى عند إزالة الشئون ويظهر عند سلب الاقترانات والإضافات حتى لا يبقى غيره سوى ربه ويعدم الكل عند ظهور نفسه لمشاهدة جمال ربه ، والجزئيات مثال للكلي والوحدة الظاهرة في الجزئيات شئون كثيرة للكلي ولما كان في الجزئي يبقى الواحد عند سلب الشئون وجب أن يكون في الكلي أيضا كذلك ، فرجعت الجزئيات إلى الكليّات والكليّات الإضافية إلى الكلي الحقيقي الذي سدّ دونه الأبواب وانقطع عنده الخطاب وهو الواحد الأحد الذي جمع لوحدته كل الشئون وظهر بصفته الكاف والنون ، وذلك هو الظهور المطلق والوجود المطلق والمثل الأعلى والكلمة العليا ومبدأ الأسماء الحسنى ورتبة البرزخية الكبرى ومقام إلى ربك المنتهى ومنه نشأت الفيوضات وعنه تشعبت التعلّقات وبه أفيضت الإمدادات وبفاضل ظهوره ظهرت الصاد وبنور تجليه تحقق المداد ، وبإشراق نوره وجد القلم ، وببسط ظهوره انبسط اللوح ، وبشئون كينونته جرى القلم بالمداد في اللوح ، فلا انقطاع ولا جفاف إلى ما لا نهاية له من أحوال الذوات والصفات وسائر الاتصالات والقرانات والمفارقات ، ولما كان ذلك الأمر الذي قام به كل شيء وظهرت منه الظهورات وتجلت فيه الأسماء والصفات محتجبا بحجب الغيوب ومقنّعا بالسر المستسر بالسر في غيب الغيوب أراد الإمام عليه السلام أن يظهر في هذه الخطبة الموضوعة لكشف الأسرار ذلك السر ويبين ذلك الأمر ويشرح هذا المعمى ويكشف ذلك العماء برفع الغطاء ويستخرج الكنز من هذا الطلسم 
_________________
1 لم نقف على هذه الرواية بالنص ولكن وقفنا على ما يقرب منها ففي التوحيد صفحة 57 قوله (( وهو يمسك الأشياء بأظلتها )) 
2 البحار 90/148 ح 10
 

ويصرّح بحقيقة الاسم والرسم فقال عليه السلام (( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله )) وهو ذلك الأمر والشان وبحر الامتنان ، والشجرة المباركة الزيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولم تمسسه نار ، وتلك الشجرة في عالم اللا يتناهى اسمه المثل الأعلى وحامل لواء إني أنا الله وهيكل التوحيد وحقيقة التجريد وصبح الأزل ومبدأ ظهور كن والكاف الظاهر عنها الهاء في كهيعص والنقطة العليا والكلمة الكبرى ، فلما نظر إلى مقام التناهي في مقام اللاّنهاية فذكرت النهايات من حيث المبادئ لديه وحضرت من حيث الذكر الإلـهي عنده بملاحظة المتعلِّق بالكسر وقطع النظر عن المتعلق والتعلق فهناك مادة الأسماء ومعنى المسمى ، واسمه حينئذ حَمْدٌ ومجد وقدس وتنزيه قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة يوم الغدير عند نصب علي عليـه السلام للخلافة (( الذي ملأ الدهر قدسه ))1 وهو حينئذ البهاء وأبهاه والجمال وأجمله والجلال وأجله والعظمة وأعظمها والكمال وأكمله والأسماء وأكبرها والمشيئة وأمضاها والعلم وأنفذه والرحمة وأوسعها والقدرة التي استطال الله بها على كل شيء إلى غير ذلك من الأركان المتقومة بها الأسماء ، ولما لوحظ فيه جهة التعين والظهور وتغشيه بجلباب النور من حيث المتعلَّق بالفتح دون المتعلِّق بالكسر إلا ضمنا وتلويحا وإرادة كان اسمه الماء الذي كان العرش عليه ، والهواء الذي خلقه الله قبل الخلق حين استوى الرحمن عليه ، والصاد الذي توضأ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج لصلاة الظهر ، والمداد الذي امتد به القلم ، والنون وبحر المزن وبرزخ الوجود المطلق والمقيد وبحر النور ومعدن السرور وجنة الصاقورة والألف اللينة ونور الكينونة وهيولى الهيوليات واسطقسّ الاسطقسّات وذات الذوات وبحر الإمدادات وخزانة الكائنات وثاني الغيب وأمر الله اللاريب وحجاب الله المحتجب بحجب الغيب ومقام المصدر وحقيقة التأكيد والحقيقة المطلقة وجوهر الجواهر ومنقطع الإضافات ومسلوب الرباطات والمنتهي إليه جميع التعلقات ، ومقام المعاني وعلة الأكوان والمباني والنفس الرحماني الثاني إلى غير ذلك من الأسماء في هذا 
________________
1 الاحتجاج 57
 
 
المقام ، ولما لبس لباس التّعيّن وتردى برداء العز والوقار وتسربل بسربال المجد والاقتدار وتقمص بقميص العظمة والفخار وقام بالعبودية بين يدي الملك الجبار وتنطق بإيّاك نعبد بالذل والانكسار ناداه الله سبحانه بلسان الاقتدار أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال الله عز وجل فوعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إليّ منك ولا أكملتك إلا في من أحب ، فاسمه الشريف في هذا المقام المنيف حبيب ومحبوب ومحبة وعقل وقلم وروح وروح القدس الذي ذاق من حدائق آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين الباكورة قال مولانا الحسن العسكري عليه السلام (( قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية )) إلى أن قال (( فالكليم ألبس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ))1 وقال عليه السلام (( أول ما خلق الله القلم ))2 والقلم أول غصن أخذ من شجر الخلد وقال عليه السلام (( إن الله جل ثناؤه خلق العقل ( من الماء العذب الفرات نورانيا ) وهو أول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش ))3 وقال عليه السلام (( المحبة حجاب بين المحب والمحبوب )) وهو الملك الذي له رؤوس بعدد رؤوس الخلائق ممن وجد ولم يوجد وسيوجد إلى يوم القيامة وهو النور الأبيض المشرق من صبح الأزل الذي منه البياض ومنه ضوء النهار وهو العرش الثالث وهو مخزن المعاني وهو ينبوع المباني وأول العالمين ونور الله الذي أشرقت به السموات والأرض واليمين الذي كانت السموات مطويات به والقبضة التي كانت الأرض جميعا فيها وبها هكذا إلى غير ذلك من الإطلاقات المعصومية في هذا المقام ، ولما ظهر في عالم الشهود واستضاء به ثاني الوجود وظهر بصورة المظاهر وجمع المناقب والمفاخر ، وتكثرت الشئون وظهرت بكمال الظهور الكاف والنون كان اسمه محمد وأحمد صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ اسمه من مادة الحمد ليعلم أن هذا الآخر هو عين الحمد الأول إلا
__________________
1 البحار 26/264 ح 50
2 تفسير القمي 2/198
3 الخصال 589 وما بين الأقواس لا يوجد في الرواية فلعله شرح وبيان من المصنف أعلى الله مقامه .
 
 
أنـه كرر الحمد في اسمه الثاني كما كررت الشئون والإضافات في العالم الثاني ، وفي الثاني الذي هو الوسط كان اسمه الباء في بسم الله الرحمن الرحيم إشارة إلى الحمد فإن الباء إذا كررت تستنطق منه الدال والدال إذا كررت تستنطق منه الحاء والحاء إذا كررت خمس مرات تستنطق منه الميم فبالإجماع تحقق الحمد والميم كررت مرتـان فجعلت إحداهما في الأول والثانية في الوسط ، فلما اجتمع المثلان جاء الإدغام فصار محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فدل اسمه على شخصه وأن المسمى بحكم المناسبة الذاتية بين الاسم والمسمى نزل متكررا في ذاته تكرر الواحد في الأعداد وفي آثاره تكرر الشمس بظهورها في مقامات الأشعة ، وأحمد إشارة إلى مقامه الأعلى صلى الله عليه وآله وسلم لظهور الأصل فقد ظهرت الألف في العالم الأول للإشارة إلى ظهوره في العالم الأول كما نشير إليه فيما بعد إنشاء الله ، فتكرر في الباء فأشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم في العالم الثاني في البسملة ، فتكرر في الحمد إشارة إلى ظهورات الألف حاملة لكمال النقطة الأحدية في العوالم الثلاثة وهي الجبروت والملكوت والملك فالحاء إشارة إلى العالم الأول وهو وإن كان فيه وحدة إلا أن الحاء من الحروف الغيبية وفيها إشارة إلى حملة العرش الأعظم ، والدال إشارة إلى العالم الثاني لظهورالتربيع تاما مفصلا ممتاز الحكم مشروح العلل فيه ، والميم إشارة إلى العالم الثالث لكونه مقام الكثرة وهي من حروف عالم الشهادة كما كانت الدال من عالم الوسط المناسب للمشار إليه ولكونه مقام الاجتماع ومحل قران الأسباب بالمسببات وربط العلل بالمعلولات ولذا كان يومه يوم الجمعة ، ولما كان المراد من الحروف الثلاثة حكاية الظهور في العوالم الثلاثة من حيث هو ظهور لا من حيث العالم كان الظهور في الكل متّحدا وإن اختلف من حيث العوالم ، ألا ترى الأجسام فإنها تتحرك إلى جهة على جهة الإطلاق بساطتها ومركباتها حتى الأفلاك التي ليس فوقها رتبة في الأجسام فتلك الحركات تكون زمانية جسمانية ولها حركات صدورية دائرة مستديرة على قطب مركزها وهو وجه مبدئها لا إلى جهة وتلك الحركة سريعة غير زمانية بل ولا دهرية وإنما هي حركات سرمدية استمدادية متساوية متحدة ، وكذلك حكم ظهور الحمد الذي هو النقطة الكمالية الأسمائية والصفاتية من حيث هي في العوالم الثلاثة فالظاهر في الأول هو بعينه الظاهر في الثاني ، والظاهر في الثاني هو بعينه الظاهر في الثالث ، فالألف هو بعينه الباء وهي بعينها الدال وهي بعينها الحاء وهي بعينها الميم ، فالحمد هو بعينه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحمد هو بعينه حمْد وأحمد ومحمود قـال تعـالى (( شققت لك من اسمي اسما فأنـا المحمود وأنـت محمد ))1 وهذا الاسم المشتق منه لا شك أنه حادث ولا شك أنه موجود وليس لله ذكر وظهور محدث إلا عنده صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أن الأسماء مختلفة حسب الظهورات والانتسابات وتختلف الأحكام بالنسبة إليها ، ألا ترى أن الذي يخرب الكعبة والعياذ بالله يكفر ويجب قتله والذي يخرب بيتا من بيوت سائر الناس لم يكفر مع أنهما متساويان في أصل المادة والصقع في الظاهر إذ الاثنان من الجص والحجارة وليس هذا التفاوت العظيم إلا من جهة الانتساب قال مولانا الصادق عليه السلام (( من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق عن الله عز وجل فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس ))2 فافهم فقد أطلعتك على سر غريب ، فالمحمود هو مشتق من الحمد وأحمد مشتق من الحمد ومحمد مشتق منه وحامد مشتق منه ، فالمحمود هو الحمد والحمد هو محمد ومحمد هو أحمد وأحمد هو الحامد والمجموع شيء واحد تدور الأحوال عليها وترجع الأحكام إليها وتختلف الآثار لديها كلها بالإضافات الخارجية والقرانات الإضافية ، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم محمود في المقام الأعلى في العالم الأول ، ومحمد في المقام الثاني عند التنـزل إلى السبع المثاني كما أن عليا عليه السلام هو اسم الله هو في المقام الأعلى في العالم الأول في الأزل الثاني وعلي في مقام التنـزل إلى المرتبة الـثانية مقام الأسماء والكثـرات والإضافات قـال الله تعالى { وَهُوَ الْعَلِيُّ 
________________
1 كفاية الأثر 152
2 عيون أخبار الرضا 1/304 , البحار 26/239 ح 1


الْعَظِيمُ }1 { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ }2 على تفسير ظاهر الظاهر ، فالاسم أحمد إشارة إلى عالم فوق عالم الحمد لدلالة الألف القائم الذي حصل الحمد من تكرره مضاعفا فدل على الأصل ، والاسم الحقيقي هو الأول والباقي مواقع ظهوره فنسبة الحرف الأول إلى باقي حروف الاسم كنسبة المرّة الصفراء والسوداء والبلغم والدم إلى باقي البدن وكنسبة البدن وكنسبة الكواكب إلى كل أجزاء الفلك وقد قال الشاعر في وصف الروح :
حتى إذا اتصلت بهاء هبـوطها من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت بين المعالم والـطلوع الخـضّع

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:30 am

علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت بين المعالم والـطلوع الخـضّع
ولذا ترى أهل الحروف يجعلون الزبر مسمى والبينات اسما له ، فدل ما ذكرنا أن أحمد في مقام فوق مقام الحمد إلا أنه ناظر إليه وهو حينئذ مشتق من اسم الله الأحد زادوا الميم لظهوره في مراتب الوجود كلها وهي تمام ميقات موسى قال الله تعالى {* وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً }‏3 وهو الميم ، وأما محمد في مقام تحت مقام الحمد فهو حينئذ مشتق من الحمد وزادوا الميم أيضا للدلالة على ظهور الحمد الذي هو ظهوره صلى الله عليه وآله وسلم في جميع مراتب الوجود ، ولما كان ذلك مقام التنـزل تمايزت الكثرات فظهر مقام الغيب والشهادة فاستدعى تكرر الميم فإن الوجود في كل مرتبة أربعون كما حقق في محله ، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الأول والآخر والظاهر والباطن ولاعجب في ذلك فإن هو الذي إذا تنزّل يكون عليا هو الأول والآخر والظاهر والباطن لأنّ الهاء من عالم الغيب والواو من عالم الشهادة والهاء أول الحروف وأعلاها مخرجا ومقاما والواو أدنى الحروف مخرجا ومقاما فالـهُو هو الأول والآخر ، والاسم على طبق المسمى واللفظ على وفق المعنى والمتنزل إليه على حسب المبدأ لأن التنزل تفصيل بعد الإجمال ، ألا ترى أن الآحاد إذا تنزّلت إلى العشرات تظهر الكسور التسعة على التفصيل منطقة وهي كانت في 
______________________
1 البقرة 257
2 الزخرف 4
3 الأعراف 143
 
 
الآحاد لكنها ما كانت منطقة فظهر هنا ، فلما كان هو هو الأول والآخر والظاهر والباطن كان علي عليه السلام كذلك وقد أظهرت الشمس هذا السر لكونها عارفة بحقه عليه السلام لكونها مثاله آيته ودليله حيث سلمت على علي عليه السلام في الحديث المشهور وقالت (( السلام عليك يا أول ويا آخر ويا ظاهر ويا باطن ))1 وكان علي عليه السلام في محضر جمع من الأصحاب وكان الثاني معهم فأنكر هذا المعنى وأتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال إن الشمس سلمت على علي عليه السلام بما لا يصلح إلا لله وقالت السلام عليك يا أول يا آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم إنها تريد بقولها يا أول أن عليا عليه السلام أول من آمن بي وهو آخر الأوصياء وهذا الجواب جواب واقعي حقيقي إلا أن الحمير ما فهم منـه إلا الظاهر عند العوام ، انظر إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم أول من آمن بي وصدق بنبوتي وذلك كان اليوم الذي استخلصه الله في البحبوحة العليا كما يأتي إنشاء الله ، فعلي عليه السلام إنما كان ظهور هو لكونه حامل اللواء وقد علمت أن اللواء لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فعلي عليه السلام إنما تشرف بشرف محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعلى بتعليته وتقوى بقوته واستعلى باسمه ، وعلي عليه السلام في الحقيقة اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ألا ترى في السجود المنسوب إليه عليه السلام تذكر الله باسمه الأعلى وتقول سبحان ربي الأعلى وبحمده وهو مقام محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي 
_____________________
1 تأويل الآيات 633


الدعاء (( اللهم إني أسألك بمعاقد العزّ من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم الأعظم الأعظم وجدك الأعلى الأعلى الأعلى وبكلماتك التامّات ))1 الدعاء ، ويريد بالذكر هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى { قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا }‏2 والاسم هو علي عليه السلام وأشار الحق إلى الجميع بألطف إشارة بقوله الحق { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ 
______________________
1 الإقبال 327
2 الطلاق 10 _ 11


بُكْرَةً وَأَصِيلًا }1‏ فجعل الأعلى منسوبا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو صلى الله عليه وآله وسلم وهب ذلك الاسم عليا عليه السلام كما أنه حمله اللواء فأعطاه اسمه أيضا .
وبالجملة فإذا كان علي عليه السلام هو الأول والآخر والظاهر والبـاطن فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالطريق الأولى على النهج الأعلى ، لأن عليا عليه السلام حسنة من حسنات محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو حمد الله والحمد منسوب إلى الله ولاينتسب إلى غيره أبدا فهو وجه الله فلا يبلى ولا يفنى ، فالوجه لا يتناهى لكونه وجها ودليلا لما لا يتناهى ، ولا يعرف المدلول إلا بالدليل فلو تناهى الوجه فيلزم منه تناهي ذو الوجه أو لم يكن وجها تعالى ربي عن ذلك علوا كبيرا ، فحمد الله هو الأول والآخر وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم لكون وجوده الأقدس سبق كل وجود وموجود ومفقود ومشهود فكلما يفرض نفرض كل أحد بمقدار وجوده ، ومعرفته وإدراكه بمقدار شهوده ووجوده ، إذ الشيء لا يتجاوز ما وراء مبدئه ولا يقرأ إلا حروف نفسه فكلما يفرض الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية والقبلية والبعدية والخفاء والظهور والغيبة والحضور كلّ ذلك من حدود نفسه فلا يلحق نفسه التي من عرفها فقد عرف الله وتلك النفس لمعة من لمعات أشعة أنوار آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم عليهم السلام سرج وأضواء استنارت واستضاءت من السراج الوهاج وعين المحبة والابتهاج محمد صلى الله عليه وآله وسلم صاحب المعراج وهو الذي أراد الله من قوله عز وجل { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ 
___________________
1 الإنسان 25


هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ }1 فتأمل بصافي طويتك وخالص فطرتك إلى ما ذكرنا تجد مقاما أعلى مما ذكرنا وأرفع ممّا بيّنّا وأسنى مما قلنا ولا تنكر ما ذكرنا فإنه إنكار قدرة الله لأنهم عباد وخلق أقدرهم الله تعالى بقدرته وهم بعد بيده {* وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }2 ولا أنكر لله قدرة ولا أزعم إلا ما شاء الله سبحان الله ذي الملك والملكوت يسبّح الله بأسمائه جميع خلقه .
وهذا الذي وصفنا وقلنا أنه الأول والآخر والظاهر والباطن والقبل والبعد والمخفي والظاهر والآية والعلامة التي لا تعطيل لها في كل مكان والذات المتقوّمة بها كل ما في الأكوان والأعيان ومستجنّات غيوب الإمكان ومظاهر قدرة الله الملك الديّان والمالئ بنوره المكان والزمان المدعو في السماء بأحمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي الأرض بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعند الله بحبيب ومحبوب وفي السرمد بظل ممدود وماء مسكوب وفي العرش الصاقورة العليا بالشاهد والمشهود هو عبد الله وملك له وخلق له ورقّه في ملكه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، لكنه استقام في العبودية وأخلص له الطاعة وأقر له بالربوبية والألوهية مخلصا صادقا في كل أحواله وأقواله وأعماله وأفعاله وذواته وصفاته وكينونات أشباحه وظهوراته في إيجاده وانوجاده حال الوحدة والانفراد وحال الكثرة والاتصال وحال الإضافة والاقتران وحالة المشاهدة والعيان ، وقد أشرنا إلى نوع تفاصيل بعض ذلك في لا إله إلا الله ، فالعبد في الحقيقة هواسم خالص له
___________________
1 غافر 15 _ 16
2 الأنبياء 29


ولذا خصّه إلى نفسه وقال عز من قائل { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي }1 وقال أيضا { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }2 وقال مولانا الصادق عليه السلام وروحي له الفداء (( العبد ثلاثة أحرف فالعين علمه بالله والباء بونه من الخلق والدال دنوّه من الله تعالى ))3 ، والأصل في ذلك أن الشيء إذا وجد وحين وجد لحقته نقائص الإمكان من حدود الزمان والمكان والجهة والرتبة والوضع والإضافة والاقتران والكم والكيف والأين ومتى وإذ ومذ وقد ومن وإلى وعلى وحتى ومهما وإذ ما وكيفما وإلا وأمثالها من شئون الكثرات وجهات الإنيّات فلا يوجد الشيء إلا مصاحبا لهذه الأمور ولا يمكن انفكاكها عنه لأنها حدود القابلية والانوجاد ، فحينئذ يحصل له ثلاثة أنظار نظر إلى نفسه ونظر إلى الإضافات الخارجة من اللازمة والزائلة المفارقة ونظر إلى ربه ومبدأ وجوده وعلّة كونه وعينه ، ولا شك أنه في الجهات الثلاث فقير محتاج إلى مدد ومقوّم فهو بمسألة فقره دائما لائذا بباب الفناء ، فإن كان ملحدا في الأسماء والتفت إلى الإضافات والقرانات ونظر إلى الكثرات وجهات الإنيات في ما يحتاج إليه من شئونات فقره فهو الفقر الذي هو سواد الوجه في الدارين ومنكس الرأس في النشأتين والله سبحانه عند ظنّ كل امرئ أي يمدّه بحسب ظّنه من المعائش المكدّرة والأحوال الضائعة المنغصة 
____________________
1 طه 41
2 البقرة 23
3 مصباح الشريعة 8


قال تعالى { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا }1‏ ولا تتوهّم أن الضيق والضّنك منحصر في قلّة الأكل وألشرب واللباس وأمثالها بل هذه عند أهل الله ليس ضنكا وإنما هي سعة وفرحة وقال الله عز وجل لموسىعليه السلام (( إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ))2 بل الضنك والضيق هو ضيق القلب واحتصاره بإيراد الشكوك والشبهات والظلمات والتمويهات وهو دائما في الاحتصار وهذا الشخص لو كان عنده سلطنة العالم ما يلتذّ بها بوجه أبدا قال تعالى إشارة إلى هذه اللطيفة { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الـرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }3 وقـال تعالى { بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ }4 وهذا هو العيش المنغص والشرّب المكدّر فلا يرى الخير أبدا فهذا هو الـظالم لنفسه على الحقيقة والواقع وهو الظـالم الذي يعض على يديـه 
__________________
1 طه 124
2 شرح النهج 13/266
3 الأنعام 125
4 النساء 155


ويقول { يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْـلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا }1  .
وإن كان الناظر ينظر إلى نفسه من حيث الشئون المختلفة والكثرات المتباينة ويرى كل شيء له سبب يسدّ فقره وخلّته ويعلم أنها كلها من الله خالقه فقد يلتفت إلى الله وقد يلتفت إلى نفسه ، وهذا هو الفقرالذي كاد أن يكون كفرا لأن الالتفات إلى النفس يؤدي إلى الانقطاع عن الله سبحانه بالمكيلة لأن الطبيعة إلى الباطل أميل منها إلى الحق لمناسبتها مع الأول أشد من مناسبتها مع الثاني وقد أشار الحق سبحانه إلى هؤلاء بقوله الحق { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }2 وهؤلاء الذين تمسّكوا بظاهر الأخبار والآيات وما التفتوا إلى البواطن والآيات البيّنات فحمدوا ووقفوا وترجوا من الله الفرج والمخرج وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر .
فالاثنان المتقدّمان ظاهرهما يخالف باطنهما وأعمالهما تخالف كينوناتهما وفعلهما يخالف قولهما وإن ادعيا في ظاهر الأمر العبودية فإنهما بالفعل يدّعيان الاستقلال والربوبية ، فإن العبد لا يخالف سيّده فإن خالف فحين المخالفة لا يرى نفسه عبدا وإن كان هو عبدا في الواقع ونفس الأمر ، فإن كان الناظر ينظر إلى ربه وينقطع إليه ويقطع عن كل ما عداه ويتبرّأ عن كل ما سواه ويلتفت دائما إلى ربه عالما بأنه ليس شيء في الوجود مستقلا ثابتا غنيّا غير مفتقر وغير مستند إلى أحد سواه سبحانه فعلمه يدعوه إلى أن يبين عن الخلق ويدنو عن الخالق ، وهذه البينونة والدّنولا يكون إلا بكثرة الالتفات والمراقبة بالأعمال والتوجه الخالص فكلما خلص عن الغرائب 
__________________
1 الفرقان 27 _ 28 2 محمد 25 _ 28
 
 
قرب إلى ظهور المبدأ المطلق ، إلى أن خلص كلّيا في جميع الأحوال فهناك يحكي المثال ظاهرا في مرآة الجلال والعظمة والكبرياء وهو مقام ( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ) وأخر هذا المقام مقام ( أطعني أجعلك مثلي أقول للشيء كن فيكون وأنت تقول للشيء كن فيكون وأنا حي لا أموت أجعلك حيّا لا تموت ) ، قال عليه السلام (( المؤمن حيّ في الدارين )) ، ثم إن خلص عن هذا الشوب الذي هو مشاهدة الأغيار المستلزم للأكدار وإن كانت هذه الأغيار من أعظم حسنات الأبرار لكن فيها ذكر للسوي وإن كان على وجه الاضمحلال والفناء لكنها من أعظم المعاصي عند آل الله فإنهم يرون أعمالهم سيئات قال عليه السلام (( وإنك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم إلامال دونك ))1 لأن ذكر السوى حاجبة عن ذكر الله فهو بمقدار ما يذكر الغير غير مقابل لنور الجمال الأزلي الظاهر للخلق بالخلق فيتوجه إليه قول الإدبار وأنا أقرأ عليك دعاء علي بن الحسين عليه السلام في السجدة بعد الثامنة من صلاة الليل على ما رواه البهائي في مفتاح الفلاح فاعرف منه ما لا يمكن بيانه بالعبارة أكثر مما عبّر وفعل عليه السلام حيث قال (( إلهي وعزّتك وجلالك وعظمتك لوأني منذ بدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد إلابد بحمد الخلائق وشكرهم أجمعين لكنت مقصرا في بلوغ أداء شكر خفي حق نعمة من نعمك عليّ ولوأني كربت معادن حديد الدنيا بأنيابي وحرثت أراضيها بأشفار عيني وبكيت من خشيتك مثل بحور السموات وإلارضين دما وصديدا لكان ذلك قليلا من كثير ما يجب من حقك علي ولوأنك إلهي عذّبتني بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين وعظمت للنار خلقي وجسمي وملأت طبقات جهنم منّي حتى لا يكون في النار معذّب غيري ولا يكون لجهنم حطب سواي لكان ذلك بعدلك علي قليلا في كثير ما أستوجبه من عقوبتك ))2 ، تأمل في حدود هذه الكلمات تجد ما لا تسعه 
_____________________
1 دعاء أبي حمزة الثمالي 
2 مفتاح الفلاح 315 _ 316
 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:31 am

العبارة ، فالعبودية الكاملة هي أن لا يجد نفسه عند جلال عظمة ربه فيفنى في بقائه ويمحوفي صحوجماله الذي هو عين جلاله ، فهناك عين المثال ويظهر ما قال في الإنجيل ( يا بن آدم اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء وباطنك أنا ) وهو قولهم عليه السلام (( لنا مع الله حالات هوفيها نحن ونحن فيها هو إلا أنه هوهو ونحن نحن )) فإذا بلغ هذا المقام يظهرله مقام الفاعل والخالق والرازق ومقام الآمر والناهي ، وهذا الفاعل هو الذي اشتق من الفعل كالضارب من ضرب فإن كان المفعول الخاص والعبد الجزئي تظهر الفاعلية الجزئية الخاصة كالضارب مثلا في ضرب والقائل في قال والناصر في نصر والمتكلم في تكلم وأمثال ذلك ، وإن كان المفعول المطلق العام الكلي يظهر الفاعل الذي هو جامع كل الشئون والظهورات على جهة الإطلاق والعموم فيحيط بكل الشئون قال تعالى { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }1 وهذا معنى قوله عز وجل (( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن ))2 إذ لا شك أنه تعالى ما يريد بقوله ( لم يسعني ) أي ذاتي وحقيقتي فإنّ ذلك مستحيل بضرورة المسلمين ، فالمراد به الظهور ، ولاشك أنه تعالى ما يريد به الظهور الجزئي فإن كل أحد بل كل شيء من الأشياء وإن صغر وضعف حامل ظهور من الظهورات الإلهية والشئونات الربانية فلا فخر للعبد المؤمن ، فيجب أن يكون هذا الظهور كليّا ، ولما أن الحكم تعلق بالوصف المشتق علم أن المبدأ هو علة هذا الحكم فإيمان العبد هو الذي صار علة لهذه الوسعة والمؤمن كل المؤمن هو الذي امتثل أمر الله سبحانه والمخالف ليس بمؤمن على 
___________________
1 الرحمن 29
2 البحار 58/39 ح 61


حسب المخالفة ولما قال الله عز وجل { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }1 وقال { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ }‏2 وقال { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }‏3 علمنا أن الإيمان التام لم يتحقق إلا بالتزام مضمون تلك الآيات ، ولما كان غير المعصوم كلهم عصاة لم يثبت وصف الإيمان لهم دائما أبدا ولما كان أئمتنا سلام الله عليهم أشرف الأنبياء وذلك لا يكون إلا بقوة الإيمان والمعرفة فيكون إيمانهم بالله سبحانه أقوى من إيمان الأنبياء أجمعين ، ولما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو فخرهم وشرفهم وسيدهم علمنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أثبت في تلك بمعنى الكلام فالمؤمن الحقيقي الأوليّ الأصلي لا يكون إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال الله سبحانه إشارة إلى إيمانه الكامل { فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }4 والإيمان هو تفاصيل إقرار العبودية فلما أقرّ صلى الله عليه وآله وسلم لله سبحانه بالعبودية المحضة الخالصة المنزّهة عن جميع شوب السوى بكينونته وذاته وأعماله وصفته في مقام إدباره وإقباله وسع قلبه الشريف جميع الشئون الربوبية على الإطلاق لكونه مقتضى العبودية ، لأن الله سبحانه يتجلّى بفعله فلما كانت مرآة عبوديّته وزيت قابليته صلى الله عليه وآله وسلم صافية بالغة كاملة معتدلة منزّهة عن شوب كدورة وغيرية وظلمة إنية حكت المرآة المثال على أكمل ما يكون في الإمكان واستنار بمسّ النار المهيجة من شمس الأزل ، فسبق السابقون وفاق الفائقون فلم يلحقه الأولون والآخرون والعاملون المتهجدون المجتهدون ، فبفاضل عبوديّته ظهرت العبادة والخضوع ، وبفاضل تذلـله لله سبحانه ظهر الانكسار ، فهو صلى الله عليه وآله وسلم أخضع الخلق لله وأخشعهم له وأخوفهم منه وأعبدهم له فتمت فيه مقامات العبودية وهي الاستقامة في دار المقامة التي أمر الله سبحانه إيّاه صلى الله عليه وآله وسلم بها 
_____________________
1 هود 112 2 الحجر 65
3 البقرة 152 4 الأعراف 158

في قوله {‏ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }1 .
ومجمل القول أن النور الإلهي والكينونة الأحدية الوصفية المخلوقة ما تظهر ولاتستقر في الوجود الكوني إلا بصورة وحدود هي تكون محلها ومظهرها ، فإن كان صرف تلك الحدود اللاّزمة لها الغير المنفكة عنها الغير المشوبة لما يضادها وينادها من الحدود المقابلة فتلك هي حدود العبودية وصور الاستقامة التي هي الصورة الإنسانية ، وتلك هي القيام بأوامر الله ونواهيه وعزم الانقياد في السريرة بصافي الطوية على البقاء على تلك الحالة وعدم قصد ما يضّادها وصفا وذاتا وقولا وعملا ، والانزجار لفعله والانكسار والخضوع له فيما يطيع به ربه والتذلل له وإعدام نفسه وإفناء شخصه ومشاهدة حلول رمسه وهو قوله عليه السلام في الدعاء (( إلـهي كيف أدعوك وإنا أنا وكيف لا أدعوك وأنت أنت ))2 وهو قوله تعالى { وَلاَ 
______________________
1 هود 112
2 مصباح المتهجد 348


يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ }1 وقوله تعالى { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }‏2 وهذا الذكر وهذا الالتفات هو الاستقامة المأمور بها ، وتلك الاستقامة هي كمال المقابلة لفوّارة النور ، فلما حصلت المقابلة الكلية فينطبق على الفوّارة فيجمع الأنوار ويحتوي الأسرار فيسع قلبه كلّ الأوامر والفيوضات والإمدادات اللاّهوتية والجبروتية والملكوتية والملكية والذاتية الوصفية والأصلية والوضعية والحقيقية والمجازية والخلقية والأمرية لأن المقابلة الكلية تستدعي أولية التلبية حين نادى الحق خلقه بلسانه النّاطق فيهم بهم ألست بربكم وكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول من لبى ذلك الخطاب ودخل ذلك الباب وشاهد المطلوب بلا حجاب فكان حجابا أعظما احتجب الله سبحانه به عن خلقه ، ولم تتحقق الحجابية إلا إذا استقرت واستقامت في العبودية وهذا أحد معاني قوله صلى الله عليه وآله وسلم عند قوله تعالى { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }‏3 ( شيّبتني هذه الآية ) ، والشيبة مقام الكمال وبلوغ الوصال والاستقرار على سرير الإقبال ، وهذه الشيبة عين الشباب وذلك المبدأ عين المآب وذلك الماء عين التراب حيث قال عز وجل في محكم الخطاب { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا }‏4 وذلك البشر هو أبو تراب ، فلما تم مقام العبودية وظهرت فيه ظهورات الربوبيـة قـال مولانـا الصادق عليه السلام (( العبودية جوهرة كنهها 
__________________
1 الحجر 65
2 البقرة 152
3 هود 112
4 الفرقان 54


الربوبية ))1 وصار قلبه الشريف على جميع معانيه عرشا للرحمن أي النفس الرحماني الأولي وذلك في ظهورات النقطة قبل الألف واستدارتها على نفسها وحركتها حول مركزها لبيان ( انتهى المخلوق إلى مثله وألجأه الطلب إلى شكله ) ، فاستجنّ في هذا العرش الكلي الأعظم على أعلى المقامات , أو الماء الذي كان العرش عليه قبل خلق السموات على أحد الإطلاقات جميع ما ظهر ويظهر ويمكن من بديع السموات ذي العرش من علوم الكيفوفية وعلم البداء وعلل الأشياء وسر المحو والإثبات ومصدر الإصدار ومنبع الإيجاد ومعدن الحقائق وحقائق لطائف الخلائق وسر اللاهوت ونور الحي الذي لا يموت ، ودارت نقطة العبودية على نفسها فاستوت جميع نسبها ببارئها فصارت في كمال الاعتدال في الطوية والسريرة واللطيفة والكثيفة من الأحوال البشرية كما قـال عز وجل { وَإِنَّـكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }‏2 { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ }3 فهناك اقتضت الرسالة المطلقة الكلية والاستعانة الشاملة العامة في قوله تعالى { وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } بعد قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وهذه الاستعانة استعانة استمدادية إلهية في جميع ما يمكن في الأكوان الخلقية من شرائط الإمداد والاستمداد ومتممات القابلية ومكملات الاستعداد فكان بذلك صلى الله عليه وآله وسلم رسولا مطلقا إلى جميع الكائنات والموجودات 
_________________
1 مصباح الشريعة 7
2 القلم 4
3 ص 86


وهو قوله عز وجل { أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }1 فبالعبودية بلغ مقام الرسالة وبالرسالة ظهرت العبودية المطلقة كما قال تعالى في حديث الأسرار (( وليس لمحبتي غاية ولا نهاية، وكلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ))2 إذ الشيء كلما يخلص عن شئون نفسه تخف بنيته وكلما تخف بنيته يسرع سيره وكلما أسرع سيره بلغ مقام السبق وكلّما بلغ مقام السبق سطع عليه نور العناية والقرب وكلما سطع عليه نور العناية والقرب استنار واستشرق وكلما طالت الاستنارة والاستشراق وخفّت البنية وصفت الإنية وطابت الكينونة ظهر المثال وشهد ظهور الحال بصفة الإقبال ، وكلما ظهر المثال تجلى الممثل الموصوف بالوصف والمثال ، وكلما تجلى الممثل غاب المثال واضمحلت الصفة ، وكلما غاب المثـال صفى ذكر الممثل إلى أن أتى مقام ( هوفيها نحن ونحن فيها هو ) ومقام ( لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك ) فقام مقامه في الأداء في كل العوالم وهو قوله عليه السلام (( فبهم ملأت سمائك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت )) فافهم وإلا فاسلم تسلم وهذا معنى قوله عليه السلام (( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله )) .
____________________
1 الأنعام 124
2 إرشاد القلوب 199


والشهادة كينونية وذاتية وصفتية وظهورية وعملية وقولية ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو المحمدية البيضاء في مقام الحجـاب الأبيض الأعلى ، والعبودية هي المطلقة الكاملة مقتضى الفقر الذي افتقر به إلى الله سبحانه وافتخر به في قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( الفقر فخري وبه أفتخر ))1 ، والرسالة هي الرسالة الواسعة العامة الشاملة لكل من ذرء وبرأ في تمام مقتضيات أحوالهم كما نذكر إنشاء الله .
_____________________
1 البحار 72/30 ح 26

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:33 am

قوله عليه السلام (( انتجبه من البحبوحة العليا ))
البحبوحة هي الـوسط واللب والصفـو والأصل قـال الله عز جل { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }1‏ وقال أمير المؤمنين عليه السلام في حديث كميل في بيان أحوال النفس (( والعقل وسط الكل ))2 وقال أيضا عليه السلام على ما في الخطبة الشقشقية (( لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهويعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ))3 فالبحبوحة هي القطب والقطب هو الوسط وهو الأصل في الشيء يدور ذلك الشيء بجميع شئونه وأحواله وإضافاته وجهاته وحيثيّاته واعتباراته عليه وهو المدبر لها والمسخر لها والمقدر لأقواتها والمتمم لقابلياتها وهو في كل شيء من الأشيـاء ، فلكل نفس قطب تدور عليه أحوالها ، فتعددت الأقطاب بعدد نفوس الخلائق ولما كان القطب جهة الحق للخلق كان بذلك ظهوره لهم وهو معنى قوله عليه السلام (( الطرق إلى الله 
__________________
1 البقرة 143
2 البحار 61/85
3 شرح النهج 1/151



بعدد أنفاس الخلائق ))1 ويأتي تحقيق ذلك فيما بعد إنشاء الله فنقتصر على موضع الحاجة ونقول.
إن الأقطاب كلّها على قسمين ، أحدهما أن يكون نقطة واحدة قد انبسطت فتكثرت وتعددت كالنقطة فإنها قطب للألف والألف قطب للألف القائم وهو قطب للألف المبسوطة الذي هو الباء ، والباء قطب للدال ، والألف والباء معا قطب للجيم ، والباء والدال معا قطب للهاء ، وهكذا إلى آخر الحروف الكونية والحرفية ومرجع الكل إلى الواحد ، وذلك وجه استمداد الشيء بلواذ فقره وفاقته بباب استغناء الغني المطلق ، فالوجه السفلي للقطب وجه استمداد الشيء السافل والوجه الأعلى باب استغناء الغني فهو سبحانه يمده منه به إليه إلى انتهاء الوجود ، وهذا الوجه الذي هو القطب يجب أن يكون وسطا ليتساوى نسبة الكرة إليه وإلا لم تكن الحركة مستديرة واختلفت نسبة العالي مع السافل وهو مستحيل , ولاشك أن القطب هو وجه العالي فيجري عليه حكمه وهذا ظاهر . 
وثانيهما أن تكون الأقطاب متعددة لا بالعدد فلا يجمعها عدد إلا باعتبار المفهوم اللفظي ، وأما في الحقيقة فأحدهما عدم بحت وفناء صرف بالنسبة إلى الأخرى بحيث لا ذكر للأخير عند الأول ولو إجمالا إلا بالذكر الصلوحي التعلقي ، وهذه المراتب إنما تكون في السلسلة الطولية بمعنى أن المراتب السافلة معلولات للمراتب الأولى ، فالقطب في المرتبة الثانية شعاع المرتبة الأولى وأثرها وفعلها ، والكرات الدائرة عليه أحوال ذلك وشئوناته وظهوراته وقراناته ، فهي بما هي عليه متقومة بذلك القطب تقوم ركن وعضد وذلك القطب متقوم بالكرة الأولى تقوم صدور وحدوث ، فهو مثال للكرة الأولية من حيث الأحوال والشئون لا القطب الذي لتك الكرة ، فمثال الأول هو النار الظاهرة في السرج الكثيرة والظهور الواحد الظاهر في المرايا والنور 
____________________
1 البحار 67/137 ح 7
 

المنبسط في الشعاع والكلي المتعين في الجزئيات والأفراد ، والمطلق الظاهر في المقيدات وأمثال ذلك . 
ومثال الثاني هو السراج الظاهر في الشعاع والنار الظاهرة في الحديدة والسراج والشاخص المقابل الظاهر في المرآة وأمثال ذلك فانحصرت مراتب الوجود بهذين القسمين ، ولما كانت السلسلة الطولية مما لا تنكر في الوجود والسلسلة العرضية من الضروريات والبديهيات ولا شك أن الطفرة في الوجود ضروري البطلان فيكون الأعلى والأشرف هو الأصل والقطب ، ولما دلت الأدلة العقلية والنقلية على أن الأنبياء أشرف وأكرم على الله سبحانه من كل المخلوقات من الجن والإنس والملائكة وغير هم ثبتت لهم رتبة القطبية ، ولما كان أئمتنا المعصومون عليهم السلام قد بلغ الله بهم أشرف محل المكرمين وأعلى منازل المقربين وأشرف درجات المرسلين حيث لا يلحقهم لاحق ولا يسبقهم سابق ولا يطمع في إدراك مقامهم طامع حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صديق ولاشهيد ولا عالم ولا جاهل ولا دني ولا فاضل ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد ولا خلق في ما بين ذلك شهيد إلا عرفهم جلالة أمرهم وعظم خطرهم وكبر شأنهم وجلالة قدرهم كانوا بذلك قطب الأقطاب فصار يدور عليهم عليهم السلام كلما كان ويكون وما هو كائن إلى يوم القيامة وبعدها في الجنة والنار أبد الآبدين ودهر الداهرين فوق النهاية واللانهاية ، ولما كان السافل لا يصل إلى ذات العالي وإنما حظه ظهوره بكينونته في كينونته قال تعالى (( روحك من روحي وطبيعتك من خلاف كينونتي ))1 كان ظهورهم عليهم السلام في كل المراتب بتلك المراتب ، ألا ترى السراج فإنه لا يظهر في مقام الشعاع إلا بنفس الشعاع فالقطب للأشعة هو نفس النور الواحد الساري المنبسط في كل أقطار الأشعة وهو مثال السراج وآيته ودليله وأثره كما أن السراج مثال النار وآيتها ودليلها وظهورها ولكن الظهور لا فرق بينه وبين الظاهر فيه إلا أنه عبده وخلقه ، فكذلك ظهورهم عليهم السلام بالقطبية في العوالم كلها من 
_____________________
1 علل الشرائع 10 , البحار 5/266 ح 5
 
 
عالم اللاهوت وعالم الأسرار وعالم الأنوار وعالم الأرواح وعالم الأشباح وعالم الطبائع وعالم المواد وعالم الأظلة وعالم الأجسام ، ولما كانت العوالم كلها في حركاتها المستديرة لها حركتان حركة ذاتية أولية إلهية وحركة ثانوية ذاتية تبعية , ولما كانت الأولى هي الحركة الجوهرية الحقيقية كان سيرها على القطب الحقيقي ، ففي عالم اللاهوت ظهور حقائقهم قطب لذلك العالم ، وفي عالم الأسرار ظهور عقولهم قطب له ، وفي عالم الأنوار ظهور أرواحهم النور الأصفر ، وفي عالم الأرواح ظهور نفوسهم الشريفة النور الأخضر ، وفي عالم الطبائع ظهور طبيعتهم الكلية النور الأحمر ، وفي عالم المواد ظهور موادهم الجسمية ، وفي عالم الأظلة ظهور ظلهم من فاضل شعاع نورهم ، وفي عالم الأجسام ظهور أجسادهم الطيبة بفاضل تشعشع لمعان أنوارهم وهذا هو الحكم الكلي المجمل ، وفي عالم التفصيل ظهور وظهور ظهور وظهور ظهور ظهور وهكذا إلى آخر المراتب والأحكام منتهى المقام ، ولذا تسيخ الأرض بأهلها إذا فقد جسد الإمام عليه السلام عن عالم الأجسام كما دلت الأخبار ووقع إجماع الفرقة الناجية عليه ، إلا أن هذه الظهورات شبحية ولايسعني إلان بيان تفصيل الكلام وتبيان المرام بمقتضى المقام لئلا يرتاب المبطلون وإلا هنا لطائف وإشارات عجيبة .
وبالجملة فالبحبوحة التي هي الوسط والقطب كثيرة مختلفة متفاوتة المراتب بالعلو والسفل وهم عليهم السلام البحبوحة العليا والقطب الأعظم والعماد الأقوم وإليهم الإشارة بقوله عز وجل { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ }1 والشاهد على الناس لا يكون إلا المحيط بأعلاهم وأسفلهم وأوسطهم والناس أعمّ من الإنسان والأنبياء عليهم السلام والملائكة والجن وسائر المخلوقات كلهم لأن ما عدا الإنسان كلهم على هيئته وصورته كما قرر في محله ، ولما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول من أجاب الحق سبحانه بظاهره وباطنه وسره وعلانيّته من بينهم سلام الله عليه فكان صلى الله عليه وآله وسلم منتجبا منهم ومصطفى فيهم فصار نبيهم وسيدهم وفخرهم ، وذلك الانتجاب إنما كان بتحمله صلى الله عليه وآله وسلم حرفا واحدا دونهم من أحوال المبدأ الحق سبحانه وتعالى خاصة في معرفة التوحيد وهو علة الانتجاب وسر الانتجاب فلم يبلغ أحد منهم عليهم السلام ذلك الحرف وهذا سر أولية الإجابة بقابلية الاستفاضة وطواف الأسبوع حول جلال القدرة في ثمانين ألف سنة من سني السرمد وهو القدم الذي استخلصه الله سبحانه فيه كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة يوم الغدير في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( استخلصه في القدم على سائر الأمم على علم منه بأنه انفرد عن التشاكل والتماثل من أبناء الجنس وانتجبه آمرا وناهيا عنه أقامه في سائر عوالمه في الأداء مقامه إذ كان لا تدركه الأبصار ولاتحويه خواطر الأفكار ))2 وهذا القدم هو البحبوحة العليا وهي الأزلية الثانية والقدم الثاني ، وهو صاحب الأزلية الأولية على الحقيقة الواقعيـة وأشار إلى هذا الانتجاب بقوله الحق جل وعلا { وَاصْطَنَعْتُكَ 
_____________________
1 البقرة 143
2 الإقبال 461


لِنَفْسِي }1 لسر الاصطفاء ، فلما اصطنعه سبحانه لنفسه واصطنع الأشياء كلها له صار هو صلى الله عليه وآله وسلم علّة للموجودات كلها ومجلى ظهور الواحدية والوحدانية والأحدية والصمدية ، فالنفس علة وقطب له وهو علة وقطب الكائنات ، فالبحبوحة العليا كالقلب الذي هو القطب للقوى والمشاعر والمدارك والآلات والأعصاب والعضلات ، وكالشمس للكواكب والأفلاك السبعة وفيما سواها كالشمس للأشعة والمقابل للصورة المنطبعة في المرآة ، وقطبه صلى الله عليه وآله وسلم هو النفس الذي اصطنع لها وهذا النفس هو المتجلي بالأحدية كما قال عليه السلام (( من عرف نفسه فقد عرف ربه ))2 ، ولما كان المتجلي إنما يظهر بالتجلي فيكون التجلي إنما يدور على المتجلي وهو النفس فكان هذا التجلي هو الكاف المستديرة على نفسها والنفس هي نفس الله والكاف هي كلمة الله والاستدارة إمداد واستمداد وإفاضة واستفاضة وهذا هو حقيقة الانتجاب ومعنى قيامه مقام الله سبحانه في الانتساب ، ولما كانت تلك النفس هي جلال القدرة التي كان يطوف حولها قبل خلق علي عليه السلام فلما خلق علي عليه السلام بقي يطوف حول جلال القدرة وهو صلى الله عليه وآله وسلم يطوف حول جلال العظمة ظهرت تلك النفس في علي عليه السلام فكان هو نفس الله ونفس رسوله وذات الله وذات رسوله كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله حكاية عن 
_____________________
1 طه 43 
2 شرح النهج 20/292


عيسى عليه السلام { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ }1 ، ولا شك أن هذه النفس ليست ذات الله سبحانه إذ ليس فيها شيء لأنها صمد فتكون هي النفس المخلوقة ، وقد صرّح مولانا الصادق عليه السلام بذلك في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام برواية صفوان (( السلام على نفس الله القائمة فيه بالسنن ))2 وأما نفس رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فكما قال سبحانه وتعالى { وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ }3 ولا نزاع بيننا وبين مخالفينا أن المراد من النفس في هذه الآية الشريفة هو علي عليه السلام فهوعليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما ذات الله فكما في قوله عليه السلام في النفس الملكوتية الإلهية هي (( ذات الله العليا وشجرة طوبى وسدرة المنتهى وجنة المأوى من عرفها لم يشق أبدا ومن جهلها ضلّ وغوى )) ، وأما ذات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبقولـه عليه السلام (( أنا محمد ومحمد أنا )) ، وقد أشار مولانا الباقر عليه السلام إلى هذه الذات بقوله روحي فداه (( اخترعنا من نور ذاته وفوّض إلينا أمور عباده ))4 (( إن إلينا إياب هذا الخلق ثم إن علينا حسابهم ))5 وهذه الذات هي أمير المؤمنين فإن أنوارهم عليهم السلام إنما اخترعت من نوره عليه السلام كاختراع الحروف من الألف وهو سر عدم جواز تسميتهم بأمير المؤمنين ، وتلك الذات وتلك النفس إنما كانت خاصة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الأصل والمستقل فيهما وإنما ظهرتا في علي عليه السلام لكونه حامل اللواء ومكلم موسى عليه السلام في الشجرة إني أنا الله أي الظاهر لموسى بموسى بنوره عليه السلام وهو رجل من الكرّوبيين فتجلى علي عليه السلام لموسى عليه السلام في الشجرة عين تجلي الله له فيها لأن تجلي الله الأولي هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام هو نفس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومظهر آثاره وحامل لوائه وذلك الرجل الذي هو واحد من الكروبيين هو عين تجلي علي عليـه 
________________________
1 المائدة 116
2 البحار 100/330 ح 29
3 آل عمران 61
4 البحار 26/14 ح 2 
5 تفسير فرات 551 , البحار 7/202 ح 88

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:33 am

السلام لموسى وذلك الكروبي هو نفس موسى عليه السلام لقوله عليه السلام (( لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها ))1 فافهم فإني أظهرت السر ولا تقل أنه غلا بل ولعمري ذلك عين التقصير أما سمعت ما قال مولانا الصادق عليه السلام لما سئل عن الكروبيين قال عليه السلام (( قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش لوقسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ، ثم قال : أن موسى لما سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجبل فجعله دكا وخر موسى صعقا ))2 وإذا علمت أن التجلي للشيء يمتنع إلا أن يكون بنفس ذلك الشيء يظهر لك صدق ما ذكرنا فافهم راشدا مهديا موفقا ، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو المنتجب من البحبوحة العليا وهي الأسماء الحسنى والأمثال العليا والكبرياء والآلاء والعزة والقدرة والملك والسلطان فإن الأشياء من الأكوان والأعيان ومستجنات غيوب الإمكان إنما تحققت بها وهي جهات الظهور المطلق كما قال سيد الساجدين (ع) (( اللهم يا ذا الملك المتأبد بالخلود والسلطان الممتنع بغير جنود ولا أعوان والعز الباقي على مر الدهور وخوالي الأعوام ومواضي الأزمان والأيام عزّ سلطانك عزا لا حد له بأولية ولا منتهى له بآخرية واستعلى ملكك علوا سقطت الأشياء دون بلوغ أمده ولا يبلغ أدنى ما 
____________________
1 شرح النهج 13/44
2 بصائر الدرجات 69


استأثرت به من ذلك أقصى نعت الناعتين ))1 وذلك للقيومية المطلقة والقطبية العامة الشاملة والمنتجب من تلك الآلاء والأمثال والأسماء هو أكرم الأسماء إلى الله وأحبها إليه وأقربها منه وسيلة وأشرفها عنده منزلة وأجزلها لديه ثوابا وأسرعها في الأمور إجابة وهوالاسم الأعظم الأعظم الأعظم ، والمنتجب من هذا الاسم هو الاسم المكنون المخزون الأعظم الأعز الأجل الأكرم الذي يحبه ويهواه وهو الذكر الأجل الأعلى الأعلى الأعلى ، وهو مقام ذكر السجود في الصلاة وهذا هو الاسم المكنون المخزون الذي استقر في ظله فلا يخرج منه إلى غيره فهو المنتجب من البحبوحة العليا ، أو أن البحبوحة العليا هي الكلمة التامة التي انزجر لها العمق الأكبر وخضعت لها السموات والأرض وركدت لها البحار وجرت بها الأنهار ورست بها الجبال وتمت بها الغدو والآصال , وهي الكلمات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر ، وهي الكلمات التي تلقاها آدم من ربـه وهي الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم فأتمّهن فصار إماما ، وهي الكلمات التي لو كان ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ، وهي الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله سبحانه لا سواها ، وهي الكلمة الطيبة هي كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها ، وهي كلمة الله العليا ، وهي كلمة واحدة مشتملة على حروف كلّها كلمة مستقلّة ، فالجمع باعتبار جعل كل حرف كلمة على حدة ، والأفراد باعتبار جعل المجموع كلمة واحدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا 
___________________
1 مصباح الكفعمي 55 , مصباح المتهجد 188


الشجرة وعليّ أصلها وفاطمة فرعها والأئمة أغصانها ))1 ففاطمة عليها السلام هي تمام الكلمة ولذا كان اسمها الشريف ( الطاء ) مع كماليها الظهوري الشعوري فالأول يستنطق ( مه ) والثاني ( فا ) فعند الاجتماع صارت فاطمة عليها السلام ، و (الطاء ) مجمع مراتب الآحاد ومظهر تمام المبادئ في الأعداد من الكونية والحرفية وكذلك هي صلوات الله عليها وقد صرّح الله سبحانه وتعالى بذلك في كتابه العزيز بقوله { حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ 
___________________
1 لم نقف على هذه الرواية ووجدنا ما يقرب منها وهو ما ذكر في إرشاد القلوب ص 145 (( أنا الشجرة وفاطمة فرعها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا أغصانها )) 



حَكِيمٍ }1 وفسّره الإمام عليه السلام بالأئمة الطاهرين الأربعة عشر المعصومين عليهم السلام فقال عليه السلام (( إن حم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والكتاب المبين هو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام إنا أنزلناه يعني عليا عليه السلام في ليلة مباركة وهي فاطمة عليها السلام ))2 لكون الليل منسوبا إلى القمر وهو مربي الصور والهيئات والحدود والتعينات والحياة التي هي الأم مع أنه بارد رطب كطبع المرأة وهي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وحرفها ( الهاء ) وقد ظهرت في آخر اسمها فيها يفرّق كل أمر حكيم أي في فاطمة عليها السلام يمتاز كل أمام حكيم بعد إمام حكيم ، وباقي الأئمة عليهم السلام حروف الكلمة على تفاوت مراتبها فإن الحروف تختلف بالشدة والضعف والجهر والهمس والإطباق والانفتاح والاستعلاء والتّسفّل وتختلف في المراتب والدرج والدقائق والثواني والثوالث والروابع والخوامس ، وهكذا اختلاف مراتب تلك الحروف العاليات عليهم السلام وعليّ أمير المؤمنين عليه السلام وهو الألف والنفس الرحماني الأولي والثانوي والثالثي والرابعي وهكذا ، فتشعّبت تلك الحروف منه عليه السلام كتشعّب
___________________
1 الدخان 1 _ 4
2 لم نقف على هذه الرواية بالنص ولكن وقفنا على ما يقرب منها ففي الكافي 1/479 ح 4 , وفي تفسير الصافي 4/404 أن رجلا نصرانيا سأل الإمام الكاظم عليه السلام عن تـأويل هذه الآيات فقال عليه السلام (( أما ( حم ) فهو محمد صلى الله عليه وآله وهو في كتاب هو الذي أنزل عليه وهو منقوص الحروف , وأما الكتاب المبين فهو أمير المؤمنين علي عليه السلام , وأما الليلة ففاطمة عليها السلام , وأما قوله ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) يقول يخرج منها خير كثير , فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم , فقال الرجل : صف الأول والآخر من هؤلاء الرجال , فقال : إن الصفات تشتبه , ولكن الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله وإنه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم إن لم تغيروا وتحرفوا وتكفروا وقديما ما فعلتم )) . 
 

الأغصان من الشجرة فهو أميرهم وسيدهم ومولاهم وفخرهم وشرفهم عليهم السلام ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو النقطة الحقيقية الدائرة عليها تلك الرحى وقد قال الشاعر :
قد طاشت النقطة في الدائرة ولم تـزل في ذاتـها حائـر
محجوبـة الإدراك عنها بها منها لهـا جارحـة نـاظرة
سمت على الأسماء حتى لقد فـوضت الدنيا مع الآخر ة
وتلك النقطة هي حجاب الله الأعظم المنتجبة المختارة المصطفاة من الألف المختار المرتضى من الحروف المختارة من الكلمة المختارة عن كل ما عداها ، بل لا يقال للكلمة بالنسبة إلى الدلالة وما سواها من آثارها وأفعالها وشئونها اختيار وانتجاب لأن الوجود لا ينتجب من العدم فافهم ، ولذا خصّ الإمام عليه السلام الانتجاب في البحبوحة العليا إذ ليس لتلك البحبوحة بعضها مع البعض الآخر تأثير وفعل وانفعال وإنما هو كالضوء من الضوء ، فالانتجاب يتحقق فيما إذا كان في صقع واحد ومقام غير متعدد لا في أصقاع مختلفة بحيث كل صقع يعدم عند الآخر ، وهذا الانتجاب إنما صار علّة دوران رحى الكائنات عليه ولذا لقّب صلى الله عليه وآله وسلم بالمصطفى فإذا أطلق لا يراد به سواه كما لقّب عليّ عليه السلام بالمرتضى فإذا أطلق لا يراد به سواه تفسيرا لقوله عز وجل { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ }1 والمرتضى من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس إلا علي عليه السلام وهذا الغيب الذي أظهره عليه عليه السلام هو الرسول الذي هو المصطفى وهو المنتجب في حجاب الغيب ، وهذا الاصطفاء إنما نشأ من المحبة فالمحبوب هو المصطفى للحب لا غير والمحبّة الكاملة المطلقة سّيما المحبة الإلهية المستدعية للاصطفاء لا تكون إلا بميل المحبة غراما ومحبة وصبابة وشغفا إلى جهة المحبوب فلا يكون المحبوب محبوبا مطلقا إلا إذا كان محبا مطلقا ولا يكون المحب محبا صادقا إلا إذا كان محبوبا فصار الأمر دوريا ، ولا تتم المحبّة الكاملة إلا إذا تخلل المحب في كل جزئياته وأجزائه وقواه ومشاعره ويخلص 
______________________
1 الجن 26 _ 27
 
 
عن كل ما سوى المحبوب ، فإن بلغ مقاما لا يستدعي في قوام كونه ووجوده كما كان في وجدانه وشهوده سوى ذكر المحبوب فهو منتهى المقام في المحبة وغاية المنى في المعرفة فهو لم يزل مع المحبوب مؤثرا كلما سواه عليه في وجدانه ووجوده وإحساسه وشهوده ، فإن كان المحبوب باقيا ببقاء الأبد فكذلك محبه لأنه مصطفاه ومجتباه ، ولما كانت المحبة هي علّة الخلق والإيجاد كما دلّ عليه (( فأحببت أن أعرف )) كانت المحبة أول ما ظهر ووجد ، ولو كانت المحبة الإلهية ليست ذاتية وإنما هي خلقية كانت محبّته عين محبوبه وذلك أول ذكر الشيء وكونه والمحبوب الثابت له المحبة لا يكون كذلك إلا إذا بلغ مقام المحبّة ولا تصفو له المحبة إلا إذا بلغ مقام تلك النقطة فهناك يكون محبوبا ومحبا ومحبة فاتحدت الأمور في عين الاختلاف واختلفت في عين الائتلاف فيبلغ حينئذ مقام (( فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق )) الخاص بذلك الخلق المحب لله سبحانه ، ولما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو مبدأ الإيجاد وعلّة الانوجاد وتخللت في كله محبة الله سبحانه بحيث استغرق في بحر مشاهدة جمال المحبوب وجودا ووجدانا ولذا قلنا أنه من الوجود المطلق كما قال سبحانه ‏{ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }1 فلا يستدعي شيئا سوى فعل الحق سبحانه في كينونة ذاته ووجوده فبلغ مقام المحبة بل ما نزل عن مقامها مذ خلق صلى الله عليه وآله وسلم فأحبه الله سبحانه فهو صلى الله عليه وآله وسلم محب ومحبوب ومحبوب ومحب وهو مقام (( فأحببت أن أعرف )) فلما بلغ نهاية المرتبة في المحبة وتعدى فيها مقام النهاية وبلغ إلى اللانهاية كما قال عز وجل (( ليس لمحبتي غاية ولا نهاية ))2 سمي صلى الله عليه وآله وسلم حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو اسم المبالغة في الفاعل والمفعول والأمران مرادان حقيقة ، والمبالغة لبيان تعديها طور النهاية ولذا ترانا نعد من أسماء الوجود الوجود المطلق الاختراع والابتداع وعالم فأحببت أن أعرف والحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يراد إذا أطلق الحبيب إلا هو صلى الله عليه وآله وسلم فهوالحبيب على الإطلاق بكل وجه وبكل معنى مما سطرنا 
___________________
1 النور 35 2 إرشاد القلوب 199
 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:34 am

وما لم نسطر ومما علمنا ومما لم نعلم ، فلما صفت المحبة بحقائقها وكل مراتبها على جهة الكمال له صلى الله عليه وآله وسلم اختص بالعقل الفعّال كما يأتي إنشاء الله في قوله تعالى (( ولا أكملتك إلا فيمن أحببت ))1 واختص أيضا بالاصطفاء والصفوة فكل مصطفى وصفيّ فإنما هو بفاضل اصطفائه وصفائه وبقدر قربه منه ، وهو وأهل بيته صلوات الله عليهم عباد الله الذين اصطفى في قوله عز وجل { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى }‏2 ، وأما قوله عز وجل {* إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }3 فإن أريد به آدم الأول ونوح الأول وإبراهيم الأول موسى الأول وعيسى الأول والأولية الإجمالية أوالتفصيلية فصفى الأمر ، ومرادي بالإجمال والتفصيل هو المبدأ والمشتق فإن الملائكة الكروبيين الذين قد تقدم ذكرهم من أنهم قوم من شيعة أل محمد عليهم السلام عددهم عدد الأنبياء وأسماؤهم أسماء الأنبياء فإن ذلك الرجل الذي تجلى لموسى فخرّ موسى صعقا اسمه موسى وأظن أني رأيت خبرا خاصا ناصا بما ذكرت من التسمية وأما العمومات فكثيرة وهذا هو مقام التفصيل فيكون ذلك الرجل آدم الأول والآخر نوح الأول وهكذا وهؤلاء هم الصفوة الحقيقية لأنهم مثال المصطفى الحقيقي الغير المشوب بشيء من التعين والغيرية بل هونفس المثال مع قطع النظر من الحدود والأعراض ، والمثال ليس إلا حكاية الممثل ووصفه وآيته وليس إلا بيانه ودليله فهوعين الصفوة والاصطفاء ، وأما مقام الإجمال فسيأتي إنشاء الله شرح حقيقة الحال في قولهعليه السلام في هذه الخطبة المباركة (( أنا موسى وأنا عيسى )) وأمثال ذلك فترقب .
وإن أريد به الأنبياء المعروفون عليهم السلام فإنما اصطفاهم الله سبحانه لكونهم حملوا نوره وأدوا أمانته وثبتوا على المحبة والمودة وعزموا على العهد المأخوذ عليهم بالولاية وفرض الطاعة فجرى فيهم ما قال سبحانه في 
_________________
1 كنز الفوائد 1/57
2 النمل 59
3 آل عمران 33 _ 34
 
 
الحديث القدسي (( يا بن آدم أطعني أجعلك مثلي ))1 فافهم . 
وأما آدم عليه السلام فهو وإن لم يعزم { فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }2 لكنه لحمل ذلك النور الشعشعاني الذي اقتضى سجود الملائكة له بلغ مقام الاصطفاء بالتبعية .
وبالجملة فهو صلى الله عليه وآله وسلم المصطفى والمنتجب لكونه حبيبا ولا يصح إطلاق الاصطفاء والانتجاب والحبيبية على الحقيقة والإطلاق إلا عليه صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الـذي ذكرنا وجه من وجوه البواطن .
وأما مقتضى تلك البواطن من الظواهر فاعلم أنه عليه السلام وجعلني الله فداه أراد أن يبين شرائط الرسالة والنبوة والخلافة وصفاتها وأحوالها وأن كلها على كمال ما ينبغي بل أشرف من ذلك وأتم وأكمل موجودة و ثابتة في نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك لأن النبوة والرسالة هي خلافة الله والقيام مقام الله سبحانه في التبليغ والأداء إذ على الله البيان والإيضاح بالحجة والبرهان على جهة الفضل والامتنان لأنه خلق الخلق رحمة وتفضلا فلم يجعلهم في الحيرة والضلالة لينقص ما خلق ويضيع ما أوجد سبحانه سبحانه بل له الملك الكامل والفعل التام الشامل ، ولما كان الحق سبحانه في الأزل منزّها عن الاقتران والحدوث والتنزّل إلى المقام الأدنى وورود الأحوال بالأعمال والأقوال ، وشرط الأداء والتبليغ أن يكون في مقام المبلَّغ إليه وإلا لامتنع التبليغ والتأدية وجب أن يختص بذلك من عباده في عالم الإمكان من يصلح للظهورات المختلفة والبروز بالتطورات المتشتتة والتقلب في الصور العديدة حيث ما اقتضت المصلحة من أحوال الكينونة البشرية لأن حكم الله سبحانه على خلقه على مقتضى صفاتهم الكلية والجزئية وإلا فالذات من
____________________
1 في إرشاد القلوب قال تعالى (( يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون )) .
2 طه 115
 
 
حيث هي هي لا حكم لها إلا حكم الإذعان والإقرار بالأحدية المطلقة ولم يتغير هذا الحكم ولم يتبدل ، وأما الصفات والأطوار فمن جهة أنها مقتضى الحدود والصور فتختلف أحكامها كما قال الله سبحانه { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }1‏ والمبلّغ لو لم يظهر بتلك الصفة لما يصح التبليغ وامتنع التأدية ، فوجب أن يكون ذلك التبليغ ذاتيا في ذاته غير منجمد على صفة من الصفات واعتبار من الاعتبارات وحيثية من الحيثيات وإلا لاختص بتلك الصفة ولأجرى عليه حكما فإن كانت حسنة كاملة ولطيفتها زائدة يختص فيما فضل من تلك اللطيفة بالتبليغ والتأدية إلى المناسب لتك الصفة حسب عمومها وخصوصها في مرتبة مقامها فيكون مبلغا جزئيا لا كليا حقيقيا وإلا فيختص بنفسه ولايعم غيره ، وأما المبلغ الكلي فيجب أن يظهر في الوجود كعموم قدرة الله سبحانه ويكون متساوي النسبة مع كل الرعية في طبائعها وصفاتها وأحوالها ليعطي كل ذي حق حقه مما أودع الله سبحانه في سره من مكنون علمه ، ولا تتساوى هذه النسبة إلا إذا كان في ذاته معتدل الطبيعة ومستقيم البنية في الباطن والظاهر بحيث لا تزيد طبيعة على أخرى لتغلب ويجري عليه حكم الطبيعة الغالبة كما في سائر الخلق بل تكون العناصر فيه متساوية النسبة وتكون له طبيعة خامسة غير الطبائع الأربع ليجري حكم كل طبيعة عند اقتضاء المصلحة لذلك بالعوارض الخارجة ، ولا تتساوى نسبة الطبائع إلا إذا خلص وصفى ورقّ ولايكون هذا الخلوص والتصفية إلا إذا كان نظره مقصورا في عالم غير عالم الطبائع والمزج والتركيب ، إذ لوكان النظر مقصورا عليه ولا شك أنه عالم التضاد والاختلاف وعدم الائتلاف فلا بد من استيلاء أحدها على الآخر وإتيان حكم الغلبة لتحصيل المزاج ، ولذا ترى الأطباء أحالوا تساوي الطبائع في المركب لقصر نظرهم إلى عالم الكون والفساد وعالم التركيب والتضاد ، وأما الذي نظره قاصر إلى عالم البساطة ومقام اللانهاية ولم يزل مع الملك القهار الجبار المتكبر المؤلف بين المتعاديات والمفرق بين المتآلفات فيستولي عليه نور 
__________________
1 الرعد 11
 
 
البهاء والكبرياء والعظمة فتتألف الطبائع والعناصر والقوى المتضادة بحيث لا تغالب لبعضها على بعض ولا تضاد في إظهار الأثر فيستوي الذئب والغنم في المرعى وهو قـوله عز وجل { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ }1 ‏، وهما الضدان الماء العذب الفرات والماء المالح الأجاج فاختلطا فالحاجز من قدرة الله سبحانه منع أحدهما على الغلب والبغي على الآخر والآخر عليه ليحصل من المجموع طبيعة أخرى وطعم ولون آخر أو تغلب إحدى الطبيعتين ، ومثاله فيك موجود فإنك تعصي وتطيع وإنك مركب من نور وظلمة لكن ما غلب النور على الظلمة في أصل التركيب لئلا يمكن أن يصدر منه الطاعة في الوجود العيني ولاالعكس لئلا يمكن العكس ، كما أن العسل ما يبرد أبدا وإن كان فيه من الطبيعة المائية لكنها مغلوبة ، والكافور ما يسخن أبدا وإن كان فيه من الطبيعة النارية ، وكذا ما امتزج النور والظلمة بحيث يحدث عن اجتماعهما أمر ثالث كتركيب الخل والعسل فيحصل من تركيبهما أمر ثالث يخالف طبيعته وفعله وقوّته الجزأين لأنه يقطع الصفراء بخلاف العسل فإنه يزيد مع ولو كان كذلك لوجب أن لا يصدر من الإنسان إلا الطاعة المشوبة بالمعصية والمعصية المشوبة بالطاعة بل لا تكون طاعة لأنها من اقتضاء النور ولا تكون معصية لأنها من اقتضاء الظلمة بل يكون أمرا ثالثا لا طاعة ولا معصية وهو ممتنع في حق الإنسان بل كل شيء هذا صنع الله ، فإذا بلغت القدرة إلى أن يبقى مع المزج والتركيب قوة الأجزاء على ما هي عليه قبل التركيب ويتم التركيب بذلك بحيث يصدق على المجموع اسم واحد ويجري عليه كل أحكام الوحدة مع بقاء صرافة حكم الكثرات على ما هي عليه من الاقتضاءات فبأن يركب من الأجزاء المتساوية في الطبيعة والوزن والتقدير الطبيعي أخرى والقدرة تتعلق عليه بالطريق الأولى ، فلا معنى لإنكار الأطباء ذلك نعم لما لم ينظروا إلى جهة الربوبية والسلطنة الكاملة العامة عظم في نظرهم ذلك فصغروا عظمة الله سبحانه .، فعلى ما قررنا وجب أن يكون المبلغ الكلي في أكمل مقام اعتدال الطبيعة في كل المراتب من الاعتدال 
_________________
1 الرحمن 19 _ 20
 
 
الحقيقي لا الاضافي وقد قلنا أن ذلك لا يكون إلا إذا سطع عليه نور العظمة والجلال والبهاء ويكون صاعدا مقام الأسماء الجزئية والكلية فيتجلى عليه نور البساطة والوحدة إلى أن تفنى مقام الكثرة الوجودية والوجدانية فيستولي عليه نور الجمال والجلال كما قال الشاعر :
رقّ الزجاج ورقّت الخمـر فتشابها وتشاكل الأمـر
فكأنمـا خمـر ولا قـدح وكأنما قـدح ولاخمـر

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:36 am

فكأنمـا خمـر ولا قـدح وكأنما قـدح ولاخمـر
ويسبح في لجة بحر الأحدية وطمطام يمّ الوحدانية فيحكي المثال فعند ذلك تكون الطبائع أحدها عين الأخرى تقول نار وماء وهواء وتراب لكن كل واحد منها عين الآخر فالتراب هو الماء والماء هو الهواء والهواء هو النار والتعدد تعبيري لظهور آثارها في المراتب الكونية أي المبلغ إليها وهذا كمال مقتضى العبودية فيتجلى عليها أحكام الربوبية فلا يقال بشر لظهور أحكام الربوبية فيه ولايقال رب تعالى عن ذلك لأنه عبد مخلوق ونور مرزوق وقد قال الشاعر:
إن قلت ذا بشر فالعقل يمنعني وأختشي الله من قولي هـو الله
وهذا معنى قـوله تعالى في وصف الشجرة المبـاركـة الزيتـونـة { لَّا شَرْقِيَّةٍ }‏ أي ليست بقديمة لأنها حادثة مخلوقة مقترنة منظورة بالأطوار بل شجرة متفرعة على الغصون والأصول والأوراق والأثمار وليس هذا صفة القديم تعالى شأنه { وَلَا غَرْبِيَّةٍ }‏ أي ولاحادثة لأن الحادث مختلف متكثر متعددة جهاته وروابطه فان هنالك مضمحل وليست هذه المذكورات صفة تلك الشجرة لأنها وجه الله الذي لا يهلك ويد الله التي لا تغلّ ولا تفنى ونور الله الذي لا يطفى وعين الله الشاهدة على الورى { يَكَادُ زَيْتُهَا } أي قابليتها للوجود { يُضِيءُ }‏ أي يظهر في عالم الكون لكمال الخلوص والصفاء وعدم اقـتضائها شرطا ومتمما ومكملا غير مصدره وموجده { وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ  نَارٌ }1 الإيجاد والنارمن تلك الشجرة والزيت أيضا من تلك الشجرة كما نص عليه الحق سبحانه في كلامه العزيز ، وهذا هو مقام البرزخية الكبرى وهو مقام فاعل الفعل اللازم مع أن الفاعل معمول للفعل والفعل عامل فيه والعامل أشرف من المعمول كما بينا فراجع ونبين إنشاء الله فترقب .
فلما استوت قابليته واعتدلت طبيعته على ما وصفنا لك ظهر في البحبوحة الكبرى العليا وانتجبه الله منها وهذا الظهور في هذا المقام ما تحقق إلا بكمال العبودية والعبودية المطلقة تنافي الغفلة ولو يسيرة ، لأنه في مقام الغفلة لا يرى لنفسه عبودية فضلا عن المخالفة فوجب أن يكون معصوما مطهرا من الذنوب مبرأ من العيوب من الظاهرية والباطنية والسرية والجهرية وتمت شهادة الله سبحانه له بذلك حيث قال { وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ }‏2 وقوله تعالى { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }1 والأصل في ذلك هو اعتدال الطبيعة وتصفية السريرة .
ففي المقام الأول الذي هو مقام النقطة الحقيقية المستديرة على نفسها لا كلام خوفا من فرعون وملئه ، وأما حال التنزل إلى مقامات الإرسال ولما كانت المادة الإلهية الأصلية في كمال النورانية والصفاء فوق مقام الحد والانتهاء ما غيرتها الحدود والتعينات والظهورات واستولت عليها آثارها فظهرت في كل عالم وكل مقام طيبة طاهرة حتى انتقلت إلى الأصلاب والأرحام فحفظت بفاضل نورانيته الآباء والأمهات عن مخالفة الحق سبحانه لأنه نور يطرد الظلمة بفاضل ظهوره ، وإن كان ظهوره بالظهور وإشراقه بالنور فكانت الطائفة المنسوبة إليه في كل زمان وأوان أشرف الطوائف 
__________________
1 النور 35
2 الأنبياء 19
3 الأنبياء 26 _ 29
 
 
لسريان ذلك النور إليها من جهة الانتساب فكان آباءه في عالم البشرية لاختلاص الصفوة البشرية المنسوبة إلى النور المشرق من صبح الأزل كلّهم طيبين طاهرين منزهين عن كل دنس ورجس ومن أهل التوحيد والتسليم لله سبحانه لبقاء ذلك النور في الأصلاب أكثر وأشد وتخلله في كل أجزاءه وقواه ومشاعره وفي الهضمات الأربعة فأثرت نورانية الجسد في الجسد والروح المتعلق به في الروح ، وأما أمهاته صلى الله عليه وآله وسلم فبقدر حملهن إياه صلى الله عليه وآله وسلم فهنّ معصومات بمقدار ذلك الزمان لإشراق النور الإلـهي عليهن وهو معنى قوله عليه السلام في الزيارة (( أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها ))1 حتى انتهت مراتب الآباء والأمهات الظاهرية إلى أشرف الطوائف وأحسن القبائل اتفاقا وإجماعا من الناس ، فإن العرب لم يزل أشرف من العجم من جهة النوع كما نبين إنشاء الله ، وأشرف طوائف العرب قريش كما هو الظاهر ولم تزل تفتخر قريش على غيرها من الطوائف وهم لا ينكرون ذلك حتى أن ابن أبي قحافة إنما احتجّ عليهم وتقمص بالخلافة على أنه من قريش فلا يترأس عليها أحد ، وأشرف طوائف قريش بنوا هاشم وعبد الله وأبو طالب من سادة بني عبد المطلب كما هو المعلوم المذكور في كتب السير والتواريخ ، فهذه هي البحبوحة الكبرى العليا ولذا قال مولانا الرضا عليه السلام في وصف الإمام عليه السلام (( لا يسبقهم أحد في نسب ولايدانيهم في حسب البيت من قريش والذروة من هاشم والعترة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والرضا من الله عز وجل شرف الأشراف والفرع 
________________
1 زيارة وارث 
 

من بني عبد مناف ))1 فلما انتجب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الطائفة الشريفة في عالم البشرية الظاهرية قطع حجة كل محتج وظهر بالحجة البالغة إذ لم يقدروا على إنكاره بالحسب ولا بالنسب ولا بالشرافة ولا بالسيادة ولا بالطهارة لم يعرفوا كمالا إلا وقد وجدوا عنده صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه وأسناه ولم يتخيلوا مقاما إلا وقد وجدوا عنده أقصاه ، فعرفوا أنه خليفة الله فلم يبقى لهم إلا الإقرار به أو الإنكار له بعد المعرفة والجحود بعد العلم قال الله تعالى { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ 
__________________
1 البحار 102/187 ح 6


الْكَافِرُونَ }1 وقال { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا }2 بخلاف ما إذا كان يعصي أولا يكون من الذروة الأعلى بل يكون من اللئام الأراذل فإنه حينئذ يكون الحجة عليه للعارف والجاهل ، أما الجاهل فإنه إذا وجد أنه من اللئام وليس من الطائفة الكرام تشمئز نفسه وتنبو طبيعته عن الإقرار به والانقياد له والاعتراف بالرقية والعبودية والطاعة له ويشقّ عليه انقياد ما هو في الحسب والنسب أشرف منه وهذا يبعده في أول الأمر عن الانقياد ، وكذلك إذا رآه يعصي في صغره أو كبره قبل نبوته أو بعد نبوته لم تطمئن نفسه عليه ولم يركن لقبول قوله والاعتقاد بما يخبر عن ربه وسكون القلب عند أقواله وأفعاله إذ له مناسبة مع الشيطان فلم يأمن من أن يتسلط عليه ويفسد عليه أمره ودينه وإيمانه { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث }3 ، ذلك وله أن يقول لو أن الله سبحانه جعل النبوة والرسالة في طائفة شريفة طيبة طاهرة معروفة بالخير والصلاح والسّؤدد والشرف وفي رجل طيب طاهر معصوم منزه عن القبائح والفواحش ما ظهر منها وما بطن كان أحسن وأوفق بالقبول وأحرى بالصواب والسداد , ولا شك أن ذلك أمر ممكن والله سبحانه قادر عليه فلا يعدل عما هو الأحسن إلى الحسن لو فرضنا ذلك حتى لا يقال لو كان كذا لكان أحسن وكان في الواقع أحسن ولو لم يكن هنا مانع أقوى إلا العاجز تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، فدل على أن الذي يدعي النبوة أو الولاية أو الخلافة وهو يعصي أو كان كذلك أو يكون من أرذل الطوائف وأخسها كاذب في دعواه مفتر في مدعاه ليس مبعوث من الإلـه الحي القيوم المنزه عن كل نقص ووصمة وعيب ، ورسوله وجهه وجهته ودليله فلوكان ناقصا ولو كان بوجه من الوجوه لدل على نقصان ذي الوجه سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا ، وأما العارف 
___________________
1 النحل 83 
2 النمل 14
3 الأعراف 175 _ 176
 
 
الناظر بنور الله المستدل بدليل الحكمة فيقطع بأن الرئيس في التبليغ هو الرئيس في التكوين والإيجاد وهو كان مبلغا ومترجما للوحي الوجودي في العالم الأول إلى أن ظهرت الصفات وتكثرت الشئون والإضافات فاقتضى كمال الصنع والإيجاد التكليف والتبليغ الوصفي والظاهر عنوان الباطن والصورة مثال الحقيقة { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ }1 فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك المبلغ في كمال مرتبة النورانية وتكون نسبته إلى رعيته نسبة السراج إلى الأشعة فهومنزه عن كل النقائص والرذائل والكدورات التي في الرعية بل عين كمالات الرعية ونورانيتهم هو بلوغهم مقام النور الإلهي الظاهر فيهم المشرق من إنية الأنبياء فأين توصف الأنبياء بالنقائص الموجودة في رتبتهم ، وذلك النبي إذا تنزل بنوره وظهوره في المراتب النازلة لتتميم الرعية وتكميلهم وتبليغهم إلى غايـاتهم ونهايات كمالهم فهوفي كمال النورانية ، فيطهر آباءه وأمهاته وقبيلته وطوائفه وكل من ينتسب إليه في الجنس والنوع عن الرذائل والدناءات والكدورات والكثافات بفاضل نورانيته كما عرفت آنفا ، ومثل النبي الوصي لأنّ حكمهما واحد وأمرهما واحد ومقتضاهما واحد فإذا وجد أحدهما أو كلاهما من الطائفة الغير المعروفة أو اللئيمة والدنيئة أو أنهما أو أحداهما يعصي مثل سائر رعاياه في مقام البشرية بما هو معصية للرعية يقطع بأنه كاذب لئيم ومفتر خبيث لأن الأثر يدل على المؤثر وإليه أشار ابن أبي الحديد في قصيدته إلى أن قال :
فتى لم يعرّق فيه تيم بن مـرة ولاعبد اللات الخبيثة أعصــر
وما كان معزولا غداة بـراءة ولاعن صلاة أمّ فيهــا فاخرا
وما كان يوم الغار يهفو جنانه حذارا ولا يوم العريش تسـترا

______________________
1 الملك 3
 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:37 am

قوله عليه السلام وأرسله في العرب العرباء
فأتى بعد الانتجاب المنتج من العبودية بذكر الإرسال لبيان قوله أقامه مقامه في سائر عالمه في الأداء ، وهذه الرسالة كلية عامة مطلقة شاملة لكل من ذرأه الله وبرأه من الأعراض والجواهر والماديات والمجردات والصفات والذوات وكينونة الاقتضاءات ، ولهذه الرسالة مقامات كثيرة ومراتب عديدة يضيق بذكرها الدفاتر إلا أني أذكر في هذا المقام إشارة إلى ذلك المرام ما ذكره شيخي ومولاي ومعتمدي وأستاذي أطال الله بقاءه وجعلني في كل محذور فداه في شرحه الشريف على الزيارة الجامعة الكبيرة عند قوله عليه السلام (( وموضع الرسالة )) فإن ما ذكره أطال الله بقاه وافية كافية لمن فهم الكلام وأنا أنقل كلامه الشريف بلفظه وهو وإن عمم الحكم ليشمل الأئمة الطاهرين عليهم السلام لكن الحكم واحد فإن الوصي بدل للنبي في كل الأحكام فالتبعية بدلية .
فقال سلمه الله تعالى ( ولهم في محل الرسالة أربعة مقامات . 
المقام الأول : مقام السر المقنع بالسر ، والثاني مقام المعاني وهو مقام سر السر ولثالث مقام الأبواب وهو مقام السر والسفارة والوساطة والترجمة والرابع مقام الإمامة وقد أشار الصادق عليه السلام إلى هذه المواضع الشريفة والمقامات المنيفة كم رواه محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عنه عليه السلام (( إن أمرنا هو الحق وحق الحق وهو الظاهر وباطن الظاهر  وباطن الباطن وهو السر وسر السر وسر المستسر وسر مقنع بالسر ))1 فأشار إلى المقام الأول بقوله عليه السلام (( وسر المستسر وسر مقنع بالسر )) وإلى المقام الثاني بقوله عليه السلام (( وباطن الباطن وسر السر )) وإلى المقام الثالث بقوله عليه السلام (( وباطن الظاهر وهو السر )) وإلى المقام الرابع بقوله عليه السلام (( وهو الظاهر )) وإلى إلاخيرين بقوله عليه السلام (( وهو الحق )) وإلى إلاولين بقوله عليه السلام (( وحق الحق )) وعنه عليه السلام (( إن أمرنا سر في سر وسر مستسر وسر لا يفيد إلا سر وسر على سر وسر مقنع بسر ))2 )3 .
إلى أن قال سلمه الله ( وفي رواية جابر الإشارة إلى الأولين ، روي عن جابر بن عبد الله عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال (( يا جابر عليك بالبيان والمعاني ، قال فقلت : وما البيان والمعاني ، قال : قال علي عليه السلام أما البيان فهو أن تعرف الله سبحانه ليس كمثله شيء فتعبده ولا تشرك به شيئا ، وأما المعاني فنحن معانيه ونحن جنبه ويده ولسانه وأمره وحكمه وعلمه وحقه إذا شئنا شاء الله ويريد الله ما نريده فنحن المثاني الذي أعطانا الله نبينا ونحن وجه الله الذي يتقلب في الأرض بين أظهركم فمن عرفنا فإمامه اليقين ومن جهلنا فإمامه السجين ولو شئنا خرقنا الأرض وصعدنا السماء وإن إلينا 
____________________
1 بصائر الدرجات 29
2 بصائر الدرجات 28
3 شرح الزيارة الجامعة الكبيرة 1/20


إياب هذا الخلق ثم إن علينا حسابهم )1  .
إلى أن قال سلمه الله ( وذكر الإمام سيد الساجدين عليه السلام الإشارة إلى الكل على ما روي في كتابه أنيس السمراء وسمير الجلساء قال حدثني أحمد ابن عبد الله قال حدثني سليمان بن أحمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا إبراهيم بن محمد الموصلي قال أخبرني أبي عن خالد عن القاسم عن جابر ابن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل (( ثم تلى قوله تعالى { فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }2 وهي والله آياتنا وهذه إحداها وهي والله ولايتنا يا جابر إلى أن قال عليه السلام : يا جابر أو تدري ما المعرفة ، المعرفة إثبات التوحيد أولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الأبواب ثالثا ثم معرفة الإمام رابعا ثم معرفة الأركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا وهو قوله عز وجل { قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا }3 ‏وتلى أيضا { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }4 يا جابر إثبات التوحيد ومعرفة المعاني ، أما إثبات التوحيد فمعرفة الله القديم الغاية الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير وهو غيب باطن كما سنذكره كما وصف به نفسه ، وأما المعاني فنحن معانيه وظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته وفوّض إلينا أمور عباده )) الحديث ، وإنما ذكرته بطوله لما فيه من الأسرار وسنشير إلى بيان بعضها في ما بعد . 
فأما المقام الأول المسمى بإثبات التوحيد وبالسر المقنع بالسر وحق الحق فالإشارة إلى بيانه من إلاحاديث المروية عنهم عليهم السلام كثيرة فمنها ما قـال علي عليه السلام (( لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع 
_________________
1 شرح الزيارة الجامعة الكبيرة 1/21
2 الأعراف 51
3 الكهف 109
4 لقمان 27
 
 
منها )) وقال عليه السلام (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ))1 ، أقول الذي يشير إلى هذا المقام من الحديث الثاني هو الوجه الثالث منه والمراد من هذا المقام الذي هو إثبات التوحيد هو معرفة الله بصفته التي وصف بها نفسه لعباده الذين أراد أن يعرفوه بها وهي صفة محدثة لا تشبه صفة شيء من المخلوقات وهي مقاماته وعلاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان أي في غيبتك وحضرتك من عرفها فقد عرف الله لأنها أمثاله وليس كمثله شيء وفي دعاء كل يوم من شهر رجب عن الحجة عجل الله فرجـه (( فجعلتهم معادن لكلماتك وأركانا لتوحيدك وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك بدؤها منك وعودها إليك )) الدعاء ، فبين عليه السلام أنهم معادن لكلماته يعني أنهم أعضاد لخلقه لأن العلة المادية لجميع الخلق هو شعاع أنوارهم فقد اتخذهم الله سبحانه أعضادا لخلقه يعني يخلق خلقه من شعاع أنوارهم والخلائق من الأسباب والمسببات كلمات الله 
_____________________
1 الكافي 1/184 ح 9


كما قال تعالى { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ }1 فهم عليهم السلام معادن لكلماته وجعلهم سبحانه أركانا لتوحيده لأن المقام الذي لا فرق بينهم وبين الله سبحانه إلا أنه عبده هو ظهوره للعبد بالعبد وهم عليهم السلام تلك المظاهر كما يأتي في التمثيل بالقائم فإنه لا فرق بينه وبين زيد إلا أنه ظهور زيد بالقيام فهو محدث به وركنه القيام فحقيقتهم عليهم السلام كالقيام وظهوره على تلك الحقيقة بها كالقائم والقائم هو المقام الذي يعرف زيدا به من عرف زيدا أي لا يعرف زيدا إلا به ، والمراد أن الله سبحانه لا يعرف إلا بتلك المقامات وهي لا تتحقق إلا بهم وفيهم كما أن القائم لا يتحقق إلا بالقيام هذا معنى قول علي عليه السلام (( لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا )) فهم أركان توحيده وآياته كذلك ومقاماته وكونها لا تعطيل لها لأنها وجه الله قال تعالى { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ }2 وكون الإثبات لا يكون إلا بالخلق لأن ذاته تجل عن إدراك العقول وتوهم الأوهام لأن العقول والأوهام إنما تدرك أنفسها وتشير إلى نظائرها وما ذكرنا من المعرفة هي سبيل معرفتهم التي لا يعرف الله إلا بها ومثال المقام الذي هو رتبة التوحيد القائم كما مر قبل هذا فإنك إذا قلت القائم فهو صفة زيد وهو ظهور زيد بالقيام وليس هو زيد ولم يستتر ضميره فيه وإنما استتر فيه جهة فاعلية قيامه وتلك الجهة قائمة بزيد قيام صدور وقائمة في غيب قائم قيام ظهور وقائم قائم بها قيام تحقق لأنها لا تظهر إلا في قائم وقائم لا يتحقق إلا بها لأنها مبدأ وجود قائم وهي حركة أحدثها زيد بنفسها وليست زيدا وإنما هي حركته فالقائم مثال زيد وظهوره بفعله فإذا أردت أن تعرف زيدا فإنما تعرفه بما أحدث لك من أمثاله ووصفه كالقائم والقاعد والمتكلم وهذا أي المشار إليه والمسمى بزيد وما أشبه ذلك من أمثاله وصفاته وتوصيفاته فتعرفه بما وصف به نفسه وهو ما ظهر لك به من هذه الأفعال والصفات وكلّها غيره وهي وإن كانت مثله بحيث يكون بينهما في جهة التعريف والمعرفة مساواة لرجوع ذلك كله إلى الصفات ، والذات عن ذلك كله بمعزل إلا أنها محدثة به صادرة عنه لا منه 
_________________
1 آل عمران 45 2 البقرة 115
 
 
وهو قوله عليه السلام في الدعاء المتقدم (( لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك )) فافـهم ، فقول علي ابن الحسين عليه السلام في الحديث المتقدم (( وهي والله آياتنا وهذه إحداها )) وذلك في بيانه لقوله تعالى { وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }1 يشير إلى ما ذكرنا وإنهم ذووا الآيات التي جحد بها الكافرون والمشركون وهم الذين نسوهم كما نسوا لقاء يومهم يوم القيامة وهذا المقام كله وهو مقام وإليه يرجع الأمر كله أحد الآيات وهي تلك الفعلة التي فعل بهم حين حرك الخيط الأصفر وهي ولايتهم إلا أن هذا أعلاها لأنه ليس له شبه كما قال عليه السلام (( أما البيان فهو أن تعرف الله سبحانه واحد ليس كمثله شيء فتعبده ولاتشرك به شيئا )) أما أن ذلك ليس كمثله شيء فلأنه وصف الحق سبحانه نفسه للعباد فلا يشابه شيئا من الخلق ، وأما أنك تعبده فلأنك تعبد الله الظاهر لك به حتى أنه غيّبه عن نفسه وعن المخلوقات فلا يتوجه العابد إلا إلى الذات مع أنه أبدا لا يجدها حيث لا يفقدها ولايفقدها حيث لا يجدها أبدا فهذا مقام السر المقنع بالسر وحق الحق وهو البيان والتوحيد وهذا المقام لهم حيث لم يجدون أنفسهم شيئا ووجدوا الله ظاهرا في كل شيء قد جعله دكا ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها كان وحده ولا يسمع فيها صوت إلا صوته وهذا المقام لا يكون موضع الرسالة لأنه مصدر الإرسال فكيف يكون موضع الرسالة إلا باعتبار فرض المغايرة ولهذا اعتبرناه وجعلناه الأول .
والمقام الثاني مقام المعاني وباطن الباطن وهو السر وسر السر وسر على السر وحق الحق وهوكونهم عليهم السلام معانيه تعالى يعني علمه وحكمه وأمره .. إلخ ، يعني علمه الذي وسع السموات والأرض وحكمه على كل الخلق ونعمه على جميع خلقه وخيره الذي منّ به على جميع الخلائق وجنبه الذي لا يضام من التجأ إليه وذمامه الذي لا يطاول ولا يحاول ودرعه الحصينة وحصنه المنيعة ورحمته الواسعة وقدرته الجامعة وأياديه الجميلة وعطاياه الجزيلة ومواهبه العظيمة ويده العالية وعضده القوية ولسانه الناطق وأذنه 
_____________________
1 فصلت 15
 
 
السميعة وحقه الواجب وهذا مثل قولك قيام زيد وقعوده وحركته وسكونه وتسلطه وأياديه وامتنانه ومعاقبته وأمثال ذلك فهذه معاني زيد ، فقولهم عليهم السلام (( نحن معانيه )) كما تقدم في حديث جابر يراد منه نحو ما أشرنا إليه لأن هذه المعاني بالنسبة إلى الذات ليست شيئا إلا بالذات فلا تحقق لها إلا بالذات ، وأما تذوتها بالنسبة إلى آثارها وأعراضها فهي بالنسبة إلى الذات أسماء معان بهذا المعنى وبالنسبة إلى آثارها أعيان وذوات قائمة على آثارها وأعراضها بما قبلت من إمداداتها ولا معنى بالذات والعين إلا هذا ، فهم عليهم السلام في هذا المقام أعلى مقامات موضع الرسالة إلا على الاعتبار الأول لأنه مطارح إرسالات مواد الحياة الوجودية من الماء الإلهي والنفس الرحماني الثانوي في إيجاد الشرعيات الوجودية وإيجاد الوجودات الشرعية وهذا هو الدواة الأولى وهو ن والقلم وما يسطرون والماء الذي جعل منه كل شيء حي والكتاب الأول ومفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهوأرض الجرز والزيت الذي يكاد يضيء ولم تمسسه نار . 
والمقام الثالث مقام الأبواب وباطن الظاهر وسر لا يفيده إلا سرّ والسّفارة إلى الله وترجمة وحي الله ، وبيانه أنه إذا وقع الماء الأول على أرض الجرز والبلد الميت ، وبعبارة أخرى إذا استضاء الزيت من النار ، وبعبارة أخرى إذا وقعت الدلالة من الكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر على المعنى الميت في قلب العبد المؤمن ، ظهر على العبارة الأولى الزرع والنبات الطيب وعلى الثانية المصباح وعلى الثالثة المعنى ، والمراد من الزرع والنبات والمصباح والمعنى شيء واحد وهو الاسم الذي أشرقت به السموات والأرضون وهو المعبر عنه عند أهل الإشراق بالعقل الكلي وعند أهل الشرع بالقلم والعقل المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم وقد يطلق عليه الروح من الروح المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما استوى عليه الرحمن أودع فيه غيوب الأشياء وهي معاني جميع الخلق فهو باب الله إلى خلقه ولما أمر العقل فقال له أدبر فأدبر ثم قال له أقبل فأقبل أخرج منه رقائقها وصورها إلى قوابلها فيما لا يزال فهو باب الله إلى خلقه ، ولما تهيأت القوابل لقبول حياتها وجميع ما لها من ربها وقبلت كان ذلك القبول بواسطته فهو باب الخلق إلى الله فلما أمرهم الله بطاعته وامتثلوا أمره قبل أعمالهم بواسطته والتوجه به إلى الله فرفع به أعمالهم فهو باب الخلق إلى الله وهذه الواسطة والترجمة والسّفارة عامة في جميع الوجودات الشرعية والشرعيات الوجودية ، فهم عليهم السلام في هذا المقام موضع الرسالة بالنسبة إلى المقام الأول وهم محل وحيه ومهبط نوره ومسقط نجومه وهكذا بالنسبة إلى المقام الثاني هم حفظة شريعته وموضع رسالته الثاني من الأول ليترجموا لمن دونهم إلامدادات ممن هو فوقهم .
والمقام الرابع مقام الإمامة وهو الحق وهو الظاهر وهو السر المستسر وهو مقام حجة الله على خلقه وخليفته في أرضه افترض طاعته على جميع خلقه جعله الله قيّماً على العباد وحفيظا وشاهدا وداعيا إلى الله وهاديا إلى سبيله ووجهه الذي يتقلب في الأرض وعينه الناظرة في عباده ، فكّاك الأزمات المعضلة وفاتح الحصون المقفلة والقصر المشيد والبئر المعطّلة ، ملجأ الهاربين وعصمة المعتصمين وأمن الخائفين وعون المؤمنين ، فالإمام في مقام الإمامة هذا هو موضع الرسالة )1 انتهى كلامه أعلى الله مقامه ورفع شأنه وأعلى كلمته إنما ذكرته بطوله لما فيه من الأسرار مما أردنا بيانه وقد ذكر أطال الله بقاه جميع أنواع الرسالة وفيما ذكره كفاية لأولي الفهم والدّراية . 
ثم اعلم أن حكم الله سبحانه في الإيجاد على جهة الإطلاق لما كان على نهج التكليف وهو يستلزم الرسول ينقسم التكليف والرسول على قسمين تكويني وتشريعي والشريعة والكتاب أيضا كذلك والمجموع إلى قسمين عام وخاص ، والعام إلى قسمين إضافي وحقيقي فأجر هذه المذكورات فيما ذكره شيخنا أطال الله بقاه من المراتب المذكورة ينتج لك المطلوب وتطلع على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر وتفهم أن محمدا صلى الله 
_____________________
1 شرح الزيارة الجامعة 1/22 _ 27 , ولعل ما بين الأقواس شرح وبيان من المصنف أعلى الله مقامه لأنا لم نجد هذه العبارات في شرح الزيارة .
 

عليه وآله وسلم في كل مقام وكل رتبة تفرض سيد السابقين وإمام الفائقين ولا يسبقه سابق ولا يلحقه لاحق ولا يطمع في إدراك مقامه طامع .
والإشارة إليه أكثر مما بين سلّمه الله تعالى وبينا فصح بالحكمة قوله عليه السلام (( في العرب العرباء )) ، العرب هو الفصيح الكامل البالغ في الفصاحة الواصل كمال درجة التوحيد المحدود بحدود الإيمان المصوّر بصورة الإنسان البعيد عن جهة الطغيان ومقتضيات الشيطان ، ولذا نزل القرآن باللغة العربية ولذا كانت لغة أهل الجنة العربية وقد قال الإمام الصادق عليه السلام (( إن شيعتنا العرب وعدونا العجم ))1 قال الله تعالى { قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }2 ، وفي الحديث على ما رواه في المجمع أن (( من ولد في الإسلام فهو عربي )) وفيه (( الناس ثلاثة عربي وموالي وأعلج فأما العرب فنحن وأما الموالي فمن وإلانا وأما العلج فمن تبرأ منّا وناصبنا )) وفي حديث آخر (( نحن قريش وشيعتنا العرب وعدوّنا العجم ))3 وقد سمعت عن بعض المشايخ أنه قال أنّ أمرؤ القيس لما حضرته الوفاة كان يتكلم بالفارسية ويؤيده ما رواه في البحار عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه عليه السلام أخرج رجلا من قبره بعد موتـه حيّا وكان يتكلم بالفارسية فسأله عليه السلام عن ذلك مع أنه مات عربيا قـال لما مت على غير موالاتك انـقلب لساني إلى ما 
__________________
1 معاني الأخبار 403 
2 الزمر 28
3 مجمع البحرين 2/118

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:39 am



ترى ))1 وقد ورد عنه عليه السلام على ما في العيون أن أهل النار يتكلمون باللغة المجوسية .
وبالجملة فالعرب هو الصفوة والمختار في كل عالم وهو المؤمن الحقيقي الطيب الطاهر المحدود بالصورة الإنسانية في كل مقام بحسبه ، ففي النباتات الأشجار الطيبة ، وفي المعادن معادن الجواهر واليواقيت ، وفي الحيوانات هي النافعة الطاهرة الغير المؤذية بأنواعها ، وفي الإنسان هو الباقي على أحسن التقويم ، وفي العالم الكلي هي السموات ، وفي المجرّدات العقول والملائكة وهكذا مؤمنوا الجن ، وكل عالم على هذا الترتيب ، والعجم أضداد ذلك كله والأصل في ذلك أن الله سبحانه لما أقام الخلق في العوالم الأول في الذرات وكلفهم ألست بربكم فمنهم من قال بلى ومنهم من قال نعم ، فـالأولون هم الأول والآخر ون هم الثاني ، أما الأول فمن جهة اللفظ والمعنى . 
أما الأول فلأن العرب هو الظهور والفصاحة والمعرفة وهذا شأن
__________________
1 لعل المصنف أعلى الله مقامه وأنار الله في الدارين أعلامه ذكر هذه الرواية عن البحار بالمعنى ونحن نذكرها هنا بالنص ففي البحار 41/216 ح 29 روي أنه عليه السلام كان يطلب قوما من الخوارج فلما بلغ الموضع المعروف اليوم بساباط أتاه رجل من شيعته وقال : يا أمير المؤمنين أنا من شيعتك وكان لي أخ وكنت شفيقا عليه فبعثه عمر في جنود سعد بن أبي وقاص إلى قتال أهل المدائن فقتل هنالك فأرني قبره ومقتله , فأراه إياه فمد الرمح وهو راكب بغلته الشهباء فركز القبر بأسفل الرمح فخرج رجل أسمر طويل يتكلم العجمية , فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : لم تتكلم بالعجمية وأنت رجل من العرب , قال : إني كنت أبغضك وأوالي أعداءك فانقلب لساني في النار , فقال : يا أمير المؤمنين رده إلى حيث جاء فلا حاجة لنا فيه , فقال له أمير المؤمنين عليه السلام , ارجع فرجع إلى القبر , فانطبق عليه )) . 
 

المقربين ، لأن الله سبحانه هو الظاهر المعروف الذي لا خفاء فيه ولا نكارة بوجه من الوجوه ، فكل من تخلق بأخلاقه وسلك سبيله ذللا أجرى عليه حكمه كما قال (( أطعني أجعلك مثلي )) ، ولما كانت الألفاظ بينها وبين معانيها مناسبة ذاتية وجب أن يكون الموسومون بهذا الاسم كذلك ، والعجم عدم الفصاحة والبكم في مقابلته فيجب فيه في المعنى أيضا حكم المقابلة .
وأما الثاني فلما ذكرنا من الأخبار الدّالة على أن المؤمن هو العرب وأن أهل الجنة يتكلمون باللغة العربية ولما سنذكر إنشاء الله ، فلما أجابوا في العالم الأول فأمد الله سبحانه المقرّين المطيعين بالطينة العلّييّن ومن الماء النازل من شجرة المزن المغروسة تحت بحر الصاد ، وأمد المنكرين الكافرين بطينة السجين ومن الدخان المتصاعد من شجرة الزقوم طلعها كأنه رؤوس الشياطين المغروسة فوق بحر الطمطام قعر السجين أسفل السافلين نعوذ بالله من ذلك ، ثم كسرهم الله سبحانه تحت الحجاب الأحمر ورجعهم إلى الطين ومزج بين الطينتين وأنزلهم إلى هذا العالم الجسماني حصل لطخ وخلط فيهما فصارت طينة سجين اختلطت لطخا لا أصلا بطينة علّيّين وبالعكس فظهر مقتضى ذلك اللّطخ والخلط في الطينتين على مقدارهما في اللطخ فمن طيّب في الذات طاهر في الطوية والجبلة ظهرت عليه باللطخ آثار العجمية كالمعاصي والشرور والسيئات في الأعمال التشريعية والتكوينية ، فظهر في التكوين على صور معوجّة وهيئة منقلبة غير مستقيمة ومن ذلك اللسان واللغة الغير العربية فإنها منبئة عن اعوجاج الفطرة إما ذاتا أو لطخا وخلطا ، لكن الغالب في الغالب آثار العربية كإلايمان والصلاح والتقوى وأمثال ذلك ، ومن خبيث في الذات وباطل في الطوية والجبلة قد ظهر فيه مقتضى اللطخ الطيب الطاهر وهي الآثار العربية من الصورة الإنسانية واستقامتها وحسنها وجودة تركيبها وكونه على اللغة العربية فإنها منبئة عن حسن الفطرة والطويّة إما باللطخ أو بالذات فتبقى أحكام هذا اللطخ على مقدار قوته وضعفه ، إلى أن تصفوالطّين بفتح الياء إما بالموت الظاهري أو الباطني فيرجع كلّ إلى أصله من العربية والعجمية ، فرجوع العرب إلى الجنة ورجوع العجم في النار فلا يفتخر إذاً الذي عنده اللغة العربية أو نسبه إليها على الذي عنده اللغة العجمية إذ قد يكونان عرضيين في الاثنين ، فالفخر في الفقر إلى الله والتوكل عليه وملازمة التقوى والبذل على الفقراء والجود والسخاء فهذه هي الصفات العربية ومقابلها الصفات العجمية ، وأما اللسان فإنه ينقلب إذا حان حينه وبلغ الكتاب أجله، وأما النسبة { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ}1 أما سمعت قوله تعالى { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ }‏2 أما سمعت ما قال مولانا الكاظم عليه السلام في علي بن يقطين إنه ولدي مع أن بني أمية من ورد عليهم اللعن قاطبة خصوصا يقطين قد لعنه الصادق عليه 
____________________
1 المؤمنون 101
2 هود 46


السلام وما تولد منه وقد أجمل الله تعالى القول في كتابه فقال { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }1  . 
فإذ قد علمت شرافة العرب بالنوع وأنهم بيت الشرف والسؤدد وبيت الحمية والمروّة وبيت الوفاء والسخاوة وبيت الاستغناء وعدم الدّناءة ، فاعلم أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ظهروا في الكينونية العليا وفازوا بالنصيب الأوفى والحظ الأعلى وبقوا في كل مقام صفة الله إلا أنهم في مقام ارتفعوا بالفاعلية وفي الآخر انتصبوا بالمفعولية وأما الكسرة فما اتصفوا بها لأنهم ما انخفضوا وما ولوا إلا لأفعال التي لا تعمل إلا الرفع والنصب وأما الجر فلا تعمله إلا بحرف الجر إما مذكورا أو مقدرا ، فهم عليهم السلام ما ولوا الحروف الجارة أبدا فما انخفضوا وما انكسروا ولم تزل ألوية ضمهم بالله { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ }‏2 ، لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك على العالمين مرفوعة وأعلام نصرهم وفتحهم على جبال الهدى منصوبة ، فهم عليهم السلام وصف الله وصفة الله ودليل الله ونصر الله ولسان الله في كل مقام من المقامات ، فظهروا في كل مقام حاكيا لظهور الربوبية المستدعية للخلافة والولاية الكلية ، ولما كان ما ينسب إلى الحق سبحانه في كل عالم يجب أن يكون أشرف ما في ذلك العالم بحيث لا يتصور أشرف منه وكانوا سلام الله عليهم نسبة الرب وصفته والمنسوبين إليه سبحانه وجب أن يظهروا في كل عالم وفي كل مقام أشرف ما في ذلك العالم ، فظهروا سلام الله عليهم في العالم الجسماني في أشرف الصور في الصورة الإنسانية وفي أشرف البيوت بيت العرب وفي أشرف طوائفها قريش وفي أشرف طوائف قريش بني هاشم في أشرف أولاد عبد المطلب عبدالله وأبي طالب ، فهم عليهم السلام العرب العرباء أي الخالص عن الشوائب العجمية بجميع أنحائها ومراتبها دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها وهذا الخلوص ما تمحض فيه أحد 
___________________
1 الحجرات 13
2 النساء 80

سواء عليهم السلامكما شهد لهم الحق بذلك وقال { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ }1 وقال تعالى { وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ }2 وهذا الفتور حكم عام يشمل التكوين والتشريع والذوات والصفات والأفعال وسائر الأدوات وهم الذين صرفوا ما خلق الله لأجل ما خلق الله وما فتروا فكانوا بذلك صفوة المرسلين في ظاهر البشرية تكوينا وتشريعا علما وعملا ظاهرا وباطنا سرا وعلانية وهذا معنى كلام أهل الصناعة الفلسفية إن العرب لا تحمل الصخور وهي الغرائب والأعراض المضادة للطبيعة التي يجب على الإنسان أن يدفعها ويرفعها كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (( فإذا فارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد )) .
فالعرب العرباء عندهم هي المياه الخمسة التي هي الماء الأبيض الرقيق ذو الوجهين وذو جسدين كوكب عطارد أو زحل أو مريخ والماء الأبيض الغليظ ظهر أشبه الأشياء بالزئبق وهي هرمس الحكيم والشيخ العليم والوصي الكريم والماء الأصفر البراق المتلألئ اللامع فاقع لونها تسر الناظرين وذلك عند ظهور الحرارة المشوبة بالأجزاء المائية والماء الأحمر الصافي الحار الذي يغلي وهو الفتى الكرشي وظاهر المريخ والماء الأحمر الصبغ الشمسي الذي عليه مدار رحى العمل وهذا هو الأصل والحاكم الرئيس على المياه كلها والمتولي لدائرتها ، فالماء الأبيض الأول إشارة إلى الليلة المباركة إنما كانت ماء لسرعة قبولها إلى طاعة ربها وأن بها الحياة التي من الماء الذي به كل شيء حي وعندها 
__________________________
1 الأنبياء 26 _ 29
2 الأنبياء 19 _ 20


التفصيل والتقدير قال تعالى { كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ }1 هي فاطمة الزهراء عليها السلام على أبيها وبعلها وبنيها وعليها آلاف التحية والثناء ، ولذا أتى سبحانه وتعالى بالقمر والليل والصبح القريب بهما في الحكم والتأثير ولذا أشير إليها بالماء الأبيض لأن البياض من البرودة والرطوبة وهي طبيعة القابلية وهي عليها السلام علّتها ومنها نشأت ، وإنما كان الماء ذا الوجهين وجه إلى الشمس ووجه إلى القمر لأنها عليها السلام كذلك لها وجه إلى النبوة وهي الشمس البازغة ووجه إلى الولاية وهي القمر المنير فهي فلذة كبد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقرّة عين الولي منه خلقت وعلى هيئته استقامت وعلى طبيعته وطويته نشأت واستولت عليها السلام . 
والماء الأبيض الغليظ إشارة إلى الولي وإلى الكتاب المبين وإلى الإمام المبين ولذا يعبرون عنه بيوشع بن نون ، وإنما كان ماء لنفوذه وسريانه في جميع أقطار الوجود في الغيبة والشهود والرطوبة الحاملة لأثر نار الإرادة الناضجة للقوابل والأكوان لقبولها فيوضات الإحسان وإمدادات الامتنان ، ولما كان لإصلاح القابلية فالمناسب لإصلاحها الماء البارد الرطب كما تقدم ، فظهر الولي بصفة الماء في فلك القمر على فلكه الجوزهر وأشار بغلظة الماء إلى الحرارة الكامنة المحفوظة فيه التي بها قوام الأكوان والأعيان وقد أشار إليه مولانا الباقر عليه السلام بقوله (( أن القمر له سبع طبقات طبقة من نور النار والأخرى من صفاء الماء )) فالطبقة الظاهرة منه المقابلة للعالم من صفاء الماء ولذاظهرت البرودة بواسطته في العالم وأما هو في الباطن ففيه من نور النار بعكس الشمس وهذا سر غلظة الماء الزئبقي . 
____________________
1 المدثر 32 _ 37


والماء الأصفر هو إشارة إلى سيدنا ومولانا الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فإنه عليه السلام ظهر بأحكام النور الأصفر حيث حقن دماء المسلمين وأحياهم بفاضل نوره ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا ولأنه عليه السلام تجرع مرارات الغصص حيث غلبت في دولته وخلافته الظلمة فكان يرى حكم الله مبدلا وكتابه منبوذا وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متروكة وشرائعه محرّفة ويمنع عن منع الظلم وسد الثلم وإصلاح الفاسد وكسر المعاند وإحياء السنن حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو شهيد وهو السر في أن لونه الشريف عند وفاته عليه السلام مال إلى الخضرة وقصره عليه السلام في الجنة من زمردة خضراء لأن النور الأصفر له جهتان جهة إلى النور الأبيض والأخر ى إلى النور الأخضر ولذا كني عليه السلام بأبي محمد إشارة إلى النور الأبيض فإنه ورث سؤدد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتمكين والوقـار المنبئين عن قوله تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ }1 ليظهر أمره عليه السلام لظهور الأمر في زمان جده صلى الله عليه وآله وسلم من حكم الاغتشاش والاختلاط وكني علي عليه السلام بأبي الحسن إشارة إلى النور الأخضر فإن عليا عليه السلام هو أبو تراب فعند انتساب النور الأصفر إليه يتحقق النور الأخضر وهذه التكنية لبيان قعوده عليه السلام عن الحرب أولا كالحسن عليه السلام ثانيا أي بعد القيام فقعد علي عليه السلام عن الحرب لكونه أبا الحسن فذو القعدة منسوب إلى مولانا الحسن عليه السلام ، وقام عليه السلام بالأمر ظاهرا لأنه له الحجة البالغة والولاية الكاملة لكونه أبا تراب وشهره ذو الحجة فاستشهد عليه السلام لا في معركة القتال بل على الخديعة والاحتيال لكونه أبا الحسين عليه السلام وتحمّل الأذى في جنب الله وتجرع مرارات الغصص لكونه أبا الحسنين عليهم السلام وأنشد هذه الخطبة وأمثالها مما يشابهها ويشاكلها لكونه أخا لرسول الله وابن عمه صلى الله عليه وآله وسلم فافهم ما أشرنا عليك من السر والحق والكبريت الأحمر ، فأجر 
__________________
1 النساء 77
 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:41 am

كل هذه المراتب في الباطن لأن ظاهرهم طبق باطنهم وسرهم عين علانيتهم ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلاف كثيرا .
والماء الأحمر إشارة إلى مولانا سيد الشهداء وسند الأصفياء جعلني الله فداه عليه آلاف التحية والثناء من الله الرب الأعلى وهو عليه السلام مهيج نوائر الأشواق وباعث دواعي الأذواق ومستنطق سرائر الفساق والمالي بنور بركة ظهوره كل الآفاق والمقرب للشمس الحقيقية إلى أفق الظهور لظهوره على الدين كله بإلاشراق وهو الصبح المشهود الظاهر بحمرة الشفق قال الله تعالى ‏{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا }1 وقال مولانا الصادق عليه السلام ما معناه أن سورة الفجر سورة الحسين عليه السلام من واظب عليها في فرائضه أو نوافله حشره الله تعالى مع الحسين عليه السلام وقد دلت أحاديثنا وكلام مخالفينا كالشافعي وأمثاله أن الحمرة الظاهرة في الأفق لم تكن قبل قتل الحسين لعن الله قاتله فهو عليه السلام النور الأحمر الذي منه احمرّت الحمرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( حسين مني وأنا من حسين )) وهو عليه السلام الشمس كما نبين إنشاء الله والغالب عليها الحرارة واليبوسة لأنها مرتبة للمواد ومفلحة لأراضي الاستعداد وأشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا المعنى بألطف إشارة (( إني أعطيت الحسين غيرتي وشجاعتي )) والشجاعة هي القوة الحرارة الغريزية في الإنسان في غاية الاعتدال وحسن الحال ، والحرارة الغريزية هي وجه فاعلية الله سبحانه الظاهرة في في الكواكب الظاهرة بها في القلب الظاهر في الحرارة الغريزية والفاعلية طبعها ولونها طبع 
___________________
1 الإسراء 78


النار ولونها قال الله تعالى { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }1‏ فافهم الإشارة ، والصبغ الأحمر إشارة إلى المشمس المشرقة والنار المحرقة والأزلية الثانية وهي الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ }‏2 والشجرة هي الشجرة المباركة التي على سواء جبل طور سيناء ولذا ليست بشرقية ولاغربية تنبت بالدهن وصبغ للآكلين وهي صبغة الله التي في القرآن { صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ }3 وهومادة الإكسير الأحمر وكل تلك المياه إنما هي متفرعة عنه ومأخوذة منه فلما أخذت تلك المياه المطهرة يبقى الثفل الذي هو الأرض المقدسة منتنة كثيفة نجسة ملوثة بدرن معاصي القوم الجبارين وهي الصخور التي لا يقدر أن يحملها العرب فوجب تطهير تلك الأرض لأن تستقر تلك المياه فيها ليظهر مقام الفاعلية وتظهر أخت النبوة وعصمة المروة فيعالجون في تطهيرها بإرسال الأبيض الغربي إليها مرآة عديدة إلى أن تطهر وتصير كسحالة الذهب فهناك تسقى بالمياه ليظهر القمر ثم إلى أن تطلع الشمس ، وكذلك الأمر في باطن الصنع لما سُلّت تلك الصفوة الطاهرة من طين العليين النازلة من قطرات شجر المزن عن الأرض ، ففي عالم الأجساد هذه الأرض المعروفة ، وفي عالم الأجسام أرض النفوس ، وفي عالم العقول البلد الميت ، وفي عالم الإمكان الأرض الجرز وأرض الإمكان الراجح ومقامات الوجود المطلق ، وتلك الأرض المقدسة التي سُلّت منها تلك الأنوار الطيبة والمياه الطاهرة المطهرة الجارية من بحر الصاد أي جنان الصاقورة تحت العرش الواردة على تلك الأرض المقدسة وهي وإن كانت واحدة إلا أنها ظهرت في خمس أماكن أرض مكة وأرض المدينة وأرض الكوفة وحائر سيدنا الحسين عليه السلام وأرض بيت المقدس التي هي أرض الشام ، وهذه الأراضي الطيبة كالقطب السائر في جميع الأراضي وكلها منوطة بها ومتفرّعة عليها ، وهذه الخمسة هي كفّ الحبيب ويد الله العليم وأرض العرب ، لكنه 
__________________
1 النور 35
2 المؤمنون 20
3 البقرة 138
 
 
لما سُلّت منها تلك الأنوار الطيبة ظهرت نتن إنيّتها التي كانت مستهلكة زائلة مضمحلة عند استجنان تلك الأنوار والمياه الطاهرة والقوى الفعالة فصارت أنتن الأراضي وأقلها نفعا ومسكنا للقوم الجبارين ، ولذا ترى ما في تلك الأراضي الطيبة إما غور المياه ويبس الأشجار وعدم نضج الأثمار وملوحة الماء وسباخة الأرض وحرارة المحل وقساوة الأهل وخباثة الوالي ، وقد ظهرت شناعة أهل الشام ورذالتهم ودناءتهم وخباثتهم وكفرهم بالله وإيذائهم لآل الله وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما ملأ الأصقاع وخرق الأسماع وليس لأحد من أهل الحق والباطل في ذلك نكير ، ومع ذلك كله ورد عن مولانا الصادق عليه السلام في حديث وجدته في نسخة قديمة عتيقة من مؤلفات بعض أصحابنا وأنا أشهد بحقيقته لما ظهر لي من قرائن الصدق فيه أن أهل الشام أحسن من أهل مكة ، وأهل مكة أحسن من أهل المدينة وأهل مكة يكفرون بالله في كل يوم سبعين مرة وأهل الشام ولم أذكر الآن لفظ الحديث ، ويكفي أهل الكوفة ذمّا وخسرانا ما قال فيهم أمير المؤمنين عليه السلام (( لوددت والله أن معاوية صارفني بكم الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم ))1 ولا ذمّ أزيد من ذلك ، وأما أهل حائر الحسين عليه السلام فأسوأ حالا وأشنع أعمالا وأقبح أقوالا وهؤلاء هم القوم الجبارون وهم ريش الغراب في قولهم أزل ريش الغراب ليكون عقابا ، ولما كان موسى عند محاربة القوم الجبارين بعث وصيه يوشع بن نون إليهم ، وكذلك الصبغ الأحمر بعث وصيه وهو مادة الصبغ الأبيض الماء الأبيض الغليظ البرّاق الشفاف اللامع المتلألئ إلى تلك الأرض مسكن الأوساخ والكدورات التي هي القوم الجبارون لتطهيرها وتصفيتها وإصلاحها وذلك أيضا عبارة عن قوم موسى عشرة أيام تتميما لأربعين يوما ، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر عليا عليه السلام والطيبين من أولاده بالإمساك وتطهير تلك الأرض المتوقفة عليها كل الأراضي في عالم الإمكان بالهون والـبرودة والـرطوبة أو الحرارة والـرطوبة لا النار التي هي الحرارة 
__________________
1 شرح النهج 7/70
 
 
واليبوسة وإلا لاحترقت وذابت وانعدمت وهوقوله تعالى حكاية عن هارون { إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي }1‏ وهذا معنى أخذ موسى بلحية هارون وجره إليه وقوله له { ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء }‏2 فافهم الإشارة فإن الكلام في هذا المقام عجيب قال الشاعر:
ضاع الكلام فلا سكوت معجب
فهؤلاء الصفوة عليهم السلام هم العرب العرباء بكل معنى في كل عالم مما أشرنا إليه وما لم نشر إليه ، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول إلى الخلق فيهم ومن بينهم لما فيه من السر المعنوي والحرف الغيبي الذي لم يطلع عليه بسرائرهم وضمائرهم بصافي طويتهم وجبلّتهم { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }‏3 وهو صلى الله عليه وآله وسلم المنتجب منهم فهو صلى الله عليه وآله وسلم صفوة صفوة الصفوة وبهذا حاز مقام السبق وتفرد في الوسيلة على المرقاة الأعلى الأعلى الأعلى ووقف علي عليه السلام تحته بمرقاة صلى الله عليه وآله وسلم .
___________________
1 طه 94
2 الأعراف 150
3 الأنعام 124
 
 
قال عليه السلام وروحي له الفداء:
ابتعثه هاديا مهديا حلاحلا طلسميا ، فأقام الدلائل وختم الرسائل  نصر به المسلمين وأظهر به الدين  صلى الله عليه وآله الطاهرين
قوله عليه السلام (( ابتعثه )) إشارةإ لى قوله عليه السلام في الحديث (( فاستنطقه )) وقد أشار إلى هذا الاستنطاق والانبعاث مما من الله ومما منه عليه السلام أشار إلى بيانه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام على ما في كتاب الأنوار لأبي الحسن البكري أستاذ الشهيـد الثاني عنـه عليه السلام أنه قال (( كان الله ولا شيء معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسموات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربع مائة ألف عام ، فلما خلق الله تعالى نور نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقي ألف عام بين يدي الله عز وجل واقفا يسبحه ويحمده والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول يا عبدي أنت المراد والمريد وأنت خيرتي من خلقي وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت آلاف لاك من أحبك أحببته ومن أبغضك أبغضته فتلألا نوره وارتفع شعاعه فخلق الله منه اثني عشر حجابا أولها حجاب القدرة ثم حجاب العظمة ثمّ حجاب العزة ثم حجاب الهيبة ثم حجاب الجبروت ثم حجاب الرحمة ثم حجاب النبوة ثم حجاب الكبرياء ثم حجاب المنزلة ثم حجاب الرفعة ثم حجاب السعادة ثم حجاب الشفاعة ، ثم إن الله تعالى أمر نور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدخل في حجاب القدرة فدخل وهو يقول سبحان العلي الأعلى وبقي على ذلك اثني عشر ألف عام ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة فدخل وهو يقول سبحان عالم السر وأخفى أحد عشر ألف عام ثم دخل في حجاب العزة وهو يقول سبحان الملك المنان عشرة آلاف عام ثم دخل في حجاب الهيبة وهو يقول سبحان من هوغني لا يفتقر تسعة آلاف عام ثم دخل في حجاب الجبروت وهو يقول سبحان الكريم الأكرم ثمانية آلاف عام ثم دخل في حجاب الرحمة وهو يقول سبحان رب العرش العظيم سبعة آلاف عام ثم دخل في حجاب النبوة وهو يقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون ستة آلاف عام ثم دخل في حجاب الكبرياء وهو يقول سبحان العظيم الأعظم خمسة آلاف عام ثم دخل في حجاب المنزلة وهو يقول سبحان العليم الكريم أربعة آلاف عام ثم دخل في حجاب الرفعة وهو يقول سبحان ذي الملك والملكوت ثلاثة آلاف عام ثم دخل في حجاب السعادة وهو يقول سبحان من يزيل الأشياء ولا يزول ألفي عام ثم دخل في حجاب الشفاعة وهو يقول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ألف عام ، قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إن الله تعالى خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم عشرين بحرا من نور في كل بحر علوم لا يعلمها إلا الله تعالى ثم قال لنور محمد صلى الله عليه وآله وسلم انزل في بحر العز فنول ثم في بحر الصبر ثم في بحر الخشوع ثم في بحر التواضع ثم في بحر الرضا ثم في بحر الوفاء ثم في بحر الحلم ثم في بحر التقى ثم في بحر الخشية ثم في بحر الإنابة ثم في بحر العمل ثم في بحر المزيد ثم في بحر الهدى ثم في بحر الصيانة ثم في بحر الحياء حتى تقلب في عشرين بحرا فلما خرج من آخر الأبحر قال الله تعالى يا حبيبي ويا سيد رسلي يا أول مخلوقاتي ويا آخر رسلي أنت الشفيع يوم المحشر فخرّ النور ساجدا ثم قام فقطرت منه قطرات كان عددها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة فخلق الله تعالى من كل قطرة من نوره نبيا من الأنبياء ، فلما تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما يطوف الحجاج حول بيت الله الحرام وهم يسبحون الله ويحمدونه ويقولون سبحان من هو عالم لا يجهل سبحان من هو حليم لا يعجل سبحان من هو غني لا يفتقر فناداهم الله تعالى تعرفون من أنا فسبق نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الأنوار ونادى أنت الله الذي لا إلـه إلا أنت وحدك لا شريك لك رب الأرباب وملك الملوك فإذا بالنداء من قبل الحق أنت صفي وأنت حبيبي وخير خلقي أمتك خير أمة أخرجت للناس ، ثم خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم جوهرة وقسّمها قسمين فنظر إلى القسم الأول بعين الهيبة فصار ماء عذبا ونظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء فخلق الكرسي من نور العرش وخلق من نور الكرسي اللوح وخلق من نور اللوح القلم وقال له اكتب توحيدي فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله تعالى فلما أفاق قال اكتب قال يا رب وما اكتب قال اكتب لا إله إلا الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله فلما سمع القلم اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم خرّ ساجدا وقال سبحان الواحد القهار سبحان العظيم الأعظم ثم رفع رأسه من السجود وكتب لا إله إلا الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله ، ثم قال يا رب ومن محمد الذي قرنت اسمه باسمك وذكره بذكرك ، قال الله تعالى له : يا قلم فلولاه ما خلقتك ولاخلقت خلقي إلا لأجله فهو بشير ونذير وسراج منير وشفيع وحبيب فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قال القلم : السلام عليك يا رسول الله فقال الله تعالى : وعليك السلام منّي ورحمة الله وبركاته ، فلأجل هذا صار السلام سنة والرد فريضة ، ثم قال الله تعالى اكتب قضائي وقدري وما أنا خالقه إلى يوم القيامة ، ثم خلق الله ملائكة يصلّون على محمد وآل محمد ويستغفرون لأمته إلى يوم القيامة ، ثم خلق الله تعالى من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجنة وزيّنها بأربعة أشياء التعظيم والجلالة والسخاء والأمانة وجعلها لأوليائه وأهل طاعته ، ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت فخلق من دخانها السموات ومن زبدها الأرضين ، فلما خلق الله تبارك وتعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسفينة ، فخلق الله الجبال فأرساها بها ثم خلق ملكا من أعظم ما يكون في القوة فدخل تحت الأرض ثم لم يكن لقدمي الملك قرار فخلق الله صخرة عظيمة وجعلها تحت قدمي الملك ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق الله له ثورا عظيما لم يقدر أحد ينظر إليه لعظم خلقته وبريق عيونه حتى لو وضعت البحار كلها في إحدى منخريه ما كانت إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة فدخل الثور تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه واسم ذلك الثور لهوتا ثم لم يكن لذلك الثور قرار فخلق الله له حوتا عظيما واسم ذلك الحوت بهموت فدخل الحوت تحت قدمي الثور فاستقر الثور على ظهر الحوت فالأرض كلها على كاهل الملك والملك على الصخرة والصخرة على الثور والثور على الحوت والحوت على الماء والماء على الهواء والهواء على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق عن الذي تحت الظلمة ، ثم خلق الله تعالى العرش من ضياءين أحدهما العدل والثاني الفضل ، ثم أمر الله تعالى تلك الضياءين فانقسما قسمين فخلق منها أربعة أشياء العقل والعلم والحلم والسخاء ، ثم خلق الله تعالى من العقل الخوف ومن العلم الرضا ومن الحلم المودة ومن السخاء المحبة ، ثم عجنها كلها بطينة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام والمؤمنون ثم خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلما تكاملت إلانوار سكن نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عالم ثم انتقل نوره إلى الجنة فبقي سبعين ألف عام ثم انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة ثم إلى السماء السادسة ثم إلى السماء الخامسة ثم إلى السماء الرابعة ثم إلى السماء الثالثة ثم إلى السماء الثانية ثم إلى السماء الدنيا فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد الله تعالى أن يخلق آدم عليه السلام ))1 الحديث .
وما ذكره عليه السلام هو مجمل كيفية الابتعاث في المجمع ( بعثه وابتعثه بمعنى أرسله )2 وأشار الإمام عليه السلام بذكر الابتعاث بعد ذكر الإرسال لبيان المقام الثالث من مقامات الرسالة كما ذكرنا نقلا عن كلام الأستاذ أطال الله بقاءه ، وفي هذا الحديث المذكور قد شرح عليه السلام جميع مقامات ومراتب هذه الرسالة في التكوين فلما استنطقه فقال له أدبر فأدبر فابتعثه إلى الحقائق الكونية ليبلغهم عن الله سبحانه ألست بربكم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيكم وعلي أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من ولده الأحد عشر الطيبون الطاهرون عليهم السلام أولياؤكم ، فأول ما نزل رسولا في التكوين وقف في الحجاب الأبيض الأعلى مقام القلم فبلغ إلى القلم من أسرار المعاني الكونية الحقيقية الجوهرية من مداد النون وعلمه القيام بأمر الله 
____________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:42 am

ونهيه والوقوف بين يديه سبحانه منتصبا قائما خاضعا خاشعا ذليلا وقرأ عليهم القرآن وعلمهم بواطن أسرار الملك الديان ودعاهم وهداهم إلى سبيل الله وهو ولاية علي أمير المؤمنين عليه السلام كما قال مولانا الباقر عليه السلام في قوله تعالى { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }1 قال عليه السلام (( سبيل الله هو علي عليه السلام والقتل في سبيل الله هو القتل في سبيل علي عليه السلام ))2  .
أقول والحشر إلى الله هو الحشر في زمرة علي عليه السلام لأنه وجه الله الذي يتقلب في الأرض والسماء ولا تعطيل له في كل مكان ، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى سبيل علي عليه السلام وعلي عليه السلام يوصل إلى صراط محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }3 قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا المنذر وعلي الهادي ))4 ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبحانه يهدي بعلي عليه السلام فهو عليه السلام هداية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى { وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }5 فالله هو الهادي ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الهادي وعلي عليه السلام هو الهادي والهداية واحدة ، والله الهادي بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهـو صلى الله عليه وآله وسلم هاد بـعلي عليه 
____________________
1 آل عمران 157
2 لم نقف على هذه الرواية بعينها ولكننا وجدنا ما يقرب منها في معاني إلاخبار ص 167 في باب معنى سبيل الله عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن هذه الآية في قول الله عز وجل ( ولئن قتلتم في سبيل الله أومتم ) قال , فقال : أتدري ما سبيل الله , قال قلت : لا والله إلا أن أسمعه منك , قال : سبيل الله هو علي عليه السلام وذريته , وسبيل الله من قتل في ولايته قتل في سبيل الله , ومن مات في ولايته ما في سبيل الله )) .
3 الرعد 7 4 المناقب 3/84 
5 الشورى 52
 
 
السلام فيرجع حقيقة الهداية إلى علي عليه السلام ، والمثال التقريبي قولك أنا ضربت ضربا فأنا مثال هداية الله وضربت مثال هداية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وضربا مثال هداية علي عليه السلام ، فالهادي حقيقة أي ما يستند إليه الفعل أولا هو علي عليه السلام كما تقول إن الضارب هو عين الضرب وتسند إلى زيد الضاربية التي في الضرب فالضرب هو ضاربية زيد فافهم ضرب المثل ولذا قال عز وجل { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }1 على أحد المعاني . 
والهداية هي إيصال السالكين والمسافرين إلى منزلهم الحقيقي ومسكنهم الواقعي الذي حبه من الإيمان وبغضه من الكفر وهو الإيصال إلى اللانهاية وقطع مسافة النهاية ، أو الإيصال إلى المنازل المقدرة للمسافر حين يخرج من بيته بتيسير الأعمال والأقوال والاعتقادات الكونية والوجودية وإيصال مقتضى الأسباب أي المسببات بها وإيصال المعلولات إلى عللها والعلل إلى المعلولات والملزومات إلى اللوازم والشرائط إلى المشروطات وبالعكس ، وسائر المشخصات والروابط والقرانات وهي إيصال الأعالي إلى الأسافل والأسافل إلى الأعالي في ملتقى البحرين ومجمع العالمين ، وإيصال الكفار إلى الأليم المقيم والمؤمنين إلى النعيم المقيم وهكذا من أحكام المشيئة الحتمية .
أو الهداية هي إراءة الجمال الذي هو عين الجلال لأهل الكمال وإراءة نور الجمال لطالبي الكمال ، ففي الأول تجلى له بنفسه وفي الثاني تجلى له بنور نفسه وهويته التي هي عين اللاهوتية التي هي مرتبة اللاهوتية ، فيعبر عن الأول بالتوحيد الحقيقي والثاني بالشهودي ، أو إراءة الألواح الجزئية أو الكلية ،
____________________
1 الرعد 7


والثانية بالنسبة إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام في مقامي الثالث والرابع بمقاميهم الأول والثاني ، والأولى بالنسبة إلى ما عداهم إلا أنها تختلف بالإضافية وعدمها وتلك الألواح هي الطين بفتح الياء والكينـونـات بأشباحها أو بحقائقها منتقشة في الكتاب المبين الذي هو أم  الكتاب في اللوحين المحفوظين أحدهما لوح العليين وهو كتاب الأبرار قال تعالى { كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ }1 ، وثانيهما لوح السجين وهو كتاب الفجار لفي سجين قال تعالى { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }2 وهو معنى قوله عز وجـل { فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا }‏3 وهذه الإراءة والهداية عبارة عن التكليف وظهور نور التكليف ، وذلك النور هو اللطيفة الإلهية السارية في كينونات الخلائق سريان الروح في الجسد حتى ظهر ذلك النـور بالنور اللفظي كقوله تعالى { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ 
_________________
1 المطففين 18
2 البلد 10
3 الإنسان 2 _ 3


وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ }1 وهذا النور سار في عمل المكلف من موافقته وقبوله تحدث الصورة الإنسانية وهي الإيصال إلى المطلوب وبإنكاره تحدث الصورة الشيطانية ، فذلك النور في الصورة الإنسانية يزيد بهاء وشرفا ونورانية وفي الصورة الشيطانية بعكس ذلك  كقطر الماء في الأصداف درّ وفي بطن الأفاعي صار سما وذلك النور هو هداية محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول ألست بربكم ومحمد نبيكم وعلي وليكم والأئمة من ولده أولياؤكم يعني هذه عبارة ذلك وقوام الموجوادت كلها بذلك النور وهو أمر الله الذي قام به كل شيء قال تعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ }2 قال مولانا الصادق عليه السلام (( كل شيء سواك قام بأمرك ))3 وذلك الأمر هو التكليف والخطاب وهو القدر الذي قال مولانا علي بن الحسين عليه السلام (( القدر في الأفعال كالروح في الجسد )) ، ولما كان المشبه والمشبه به في القرآن والأخبار هو عين الآخر أي أحدهما عين الآخر كان القدر هو الروح حقيقة والعمل جسده والروح يجري في الجسد على حسب الجسد لا على حسب الروح ولـذا تختـلف أحوال الإنسان بالصحة والمرض والانقباض 
____________________
1 البقرة 43
2 الروم 25
3 البحار 90/148 ح 10
 

والانبساط والـفرح والحزن بالأدويـة والعقاقير وقـد قـال الله عز وجل { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي }1‏ وقد علمت أن بالأمر قد قامت السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما وذلك هو الروح وذلك الروح هو الأمر والأمر هو التكليف والتكليف هو ألست بربكم ، والهداية ليست إلا البيان الذي هو عين التكليف أو الإيصال الذي هو عين وقوع المكلف به على المكلف بالتكليف ، وقد قلنا لك سابقا أن المصدر واسم الفاعل واسم المفعول أحدهما عين الآخر فيكون الإيصال هو عين البيان وقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام (( أنا الروح من أمر ربي )) وقد قلنا أن ذلك الروح هو الأمر الذي هو النور الذي هو التكليف الذي هو الهداية فيكون علي عليه السلام هو هداية الله في مقامات أنفسهم بذاته وفي مقامات غيرهم بنوره ، فالسموات والأرض إنما قامتا بنور الأمر الأول ولما كان المصدر هو اسم الفاعل كان هو الهادي لكل قوم وكل شيء فعلى هذا فافهم ما سبق منا إن الله هو الهادي ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الهادي وعلي عليه السلام هو الهادي فقوله عليه السلام (( ابتعثه هاديا )) كقولك أعطيته قائما يعني انبعث وأرسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتهاء سيره إلى جلال العظمة وخلق مولانا علي عليه السلام وسيره وطوفه حول جلال القدرة وطوف نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم حول جلال العظمة فالسائر الطائف حول جلال العظمة يكون هاديا بالطائف حول جلال القدرة فمادة الهداية وأصلها ومنشؤها من محمد عليه السلام وظهورها وصورتها وبروزها مشروحة مفصلة من علي عليه السلام فبهما معا تحققت الهداية ، ولما كانت الأسماء تدور مدار الصور وعلي عليه السلام مبدأ العلّة الصورية كانت الهداية منتسبة إليه ومتحققة ، فالهادي هو الرحمن وعلي عليه السلام حامل هذا الاسم والخالق هو الله ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم مظهر هذا الاسم وحامل له ، فأرسله الله سبحانه في التكوين هاديا إلى سبيله فهدى العقل الأول إلى الله سبحانه بواسطة اسم الله البديع والنفس إليه سبحانه بواسطة 
____________________
1 الإسراء 85
 
 
اسمه الباعث والطبيعة الكلية إليه سبحانه باسمه تعالى الباطن وهدى المادة إليه سبحانه بواسطة اسمه الآخر وهدى الصورة إليه سبحانه باسمه الظاهر وهدى الجسم الكل إليه سبحانه باسمه الحكيم وهدى العرش محدد الجهات إليه سبحانه باسمه المحيط وهدى الكرسي إليه سبحانه باسمه الشكور وهدى فلك البروج إليه سبحانه باسمه الغني وغني الدهر وهدى فلك المنازل إليه سبحانه باسمه المقدر وهدى فلك زحل إليه سبحانه باسمه الرب وهدى فلك المشتري إلى سبيله سبحانه إليه باسمه العليم وهدى فلك المريخ إلى سبيله باسمه القاهر وهدى فلك الشمس إلى سبيله باسمه النور وهدى فلك الزهرة إلى سبيله باسمه المصور وهدى فلك عطارد إلى سبيله باسمه المحصي وهدى فلك القمر إلى سبيله باسمه المبين وهدى كرة النار إلى سبيله باسمه القابض وهدى كرة الهواء إلى سبيله باسمه المحيي وهدى كرة التراب إلى سبيله باسمه المميت وهدى الجماد أول المركب من العناصر الأربعة إلى سبيل ربه باسمه العزيز وهدى النبات إلى سبيل ربه باسمه الرزاق وهدى الحيوان إلى سبيل ربه باسمه المذل وهدى الجن إلى سبيل ربه باسمه اللطيف وهدى الملك إلى سبيل ربه باسمه القوي وهدى الإنسان إلى سبيل ربه باسمه الجامع وهدى الجامع إلى سبيله باسمه رفيع الدرجات وهو قوله تعالى { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ }1‏ وهذه الأسماء كلها جهات اسم الرحمن إذ الكثرة الاسمية التعلقية ليست في اسم الله وإنما هي في الرحمن وهذه الأسماء كلها أسماء للرحمن وصفات له والرحمن اسم وصفة لله ، وقولي هدى العقل باسمه البديع وهكذا إلى آخر الأسماء أريد به أن ذلك الاسم هو ترجمان الهداية وهو هداية الله سبحانه له بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم به ، وإذا كان هو الهداية الإلهية فالله سبحانه ورسوله إنما يهديه بذلك الاسم فذلك الاسم هو ظهور الله وظهور رسوله وظهور مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وظهور نفس ذلك الاسم في مقام الأنبياء وذلك الظهور هو الكروبيون الذين هم أربـاب الأنبياء بالله سبحانه كما قال تعالى { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ }‏2 ، 
__________________
1 غافر 15 2 الأعراف 43
 
 
وهو رجل من أولئك على ما روي عن مولانا الصادق عليه السلام في بصائر الدرجات ، وتحت مقام الأنبياء يتربع الظهور والرابع هو ظهور الكروبيين وهذا معنى قـول مولانا الكاظم عليه السلام لمن يعقل ويفهم لذلك الراهب (( إن الاسم الأعظم هو أربعة أحرف الأول لا إلـه إلا الله والثاني محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموالثالث نحن والرابع شيعتنا )) ولما كان السؤال إنما وقع من الاسم الأعظم الظاهر في تلك الطبقة أجابه كما سمعت ، ويريد بالشيعة شيعتهم من الخلق الأول الذين جعلهم الله سبحانه خلف العرش بحيث لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ولما سأل موسى ربه ما سأل أمر رجل منهم فتجلى له بقدر سم الإبرة فدكّ الجبل وخر موسى صعقا فافهم .
فالهداية هي أول مذكورية الشيء عند ربه في مقام الخلق وليس ثمة اختلاف قال تعالى { فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ }1‏  وتلك معرفة النقطة التي كثرها الجاهلون ، ولما كانت معرفة النقطة إنما هي بها لا غيرها فإن الشيء لا يعرف إلا بما هو عليه لا بغيره هو عليه ليتحد العلم والمعلوم والإراءة ، والإيصال لا يكون إلا بذلك الشيء فإن الشمس لا توصل الأشعة إلى غاياتها ونهاياتها إلا بنفسها لا بذاتها كانت تلك النقطة هي عين الهداية وتلك الهداية كما ذكرنا هي قول ألست بربكم وهي أول ما ذكر الشيء ولذا ترى في أم الكتاب التي هي فاتحة الكتاب جعل الله سبحانه أول مقام الخلق وأول ذكرهم الهداية فإنه ذكر سبحانه أولا مقام الربوبية إذ مربوب بقوله الحق { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ }‏ ثم ذكر مقام البرزخية الكبرى ورتبة الشجرة الزيتونة التي ليست بشرقية ولا غربية بقوله الحق { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }‏ ثم ابتدأ بذكر 
__________________
1 البقرة 213


الخلق فجعل أول ذلك دعاءهم وطلبهم الهداية بقوله الحق { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }1 ولما كانت الهداية هي جهة الله سبحانه والدعاء والسؤال جهة الخلق كانت الهداية مقدمة على كل ذكر الخلق لأنّ ما من الله متقدم على ما من الخلق ، ولما كان ما من الله ليس فيه كثرة واختلاف وتعدد ونقص وشوب باطل كانت الهداية على جهة الوحدة والبساطة وهي تلك النقطة فهي مادة كل الخلق ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا المعنى هاد بالأصالة والذات لأن مواد الموجودات كلها كائنة ما كانت وبالغة ما بلغت منه صلى الله عليه وآله وسلم لأنه حامل لواء الألوهية ولذا قال صلى الله عليـه وآله وسلم (( ما اختلف في الله ولا فيّ وإنما الاختلاف فيك يا علي )) ، ولما ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم بعدما كانت مطوية مذكورة في الألف القائم كانت أنواع الهدايات ومراتبها ومقاماتها إنما ظهرت مختلفة الآثار والأحكام بعلي عليه السلام لأن صور موجودات كما مرّ كائنة ما كانت منه عليه الصلاة والسلام لأنه حامل لواء الرحمانية قال تعالى { عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ }2 قال 
_________________
1 الفاتحة 1 _ 6 
2 النبأ 1 _ 3

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:44 am



عليه السلام (( ما لله آية هي أكبر مني وما لله نبأ هو أعظم مني ))1 وإذا أتقنت النظر ودققت البصر علمت أن جميع مراتب الموجودات ما اختلفت في الذوات والصفات والاقتضاءات إلا بهداية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى الإراءة في الخلق الأول المعبر عنه بالحل الأول وهداية علي عليه السلام بمعنى الإيصال في الخلق الثاني المعبر عنه بالحل الثاني والعقد الثاني والمجموع نقطة واحدة ترجع تلك الشئون إليها لأن عليا عليه السلام هو الرجل الذي سلم لرجل فليس فيه اختلاف وإنما هو على الصراط المستقيم على ما قال عز وجل { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا }2 وهذا الصراط إنما ظهر في علي عليه السلامبل هو نفسه عليه السلام كما قال تعالى { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ }‏3 وقال تعالى { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ }4 وهذا الصراط وإن تكثرت شئونـه وظهوره إلا أنها كلها ترجع إلى أمر واحد كما قال تعالى { وَالَّذِينَ 
__________________
1 تأويل الآيات 733
2 الأنعام 125 _ 126
3 الحجر 41
4 الأنعام 153


جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }1 وهذا الجمع هو تفاصيل ذلك المفرد فلا فرق بينهما إلا بالإجمال والتفصيل ألا إلى الله تصير الأمور .
وأما بيان سر سريان هذه النقطة باقتضاء هيكل التوحيد إلى المراتب العالية والنازلة والنورانية والظلمانية والفلكية والعنصرية في التكوينية والتشريعية فمما يطول به الكلام مع ما في بيانه من فصيح الحكمة وريبة الجهال واستنطاق سرائر أهل العناد وقالوا عليهم السلام (( لا تتكلم بما تسارع العقول إلى إنكاره وإن كان عندك اعتذاره , وليس كل ما تسمعه نكرا أوسعته عذرا ))2  .
وقد أشار عليه السلام بقوله عليه السلام (( هاديا )) إلى تمام رتبة النزول على ما فصل في الحديث المتقدم وهو قوس أدبر فأدبر وإن كان في الصعود التكويني فإنه صلى الله عليه وآله وسلم هاد في الصعودي والنزولي ولما كانت الهداية المتعلقة بالغير مستلزمة للارتباط فهي نزول للهادي ، وإن كانت صعودا للمهدي لحكم الارتباط والنسبة المستلزمة للأغيار المستلزم للأكدار ، وأما سلب هذه النسب والشئونات فهو مقام الصعود ولا يكون ذلك إلا بمراقبة النظر ومداومته في عالم الربوبية وهو مقام كونه مهديا فأول هذا النظر في عالم الأسماء والصفات وأول النظر فيها إلى اسم رفيع الدرجات ذوالعرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ، ثم إلى الجامع ثم إلى اللطيف ثم إلى القوي ثم إلى المذل ثم إلى الرزاق ثم إلى العزيز ثم إلى المميت ثم إلى المحيي ثم إلى الحي ثم إلى القابض ثم إلى المبين ثم إلى المحصي ثم إلى المصور ثم إلى النور ثم إلى القاهر ثم إلى العليم ثم إلى الرب ثم إلى المقدر ثم إلى الغني ثم إلى الشكور ثم إلى المحيط ثم إلى الحكيم ثم إلى الظاهر ثم إلى الآخر ثم إلى الباطن ثم إلى 
_________________
1 العنكبوت 69
2 لم نجد الرواية كما هي في هذا الشرح المبارك , ووجدنا هذه الروايـة (( إياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره , فليس كل من تسمعه نكرا يمكنك لأن توسعه عذرا )) البحار 71/229 ح 6 .
 

الباعث ثم إلى البديع ثم إلى الرحمن ثم إلى القيوم ثم إلى الواحد ثم إلى الله ثم إلى الاسم الله ثم إلى الاسم هو ثم إلى الهاء منتزعة عن الواو ثم إلى آخر مقامات الهاء وهي الظهور أي الدلالة ، ثم إلى الظاهر من حيث هو ظاهر ، ثم إلى الباطن من حيث هو باطن ، ثم إلى الباطن ، ثم إلى نقطة ظهور الكينونة ، ثم إلى غيب الهوية ، ثم إلى ظهور اللاهوية فانقطع الكلام وانعدم المقام فلا حس ولا محسوس رجع من الوصف إلى الوصف ودام الملك في الملك وانتهى المخلوق إلى نفسه وألجأه الطلب إلى شكله الطريق مسدود والطلب مردود دليله آياته ووجوده إثباته ، فطابق وجوده صلى الله عليه وآله وسلم وجدانه فهو مهدي في الوجدان والوجود دون سائر الخلق من الأولين والآخرين والماضين والغابرين فإن وجدانهم يخالف وجودهم وروابط إنياتهم ، فهم يسلبون الإنية وجدانا لا وجودا وأما هو صلى الله عليه وآله وسلم فمن الوجود المطلق الذي قال الله عز وجل في حقه { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }1 فلا يفتقر إلا إلى موجده ومصدره خاصة من دون ارتباط واشتراط آخر غير حقيقة ذاته وبهذا الفقر يفتخر صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذا تمحض في الوجهية وحيا بحياة الله وبقى ببقائه { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }‏2 وقد قال مولانا علي بـن الحسين عليـه السلام في دعاء الحريق (( وأن كل معبود مما دون عرشك إلى قرار أرضك السابعة السفلى باطل مضمحل ما خلا وجهك الكريم فإنه أعز وأكرم وأجل وأعظم من أن يصف الواصفون كنه جلاله أوتهتدي القلوب إلى كنه عظمته ))3 وهو صلى الله عليه وآله وسلم الوجه وهو الجلال وهو العظمة وهو المطيع لله الذي قام مقامه وحكى مثاله قال تعالى ( أطعني أجعلك مثلي ) فهو مهدي تكوينا وتشريعا ذاتا وصفة هداه الله سبحانه إلى توحيده ومعرفة أسمائه وصفاته وتجليات ظهوراته فأثبت الإمام عليه السلام بقوله (( ابتعثه هاديا )) مقام النزول وقوس أدبر فأدبر وبقوله عليه السلام (( مهديّا )) قوس الصعود ومقام أقبل فأقبل ، فإن وقفت على سر باطن الباطن وتأمّلت بصافي النظر علمت أن 
_________________
1 النور 35
2 القصص 88
3 مصباح المتهجد 220
 
 
هذا إشارة إلى مقام واحد فالهادي هو المهدي وقد علمت أن الهادي هو علي عليه السلام في قوله عز وجل { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }1 فهو الهادي على الإطلاق ولذا أنزل الله عز وجل يوم إظهار وجوب إطاعته وولايته يوم الغدير في عالم الأجساد وهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام وعالم الأشباح وهو ذلك اليوم فيه وعالم الأظلة وعالم الرقائق وعالم العقول وعالم أرض القابليات وما بينهما من المراتب والعوالم أنزل الله في كل عالم على طوره { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا }2 وهذا الإكمال لمن رضي به إماما وسيدا وسندا وكهفا وذخرا فهو الهادي عليه السلام وتلك الهداية ظهرت في المهدي عليه السلام لأنه عليه السلام صاحب الفتح وناشر راية الهدى وإليه يشير قوله تعالى { إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا }‏3 فجمع عليه السلام جميع أوصياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين الكلمتين بذكر مبدئهما ومنتهاهما فهو الهادي بعلي أمير المؤمنين عليه السلام وروحي له الفداء ومهدي بمولانا القائم الحجة بن الحسن عليه السلام وهو قوله عليه السلام (( ابتعثه هاديا مهديا )) بأوصيائه وخلفائه فلولا ذلك لبطلت النبوة وفي ذلك بطلان النظام وفناء الأحكام ولذا قال الله تعالى مخاطبا له صلى الله عليه وآله وسلم (( لولاك لما خلقت الأفلاك ولولا علي لما خلقتك )) فلما أشار إلى الأول والآخر تثبت الباقي إذ لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون .
وأما سر باطن الباطن فبأن تقول إن الهادي هو عين المهدي والصفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث نفسه لا بالإضافة إلى أوليائه وخلفائه الراشدين عليهم السلام وحينئذ يكون الهادي هو عين المهدي فإن الله 
___________________
1 الرعد 7
2 المائدة 3 
3 النصر 1 _ 2
 
 
سبحانه وتعالى هداه به كما قال عليه السلام (( بل تجلى لها بها ))1 ، فكون الله سبحانه هاديا إنما ظهر بالمهدي ولولاه لم يظهر ، ولما كان الهادي ظهور الحق سبحانه بالهداية وهذا الظهور إنما ظهر وقام بالمظهر والمظهر لوكان له جهة غير جهة الظاهر لكان بتلك الجهة حاجبا لا مظهرا ، فتحقق أن الظاهر هو عين الظهور الذي هو عين المظهر , وأما الذات البحت فمنزّهة عن كل ذلك سبحان ربك ربّ العزة عما يصفون . 
فعلى هذا فالهادي هو النار والمهدي هو الشجرة أي زيتها ، وأنت قد علمت أن النار أيضا إنما ظهرت من الشجرة كالزيت في النار كمثل قولك حين تقرأ القرآن { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي }2 وكقوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ }‏3 ، والزيت كقولك لبيك وسعديك يا رب في الآية الثانية وبلى يا رب أنت الله لا إلـه إلا أنت في الآية الأولى فافهم المثال واعتبر بالمثال ودع عنك القيل والقال فإن العلم نقطة كثرها الجاهلون وهو قول علي المفضال عليه سلام الله الملك المتعال (( انتهى المخلوق إلى مثله وألجأه الطلب إلى شكله الطريق مسدود والطلب مردود دليله آياته ووجوده إثباته )) هذا على القول بأن المهدي اسم المفعول كما هومقتضى صيغته، وأما إذا اعتبرناه بمعنى اسم الفاعل فالمعنى كما ذكرنا، واعتبار اسم الفاعل لكثرة المباني الدالة على كثرة المعاني والمبالغة فيه إلا أنك لاحظ ما ذكرنا ينكشف لك الحال .
__________________
1 شرح النهج 13/44 
2 طه 14
3 النساء 1
 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:45 am

[size=32]قوله عليه السلام حلاحلا طلسميا[/size]
والحلاحل بالضّم هو الرئيس والكبير في القوم كما في منتخب اللغة وقد أشار الحق سبحانه إلى ذلك بقوله الحق { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }1 وقال أيضا سبحانه وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ }2 وقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }3 وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الرئاسة المطلقة بقوله عليه السلام في خطبته يوم الغدير ويوم الجمعة (( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله انتجبه آمرا وناهيا عنه أقامه في سائر عالمه في إلاداء 
____________________
1 النور 62 _ 63
2 الحجرات 1
3 الحجرات 2


مقامه إذ كان لا تدركه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفكار ))1 والأصل في ذلك أنه المعني في قوله عز وجل { مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }2 فإذا كان هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مقام الاسم الأعلى المذكور في السجود آخذا بناصية كل دابة مما يدب في الأرض أرض القابليات والاستعداد فيكون هو الرئيس الحاكم على الكل وهو وجه الله الذي لا تعطيل له في كل مكان والخلق بأسره إما شئون ذاته أوآثاره وأفعاله وأثار آثاره وشئون شئوناته صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا ، وإليه أشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله (( أنا الذات وأنا ذات الذوات أنا الذات في الذوات للذات )) وهذا إنشاء الله ظاهر مما قدمنا ونذكر إنشاء الله . 
وأما الطلسم فالمشهور في معناه على ما نقل أقوال ثلاثة . 
الأول : الظل بمعنى الأثر فالمعنى أثر اسم . 
الثاني : لفظ يوناني ومعناه عقد لا ينحل . 
الثالث : أنه كناية عن مقلوبه يعني مسلط .
وهذه المعاني الثلاثة كلها في المقام صحيحة بل مرادة سواء قلنا إن في أحدها حقيقة والباقي مجاز أو حقيقة في المجموع فإن استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد يجوز ، وكذا استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي بإرادتين فيهما لا إرادة واحدة والمسألة مذكورة في علم الأصول . 
أما المعنى الأول فلأنه صلى الله عليه وآله وسلم أثر الاسم المكنون المخزون الذي استقر في ظله فلا يخرج منه إلى غيره ، وذلك هو الاسم الأعظم الذي تفرد به الله جل شأنه دون خلقه من الأسماء العظمى الثلاثة والسبعين ، وذلك الاسم هو البحر المواج المظلم كالليل الدامس كثير الحيتان يعلو مرة ويسفل أخرى في قعره شمس تضيء لا ينبغي أن يطّلع عليها إلا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه ونازعه في سلطانه وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ، فهو صلى الله عليه وآله وسلم 
_________________
1 الإقبال 461 2 هود 51
 
 
مستمد من هذا الاسم الأكبر ومتوجه إلى الله عز وجل به ، وإنما قال أنه أثر لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بقي على ظهور ذلك الاسم وحكى مثاله وظهر بظهوره فيما لا نهاية له وهو في كل مقام من مقامات عالم الكثرة ما ألهته التجارة والبيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فلم يغير خلقة الله وبقي صلى الله عليه وآله وسلم على الكينونة العليا من اليوم الذي خلقه الله على ما خلقه الله ، ولذا كان على خلق عظيم وكان لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علّمه شديد القوى ذو مرة ، هذا على تقدير الإضافة اللاّمية في أثر الاسم ، وأما إذا جعلناها بيانية فيكون هو الاسم المكنون المخزون الطهر الطاهر المطهر وهو اسم الله الأكبر ونور الله الأزهر يضيء بنوره السموات العلا والأرضون السابعة السفلى وهو الاسم الذي قام به كل شيء وخضع له كل شيء وذلّ له كل شيء ، قال عليه السلام في الزيارة الجامعة الصغيرة (( يسبح الله بأسمائه جميع خلقه )) قال الصادق عليه السلام (( نحن والله الأسماء الحسنى الذين لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا قال : فادعوه بها ))1 وهو صلى الله عليه وآله وسلم الأكبر الأجل الأعظم على ما ذكرنا فراجع وما نذكره إنشاء الله فترقب . 
وأما المعنى الثاني فلأنه صلى الله عليه وآله وسلم عقد لا ينحل لا تهتدي العقول إلى كنه عظمته ويعجز الواصفون عن بيان صفات ظهوراته وآثاره وشئوناته وهو السر وسر السر وسر المستسر بالسر والسر المقنع بالسر وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم (( ولا عرفني إلا الله وأنت ))2 وذلك لأنه عليه السلام نفسه وهما من حقيقة واحدة وطينة واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض ، ومع ذلك كله فلا يصل عليه السلام إلى الحرف الواحد الذي كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سر التقديم وظهور الواحد في النقطة الحقيقية الغير المفصلة ، ونسبة الحسن والحسين عليهما السلام إلى أبيهما عليه السلام كنسبته عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ أباهما خير منهما ونسبـة القائم عجل الله فـرجه إليهما عليهما 
_____________________
1 تفسير العياشي 2/42 2 تأويل الايات 145
 
 
السلام كنسبتهما إلى أبيهما عليهم السلام ونسبة سائر الأئمة الثمانية عليهم السلام إليه كنسبته إليهما وإليهم ونسبة فاطمة عليها السلام إليهم كنسبتهم عليهم السلام إلى القائم عجل الله فرجه وكل واحد منهم عليهم السلام يفضل على الآخر بحرف واحد فكلهم لا يحيطون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علما ولا ينالون كنه إنيّته ومائيته لأنه صلى الله عليه وآله وسلم في مقام النقطة وهم في مقام الألف والحروف وإن كان الجميع في صقع واحد وحقيقة واحدة وطبيعة واحدة ، فإذا كان علي عليه السلام الذي هو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحيط به علما وكذلك الطيبون من أولاده وأحفاده فما ظنك بسائر الخلق الذين هم أشعة من عكوسات أنوارهم وظهور من بروق لمعات إشراقات أسرارهم وقد قال الله تعالى فيهم { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ }1 ، قال الكاظم عليه السلام (( نحن الكلمات التي لاتدرك فضائلها ولا تستقصى ))2 ، والأشجار هي الزروع والثمرات والنباتات الحاصلة من وقع الورق على الأرض الجرز قال الله تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ }3 وقال تعالى { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ }4 وكان أول من ذاق تلك الثمار روح القدس وهو العقل الكلي ، فأول الأشجار هو العقل الكلي وآخرها آخر الوجوات المقيدة إلى ما لا نهاية له وكلها ناطقة بالثناء على محمد وأل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ومظهرة لفضلهم ومعلنة لمجدهم وعلو مقدارهم ولم تبلغ من ذلك جزء من مائة ألف جزء من رأس الشعير مما هم عليه من الفضيلة والمنزلة الجليلة 
_________________
1 لقمان 27
2 المناقب 4/404
3 السجدة 27
4 الأعراف 57


والوسيلة وقد قال عز وجل { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا }1 والإمام عليه السلام هو نعمة الله تعالى قال تعالى { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }‏2 أي من العلم بمحمد وآله عليهم السلام وقال تعالى { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء }3 والعلم هو آل محمد عليهم السلام لقول الباقر عليه السلام (( وأما المعاني فنحن معانيه ونحن علمه ونحن حقه )) على ما تقدم ، وما شاء الله من ذلك العلم هو لطيفة وجودات كل ذي علم إلى ما لا نهاية له كما قال عز وجل { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ }‏4 قال تعالى { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ }‏5 أي بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن حامل ظهور اسم الله الحي هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أن حامل ظهور اسم الله القيوم علي عليه السلام ، وقولي حامل مجاراة ومداراة بل اسم الله الحي هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم والاسم القيوم هو علي عليه السلام ولذا دلّت الأخبار الكثيرة على أن الاسم الأعظم هو الحي القيوم ، والاسم لا تذوّت له إلا بالمسمى والاسم غير المسمى ( فمن عبد الاسم دون المسمى فقد كفر ولم يعبد شيئا ومن عبد الاسم والمسمى فقد 
___________________
1 إبراهيم 34
2 الإسراء 85
3 البقرة 255
4 يوسف 76
5 طه 110 _ 111


أشرك ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه فذاك التوحيد )1  . 
وبالجملة فهم عليهم السلام عقد لا ينحل وإليه الإشارة بقول الحجة عجل الله فرجه في دعاء شهر رجب (( والبهم الصافين )) إذ ليس لأحد طريق ولا لقاصد سبيل إلى حقيقتهم كما هم عليه وإنما عرفوا من رشحات أنوارهم ما ظهرت في حقائقهم أي الخلق من المثال ومثال المثال وحكاية الحال في المبدأ والمآل ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الطلسم الأعظم وعقد لا ينحل ولا يحتال فيه بوجه من الوجوه صلى الله عليه وآله وسلم .
وأما المعنى الثالث فلأنه صلى الله عليه وآله وسلم له هيمنة وتسلط على كل من اكتسى حلة الوجود وذاق ثمرة الشهود وتوجه إلى المعبود بالركوع والسجود لأنه الاسم الأعلى في السجود أما سمعت ما قال صلى الله عليه وآله وسلم (( لا ينبغي أن أصغر ما عظمه الله من قدري ولقد أوحى الله 
____________________
1 اقتبس المصنف أعلى الله مقامه هذا المعنى من قول مولانا الصادق عليه السلام على ما في التوحيد 220 والبحار 4/165 ح 7 أنه قال عليه السلام (( من عبد الله بالتوهم فقد كفر , ومن عبد الاسم ولم يعبد المعنى فقد كفر , ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك , ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرائر أمره وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام , وفي حديث آخر أولئك هم المؤمنون حقا )) .


إلي أن فضلك على الأنبياء كفضلي وأنا رب العزة على كل الخلق ))1 لأنه الاسم الذي خضع له كل شيء وذل له كل شيء ، وفي الزيارة (( طأطأ كل شريف لشرفكم وبخع كل متكبر لطاعتكم وخضع كل جبار لفضلكم وذلّ كـل شيء لكم وأشرقت الأرض بنوركم وفـاز الفائـزون بولايتكم )) و (( بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وبكم ينفس الهمّ وبكم يكشف الضّرّ ))2 الزيارة .
وذلك لأنهم أبواب رحمته ومفاتيح خزائنه ومقاليد رضوانه ، فالواقف على الباب مادته نور الباب وإلا لم يكن بابا بل كان أصلا وذلك النور هو ألست بربكم على ما مرت الإشارةإليه ، فالباب هو المنير ونوره عضد للواقفين اللائذين به أي مادة لهم ، والمادة لها هيمنة وتسلط على الشيء بحيث لا يقوم الشيء بحال من الأحوال إلا بها ، وهم عليهم السلام العلل المادية للأشياء كلها بأشعة أنوارهم لا بحقائقهم وذواتهم والشعاع لا شيء عند المنير والمنير مسلّط عليه ومهيمن عليه ، أو لأنهم عليهم السلام مقامات الله وعلاماته لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه لا فرق بينه وبينها إلا أنهم عباده وخلقه فتقها ورتقها بيده بدؤها منه وعودها إليه أعضاد وأشهاد ومناة وأذواد وبهم يملأ الله سماواته وأرضه حتى ظهر أن لا إلـه إلا الله هو وهو معنى قوله تعالى خطابا له صلى الله عليه وآله وسلم (( فضلك على الأنبياء كفضلي وأنا رب العزّة على جميع الخلق )) لأنهم عليهم السلام ولاية الله وهم سلطان الله وهم ملك الله وهم عظمة الله وهم جلال الله وهم قدرة الله وهم سطوة الله ومظهر قهاريته ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرهم وسيدهم ورئيسهم والواسطة بينهم وبين ربهم فيكون محمد صلى الله 
_________________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها وإنما وقفنا على ما يقرب منها وهذه هي : قال صلى الله عليه وآله وسلم (( قال ربي يـا محمد إن فضلك على جميع النبيين والمرسلين والملائكة المقربين كفضلي وأنـا رب العزة على سائر الخلق أجمعين )) البحار 9/309 ح 10 
2 الزيارة الجامعة الكبيرة 
 
عليه وآله وسلم هو السلطان المسلط المهيمن على كل من ذرأه الله وبـرأه وأوجده وأحدثه نواصي الكل بيده وهو المعني بقوله عز وجل { قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ }1‏ وهو صلى الله عليه وآله وسلم حامل ظهورات الإلهية على ما قال عز وجل (( لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن ))2 وهو صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الله واسم المهيمن المسلط على كل شيء قال تعالى { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى }3 وقال عز وجل { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }‏4 ألم تر كيف افتتح الله سبحانه كتابه الكريم بالآسم الأعظم بسم الله الرحمن الرحيم وقدم الآسم الله على الرحمن والرحيم فافهم و ثبّت فهو صلى الله عليه وآله وسلم المهيمن المسلط والسلطان المتفرد في المقامات كلها أي البيان والمعاني والأبواب ومقام { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ 
________________
1 المؤمنون 88
2 البحار 58/39 ح 61
3 الإسراء 110
4 الزمر 67


يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ }1 وإليه يشير قول مولانا سيد الساجدين زين العابدين عليه السلام في الصحيفة (( عزّ سلطانك عزا لاحد له بأولية ولا منتهى له بآخرية واستعلى ملكك علوا سقطت الأشياء دون بلوغ أمده ولا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك أقصى نعت الناعتين ))2 .
فظهر أنـه صلى الله عليه وآله وسلم الطلسم الأعظم على المعاني كلها ، فأثبت بالمعنى الأول عصمته وطهارته وأنه نبي الله ودليله وآيته لأنه أثر الاسم والأثر بما هو كذلك لم يزل يدل على المؤثر ، وبالمعنى الثاني أنه الاسم المكنون والمخزون في خزائن الغيوب لم يطلع عليه أحد إلا الله وإثبات أنه العلّة الأولى لإيجاد الأرض والسماء على المعاني كلها ، وبالمعنى الثالث أثبت ولايته وظهور قيومية الحق فيه وكونه صاحب اللواء ومكلم موسى في الشجرة عن الله إني أنا الله لا إلـه إلا أنا فاعبدني قال تعالى { مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ }3 قال مولانا وإمامنا الصادق عليه السلام (( شاطئ الواد الأيمن الذي ذكره الله تعالى جل جلاله في كتابه هوالفرات والبقعة المباركة هي كربـلاء والشجرة هي محمد صلى الله عليه وآلـه وسلم ))4 وورد في قوله تعالى { أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا }5 ( أن من في النار هو علي عليه السلام ومن حولها موسى ) فافهم الإشارةبلطيف العبارة .
_____________________
1 الكهف 110 
2 الصحيفة السجادية في دعائه عليه السلام بعد الفراغ من صلاة الليل 
3 القصص 30
4 المزار 15
5 النمل 8

 
قوله عليه السلام فأقام الدلائل
إنما جمعها عليه السلام لأن الدليل ثلاثة كما قال الله عز وجل مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وحبيبه { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }1 أما دليل الحكمة فهو المشاهدة والمعاينة والمعرفة الذوقية الوجدانية ، وملاحظة الأمور عن مبادئها العالية الكلية والجزئية ، ومعاينة ظهور النقطة الأحديـة في كل المراتب الكونية ، والوقوف على ما حده الله سبحانه له في الألواح والكتب المحفوظة في العوالم العلوية والسفلية من الآفاقية والأنفسية والظاهرية والباطنية ووجدان مآخذ الأسرار الباطنية والتأويلية في مراتبها السبعة أو السبعين والاستدلال بالدليل اللمي في المطالب كلها والدليل الإني على ما قال مولانا الصادق عليه السلام (( العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد من العبودية وجد في الربوبية وما خفي عن الربوبية أصيب في العبودية قال الله تعالى { سَنُرِيهِمْ 
_________________
1 النحل 125

آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }1 ))2 وهذا وإن كان إنيّا إلا أنه بوجه آخر لمي وهذا الدليل معرفة أسباب الشيء وعلله ومعداته وشرائطه ومقومات وجوده ومكملات ظهوره ومتممات قابليته على اقتضاء كينونته وطلب ماهيته على نهج متسق ونظام مضبوط لم يجد فيه اختلافا ولا انتقاضا بل يرى الأشياء بعضها يشرح الآخر ويبينه ويفصله ليظهر للمستدل قوله تعالى { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ }3 { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا }4 ويكون نظره إلى قوله تعالى { مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ }‏5 ويرجع كل انقلابات العالم واضطراباته وتغيراته كلها عنده إلى شيء واحد فيعرف مأخذها وعلتها ووجهها وعللها وسببب رفعها ورجوع الأمر إلى الوحدة ويظهر هناك معنى قول الصادق عليه السلام في الاستدلال على وحدة الصانع (( اتصال التدبير وتمام الصنع )) ، وبالجمله هذا الدليل للخصيصين وأصحاب باطن الباطن وأهل المشاهدة والمعاينة وليس هنا جهل وشك وارتياب ووسوسة وحديث النفس والاحتمالات الباطلة أو المرجوحة بل كلها معرفة وإنكار قال تعالى { يَعْرِفُونَ 
___________________
1 فصلت 53
2 مصباح الشريعة 7
3 القمر 50
4 النساء 82
5 الملك 3


نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ }1 وهذا الدليل يبطل عنده القياسات الاقترانية والاستثنائية والنقيض وعكسه والمستوي ودليل الخلف ودليل الافتراض وأمثال ذلك من الأمور والأوضاع ، إذ ليس هنا إلا معاينة الواقع فما من فرض ولا خلف ولهذا الدليل شرط ومستند ، والشرط على قسمين ، قسم لتحقق هذا الدليل والقسم الآخر لميزان حقيته وبطلانه فإن المنكرين المعاندين الذين يلبسون الحق بالباطل كثيرون كالصوفية وأتباعهم من سائر الملاحدة فلا بد من ميزان حق يعرف المحق من المبطل ويتميز بين الصادق والكاذب وهذا أحد قسمي المستند، والقسم الآخر منه الآلة والقوة التي بها يدرك الإنسان ذلك الدليل ويستدل على المطلوب وهي الفؤاد وهو حقيقة الإنسان وذاته من غير نظر إلى شيء من الأشياء وهو وجهه من ربه وهو مقام بساطته وهو عين تدرك الواحد والأحد والعلل والوسائط والشرائط من غير كيف ولا إضافة ولا وضع بل ينقطع دونها الكيف والكم والزمان والمكان والجهة والرتبة والشخص حينئذ يسير في العوالم السرمدية سيرا حثيثا ولا غاية لذلك ، وهناك يستخرج اللآلئ والكنوز والدفائن في صدور المؤمنين الممتحنين ، وهناك محل معرفة الأمر بين الأمرين ومعرفة البداء والنسخ وكيفية إيجاد العالم وأمثال ذلك من الأمور المشكلة والأخبار المعضلة وهذا 
_________________
1 النحل 83
 

المستدل من المرحومين بقوله تعالى { إِلَّا مَن رَّحِمَ }1‏ وهو وأمثاله المرحومون بفضل الله سبحانه وهوالمراد من قوله عز وجل { فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِـإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }‏2 وإلى هذا الدليل أشار الحق سبحانه بقوله { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }3 والكتاب المنير هو هذا الدليل ، وهو الكتاب الذي كتبه الله بيده والهيكل الذي بناه بحكمته ومجمع صور العالمين والمختصر من اللوح المحفوظ والصراط المستقيم والصراط الممدود بين الجنة والنار والشاهد على كل غائب والحجة على كل جاحد ، وذلك الكتاب هو ملكوت السموات والأرض التي أمر الله سبحانه بالنظر إليها والتأمل فيها كما قال { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ }‏4 وهي التي أراها الله سبحانـه خليله إبراهيم ليكون من الموقنين كما قال { وَكَذَلِكَ نُرِي 
________________
1 الدخان 42
2 البقرة 213
3 الحج 8
4 الأعراف 185

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:46 am



إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }1 ، ولهذا الدليل مقامات وللمستدلّين به في كل مقام مواقف قد شرحنا قليلا من كثيرها في شرح بعض كلمات الأستاذ أمدّ الله ظلاله على رؤوس العباد في أول رسالته الفوائد ولا نطوّل الكلام هنا بذكرها .
وأما دليل الموعضة الحسنة فهوالوقوف على حد اليقين والاحتراز من الشبهات والاحتمالات والشكوك والأوهام قـال مولانا الكاظم عليه السلام (( فما ثبت لك برهانه أثبته وما خفي لك بيانه نفيته ))2 وهو أخذ طريق السلامة وطريق النجاة الذي ليس معه هلاك كما استدل مولانا وإمامنا الصادق عليه السلام لعبد الكريم بن أبي العوجاء (( إن كان الحق كما يقولون وهو كما يقولون فقد نجوا وهلكتم وإن كان الأمر كما تقولون وليس كما تقولون فأنتم وهم سواء فأنتم إن اتبعتم المسلمون ناجون على القطع واليقين سواء كان الحق معهم أو معكم وإلا ففيه احتمال أن يكون الحق معهم فهناك ينجون وأنتم تهلكون فمتابعتهم طريق السلامة على كل حال )) ومن هذا القبيل قول مؤمن آل فرعون كما أخبر الله سبحانه عنه { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ } فأشار إلى الدليلين الحكمة والمجادلة ثم قـال { وَإِن يَـكُ كَاذِبًـا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي 
______________________
1 النعام 75
2 لم نقف على هذه الرواية بعينها ولكن وجدنا ما يقرب منها في المعنى وهو ما روي في الاختصاص ص 85 وهو قوله عليه السلام (( ما ثبت لك برهانه اصطفيته , وما غمض عليك صوابه نفيته )) .


يَعِدُكُمْ }‏1 فأشار إلى الموعظة الحسنة لأنكم إن أطعتموه فأنتم على رآستكم وملككم وسلطنتكم لا ينقص من دنياكم شيء سواء كان صادقا أو كاذبا وإلا ففي صورة احتمال صدقة يصبكم التوعيد الذي يوعدكم به وإن لم يصب الكل لحكم المحو والإثبات فلا أقل من البعض لأنه القدر المعين لأن الله سبحانه لا يدحض حجّته ولا يخصم برهانه ، وشرط هذا الدليل إنصاف العقل بمعنى أن لا يظلمه فيما يستحقّه . 
وأما دليل المجادلة بالتي هي أحسن فهو ما هو مذكور في كتب العلماء في الكتب المنطقيّة والأصولية وما يتكلّمون ويتعاطون من بحث الألفاظ والمفاهيم والقياسات والبراهين المستخرجة من الصغرى والكبرى المستخرجتين من الكليات والجزئيّات على ما هو المعروف المشهور عندهم بل لا تكاد تجد غيره بل لا يعرفون الدليلين الأولين ولا يرونهما دليلا ولا يدرون وجه الاستدلال بهما وإذا أوردت عليهم شيئا من غير المجادلة يقولون إن هذا قول بلا دليل ، وهذا الدليل للعوام خاصّة .
ولكل من هذين الدليلين مواقف ومقامات وللسائلين الواقفين بباب الحق اللائذين بجنابه في تلك المقامات مقامات خصوصا أهل المجادلة فإن لهم عشرين مقاما كلّيا تختلف جهات الاستدلال فيها وفي كل مقام ثلاثة مقامات مقام القشر وقشر القشر وقشر قشر القشر ، فالأول مقام الوبر والثاني مقام الصوف والثالث مقام الشعر قال تعالى { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا 
__________________
1 غافر 28


أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ }1 , وهذه المراتب كلها مراتب ظاهر الجلد إلا أنها تختلف باللطافة والكثافة ، وهكذا أحوال المستدلين بدليل المجادلة أعلى مقاماتهم الصور المجردة وأسفل دركاتهم الترب الموصدة وبينهما متوسطات فالأقرب الأقرب والأبعد الأبعد ، فدليل المجادلة للعوام والموعظة الحسنة للخواص والحكمة البالغة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا للخصيص ، والأول للظاهر وأهله والثاني للباطن وأهله والثالث لباطن الباطن وما وراءه وأهله ، وتنحصر مراتب الكائنات في السلسلة العرضية إلى هذه الثلاثة .
وأما في السلسلة الطولية تنحصر في ثمانية أولاها وأعلاها وأشرفها وأسناها الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم ، و ثانيها الملائكة الكروبيون ، وثالثها الملائكة المقربون ، ورابعها الملائكة الصافون الحافون حول العرش الكريم حوامل التدبير من الذاريات والحاملات والجاريات والمعقبات والنازعات والمرسلات والصافات وأمثالها من المدبرات أمرا ، وخامسها الملائكة الناريون المخلوقون من مارج من نار ، وسادسها الملائكة الخاضعون الذليلون الخاشعون المنقادون لأمره العاملون بإرادته لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وسابعها الملائكة القائمون بعبادة الله سبحانه الواقفون بباب إرادته المنتظرون لأمره ، وثامنها الملائكة الساجدون لله سبحانه المعدمون أنفسهم عند ظهور معبودهم وسيدهم ، وتحت هذه المراتب سبعة أخرى وإن كانت ثمانية إلا أن الأولى الأعلى لجلِّها عن البيان والتبيان أحدهما الأنبياء المرسلون أو غيرهم ، والثانيـة رتبة الإنسان من الرعايا المؤمنين المأمومين ، والثالثة رتبة ظهورات العقل الكلي في مراتب تشأن تطوراته للرتبة الإنسانية ، والرابعة مقام الجان المخلوقة من مارج من نار ، والخامسة رتبة الحيوانات من البهائم والحشرات ، والسادسة رتبة النباتات ، والسابعة مقام الجمادات ، وتحت هذه المراتب ثمانية أخرى سفلية الأولى الجهل الكلي الظاهر في ظل ذي ثلاث شعب ، الثانية الشياطين المتعلقة بالكفار والمنافقين والأشرار الـذين كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ويـفسدون في الأرض أولئـك هم 
____________________
1 النحل 80
 
 
الفاسقون ، الثالثة الشياطين المتعلقة بعصاة الشيعة وفرقة المؤمنين الممتحنين ، الرابعة هي الشياطين الذين هم تطورات الجهل الكلي في مقامات تدابير العوالم الظلمانية قال تعالى { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ }1 وهذه العوالم إنما تدبر بتلك الشياطين وهم من أظلة الكروبيين وهم الجنود الخمسة والسبعون التي للجهل على ما في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام ، الخامسة هم الشياطين المتعلقة بالجان المغوون لهم عن الإيمان وقد تبعوهم كفارهم واقتفوا آثارهم وهؤلاء الشياطين سيئة من سيئات الأوَّلَين ، السادسة الشياطين الذين تبعتهم الكلاب والخنازير والقردة وسائر أنواع البهائم المؤذية التي قد حرمت لحومهم ، السابعة الشياطين الذين يمنعون الأشجار وسائر أقسام النباتات عن ذكر الله فيبطل تركيبهم أو تتقبح هيئاتها وصورها أو تمرّ أثمارها أوغير ذلك من المفاسد الظاهرة في الأثمار المعلولة لغفلتهم عن ذكر الله الواحد القهار المعلولة بإلقاء الشياطين وخصماء رب العالمين فافهم ، الثامنة الشياطين المانعين للأحجار أن تنعقد معتدلة صافية بإلقاء الغرائب والأعراض المعلولة عن الغفلة عليها فيخرجها عما هي عليها ويكدر صافيها ويغير خلقة الله تعالى كما قال تعالى حكاية عن إبليس { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ } 2، ثم في كل مقام من هذه المقامات سبع مقامات أخر وهي الأيام الستة الكلية التي خلق الله فيها السموات والأرضين ، ويوم السبت الذي هو يوم كمالها وظهورها مشروحة العلل مبينة الأسباب تامة التأثير كاملة الفعل والتدبير ، وفي كل مقام من هذه المقامات السبع سبع سماوات وسبع أرضين ونجوم وبروج وكواكب وأقطاب وبيوت وأشراف وثوابت وسيّارات والعرش والكرسي إلى آخر ما ترى في العالم الجسماني آخر العوالم ، وفي كل سماء وأرض من خلق الله ما لا يعلمه إلا الله وإني أجمل لك الكلام بما أجمله الإمام الهمام محمد بن علي الباقر عليه السلام حيث قـال (( لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف 
____________________
1 النور 40 2 النساء 119
 
 
آدم أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين ))1 على ما رواه الصدوق في الخصال في آخره ، وفي كل عالم من خلق الله ما لا يعلمه إلا الله .
ولما كان خلق العالم ليس عبثا وهباء وإنما هو لأجل إيصال النفع إليهم ولا يكون ذلك إلا بالتكليف وإلا لكان عبثا ووضعا للشيء في غير موضعه أو يكون جبرا واضطرارا لا يتعقل ولا يتصور إلا في محض التلفظ وجب التكليف ، فإذا وجب التكليف تحققت أمور وهي المكلف والداعي والمدعو والدعوة والدليل ، لأن التكليف لا يكون إلا بالمكلَّف وهولا يكون إلا بالمكلِّف وكلاهما لا يكونان إلا بالداعي وهو لا يكون إلا بالدعوة فها هنا خمسة أمور ، الأول المكلِّف وهو الفاعـل والآمر وهو ظهور الذات بالفعل وهو مقام البيـان لأهل المعـاني وهو الـبيـان في { خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ
_________________
1 الخصال 652


الْبَيَانَ }1 قال أمير المؤمنين عليه السلام (( أما البيان فهوأن تعرف أن الله واحد ليس كمثله شيء فتعبده ولا تشرك به شيئا )) فافهم الإشارة ولا تحجبك العبارة ، والثاني الداعي وهو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم سبحانه إلى خلقه وترجمان وحيه من الوجودي والتشريعي في كل مقام بحسبه لأن الخلق لا يمكنهم أن يأخذوا من الحق سبحانه من غير واسطة وسفير وذلك هو الرسول ، والثالث المدعو وهو المكلف بفتح اللام والقابلية الموجودة حين الوجود السائلة المجيبة ، والرابع المدعو إليه وهو السبيل قال تعالى { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ }‏2 وهو جهة الحق سبحانه في الشرعيات الطاعات والعبادات الموصلة إلى الحق وفي الوجوديات لها مراتب ومقامات حسب مقامات المكلفين والقول الجامع هو الذي ذكرناه في الشرعيات ، والخامس المدعو به وهو الدليل لأن الداعي لو لم يكن له دليل لم يقبل منه وذلك لعدم تمكين القابلية فالدليل من تمكين القابلية والإيجاد التكليفي والتكليف الإيجادي متوقفان عليه ، وهذه المراتب الخمسة في كل موجود في كل مقام من المقامات المذكورة والغير المذكورة يجب أن تكون موجودة وإلا لاختل النظام وما استـوى على العرش الـرحمن إذ الخلـق في كل أحوالهم وأطوارهم هم 
السائلون الواقفون بباب الحق الكريم والفقراء اللائذون بجنابه يقرعون باب رحمته ويستمدون من فضله وعطائه ولهم مقامات وسؤالات وإجابات وتكليفات ودلائل وفيها لهم درجات ومواقف .
الموقف الأول في الحجاب الأبيض الأعلى ومقام السر المقنع بالسر ومقام الظاهر من حيث الظهور بالظهور ، السائلين الواقفين ببابه الفقراء اللائذين بجنابه في هذا الموقف والمقام مراتب ومواقف ومقامات . 
المقام الأول في المقام الأول أول المقامات والعلامات وهو الباطن الظاهر بأول الظهور الذي هو نفس الظاهر الـذي هو نـفس الظهور وهو الصبح الصادق الطالع بعـد كشف ظلمة العماء عن شمس الأزل في عالم
___________________
1 الرحمن 3 _ 4 2 النحل 125
 
 
الظهور الإمكاني .
المقام الثاني في المقام الثاني ثاني المقامات والعلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان وهو الباطن من حيث الظهور لكونه تأكيدا للباطن من حيث البطون . 
والمقام الثالث هو ثالث المقامات والآيات هو الظاهر وهو العماء وهو باطن الظاهر وحق الحق . 
والمقام الرابع في المقام الرابع رابع المقامات وهو الظاهر من حيث هو ظاهر والحق والسر المقنع بالسر . 
وفي هذه المواقف والمقامات كلف الله سبحانه واقفيها ومقيميها بأنفسها ففيها المكلَّف والمكلِّف والداعي والمدعو به والمدعو إليه واحد بإلاجمال ، أما في المقام الأول فواحد بلا فرض تعدد واعتبار مغايرة ، وفي المراتب الأخر كل واحد بالآخر ، والتفصيل والبيان لا يحسن أزيد مما ذكرنا إلا أن المجموع من طينة واحدة ونور واحد وسنخ واحد والأول نبي عليهم ورسول من الله إليهم بأمرهم ويبين لهم الوحي بيان المعلم للمتعلم لا بيان السراج للأشعة ويستدل عليه بدليل الحكمة .
الموقف الثاني في المداد الأول وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب السائلين الواقفين ببابه والفقراء اللائذين بجنابه في ذلك أي يدعوهم إلى سبيل ربهم بالحكمة ، فالمكلِّف والآمر هو الله سبحانه بظهوره في المظاهر والمقامات ، والداعي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمدعو هم الواقفون في ذلك المقام وهو المداد والوجود المقيد وبحر الصاد وشجر المزن ، والمدعو إليه الذي هو السبيل هو نفسه لأن الفاعل إنما ظهر له به فهو سبيل ربه إليه وسبيل نفسه إلى الله (( بل تجلى لها بها وبها امتنع منها وإليها حاكمها ))1 وهذا الموقف من الموقف الأول ، ودليلهما واحد 
_________________
1 شرح النهج 13/44 , البحار 4/261 ح 9
 
 
وهو دليل الحكمة الذي هو أعلى الدرجات وأقوى الدلالات لكن الثاني طور وراء طور الأول يعرفه من كان سنخيا وسائر الناس به جاهل .
الموقف الثالث في الدرة البيضاء والحجاب الأبيض الثاني والكون الجوهري والطور والقلم وأول غصن أخذ من شجر الخلد وأول من ذاق الباكورة في جنان الصاقورة ، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب السائلين الواقفين ببابه والفقراء اللائذين بجنابه في ذلك يعني يدعوهم إلى سبيل ربهم بدليل الموعظة الحسنة وأقام لهم الدليل الحق بلسانهم بلباس الموعظة الحسنة لأن أهل هذا البلد لا يعرفون لغة البلد الأعلى لأنه عالم البساطة وهذا عالم التركيب فيجب أن يترجم لهم تلك اللغة بلغتهم { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ }1 وهو صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث على كافة من ذرء الله وبرأه فالمكلِّف والآمر هو الله الظاهر في الخلق بالخلق في المقامات والعلامات كما تقدم ، والداعي هو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والطيبون من أولاده عليهم السلام ، والمدعو أهالي ذلك المقام وهم رجال لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعليهم ثياب بيض كلهم قائمون بطاعة الله سبحانه لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وكيفية دعائه وإقامة الدليل صلى الله عليه وآله وسلم لهم إلى سبيل ربهم هوما قال مولانا العسكري عليه السلام (( وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ))2 فافهم ، والمدعو الذي هو السبيل المداد وهوالوجود الصادر عن المشيئة والماء النازل من السحاب المتراكم الذي به كل شيء حي وهو أمر الله الذي به قامت السموات والأرض وهو الذي 
___________________
1 إبراهيم 4
2 البحار 26/264 ح 50


قدر الله السير في منازله ومقاماته بقوله الحق { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ }1 قـال الباقر عليه السلام (( نحن القرى التي بارك الله فينا والقرى الظاهرة شيعتنا ))2 ، قال مولانا علي عليه السلام (( أنا الذات أنا ذات الذوات أنا الذات في الذوات للذات )) وقال عليه السلام (( فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا ))3 وأنت إن أتقنت النظر فيما تقدم من بيان موضع الرسالة ينكشف لك المراد هنا وعلمت الفرق بين المقامات قال مولانا الصادق عليه السلام (( من عرف الفصل من الوصل والحركة من السكون فقد بلغ القرار في التوحيد )) فافهم إنشاء الله وإلا فأسلم تسلم.
الموقف الرابع في الحجاب الأصفر وعالم الأظلة وورق الآس وقد أمر الله سبحانه أن يجيب السائلين الواقفين في هذا المقام ببابه والفقراء اللائذين بجنابه وأن يقيم لهم الدليل ويدعوهم إلى سبيل ربهم بالدليلين لأن أهل هذا البلد صنفان صنف لهم ربط إلى البلد الأعلى ومجانسة ومشابهة معهم فيعرفون لغتهم ويفهمون لسانهم وصنف مالوا إلى البلد الأسفل الذي هو الموقف الخامس على ما سيجيء فلا يفهمون لغات البلد الأعلى ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم دعى الصنف الأول وأقام لهم الدليل بدليل الموعظة الحسنة التي هي لغة أهل البلد الأول ودعى الصنف الثاني وأقام لهم الدليل بلغة أهل البلد الخامس ، فالآمر هو الله والداعي ومقيم الدليل هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمدعو ما ذكرنا والمدعو إليه الذي هو السبيل هو القلم الأول
____________________
1 سبأ 18
2 لم نقف على هذه الرواية بعينها ولكن وجدنا ما يقرب منها وهو ما روي في الاحتجاج 327 حيث قال عليه السلام (( فنحن القرى التي بارك الله فيها وذلك قول الله عز وجل , فمن أقر بفضلنا حيث بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة , والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا إلى شيعتنا وفقهاء شيعتنا إلى شيعتنا )) .
3 شرح النهج 11/113
 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:48 am

الموقف الخامس في الحجاب الأخضر والزمردة الخضراء والذر الأول أو الثاني أو الثالث واللوح المحفوظ والكتاب المسطور وظهور النقطة في باء بسم الله الرحمن الرحيم مقام ظهور الكثرة (( ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم )) على ما رواه ابن جمهور الإحسائي في المجلي ، وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب السائلين الواقفين ببابه الفقراء اللائذين بجنابه في هذا المقام مقام النقش والارتسام يعني يدعوهم إلى سبيل ربهم ويقيم لهم الدليل دليل المجادلة بالتي هي أحسن لأن أهل ذلك المقام أدنى وأسفل مرتبة من أهالي المقام الأول فيجب أن يدعوهم بلغتهم ويترجم لهم تلك اللغة بلسانهم ليعرفوا المراد ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة ، فالآمر هو الله سبحانه والداعي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمدعو أهل تلك البلدة والمدعو به دليل المجادلة بالتي هي أحسن والمدعو إليه الذي هو السبيل القلم يفيض إلى اللوح وإلى ما سواه وهو العرش الثالث الذي استوى عليه الرحمن برحمانيته فأعطى كل ذي حق حقه وساق إلى كل مخلوق رزقه وهو إشارة إلى تنزلات العقل إلى المراتب السفلية إلى آخر المراتب التي هي مرتبة الجماد ثم أخذ يصعد بتوفيق الله ومدده إلى المراتب العالية إلى آخر درجات العلو في التكوين إلى أن انتهى إلى رتبة الجامع عليه السلام ثم أخذ في الصعود إلى الأسماء من رفيع الدرجات إلى اسم الله البديع فتمّ العرش ودارت الدائرة فهو قطب لها تستمد منه وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام (( أنا قطب رحى الإسلام )) وقوله عليه السلام (( أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ))1  وقوله عليه السلام (( سر القرآن في الحمد وسر الحمد في البسملة وسر البسملة في الباء وسر الباء في النقطة وأنا النقطة تحت الباء )) فالعقل سبيل الله إلى الخلق في الإيجاد والانوجاد وإيصال المدد إليهم من رب العباد وسبيل الخلق إلى الله في صعود الأعمال والأفعال والاعتقادات إليه تعالى ، وقد أشرنا إلى الأول النازل بأحاديث يتعلق وجهها الأوسط بهذا المقام ، وأما إلى الثاني الصاعد فالإشارة 
___________________
1 شرح النهج 1/151
 
 
إليه كما في قوله تعالى { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ }1 وقوله عليه السلام (( تدلج بين يدي المدلج من خلقك ))2 وقول مولانا علي عليه السلام (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا ))3 وقـوله تعالى { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ }‏4 قال الباقر عليه السلام (( سبيل الله هو علي عليه السلام والقتل في سبيل الله هو القتل في سبيل علي عليه السلام )) وليس أحد يؤمن بهذه الآية إلا وله قتلة وميتة وبيان ذلك ما تقدم لك من الكلام وكذلك الكلام في المواقف الأخر من العوالم الألف ألف فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقام الدلائل من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن في كل مقام في التكوين والتشريع ، أما التكوين فكما عرفت وأنا الآن أذكر مثالا حتى يتبين الأمر واضحا . 
فأقول إن النار لما تعلقت بالدهن وأثرت فيه بمسها له وجدت الشعلة التي هي السراج ، ولما وجدت الشعلة ظهرت الأشعة ، فالمؤثر هو النار الظاهرة فيها والقابلية هي الدهن والمقبول مس النار للدهن أي الأثر الحاصل من التعلق ، والشعلة هي الشيء المركب منها ، والأشعة هي آثار ذلك المركب وظهوراته وتطوراته ، وهذه المراتب كلها متقومة بالنار ومستمدة عنها وهي دائما تمدها بالتكليف والدليل وتدعوها إلى السبيل وسبيل النار إلى المس نفسه وسبيله إلى الأشعة المس وسبيلها إلى الأشعة الشعلة ، فالنار تدعو المس إلى سبيلها بدليل الحكمة وتدعو الشعلة إلى سبيلها بالموعظة الحسنة وتدعو الأشعة إلى سبيلها بدليل المجادلة بالتي هي أحسن ، ولك أن تجري هذه الأدلة في كل مقام فلنمثل بالأشعة لأنها أظهر لأن السراج يدعو النار الواحد المنبسط على جميع أعيان الأشعة وأقطارها بالحكمة ، ويدعو ذلك النور من حيث ارتباطه بالأشعة وبقاء وحدته الواحدية في تلك الارتباطات والكثرات إلى سبيل النار بدليل الموعظة الحسنة ، ويدعو ذلك النـور أيضا من حيث 
_______________________
1 سبأ 18
2 البحار 87/189 ح 5
3 الكافي 1/184 4 آل عمران 157
 
 
صيرورته أشعة مختلفة متكثرة محتجبة عن مشاهدة ذلك النور الواحد إلى سبيل النار بدليل المجادلة بالتي هي أحسن . 
وأما التشريع فاعلم أن عليا عليه السلام هو السبيل الأعظم للخلق إلى الله ولله إلى خلقه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى ولاية علي عليه السلام الذي هو حامل لولاية محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو حقيقة ولاية الله فأقام الدلائل على الولاية ودعاهم إليها ، فقد دعى أهل الحكمة إلى سبيل ربهم الذي هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بأن يفنوا في ذاتهم وحقائقهم التي هي مثال ربّهم ويوحّدوا الحق سبحانه بالتوحيد الحقيقي وينسوا أنفسهم وجهة إنيّتهم ولا يروا لهم تذوّتا وتحققا على ما يناسب مقامهم ونهاهم عن الالتفات إلى الغير وإثبات السوى وملاحظة شيء سوى الله حتى الملاحظة وقطع الـنظر وحتى المحبة قال مولانا الصادق عليه السلام (( المحبة حجاب بين المحب والمحبوب )) قال أمير المؤمنين عليه السلام الحقيقة (( كشف سبحات الجلال من غير إشارة )) ، فأهل الحقيقة هم الكاشفون لسبحات الجلال من غير إشارة فإن ارتكبوا ما نهوا عنه فقد عصوا وتردّدوا وشكوا في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وخالفوا الدليل فإنه فؤادهم وحقيقتهم والنور الظاهر فيهم من نور ربّهم سبحانه الذي ظهر هناك من غير حيث وكيف ، واستغفارهم هو المتلقّي بالكلمات والتسليم له بإمرة المؤمنين ألم تسمع قول أمير المؤمنين عليه السلام في سبب شكّ أيوب عليه السلام قال عليه السلام (( لما كان عند الانبعاث عند المنطق شكّ وأيوب وبكى في ملكي فقال هذا خطب جليل وأمر جسيم فأوحى الله تعالى إليه يا أيوب أتشكّ في صورة أنا أقمته إني ابتليت آدم بالبلاء فوهبت له وصفحت عنه بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين فأنت تقول خطب جليل وأمر جسيم فوعزتي لأذيقنّك من عذابي أو تتوب إليّ بالطاعة لأمير المؤمنين عليه السلام، قال عليه السلام ثم أدركته السعادة بي ))1 وهذه التوبة والاستغفار والطاعة لأمير المؤمنين عليه السلام هو الـرجوع إلى مقامهم الحقيقي ومنزلهم الواقعي وأهـل هذا المقام 
_________________
1 تأويل الآيات ص 494 _ 495
 
 
يستغفرون من هذه الجهة لأنه التقصير العظيم الذي لا يتصوّر فوقه قال الشاعر :
لقد قلت ما أذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل الموعظة الحسنة إلى سبيل ربهم بفعل جميع المستحبات والواجبات وأن لا يلاحظوا إلى الشيء لا من حيث الأثرية ويقفوا مقام ( ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله أو معه ) وأن يوحدوا الحق سبحانه بالتوحيد الشهودي كما قال مولانا الحسين عليه السلام (( أيـكون لغيرك من الظهور ما ليـس لك حتى يكون هو المظهر لك ))1 ، ونهاهم عن جميع المكروهات والمحرمات وملاحظة الأسباب وعما ينافي التوحيد الشهودي من الاستدلال بالدليل الإنيّ لأن مقامهم ( إن الله أجل أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به ) فإذا ارتكبوا المكروه فضلا عن الحرام ولم يفعلوا المستحب فضلا عن الواجب فقد عصوا وشكوا وترددوا في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، واستغفارهم هو التلقي بالكلمات التي تلقى بها آدم من ربه وهي (( اللهم إني أسألك بحق محمد وأنت المحمود )) إلى آخر الدعاء والتسليم له عليه السلام بإمرة المؤمنين ، ومعنى هذا التسليم الرجوع إلى الله والندم على ما سلف من الذنوب بالنسبة إليه ، وإن يونس عليه السلام لما قبل الولاية وأقر بها أخرجه الله من بطن الحوت وكان هذا القبول هو قوله عليه السلام في بطن الحوت كما أخبر الحق سبحانه عنه بقوله تعالى { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَـكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَـبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ 
_________________
1 دعاء عرفة لمولانا الحسين عليه السلام
 

وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ }1 المقرين بولاية أمير المؤمنين عليه السلام .
ودعى رسوالله صلى الله عليه وآله وسلم أهل المجادلة بالتي هي أحسن إلى سبيل ربهم بفعل جميع الواجبات وأن لا يشركوا مع الله أحدا في الذات والصفات والأفعال والعبادة ، ونهاهم عن المحرمات وعما ينافي التوحيد العوامي من إثبات التعدد والقول بقدم الماهيات والحقائق والتكلم في ذات الله سبحانه أو في إحدى الصفات الذاتية أو كلها كالعلم والقدرة الذاتيتين ، والقول بأن علم الله مستفاد من العلوم ، وأن الله ليس له إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وأن مشيته وإرادته عين ذاته سبحانه ، وأن صفات الأفعال مباديها ذاته تعالى ومتعلقاتها حادثة ، وأن شريك الباري يتصور ويتعقل وأمثال ذلك من الأمور التي ورد النهي الصريح في الشرع ويدل عليها العقل السليم ، فإن ارتكبوا ما نهوا عنه وعصوا فقد أنكروا ولاية أمير المؤمنين وشكوا وترددوا فيها ، واستغفارهم هو أن يقولوا تلك الكلمات بظاهرهم وباطنهم بظاهرها وباطنها ويسلموا له بإمرة المؤمنين على المعنى الذي ذكرنا .
وجعل عليه السلام من إشاراته وتلويحاته وتصريحاته في أقواله وأفعاله وأعماله دليلا عليه في التكوينيات والتشريعيات بحيث لن تجد شيئا إلا وتجد فيه دليلا واضحا وبرهانا لائحا من إرشاداته عليه السلام على حقيته وبطلانه وصحيحه وفاسده وحسنه وقبحه ومخالفته وموافقته يطلع الفقيه العارف على ذلك الدليل القائم على كل شيء في كل شيء في كل أحواله من التوحيد والتمجيد والنبوة والرسالة والإمامة والولاية وسائر أحوال البدء والعود من الشرعيات التكليفية لا يضيق الأمر على الماهر المتتبع العارف الفقيه باللغة العربية الحقية الحقيقية والظاهرية وإن خفي على غيره ، ثم إنه ما يظهر الأمر لأحد من تلك الدلائل التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل شيء سيما في الأحكام التكليفية التشريعية إلا إذا أراد صلى الله عليه وآله وسلم وليس كل من طلب وجد ولذا قالوا عليهم السلام (( ما من شيء إلا 
____________________
1 الأنبياء 87 _ 88
 
 
وفيه كتاب أو سنة ))1 وقالوا عليهم السلام (( إنا لا ندخلكم إلا فيما يصلحكم )) فلا يمكن أن يوجد شيء مهمل الحكم ومهمل البيان ولا يمكن أن لا يذكر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام ذلك في كلماتهم وإشاراتهم ولا ينصبوا له دليل حق من إرشاداتهم وإلا لم يكونوا حجة بالغة ولم يكمل الدين ، ولا يمكن أن يحتاج إلى شيء أحد من الرعية فمنعوه عنه لأنهم أعضاد للخلق وأركان للبلاد وأدلة رشد للعباد ، ولا يمكن أن لا يقتدروا على التبليغ عند اختفاء أشخاصهم وأبدانهم وهياكلهم البشرية عن أعين الحق للمستحقين لأنهم أيدي الله الباسطة بالإنفاق ونوره المالئ كل الآفاق ، وعلى هذا لجاز لأحد أن يقول إن الله لم يقدر أن يعطي كل ذي حق حقه لاختفائه عن الأبصار تعالى ربي عن ذلك ، وهم عليهم السلام وجه الله لكل ذرة من ذرات الكائنات لا تعطيل لهم في كل مكان كما مر غير مرة فما بقي إلا كما قال عليه السلام (( أقام الدلائل )) على جهة العموم كما يدل عليه الجمع المحلى باللام ، فأقام لكل شيء دليلا على كل شيء بحيث لا يخفى على المتتبع الماهر العارف باللغة ، وهذا الاختلاف في أرباب الملل والأديان أغلبه من جهة إعراضهم عن ذلك الدليل الذي أقامه صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما الناظرون المتمسكون بالدليل فأغلبهم ما توقفوا للتمسك 
_____________________
1 الكافي 1/59 ح 4


الكلي فلذا {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ }1 والمتمسكون على الحقيقة أيضا من جهة مصلحة كينوناتهم لبقاء أشخاصهم وأنواعهم أوقعوا الخلاف بينهم فأخفوا عليهم السلام بعض القرائن عن بعض وأظهروها لآخرين فلو أظهروا للأولين ما ظهر للآخرين لارتفع الخلاف من البين إلا أن ذلك لا يطابق كينونة الوجود في الحكم الثانوي كما قـال لعبيد بن زرارة (( راعيكم الذي استرعاه الله أمر غنمه أعلم بمصالح غنمه إن شاء فرق بينهما 
____________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 11:49 am


لتسلم وإن شاء جمع بينها لتسلم ))1 وهذا الاختلاف غيب في هذه السفن الجارية في اللجج الغامرة لئلا يتسلط عليها الملك الذي من ورائهم يأخذ كل سفينة غصبا ، فهذا الاختلاف أيضا منهم نشأ ودليله قام بهم عليهم السلام وأدلتهم عليهم السلام ظاهرة وأعلام حجتهم باهرة وأنوار براهينهم في كل كلي وجزئي ساطعة وشموس بياناتهم على أراضي قلوب شيعتهم مشرقة ما أمسكوا عن بيان شيء وما أبهموا أمرا من الأمور وما أحوجوا رعاياهم إلى غيرهم ، كيف وقد { جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }2 وليس من العطف والرحمة والرأفة أن يجعل المنقطعين إليه والقارعين بابه والمنيخين بفنائه في ظلمة بهماء حاشا وكلا بل أدى الرسائل وأقام الدلائل وأتم الحجة وأوضح المحجة إلا أن الأعمى لا ينتفع بمصباح الهدى ولا تنكشف عنه ظلم الدجى قال الشاعر :
قد تنكر العين ضوء الشمس عن رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
وروى الكليني في روضة الكافي ما معناه ولم أحفظ لفظه أن مولانا الصادق عليه السلام قال لواحد من أصحابه وأظن أنه المفضل (( كيف بكم إذا أتاكم زمان هرج ومرج فبكى الرجل قال عليـه السلام والله إن أمرنـا أبين من 
_________________
1 لم نقف على هذه الرواية بعينها فيما عندنا من المصادر ولكن وقفنا على ما يقرب منها وهي ما رواه في البحار 2/246 ح 59 (( راعيكم الذي استرعاه الله خلقه وهو أعرف بمصلحة غنمه في فساد أمرها فغن شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها ليأمن من فسادها وخوف عدوها )) .
2 التوبة 128


الشمس الظاهرة ))1 وهو كما قال عليه السلام ، فلنقبض عنان القلم خوفا من التطويل وصونا من أصحاب القال والقيل قال الشاعر :
وإياك واسم العامريـة إنـني أخاف عليها من فم المتكـلم
أخاف عليك من غيري ومني ومنك ومن مكانـك والزمان
فلو أني جعلتك في عيـوني إلى يـوم القـيامـة ما كفاني
____________________
1 ذكر المصنف أعلى الله مقامه هذه الرواية بالمعنى ونحن نذكرها هنا بالنص تيمنا ففي الكافي 1/336 ح 3 عن المفضل بن عمل قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إياكم والتنويه , أما والله ليغيبن إمامكم سنينا من دهركم ولتمحصن حتى يقال مات قتل هلك بأي واد سلك , ولتدمعن عليه عيون المؤمنين , ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه , ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى من أي , قال : فبكيت , ثم قلت فكيف نصنع , فنظر إلى شمس داخلة في الصفة , فقال يا أبا عبد الله : ترى هذه الشمس , قـلت : نعم , فقال : والله لأمرنا أبين من هذه الشمس ))


 
قوله عليه السلام وختم الرسائل
الختم إشارة إلى البدء قال الله عز وجل { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }1 وقال أيضا سبحانه وتعالى { وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا }‏2 وقال عليه السلام في الدعاء لمحمد وآله ((وأدخلهم مسجدك عودا كما دخلوه أول مرة )) وبيان حقيقة هذا المطلب وسره ومنشئه وأصله يحتاج إلى بحث طويل وفيه أيضا بيان ما لا يحسن بيانه لعدم إتيان أوانه . 
ومجمل القول فيه هو أن كل شريف يجب أن يكون في عالم الظهور أخيرا وكل كثيف يجب أن يكون في عالم الظهور أولا ، فكل شريف مقدم في الوجود مؤخر في الظهور وكل كثيف مؤخر في الوجود مقدم في الظهور ، وذلك لاجتثاث الكثيف والباطل واستقامة الحق و ثباته وإظهار مستجنات السرائر ومطويات الضمائر ، ولما كان الله سبحانه خلق الخلق والسموات والأرض في ستة أيام يوم العقل وهو يوم الأحد ويوم النفس وهو يوم الاثنين ويوم الطبيعة وهو يوم الثلاثاء ويوم المادة وهو يوم الأربعاء ويوم الصورة والمثال وهو يوم الخميس ويوم الجسم وهو يوم الجمعة وفيه جمعت المراتب وخفيت وماتت ، ثم أظهرها في ستة أيام أخر يوم النطفة وهو يوم الأحد ويوم العلقة وهو يوم الاثنين ويوم المضغة وهو يوم الثلاثاء ويوم العظام وهو يوم الأربعاء ويوم اكتساء اللحم وهو يوم الخميس ويوم أنشأناه خلقا آخر وهو يوم الجمعة فهناك اجتمعت المراتب كلها ظاهرة، ويوم السبت يوم كمالها وظهورها مشروحة العلل مبينة الأسباب فتمام الشيء في الستة وكماله في السبعة وهومقام ظهور العقل ، فالعقل أول ما وجد في القوس النزولي فاستنطقه الله ثم قال له أقبل فأقبل ثم قال أدبر فأدبر عن الخلق فأخذ يصعد فأول ما ظهر في النطفة ثم في العلقة ثم في المضغة ثم في العظام ثم في اكتساء اللحم ثم في الروح القديمة وهي النفس الحيوانية الحساسة الفلكية ثم في مقام 
________________________
1 الأعراف 29 2 الإسراء 7
 
 
الرضاع ثم في مقام العظم ثم في مقام الصبى ثم في مقام التمرين ثم في مقام المراهقة ثم في مقام البلوغ الذي هو مقام ظهوره في مقامه ثم أخذ يصعد في تمامية الظهور وقوته ونموّه شيئا فشيئا إلى الثلاثين فهناك يتم نموّه ثم يأخذ في الكمال في رتبته ومقامه إلى الأربعين فهنا نهاية الترقي ونهاية الظهور ، وهذا حكم جار في كل مراتب التكوين والتشريع في الكلي والجزئي والذاتي والصفتي والعلوي والسفلي ، ثم يأخذ في النزول فيضعف شيئا فشيئا على ترتيب قوته حتى يناله نصيبه من الكتاب ويبلغ الكتاب أجله فهناك تنهدم البنية وتنكسر الصيغة ثمّ تصاغ جديدا ، فأول صعوده في المحشر أوأول نزوله إلى مقامات صعوده إلى أسفل السافلين أعاذنا الله منه ، ثم في ما إذا سقي من عين الكافور ثم عند سقيه من عين السلسبيل ثم عند أكله كبد الثور ثم عند أكله كبد الحوت ثم عند وقوفه في الكثيب الأحمر ثم عند وقوفه في الرفرف الأخضر ثم عند وقوفه في أرض الزعفران ثم عند وقوفه في مقام الأعراف ثم عند وقوفه في مقام الرضوان وهذا ختم المقام فيترقى في هذا المقام إلى ما لا نهاية له ، ولما كان العالم الجزئي على مثال العالم الكلي جرت هذه الأحكام كلها في العالم الكلي حرفا بحرف ، ولما كان القلب الذي هو القطب في العالم الجزئي قد تطور في ظهوره مترقيا في ستة أطوار من النطفة والعلقة وغيرهما إلى أن ظهر بالظهور المطلق وكانت تلك الشئون أطوار ظهورات القلب فعند كل طور كان يقتضي حكما من الأحكام إلى أن يظهر في مقام الحياة ، فكذلك العالم الكلي إنما تمّ ظهوره في هذه الأطوار الستة على حسب قواه الكلية ولما كان كل طور يقتضي حكما كليا خلاف ما كان يقتضي الطورالأول لزوال المقتضى عند زوال المقتضي فيقتضي الحكم الكلي الثانوي وزوال الأولي والله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، جعل الله سبحانه لكل طور من هذه الأطوار الستة حكما كليا خاصا به وذلك الحكم هو الشريعة الخاصة بأهل ذلك الوقت وكينونات أحوالهم من الشريعة الوجودية في تلطيف بنيتهم وأبدانهم وعدمه ورقّتهم وغلظتهم واعتدال هوائهم وعدمه وقلّة معرفتهم وكثرتها وأمثال ذلك من الأحوال الجارية عليهم على مقتضى ذواتهم وصفاتهم وأعيانهم وأكوانهم مما جرى في علم الغيب من بدء شأنهم ، ومن الشريعة التكليفية العملية الوصفية من طهاراتهم وصلواتهم وعباداتهم ومعاملاتهم ، ولما كان كل طور من هذه الأطوار قشور مقام أنشأناه خلقا آخر ومعدات سيالة لظهور ذلك المقام كانت أطوارهم وأوطارهم وأحوالهم قشورا وظواهر لمقتضات أطوار ذلك المقام وأوطارهم فكانت شريعتهم قشورا وظواهر للشريعة المختصّة بذلك المقام ، فكانت الأنبياء الحاملون لتلك الشرائع قشورا وأمثال للنبي الحامل لتلك الشريعة إذ السلسلة في القوس الصعودي تترقى من الأسفل إلى الأعلى فلما انقضت مدّة مقتضيات كل طور نسخت الشريعة الخاصة به وأتت الشريعة الخاصة بالآخر إلى أن أتى الطورالثابت المستقل مثل مقام الحياة فظهرت تلك الشريعة وظهر الأصل الحامل لها ومحيت آثار غيرها لأنها قشور تفنى وتعدم عند ظهور اللب والأصل فرجع الآخر إلى الأول والأول إلى الآخر ، فلما كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو صاحب الشريعة السادسة كان صلى الله عليه وآله وسلم هو الخاتم لأنه كان هو الفاتح لأن المقام السادس لا فناء له ولا زوال ولا اضمحلال فتبقى أحواله ومقتضياته ، نعم هو يضعف ويقوى شيئا فشيئا إلى أن يبلغ مقام البلوغ فإن العلقة إذا ظهرت وتحققت بطلت أحوال النطفة وأحكامها ومقتضياتها وكذا المضغة إذا ظهرت وتحققت بطلت آثار العلقة وأحوالها بالكلية وأما الروح إذا ولجت في البدن وحيي البدن فلا تفنى ولا تبطل ، والروح هي القطب المستدير المدبر للبدن كله وتلك المراتب المتقدمة كلها إنما هي لإظهارها ، نعم هي في أول ظهورها وبروزها ضعيفة فتقوى شيئا فشيئا فهنالك تختلف الأغذية التي تغتذي بها ، وكذلك شريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لأن ظهوره صلى الله عليه وآله وسلم كالروح المحيية للبدن فحيي العالم بظهوره صلى الله عليه وآله وسلم واستنارت القلوب ومحيت الظلمات ومنعت الشياطين عن استراق السمع وذلك لغلبة النـور المستدعية لنفي المناسبة أو قلّتها ، لكن في أول بعثته وأوان ظهوره صلى الله عليه وآله وسلم ما أظهر أسرار شريعته واقتصر على القشور والظواهر ثم طرأ على بعض الجزئيات أحكام النسخ ووقع الاختلاف كل ذلك لضعف بنية المكلفين وقلة ثباتهم في اليقين وعدم رسوخهم في الدين وغلبة الظلمة باستيلاء الشياطين عند ظهور النفس الأمارة بالسوء إلى أن يأتي أوان بلوغ العالم الأكبر وهو إذا خرج مولانا القائم عليه السلام وهو إشارة إلى أول ظهور العقل الذي هو القائم في الذات في الجزئي ، ولذا أول ما يظهر العقل في البدن تراه ضعيفا ليس له ناصر والبدن قد تصرفت فيه النفس الأمارة بالسوء ، وكذلك مولانا القائم عليه السلام عجل الله فرجه لا يظهر حتى إذا امتلأ العالم جورا وظلما فيملأه عدلا وقسطا إنشاء الله وهو أول النشاط وغلبة ظهور العقل والأمر الإلـهي يترقى فيأخذ في الصعود والترقي إلى أن يظهر مولانا الحسين عليه السلام ويرجع بعد الوفاة ويظهر الأرض إلى أن يرجع سيدنا ومولانا علي عليه السلام في الكرّة الثانية ويقاتل إبليس فينزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقتل إبليس فتبقى الأرض طاهرة مطهرة نقية زكية ، وهذا بلوغه إلى ثلاثين سنة التي هي تمام النشاط والقوة هنالك محل ظهور خاتم الرسالة بالظهور الأولي البدئي وفي الرسالة التكوينية والتشريعية ، ومقام ظهور ليظهره على الدين كله كما كان في البدء كذلك فإن الأنبياء عليهم السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم أخذوا وبه في الأحكام الإلهية استندوا وبشريعته عملوا وعلى الكتاب المنزل عليه حكموا فهم { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَـهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِـأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }1 لأنهم عنده صلى الله عليه وآله وسلم كالشعاع للمنير ، فالمنير يحيط بجميع أحوال الأشعة علما لا يخفى عليه شيء من أحوالهم مما بين أيدهم وما خلفهم لأن الكروبيين الذين إذا ظهروا بقدر سم الإبرة من نورهم لا يطيق أولوا العزم من الرسل التثبت عنده والتحمل لديه فخر مغشيا عليه واحد من رعايا محمد وآله عليهم السلام وشيعتهم خلقوا من شعاع أنوارهم ولذا قال تعالى في باطن بـاطن التـفسير { يَعْلَمُ } أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أي الأنبياء { وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } دينه بولاية الولي عليه السلام على المعاني الكثيرة في التكويـن والـتشريع { وَهُم مِّنْ خَشْيَتِـهِ } أي من خشية الله الحاصلة من نور العظمة الظاهرة في محمد صلى الله عليه وآله وسلم 
___________________
1 الأنبياء 26 _ 28
 
 
والطيبين من آله عليهم السلام { مُشْفِقُونَ } أي حذرون {* وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ } أي الأنبياء { إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ } أي يصل إلي الفيض والمدد أو أني أبلّغ وأبيّن وأترجم للرعايا حكم الله سبحانه من دون توسط محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأخذ منه والتسليم له والإقرار بذل العبودية الرقية لله سبحانه بطاعته صلى الله عليه وآله وسلم وولاية الطيبين من أولاده وأحفاده عليهم السلام كما رواه محمد بن جرير الطبري من العامّة وأخطب خوارزم منهم في تفسير قوله تعالى { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا }1 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( ليلة أسري بي إلى السماء فاجتمعت مع الأنبياء في المسجد الأقصى فأتاني جبرائيل وقال يا محمد : اسأل الأنبياء بماذا بعثتم فسألتهم فقالوا بعثنا بشهادة أن لا إلـه إلا الله وبنبوتك وبولاية علي بـن أبي طالب عليه السلام )) ، { فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ }‏2 آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقهم والملحدين في أسماء الله .
وبالجملة فلما كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في البدء هو الأصل والقطب لأكوار الوجود وأطواره والشرائع كلها شرائعه والأديان كلها دينه والملل بأسرها ملّته والنواصي كلها بيده ومصادر الأمور عنه ومواردها إليه في العوالم العلوية وفي السفليات أظهروا أطوارهم وأشباحهم المحتجبون بها عن الخلق ، فالعارفون لم يزالوا على يقين في أمر ربهم ونبيهم لا تلهيهم التجارة ولا البيع أي الكثرات الظاهرة والأسباب الواردة عن ذكر الله وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإقام الصلاة وهي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام والطيبين من أولاده وإيتاء الزكاة وهو التبرّي من أعدائهم ومخالفيهم ، والجاهلون في مقام الفرق والكثرة متحيّرون ، والمعاندون لخبائث بواطنهم 
___________________
1 الزخرف 45
2 الأنبياء 29


وقبائح سرائرهم مظهرون إلى أن ظهر سر { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}1 فتشعشعت الأنوار الأحمدية وظهرت إشراقات شمس الحقيقة المحمدية فاستنارت العوالم وحييت قلوب بني آدم فكانت بتلك الإشراقات بصفي قوابل الاستعدادات وتلطف أراضي القابليات لتصعيدها إلى السماء لإلقاء مثال الكينونة وإظهار جلال الربوبية إلى يوم قتل إبليس لعنه الله فهناك ظهرت الأراضي الكلية والجزئية واستنارت وتلألأت ، تجلى لها النور المحمدي صلى الله عليه وآله وسلم فأشرقت وطالعها فتلألأت فألقى في هويتها مثاله الجسمي فاستنارت فيكون العود الدنياوي كالبدء الدنياوي من اليوم الذي خلقت السماوات وكان طالع الدنيا سرطان والكواكب في أشرافها وهو معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السموات والأرضين ))2 ، كان بدء بعثته صلى الله عليه وآله وسلم أول الاستدارة وعند قيام القائم عليه السلام وظهور الاستدارة وعند ظهور مولانا علي عليه السلام في الكرّة الثانية تمام الاستدارة وعند نزوله صلى الله عليه وآله وسلم لسر الخاتمية كمال الاستدارة , ولذا تظهر الجنتان المدهامتان في ظهر الكوفة وما ورائها إلى ما شاء الله ، ثم لما جاء أمر الآخرة وانقضت مدة الدنيا صعد الله سبحانه بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء فيبقى أهـل الأرض في هرج ومرج أربعين يـوما ثم ينفخ إسرافيل نفخة الصعـق { فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ } وهم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاء الله أن لا يصعقوا لأنهم وجه الله الذي لا يهلك 
__________________
1 الأعراف 29
2 الخصال 487 


أبدا ولا يفنى سرمدا وهذا موت العالم الأكبر فيبقى ميتا أربعمائة عام { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ }1 وهو بعث العالم الأكبر { وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا }‏2 وهو محمد وآله صلى الله عليه وآله وسلم عادوا كما بدؤوا في الظهور وإلا فهم لم يزالوا في حالتهم وكينونتهم ومقامهم المحمود فأشرقت أرض المحشر بهم وهم نور ربهم ، وجيء بالكتاب والنبيين وهذا بيان لإشراق نور الرب والكتاب هو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وهو الكتاب الذي ينطق بالحق أعمال كل أحد قال تعالى { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم 
__________________
بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }1‏ ورد أن ذلك هو علي عليه السلام ، وأحاديث عرض أعمال الخلق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام كادت أن تبلغ حد التواتر ، والنبيين هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في تفسير قوله تعالى { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }2 أن المراد بالنبيين هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصديقين هو علي عليه السلام والشهداء هو الحسين عليه السلام وحسن أولئك رفيقا هو القائم عليه السلام . 
وبالجملة في المحشر هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الوسيلة وهي المعروفة في الأخبار وعلي عليه السلام تحته بمرقاة فيأتى بلواء الحمد ظاهرا كما كان باطنا ويعطى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فيعطي عليا عليه السلام ثم يأتى بمفاتيح الجنة والنار فيؤتى إياه فيعطي عليا عليه السلام ثم يرد إليهما أمر الخلائق في الحساب والميزان والصراط وإليهما عليهما السلام الإشارة في قوله تعالى { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ }‏3 ، فظهر العود كالبـدء كما أن الخلق بهما وجدوا وبنورهما تـأصلوا فرجع في العود 
___________
أمرهم إليهما وإلى الطيبين من أولادهما { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }1 فاختتم بهم كما افتتح بهم (( بكم فتح الله وبكم يختم ))2 ، ثم إذا أدخلوا أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وجازوا كل أحد بميزان القسط من أعمالهم كانوا ظهور الحق سبحانه لأهل الجنة وتجليه لهم فهم ملوك الجنة ويأتي أهلها كل يوم جمعة لزيارتهم وهي زيارة الرب التي وردت في الأخبار إذ القديم سبحانه منزه عن أن تنال إليه أيدي الأبصار والعقول تعالى ربي عن ذلك علوا كبيرا ، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الخاتم لأنه هو الفاتح وهو الفاتق لأنه هو الرّاتق وإليـه المرجع لأنه منه البدء وإليه يرجع الأمر كله قال الصادق عليه السلام (( إن الضمير في إليه يرجع إلى الولي عليه السلام فاعبده والضمير فيه يرجع إلى الله سبحانه )) يعني اعبدوا الله بهذا الاعتقاد ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصل الولاية وحقيقتها فهو صلى الله عليه وآله وسلم ختم الرسائل الوجودية والشرعية في المراتب كلها فليست بعده رسالة ولا نبوة إذ المقتضي دائم الاقتضاء والمانع دائم الارتفاع { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }3 .
__________________
1 الأعراف 29
2 الزيارة الجامعة الكبيرة 
3 يس 38
 

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 2:55 pm

قوله عليه السلام نصر به المسلمين
أتى بالجمع المحلى باللام ليفيد الاستغراق ، فكل مسلم من أول الإيجاد إلى آخر نهايات الانوجاد في عالم الذرات وخلق النسمات إلى ما لا نهاية له في التكوين والتشريع إنما نصرهم الله سبحانه بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والطيبين من آله وأولاده وأحفاده عليهم السلام روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (( لم تجد عند أحد حقا إلا بتعليمي وتعليم علي عليه السلام ))1 هذا معنى الحديث.
أما المسلمون في التكوين فكما بينـا سابقا عند قولـه عليه السلام (( أشهد أن لا إله إلا هو )) وقد أشار مولانا الرضا عليه السلام إلى ذلك بقوله (( وفي يوم الغدير عرض الله الولاية على أهل السموات السبع فسبق إليها أهل السماء السابعة فزين بها العرش ثم سبق إليها أهل السماء الرابعة فزينها بالبيت المعمور ثم سبق إليها أهل السماء الدنيا فزينها بالكواكب ثم عرضها على الأرضيين فسبقت إليها مكة فزينها بالكعبة ثم سبقت إليها المدينة فزينها بالمصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم سبقت إليها الكوفة فزينها بأمير المؤمنين عليه السلام وعرضها على الجبال فأول جبل أقرّ بذلك ثلاثة أجبال العقيق وجبل الفيروزج وجبل الياقوت فصارت هذه الجبال جبالهن وأفضل الجواهر وسبقت إليها جبال أخر فصارت معادن الذهب والفضة وما لم يقر بذلك ولم يقبل صارت لا تنبت شيئا ، وعرض في ذلك اليوم على المياه فما قبل منها صار عذبا وما أنكر صار ملحا أجاجا ، وعرضها في ذلك اليوم على النبات فما قبله صار حلوا طيبا وما لم يقبل صار مرّا ، ثم عرضها في 
__________________
1 ذكر المصنف أعلى الله مقامه وأنار الله في الدارين أعلامه هذا الحديث بالمعنى , ونحن نورده هنا بالنص تيمنا كما ورد في البحار 26/345 ح 18 (( وكل شيء يسبح لله ويكبره ويهلله بتعليمي وتعليم علي عليه السلام )) والحديث طويل وجليل أخذنا منه موضع الحاجة فمن أراد الزيادة فليراجع . 
 
 
ذلك اليوم على الطير فما قبلها صار فصيحا مصوتا وما أنكر صار أخرس مثل اللّكن ، ومثل المؤمنين في قبولهم ولاء أمير المؤمنين عليه السلام في يوم غدير خم كمثل الملائكة في سجودهم لآدم ، ومثل من أبى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الغدير مثل إبليس ، وفي هذا اليـوم أنـزلت هذه الآيـة { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا }1 ))2 .
فأشار عليه السلام إلى بعض وجوه نصرة المسلمين من الموجودات العلويّة والسفلية والأصل في ذلك ومجمل القول فيه أنّ نصرة الشّيء بإعطاء مادتة وصورته وتهيئة أسباب قوابله وشرائط ترقياته ومكملاتها ومتمماتها وإيجاد الدّواعي والبواعث والميولات الذّاتية الحقيقيّة إلى الخيرات والكمالات على حسب القابليات ونهج الاستعدادات وتيسير المسبّبات بالأسباب وتمكين القوابل والماهيّات ورفع الموانع والعوارض عن مقابلة فوّارة النور والرجوع إلى عالم السرور ، وهذه الأمور وأمثالها إنما ظهرت وانتشرت ووجدت وتحقّقت في الأشياء كلّها تحت الحجب والسرادقات إلى ما لا يزال بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام فلا يصل إلى مخلوق فيض مادّي أو صوري إضافي أو وضعيّ رابطيّ أو أصليّ إلا بهم ومنهم وعنهم عليهم السلام لأنّهم أبواب الإفاضة والاستفاضة في كل شىء قال مولانا وسيّدنا الصّادق عليه السلام (( إنّ الله خلق المؤمنين من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخ 
__________________
1 المائدة 3
2 الإقبال 465 , البحار 27/262 ح 5 


المؤمن لأبيه وأمّه أبوه النور وأمّه الرّحمة ))1 فالنّور هو مادّتهم والرّحمة هي صورتهم ، لأنّ النّور مدخول من وكلما هو كذلك في مقام الصنع فهو المادة كما تقول صنعت الخاتم من الفضّة وصنعت السرير من الخشب ، والرحمة هي الصّبغ وهي الصّورة ، وهذا النّور هو نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ النّور في قوله تعالى {* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ }2‏ هو محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كما دّلت عليه الرّوايات الكثيرة ، وظهر ذلك النّور في العرش الذي هو محدّد الجهات ومنه ظهر في الشمس وهي تربّي المواد أي مواد الأجسام وحقائقها ولذا يرى فيها الأنوار الأربعة إذا نظرت إليها في البلور أو تحت حجاب أسود وهو دليل على أنّها مثال العرش وصفته ودليله ووجهه لأن العرش مركّب من أربعة أنوار كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن علي بن الحسين عليه السلام ، فيقتضي أن تكون الشّمس ظاهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ النّبوّة مقام الوحدة والإجمال والبساطة والكلّيّة ولذا يعبّرون عنها بالشّمس ، فظهر أنّ النّور الذي هو مادّة الأشياء من المؤمنين وعكسه وظلّه مادّتها من الكافرين هونور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ويؤيّد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم (( أنا وعلّي أبوا 
___________________
1 بصائر الدرجات 80
2 النور 35
 

هذه الأمّه ))1 وهو قوله عليه السلام (( أبوه النّور )) فنور النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو العلّه المادّيّة للأشياء كلّها ونور علّي عليه السلام هو العلّه الصّوريّة لأنّه عليه السلام هو الرّحمة الواسعة الّتي ظاهرها من قبله العذاب وباطنها الرّحمة المكنونة وهو باب المدينة قال تعالى { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }2 ، فأصل وجود الشّىء متقوّم بمادّته وصورتة وهما قد عرفت أنّهما من فاضل نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعلّي عليه السلام وكلّ الأحوال والامدادات والصفات إنّما هي متقوّمه بهما ومتفرّعة عنهما أي المادة والصّورة ، وقد دلّت الآيات والرّوايات على أنّ الله سبحانه وتعالى اتّخذهم أعضادا لخلقه كما يشير إليه مفهوم قوله 
____________________
1 علل الشرائع 127
2 الحديد 13


تعالى {* مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا }1‏ فأشار إلى أنه سبحانه اتخذ الهادين عضدا وصرّح بهذا المفهوم مولانا الحجة عجّل الله فرجه في دعاء رجب (( أعضاد وأشهاد ومناة وأذواد فبهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت )) فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو العضد القوي للخلق لأنّ مواد كلّ الموجودات من مسلمي أهل التّكوين من نوره ، وذلك النّور الواحد قد تشعّب بالشّعب الكثيرة ظهر بتلك الشّعب جهات الشّيء ومداركه وإحساسه وقواه وحياته فصار الشّخص بذلك سميعا بصيرا كاملا ، لأنّ الله سبحانه خلق من نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ياقوتة حمراء فنظر إليها بنظر الهيبة فذابت وصارت بحرا واحدا فخلق من زبده الأرض ومن بخاره السّموات ، والسموات كانت رتقا ففتقها إلى سبع سموات وعرش وكرسي فجعلها مدارا للموجودات فكلّ موجود من الموجودات لم يظهر في الوجود إلا مصاحبا لقبضة من السموات والأرض والعرش والكرسي ، ولمّا كانت تلك المراتب كلّها في الإنسان ظاهرة مشروحة العلل تقول إنّ فؤاد الإنسان المؤمن قطرة من شجرة المزن الواقعة تحت العرش الأكبر جنان الصاقورة التّي خلقت ووجدت من فاضل فاضل نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وقلبه خلق من العرش الثالث الذي هو من شعاع الملائكة العالين الذين هم خدّام محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام وصدره خلق من الكرسي وعقله ودماغه خلق من الفلك السابع وعلمه خلق من الفلك السّادس ووهمه خلق من الفلك الخامس ووجوده أي مادّته الثانويّة خلق من الفلك الرابع وخياله خلق من الفلك الثالث وفكره خلق من الفلك الثاني وحياته خلقت من الفلك الأول وجسده خلق من الأرض فتّمت قوى الشّيء وجهاته واعتباراته بإتمام هذه المراتب وموادّها كلّها من شعاع نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولما قلنا موادّ الموجودات كلّها من نوره صلى الله عليه وآله وسلم فلا بأس إلى 
____________________
1 الكهف 51

أن نشير إلى تمايز المواد في كل مرتبة على ما ذكر شيخنا أطال الله بقاءه في شرح الفوائد .
فنقول هي في عالم العقول نور مجرد عن المادة العنصرية والمدّة الزمانية والصورة الجوهرية والمثالية ، وفي الأرواح نور مجرّد عن المادة العنصرية والمدّة الزمانية والصورة النفسية ، وفي النفوس كذلك إلا أنه ليس مجرّد عن أعلى الصورة الجوهرية ، وفي الطبيعة نور أحمر بسيط ذائب مجرّد عن متممات قوابل الأجسام وعن المواد العنصرية ، وفي جوهر الهباء أي المواد المجردة عن الصورة المثالية نور منعقد لم تلزمه الصوّر المثالية ، وفي المثال أبدان نورانية لا أرواح لها أي ليس لها مواد جوهرية ولا جسمانية ، وفي الأجسام والزمان والمكان أنوار منعقدة لزمتها صورها ومدد تصوره مقدرة وفراغات محدودة ، وفي العناصر طبائع متزاوجة ، وفي المعادن أصول من لطائف العناصر متآلفه ، وفي النباتات لطائف أغذية نامية ، وفي الحيوانات شعلات فلكية حساسة ، وفي الصفات هيئات ذاتية وحركات فعلية وصور ظلية وأمثال ذلك .
هكذا نصر الله سبحانة به المسلمين حيث خلقهم من أعلى عليين وكتب في قلوبهم الإيمان بإملاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكتابة علي عليه السلام وشرح صدورهم للإسلام بالتمسك بمتابعة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاهم حسن الصورة وصفاء الطوية بقبول التوحيد الواصل إليهم من سيد المرسلين ومنحهم عز الدارين بمتابعته صلى الله عليه وآله وسلم في الدين وشرفهم بالعلم والمعرفة لسلوكهم سبيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم باليقين وطيب مولدهم ومسكنهم ومضجعهم لاهتدائهم به إلى الحقّ المبين ، وما بلغ أحد مرتبة ومقاما ودرجة وقربى ومكانة عند الله إلا به من الأولين والآخرين ، فإن الأنبياء والملائكة به صلى الله عليه وآله وسلم وبآله عليهم السلام اهتدوا وهدوا إلى الله سبحانه بحسن اليقين وعنه أخذوا معالم الدين لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان نبياً وآدم بين الماء والطّين ، وأمّا الكفار فهم أيضاً به صلى الله عليه وآله وسلم تأصلوا وبظلّ نوره تذوتوا ، ألا ترى السراج فإنّ النّور والظلّ متـقـوّمان به يمدّ النّور بالنّور ويمدّ الظّلمة بالظّلمة قال تعالى { كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا }1 وذلك العطاء وحامل ظهور المعطي هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعليّ عليه السلام ، لأن الله سبحانه لما أراد أن يخلق الكافر خلق فؤاده وحقيقته من الماء المهين من شجرة الزقّوم التي تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنّه رؤوس الشّياطين تنبت في سجّين طينة خبال أرض الجحيم أصلها الأعلى قرار ، فأول نبات ورقها تحت الثّرى الذي لا يعلمه إلا الله وتتم تلك القطرة في الثّرى فتصلصل قطرها في الطمّطام ويتصاعد كالأبخره بين معرك تلك المركّبات الخبيثات فتأخذ في إدبارها صاعدة لتلاطم أمواج بحور تلك المركّبات إلى أن تصل إلى الحوت الذي على البحر فخلق منه قلبه وذلك الحوت ظلالعرش وعكسه وضدّه متقوم به كتقوم الظّلمة بالنّور ثمّ إلىالنور الذي هو ظل الكرسّي ، فخلق الله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام صدره ، ثم إلى الأرض السّابعة القصوى أرض الشقاوة ظّل الفلك السابع فخلق منها دماغة ، ثم إلى الأرض السّادسة أرض الإلحاد فخلق منها علمه أي جهله المركب ، ثم إلى الأرض الخامسة أرض الطغيان فخلق منها وهمه ، ثم إلى الأرض الرّابعة أرض الشّهوه خلق منها وجوده ، ثم إلى الأرض الثّالثة أرض الطّبع خلق منها خياله ، ثم إلى الأرض الثانية أرض العادة خلق منها فكره ، ثمّ إلى الأرض الأولى أرض النفوس وأرض الممات خلق منها جسده ، وخلق من السّماء الدّنيا حياته ، وهذه المراتب كلها متقوّمة بتلك المراتب المتقدّمة وتلك المراتب ومقتضياتها كلّها متقوّمة بمحمد وآله صلى الله عليه وآله وسلم فانتهت المراتب كلها إليه صلى الله عليه وآله وسلم ، فالعالم والأكوان كلها قد نصرها الله سبحانه به صلى الله عليه وآله وسلم وإنما خصّ عليه السلام المسلمين بها لأنّ النصرة إعانة وإمداد ولا يستحقها الكفار وفيهم تخلية وخذلان ، مع أنه عليه السلام أشار بالكناية فإن خذلان الكفار وتعذيبهم في النار تابع لنصرة الأبرار وتنعيمهم في دار القرار فذكر الأصل 
____________________
1 الإسراء 20
 
 
المتبوع المقصود لذاته وترك المقصود بالعرض لسر نسوا الله فنسيهم فافهم راشداً موفقا مؤيداً إنشاء الله . 
وفي مقامات النّصره وبيانها وكيفيتها ومراتبها ودرجاتها كلمات كثيرة أغلبها لم أعط لها عبارة ، ومنها ما لا يجوز بيانه لأنه يعسر برهانه ومنها ما لا تتحمله العقول فطويتها لقوله عليه السلام (( لا تتكلم بما تسارع العقول إلى إنكاره وإن كـان عندك اعتـذاره ، وليس كل ما تسمعه نكرا أوسعته عذرا ))1 ، ثم إن ما ذكرنا هنا كلها مستخرجة ومستنبطة من كلام الله وأحاديث أهل البيت عليهم السلام محكماتها فإن وجدت بعض الأخبار تعارض بظاهرها ما ذكرنا فاعلم أنه لا تعارض فيه بوجه وإنّما هو بيان مقاماتهم عليهم السلام حسب ترقياتهم في القوس الصعودي وظهور تنزلاتهم في النزولي كل ذلك حسب أفهام السائلين والمخاطبين وفي كل ذلك إشارة للعارفين إلى ما كتبنا من الحق اليقين فلو أردت أتعرّض لبيان هذه الأمور الجزئّيه لطال علينا الكلام ولا محصّل فيه إلا للعوام وليس وضع هذا الشرح لهم وإنما هو للعارفين البالغين وحظّ العوام في هذا التّسليم والقبول وإلا فقد أنكر قدرة الله في أوليائه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في حديث المعرفه بالنّورانّيه .
____________________
1 لم نجد الروايـة كما هي في هذا الشرح المبـارك , ووجدنا هذه الرواية (( إيـاك أن تتكلم بما يسبـق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره , فليس كل من تسمعه نكرا يمكنـك لأن توسعه عذرا )) البحار 71/229 ح 6.


 
قوله عليه السلام وأظهر به الدين
وهو المعرفة وشئوناتها وأحوالها وصفاتها ومقتضياتها في قـوله عزّ وجّـل (( كنت كنـزاً مخفيـاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف ))1 فمحبته سبحانه للإيجاد إظهار دينه المشتمل على ظهور ألوهيته المقتضية لتوجّه الخلق بصدق العبوديه إليه سبحانه وتعالى كما قال عزّ وجّـل { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }2 فالمعرفة والعلم هي العبادة والعبادة هي العلم والمعرفة ، فإن المعرفة عمل الفؤاد واليقين والاعتقاد عمل القلب والعلم عمل الصدر والنفس والصلاة والصوم والحج والجهاد وباقي العبادات هي عمل الجسد ، فمعرفة الجسد والبدن لله سبحانه ليست إلا فعل تلك العبادة ، كما أنّ معرفة القلب ليس إلا ثبوت ذلك الاعتقاد ، ومعرفة الفؤاد ليست إلا الإقبال والتوجّه بغير كيف ، فالعلم عمل والعمل علم والدين هو الجامع هذا العـلم والعمل قـال عزّ وجّـل { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ 
_________________
1 البحار 87/344 ح 19
2 الذاريات 56


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 2:59 pm



الإِسْلاَمُ }1 .
والإسلام ينقسم إلى قسمين تكويني وتشريعي ، وكلاهما على قسمين مقتضى المشيئة الحتمية ومقتضى المشيئة العزمية ، ففي مقتضى المشيئة الحتمية لا يقابله الكفر ولايقبل الكفر ولا يتطرق إليه أبدا بوجه من الوجوه وهو قوله عليه السلام (( لا يخالف شيء منها محّبتك ))2 وقوله عليه السلام (( كلهم صائرون إلى حكمك وأمورهم آئلة إلى أمرك ))3 ، وأما مقتضى المشيئة العزمية فيقابله الكفر فحينئذ ينقسم الكفر كالإسلام على قسمين كفر تكويني وكفر تشريعي .
وأما الإسلام فقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في بيانه وتفسيره ونسبته كما في الكافي عنه عليه السلام أنّه قال (( لأنسبّن الإسلام نسبة لا ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي إلا بمثل ذلك ، إن الإسلام هو التّسليم والتسليم هو اليقين واليقين هو التصديق والتصديق هو إالإقرار والإقرار هو العمل والعمل هو الأداء ، إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أتاه من ربه فأخذه ، إن المؤمن يرى يقينه في عمله والكافر يرى إنكاره في عمله فو الذي نفسي بيده ما عرفوا أمرهم فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين 
__________________
1 آل عمران 19 
2 مصباح الكفعمي 110
3 مصباح المتهجد 369


والكافرين بأعمالهم الخبيثة ))1 . 
وفيه عن أبي عبدالله عليه السلام قال (( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام عريان فلباسه الحياء وزينته الوقار ومروءته العمل الصالح وعماده الورع ، ولكل شيء أساس وأساس الإسلام حبنا أهل البيت عليه السلام ))2 .
وفيه عن عبد العظيم الحسني عن أبي جعفر الثاني عن أبيه عن جده عليه السلام قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن الله خلق الإسلام فجعل له عرصة وجعل له نورا وجعل له حصنا وجعل له ناصرا ، فأما عرصتة فالقرآن وأمّا نوره فالحكمة وأما حصنه فالمعروف وأما أنصاره فأنا وأهل بيتي وشيعتنا ، فأحبوا أهل بيتي وشيعتهم وأنصارهم فأنه لما أسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيل عليه السلام لأهل السماء استودع الله حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة فهو عندهم وديعة إلى يوم القيام ، ثم هبط إلى الأرض فنسبني لأهل الأرض فاستودع الله عز وجل حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب مؤمني أمتي فمؤمنوا أمتي يحفظون وديعتي في أهل بيتي إلى يوم القيامة ، ألا فلو أنّ الرجل من أمتي عبد الله عزّوجلّ عمره أيام الدنيا ثم لقى الله عزّ وجلّ مبغضا 
___________________
1 الكافي 2/45 ح 1
2 الكافي 2/46 ح 2
 

لأهل بيتي وشيعتي ما فرّج الله صدره إلا عن النفاق ))1 ،
وهذا الإسلام وفروعه وشعبه وأحواله واقتضاءاته هو الدين الخالص لله عزّ وجلّ والدين هو الماء الذي كان العرش عليه قبل خلق السموات والأرض كما ورد عنهم عليه السلام ، وهذا الماء هو بحر الصاد الذي ظهر من العين المستنطق من الكاف والهاء والياء ، والعين هو العرش المحمول على الماء وهذا الماء هو بحر المحبة في قوله تعالى (( فأحببت أن أعرف )) ، وهذه المحبة الإلهية أي محبته للخلق ومحبة الخلق له سبحانه لما ظهرت وانبسطت في مرايا القوابل اقتضت أنحاء الشرعيات من الاعتقاديّات والعمليات وكلها عين لحقيقة المحبة ، والدين هو عين الماء الذي هو عين المحبة التي قد تشعبت في كل عالم بطور ونهج والمآل إلى واحد ، وجميع مراتب تلك المحبة بأنواعها وأقسامها ما ظهرت مفصّلة إلا في محمد وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام فهم الصلاة وهم الزكاة وهم حج بيت الله وهم بيت الله وهم صوم شهر رمضان وهم شهر رمضان وهكذا باقي العبادات ، وهذه العبادات المنتشرة بين كافة الخلق من الأنبياء وأممهم إلى هذه الأمة إلى يوم القيامة كلها فروع لتلك العبادات التي هي دين الله ودين الله هو الإسلام والإسلام اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن زبر الإسلام يطابق بينات محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبينات اسم للزبر والزبر هو المسمى ، فحقيقة الإسلام اسم وصفة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أن حقيقة الإيمان اسم وصفة لعلي عليه السلام لأن زبره عين بيّناته عليه السلام ، ولذا نسب الإسلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله عليه السلام (( نصر به المسلمين )) ، ولما كان من هذه الصفة يظهر أن كل من أقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو المسلم وإن لم يقرّ بولاية علي عليه السلام فإنه هناك مؤمن مع أن الإقرارين متساوقان ومتساويان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر رفع الحق سبحانه هذه الشبهه ونسخ هذه الإلقاء من 
________________________
1 الكافي 2/46 ح 3


الشيطان بقوله الحق { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ }1‏ وقوله { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }‏2 وقوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }‏3 بعد ما قال عزّ وجلّ { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ }‏4 فارتفعت الواهمة فإن الإسلام الخالص الذي هو الدين الخالص لا يكون ولا يتحقق إلا بالإقرار بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، فالإيمان والإسلام مقترنان متـفقان بل متحدان لا يفارق أحدهما عن الآخر ، نعم قد يجري في الحكم الظاهري إثبات الفرق توسعة للمكلفين ، وإبقاء لهذا السر وجريا على حكم الله في التكوين فإن الله سبحانه قد خلق بعض الكلاب والخنازير والقردة في الباطن على الصورة الإنسانية للإقرار الظاهري الكذب وأما إذا عادت الأشياء إلى مبادئها ترجع الأغلاط والأخلاط كلها إلى أصولها ومبادئها ، ا فالدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإخلاص والإخلاص هو التوحيد والتوحيد إثبات الهويّة ومحو الأغيار ، وكمال التوحيد نفي الصفات ونفي الصفات يستلزم ظهور الهاء في هو بنفي الواو ، وظهور الهاء لا يكون إلا في ذلك الماء الذي كان العرش عليه الذي هو الدين فرجع الأمر دوريا واتصل الأول بالآخر والآخر بالأول والقبل بالبعد والبعد بالقبل فارتفعت الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية والقبلية والبعدية ، وهذا الدين ما ظهر في أكوار الوجود وأدواره وأطواره إلا بمحمد وآله عليهم السلام فكلما في الوجود على دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنه أخذوا وإليه استندوا في كل مقام من مقاماتهم ومرتبة من مراتبهم ودرجة من درجاتهم في التكوين والتشريع إلى ما لا نهاية له . 
إلا أن هذا الدين على قسمين ، قسم على مقتضى الهياكل الإنسانية في كل درجاتها ومقاماتها وترقّياتها وتنزلاتها إلى مقامات أجسامها وأعراضها وقراناتها وأمثالها الغير المشوبة بشيء من مقتضيات الهياكل الشيطانية ، وقسم على مقتضى المزج والشوب بين الهيكلين وعدم بقاء واحدة منهما على 
_____________________
1 الزمر 3
2 غافر 14
3 البينة 5 4 آل عمران 19
 

صرافتهما إذ حين الصرافة في الثانية وعدم ذكر الأولى تقتضي إعدام الكون وإفناء الوجود واضمحلال العالم ، لأن العالم لا يدور على الباطل لأنه مجتثّ لا أصل له فلا يصلح للقطبية الدائمة الباقية ، وفي صورة الصرافة في الأولى تنزل السماء بركتها وتخرج الأرض نباتها وعشبها ويستدير الزمان كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ، وفي صورة المزج لا يصح الإبطال لوجود الحق ولا يصح الإعطاء الكامل لوجود الباطل ، فالشريعة والطريقة والحكم تتغير في الموضوع لأن المراد إبقاء الهياكل الإنسانية عند المزج خاصة ، فإذا توقف هذا الإبقاء على إجراء بعض مقتضيات الهياكل الشيطانية وجب إجراؤه لبقاء تلك الهياكل الطيبة وصونا لها عن التلف المستلزم لخراب الكون والوجود فإن الله سبحانه خلق الخلق ليبقيهم لا ليهلكهم ، ألا ترى تعاقب الليل والنهار وتقدم الليل على النهار وتقدم الظلمة على النور مع أن الظلمة متقومة بالنور والليل متقوم بالنهار والنهار متأصل في الإيجاد والوجود ، ووجود العقاقير المرّة المنـتنة والسموم القاتلة وغيرها والحيوانات المؤذية وغير ذلك كل ذلك لبقاء النوع الإنساني والنور إلالهي ، لأن الله سبحانه أبى أن يجري الأمور إلا بالأسباب وإلا فهو سبحانه فعال لما يشاء لا راد لقضائه ولا مانع لحكمه . 
والأصل في ذلك أن الله سبحانه لما خلق العقل من الماء العذب الفرات نورانيا وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش ثم قال له أدبر فأدبر فنزل في إدباره إلى عالم الأجسام مظهر اسم الله المميت فخلق الجهل من الماء المالح الأجاج ظلمانيا ، ثم قال له أدبر فأدبر وأخذ في إدباره صاعدا إلى الطمطام إلى السجين إلى جهنم إلى نار السموم إلى ريح العقيم إلى الماء المالح الأجاج إلى الحوت إلى الثور إلى الأرضين إلى أرض الدنيا التي هي بإزاء سماء الدنيا ، فمزج آثار العقل والجهل في هذه الأرض في نقطة الإلتقاء فصارت أحكام أحدهما سرت وجرت في الآخر فانكسرت سورة نورانية العقل وظلمانية الجهل في هذا العالم فاقتضى الاختلاف وتعاقب الليل والنهار وامتزاج الحلو والمر والسم والترياق واختلفت الأمزجة وخرجت عن الاعتدال ، فطائفة غلبت عليهم الصفراء والأخرى البلغم والأخرى الدم والأخرى السوداء أو المركب عن أحدهما مع الأخرى ، ولما كانت القوى والمشاعر الروحانية تظهر في الأجسام على مقتضى حكم الأبدان والأجسام فاختلفت الميولات والشهوات والمدارك والأفهام واللاهوية وغير ذلك ، فاقتضت اختلاف الأديان والملل واختلاف الآراء والأهواء في كل ملة واختلاف المذاقات في الرد والقبول والجرح والتعديل ووجوب التقية والكذب على الله ورسوله عند الضرورة والحاجة والقول بغير العلم والعمل بمجرد الظن وفي بعض المواضع لمحض الشك وكل ذلك من دين الله الذي أنزله على رسوله ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيجريها على مقتضى القوابل والاقتضاءات من الإنسانية والشيطانية من أحكام النسخ والبداء وذكر المتشابهات من المجملات والمطلقات والعمومات وغير ذلك من سائر الإضافات والأوضاع والقرانات ، إلى أن تتفرق النقطتان ويتمايز البحران ويبطل المزجان فتذهب النقطة الظلمانية نازلة إلى أسفل السافلين والنقطة النورانية صاعدة إلى أعلى علّيّين ، فتعود الأحكام إلى الصرافة الإلهية ويخلص الدين لله سبحانه لمقتضى الهياكل الإنسانية وتلحق الأحكام الشيطانية بأصلها ومبدئها ، وأول مقام التمايز عند خروج مولانا القائم عجل الله فرجه وسهل مخرجه وجعلني الله فداه وصلى الله عليه وعلى آبائه الهداة ، وكمال التمايز الدنياوي في آخر الرجعات بعد قتل إبليس وطهارة الأرض عن كل رجس نجس وخبث في عالم التشريع وكمال التمايز في العالمين عالم التشريع وعالم التكوين في القيامة ، فينقطع الليل وكل ما لا تهوى الأنفس ويعود العود كالبدء { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }1 فدين الله سبحانه وتعالى واحد هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم والحكم الجاري على المخلوقات هو من فروعه وشعاعه يجري في الموضوعات جريان الماء النازل من السماء في عروق النباتات فيتكيّف بكيفية تلك النباتات على حسب تلك الأرض فمنه نبات طيب ومنه نبات مرّ منتن .
كقطر الماء في الأصداف درّ وفي بطن الأفاعي صار سما

قـال الله عز وجل { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِـقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }2 فكل 
_____________________
1 يس 38 2 الرعد 11 
 
 
الأديان دينه وكل الشرائع شريعته وكل الملل ملته وهو واحد يجري فيها كجريان الماء في النبات كما مرّ آنفا ، فحقها من موافقته ومتابعته وباطلها من خذلانه لتقويـة الحق وتسديـده وتأييده كل شيء عنده بمقدار وقد قـال الله { وَتَـحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًـا وَهُمْ رُقُـودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْـيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ }1‏ والصيغة إما متكلم معه غيره أو معظم لنفسه وليس مع الله وعنده إلا محمد وأهل بيته عليهم السلام لقوله تعالى { وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ}2 ، قال مولانا الصادق عليه السلام (( الذين في السموات هم الملائكة والذين في الأرض هم الجن والإنس ونحن الذين عنده )) وقال عليه السلام (( لنا مع الله حالات )) الحديث ، وليست عظمة الله الظاهرة في المخلوقين إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليه السلام كما في الدعاء (( وبعظمتك التي ملأت كل شيء ))3 قال الحجة عجل الله فرجه في دعاء رجب (( فبهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أن لا إلــه إلا أنت )) فعلى كلا التقديرين فالضمير في نقلبهم ذات اليمين وذات الشمال يرجع إليهم كما قالوا عليهم السلام (( إن إلينا إياب هذا الخلق ثم إن علينا حسابهم ))4 عن الباقر عليه السلام ، وقـالوا عليهم السلام في قولـه تعالى { وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }‏5 (( هي والله آياتنا وهي والله ولايتنا )) الحديث عن مولانا علي بن الحسين عليه السلام ، فافهم راشدا ما ألقينا عليك من السر الحق والكبريت الأحمر إذ ما تسمعه من غيرنا إلا إذا ورد ماءنا وأكل زادنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
بقي هنا شيء وهو قوله عليه السلام (( نصر به المسلمين )) فإن قال قائل كيف نصر الله المسلمين به صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم في ذل شديـد ومحكومون لكفار ويجـري عليهم حكم الأغيار ويتقون من الفجار 
___________________
1 الكهف 18
2 الأنبياء 19
3 دعاء كميل بن زياد
4 تفسير فرات 551
5 فصلت 15
 
ويصدقون الباطل ويكذبون الحق خوفا من الأشرار مع ما هم عليه من عدم التصفية والتزكية وشيوع المعاصي عندهم وخيانة الأمانات وكسالتهم في الطاعات وقعودهم عن الخيرات واشتغالهم بالشهوات وتوغلهم في الكدورات وليس ذلك إلا لتمكن المخالفين فيهم وإصابتهم من لطخهم . 

قلنا : إن جواب ما ذكر يعرف مما ذكرنا لأن ذلك كله إنما هو لبقاء كينونتهم وحفظ ذواتهم وإنيتهم ولو لم تكن معهم نسبة مع الكفار والفجار وهم أهل الغلبة لأخذوا برقابهم ولأهلكوهم عن آخرهم وهذه الأمور كلها نصرة لهم ، كالطبيب الذي يسقي المريض شرابا مرا وليس ذلك إلا لنصرته لا لعداوته وهوكما فعل الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقال { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا }1 وذلك الملك الجائر المسلط الكافر هو مخالفونا فافهم في الظاهر { أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا }‏2 { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ 
____________________
1 الكهف 79
2 الكهف 34


لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }1‏ قال مولانا الصادق عليه السلام لعبيد بن زرارة حين لعن أباه زرارة قال عليه السلام (( إني أردت بذلك ما أراد الله حكاية عن الخضر { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا }‏2 وإنه لمن أفضل السفن الجارية في اللجج الغامرة )) إلى أن قال عليه السلام (( ولكل ذلك عندنا تصاريف ومعان توافق الحق ولوأذن لنا لعلمتم أن الحق في الذي أمرناكم فردوا إلينا الأمر وسلموا لنا واصبروا لأحكامنا وارضوا بها والذي فرق بينكم فهو راعيكم الذي استرعاه الله خلقه وهو أعرف بمصلحة غنمه في فساد أمرها فإن شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها ليأمن من فسادها وخوف عدوها ))3 وهذا اختلاف الأنظار وتعاقب الليل والنهار وظهور الأشرار والفجار إنما هولنضج بنية المسلمين واستئهالهم لدوام إشراق الحق المبين وتخلصهم عن شوب نسبة الشياطين وكل ذلك نصرة لهم قال عز 
___________________
1 آل عمران 178
2 الكهف 79
3 البحار 2/246 ح 59


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 3:02 pm




وجل في الحديث القدسي (( إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسد عليه دينه وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسد عليه دينه وإن من عبادي من لا يصلحه إلا المرض فلو صححته لأفسد عليه دينه وإن من عبـادي من لايصلحه إلا الصحة فلـو أسقمته لأفسد عليه دينه ))1  فافهم وتفهم .
_____________________
1 لم نقف على هذا الحديث بعينه وإنما وجدنا ما يقرب منه في المعنى ففي البحار 71/140 ح 31 قال تعالى (( إن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفاقة ولو أغنيته لأفسده ذلك , وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أمرضته لأفسده ذلك . . إلخ )) 

 
قوله عليه السلام صلى الله عليه آله الطاهرين
لما أبان فضل محمد وآله عليهم السلام بما لا مزيد عليه وذكر فيهم مما لا طاقة للعقول لتثبته وتحمله وأبان أن بيدهم ملكوت السموات والأرض وعندهم مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله وكل ما سوى الله مما اكتسى حلة الوجود منهم وبهم وعنهم وإليهم ولهم لا تذوّت لهم إلا بهم وكلهم واقفون ببابهم لائذون بفقرهم بجنابهم وإليهم مردهم وإيابهم وفيه رائحة من التفويض على ظاهر ما يعرفه العوام ، أراد عليه السلام أن يزيل هذه الشبهة ويرفع تلك الواهمة ويثبت الأمر ويحقق الحق ويبين أنهم عليهم السلام لا تذوّت لهم إلا بالله ولا شيئية ولا تأصل ولا حكم لهم إلا بمدده وليسوا شيئا إلا بفيض فضله وظهور أمره بأن دعى لهم وسأل لهم من الله سبحانه المعونة والعطية ليعلم أنهم ليسوا بمستقلين وليسوا أيضا كالوكلاء بأن الله سبحانه أمرهم فهم يعملون ورفع يده عنهم كالسيد إذا أعطى عبده أربعة دنانير بأن يشتري له من السوق الشيء الفلاني فذهب العبد عنه فإن هذا كفر وزندقة وخروج للحق سبحانه من السلطنة ، ولذا ورد النهي عن ذلك وكذّب مولانا الصادق عليه السلام من زعم لهم أنهم فاعلون بأمر الله بل إنما هم كالسراج بالنسبة إلى النار وإلى الأشعه فإن نواصي الأشعة كلها بيد السراج وليست شيئا إلا بالسراج في كل أحوالها متقومة بالسراج ومتحصلة عنه إلا أنه ليس شيئا إلا بالنار فلو قطعت النار مددها عنه لهلك وفنى وبطل فهولا يزال مستمد من النار ومتقوّم بها ومستمد عنها فلا استقلال له بوجه فهو حين ما يفيض إلى الأشعة بيد النار بل السراج يد النار الباسطة بالإنفاق على الأشعه وأذنه الواعية ، والنار هي فعل الله سبحانه وتعالى والسراج مثال العقل الكلي المقبل المدبر والدهن المكلّس البخاري أي الدخاني هوالحقيقة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم فحينئذ يتوجه الدعاء لهم عليه السلام والاستمداد لهم من الله سبحانه كما أمر 
بذلك بقوله الحق { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا }1 ، فهم دائما أبدا سرمدا في الاستزادة والاستمداد من العلم فإن الوجود علم وما من الله سبحانه معرفة وذلك العلم يتقدر بتقدير العمل ، فالعلم من الله سبحانه والعمل من العبد بإعانته وتسديده ، بل كل ذرة من الذرات لما كانت على مثال مبادئها وجواهر أوائل عللها جرى فيها حكم الاستزادة الدائمة فلا وقوف للفيض ولا تعطيل للمدد كما قال عز وجل في حديث الأسرار (( وليس لمحبتي غاية ولا نهاية ، وكلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ))2 .
وإنما اختار في مقام الدعاء الصلاة لأنها الدعاء الكلي لأنها صورة ولايتهم التي هي هيكل التوحيد التي هي عين الفقر إلى الله سبحانه ، فإنه لا ينال مقام ولا مرتبة إلا بالخلوص في الافتقار وكل من تمحض في الفقر ظهر فيه نور الكبرياء بقدر تمحضه فيه والاستغناء عن الخلق والإقبال بفقره وذله إلى 
_________________
1 طه 114
2 إرشاد القلوب 199 


الخالق قال تعالى (( أنا عند المنكسرة قلوبهم ))1 ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (( الفقر فخري وبه أفتخر ))2 فأعظم الدعاء في حق المرء أن يشعره الله سبحانه فقره ثم يديمه عليه كما قال تعالى { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث }‏3 ، فإذا بقي الفقر واستدام وتخلل في كل أجزائه وجزئياته يكون خليلا فإذا غلب التّخلّل بحيث كان عين الفقر كان حبيبا ، فالصّلاة إما مشتقة من الوصل أو من الصلة أو من الصّلوان . 
فعلى الأول يكون المعنى وصل الله حبله بحبلهم كما تقول { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }‏ 4 ونوره بنورهم وحبله بحبلهم وحكمه بحكمهم وقوله بقولهم وولايته بولايتهم بمعنى أن يجعل حبله عين حبلهم كما فعل تعالى كما 
_______________
1 منية المريد 123
2 البحار 72/30 ح 26
3 الأعراف 175 _ 176
4 الفاتحة 6


قال { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ }1 وحبل الله هو التمسك بهم وبولايتهم وأقوالهم وأفعالهم فإنه حبل الله وسبيله وطريقه ودليله ، ويجعل نوره عين نورهم لا نور لله سبحانه ظاهرا في الخلق سواهم قال مولانا علي ابن الحسين عليه السلام (( اخترعنا من نور ذاته ))2 أي المخلوقة وقال تعالى {* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ }‏3 فالنور هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الآية لبيان مثل نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو عين نور الله ، ألا ترى أنه ليس للنار نور ظاهر للأشعة إلا السراج ، ويجعل حكمه تعالى عين حكمهم عليهم السلام كما قـال مولانا الباقر عليه السلام (( أما المعاني فنحن معانيه ونحن علمه ونحن حكمه )) قال تعالى { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ }‏4 { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }‏5 ويجعل ولايته عين ولايتهم عليهم السلام كما قـال تعالى { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ }‏6 وقال عز وجل { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى }‏7 ، ويجعل معرفته تعالى عين معرفتهم كما أشار إليه مولانا أمير المـؤمنين عليـه السلام (( نحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل 
____________________
1 آل عمران 103
2 البحار 26/24 ح 2 
3 النور 35
4 النساء 80
5 الفتح 10
6 الكهف 44
7 الأنفال 17


معرفتنا ))1 على المعنى الثالث وقال الحجة المنتظر عجل الله فرجه في دعاء رجب (( بمقاماتك وعلاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك )) إلى أن قال عليه السلام (( فبهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أن لا إلـه إلا أنت ))2 ، ألم ترى أن لا إلـه إلا الله إثنى عشر حرفا والوجه أربعة عشر حرفا وهكذا سائر أحكام الربوبية ، فدعاؤه عليه السلام لهم بذلك الوصال والاتصال إبقاء ذلك لهم فيما لا يزال من الخلق والصوغ الجديد قال عز وجل { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }‏3 وكل شيء دائم التجدد في الصوغ والكسر ولا غاية لهما على مقتضى الحركة الجوهرية ، فالدعاء بأن يصيغهم الله سبحانه في كل صوغة هكذا ويستمر لهم مقام الوصال إلى ما لا نهاية له ، فلعمري لقد استجاب الله لهم هذا الدعاء فهم أهل الوصال دائما في الدنيا والآخر ة وفيما لا نهاية له في التكوين والتشريع ، فهم الساكنون وهم المتحركون وهم المحركون وهم المتصلون وهم المنفصلون فصل في عين الوصل ووصل في عين الفصل حركة في عين السكون وسكون في عين الحركة محركون في عين متحركيتهم ومتحركون في عين محركيتهم قال مولانا الصادق عليه السلام (( من عرف الفصل من الوصل والحركه من السكون فقد بلغ القرار في التوحيد )) وقد أشار إلى هذه الدقيقة مولانـا أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته كما مرّ غير مرّة (( أقامه في سائر عالمـه في الأداء مقامه إذ كان لا تـدركه الأبصار ولا تحويـه خواطر 
_________________
1 الكافي 1/184 ح 9
2 دعاء مولانا صاحب الأمر عجل الله فرجه في رجب 
3 سورة ق 15


الأفكار ))1 وهذا القول إشارة إلى جميع مراتب الوصل فإن هذا الوصل له مراتب كثيرة يضيق صدري لبيانها ولا يضيق لكتمانها . 
وعلى الثاني يكون المعنى وهبهم الله تعالى وأعطاهم من كرمه وجوده وفضله ما أغناهم عن كل ما سواه سبحانه من أنحاء الشرائط واللّوازم والمتممات والمكملات الذاتية في التكوين والتشريع ويكونوا بذلك في صقع الـوجود المطلق وصار زيت قابليتهم { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ }‏2 فكانوا بذلك نور على نور فيهدي الله لنوره من يشاء ، فأول من هداه إلى ذلك النور بعدما وهبهم وأكملهم الأنبياء ثم الأوصياء ثم الإنسان أي المؤمنين ثم الملائكة ثم الجن ثم البهائم ثم النبات ثم الجماد هذا في التكوين ، وكذلك في هذه المراتب في التشريع لكن لكل مرتبة في مراتب التشريع مقامات كثيرة يطول بذكرها الكلام . 
ولكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول
وعلى الثالث يكون المعنى كما أشار إليه عليه السلام في الحديث في المعراج إلى أن قال (( يا محمد لقد وطأت موطأ ما وطأه ملك مقرب ولا نبي مرسل قف فإن ربك يصلي ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : كيف يصلي ، قال : يقول سبّوح قدّوس أنا رب الملائكة والروح )) وهذه الصلاة بمعنى الصلوان فيصل النبوّة بالولاية والولاية بالنبوة . 
فلما استجاب الله سبحانه لهم هذا الدعاء بهذه المعاني الثلاثة كانوا أولياء الله من العز ، ولما كان المحدث دائم التجدد والسيلان زمان بقائه هو عين زمان وجوده وجب على كل الخلق أن يدعوا لهم بالصلاة ليستقر الكون وينتظم الوجود وإلا لبطل واختل ، لأن نظام الوجود مقوم بهم من حيث كونهم أولياء الله وظهور المعاني الثلاثة التي للصلاة فيهم وليسوا إلا هذه فلو فقد واحدة من هذه الثلاثة لانعدم الوجود وفسد النظام وبطل القوام ولذا 
___________________
1 الإقبال 461
2 النور 35
 
 
صلى الله عليهم وأمر الملائكة بالصلوة عليهم وأمر المؤمنين بذلك فقال عز وجل { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }1‏ فإنه سبحانه يعطيهم هذه الثلاثة والملائكة والمؤمنون يسألون الله إياها لهم ولذا خص الصلاة فافهم .
قال شيخنا أطال الله بقاءه ( معنى اللهم صلّ على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ظاهرا بأن نسأل الله تعالى لهم أن يرحمهم وأن يرحم بهم وأن يصلهم برحمته وأن يمدهم بمدده الذي استوى بها على عرشه بجميع خلقه بهم من جميع رحمانيته التي غيبت العرش بظهوره لها عليه ، وباطنا بأن يكون يريد من قولنا اللهم صل على محمد وآل محمد هو أن نسالك يا ربنا الصلاة عليهم إجابة لما أخذت علينا من العهد المؤكد لهم بأن نعبدك بحبهم وبالقيام بحدود فروعهم وأوامرهم ونواهيهم التي ندبتهم بها إلينا وندبتنا إلى إجابتهم في دعوتهم إليك في كل ما دلوا عليه كما أشار إليه موسى بن جعفر عليه السلام قال قال الصادق عليه السلام (( من صلى على النبي وآله فمعناه إني أنـا على الميثـاق والوفاء الذي قبلت حين قوله ألست بربكم ، قالوا : 
______________________
1 الأحزاب 56


بلى ))1 رواه في مختصر بصائر الدرجات سعد الأشعري . 
إلى أن قال ( معنى هذا الباطن تعاهد منا لما أخذ علينا من الميثاق لهم بالقيام بجميع التكاليف التي هي صورة ولايتهم وهياكلها وأداء منا لتلك الأمانة فقولنا اللهم صل على محمد وآل محمد من ذلك ، والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر الظاهرين والباطنين من ذلك ، والطهارة الترابية أيضا من ذلك في مواضعها المشروعة ، والصلوة بجميع أصنافها ظاهرة وباطنة من ذلك ، والزكاة ظاهرة وباطنة من ذلك ، والصيام ظاهرا وباطنا من ذلك ، والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحكام الله في جميع أبواب الشريعة من ذلك ، وآداب الله في جميع فرائضه وسننه وما دعى إليه من معرفته بصفاته التي وصف بها نفسه لعباده ومعرفة أنبيائه ورسله وحججه وكتبه وملائكته وآياته وأمثاله والنظر في عجائب مصنوعاته في الآفاق وفي الأنـفس بل جميع ما لله فيـه رضى من اعتقاد واجتهاد وعمل وقول وحال 
__________________
1 معاني الأخبار 115


وفعل من أفعال الدنيا والآخر ة من ذلك )1 انتهى كلامه أعلى الله شأنه . 
والصلاة المعداة بعلى بمعنى الصلاة المعداة باللام فلا يرد الاعتراض المشهور من أن الصلاة بمعنى الدعاء والدعاء إذا عدي بعلى يكون معنى الضرر وهو خلاف المقصود ، والصلاة هي الدعاء وهي هيئة العبادة المطلقة وأول ظهورها في مقام { إِيَّاكَ نَعْبُدُ }‏ والعبادة ليست إلا الطلب الذي هو العمل الذي هو القابلية ، فكلما في الوجود المطلق في عالم الفرق والوجود المقيد كلها طلب واستدعاء من الله سبحانه وكل هذه الطلبات صور وأوعية للفيوضات والامدادات ، فكل عبادة دعاء حقيقة لا مجاز ا ، ولما كانت العبادات تختلف مراتبها ومقاماتها في الطلب والدعوة كان إطلاق لفظ الصلاة والدعاء عليها من باب التشكيك ، فالصلاة التي هي ذات الأركان دعاء حقيقة والدعاء المعروف صلاة حقيقية وهي ذات الأركان ولكن تحقق الدعاء في الصلاة التي هي صورة الولاية باطن وعام في ذات الأركان ، وتحقق الصلاة في الدعاء المعروف باطن وخاص يعني أن معنى الدعاء في ذات الأركان باطن وعام كمعنى ذات الأركان في الدعاء المعروف إلا أنه خاص ، فكان المعنى من مدلول لفظ الصلاة يوجد في ذات الأركان قويا شاملا لكل خير وكل طلب وفي الدعاء ضعيفا خاصا ببعض الخير والمطلب فلذا كان الوضع فيها من باب التشكيك فافهم فإن هذا الموضع ليس مقام استقصاء ثبوت الحقيقة الشرعية وفيما أشرنا إليه كفاية لأهل الدراية وتعيها إذن واعية .
قوله عليه السلام (( وآله الطاهرين )) أما الآل فمستغن عن الكلام إذ لا كلام بين الفرقة المحقة أنهم الأئمة المعصومون عليهم السلام أي علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة الخلف القائم المنتظر صلى الله عليهم أجمعين ، إنما ذكرت أسماءهم الشريفة مع أنهم في الظهور كالشمس في رابعة النهار في مقام الإعلان والإظهار تيمنا وتبركا ولما أجد فيـه من الـراحة لأنـه المسك ما كررتـه 
_________________
1 شرح الزيارة الجامعة الكبيرة 2/332 _ 333
 
 
يتضوع ، وإنهم طاهرون من كل الأكدار إذ الأكدار من ملاحظة الأغيار وهم لم يزالوا ولا يزالون عند الله ومع الله وعن الله ولله ووجه الله فمن أين تلحقهم الكدورة لا في تكوينهم وذواتهم وصفاتهم وسائر كينوناتهم وهم حقيقة الاستقامة وعلى خلق عظيم وهو معنى قوله تعالى { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }1 فإن إرداة الله هي عين فعله وإيجاده لقول الرضا عليه السلام (( فإرادته إحداثه لاغير ذلك لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق فإرادة الله الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا 
___________________
1 الأحزاب 33

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 722
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: شرح الخطبة التطنجية   الأربعاء أغسطس 03, 2016 3:05 pm



همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أنه لا كيف له ))1 وليس عند الله مستقبل وحال وماض إذ ليس لربك زمان فكل إرادته واقعة ، فلما كانت الإراده في الأزل الثاني أي في عالم السرمد كان المراد معها هناك لقوله عليه السلام (( لا تكون الإرادة إلا والمراد معها )) ولما كان المراد ذهاب الرجس لمحض الصلاحية والذكر لا للوجود والكون فكانوا عليهم السلام في ذلك العالم في تلك الطبقة مطهرين ومنزهين بتطهير الله وتقديسه وتنزيهه فكانوا وصف تطهير الله وتنزهه وتقدسه عن جميع الشوائب الإمكانية لأن الله سبحانه إنما أراد تطهيرهم ليتخذهم بابا وعضدا لخلقه ، ولما كان الباب مترجما لا أصلا والظاهر من الترجمان هوالترجمة التي هي صفته ووصفه لكنه حامل لصفة الأصل ودليله الظاهرة في الترجمان الظاهر بالترجمة فحكم الترجمان حين الترجمة حال الأصل المترجم عند لا فرق بينه وبينه إلا أنه وصفه ودليله ولذا كان الفاعل في قام زيد مرفوعا معمولا للفعل مع أنه ما يتوجه به إلا إلى الذات مع قطع النظر عن الفعل ، ولذا اشتهر عند الناس أن الفاعل أصل في الفعل مع أنهم مجمعون أن الأصل في العمل هو الفعل والعامل أشرف من المعمول . 
_________________
1 الكافي 1/109 ح 3


فلطهارتهم عليهم السلام مقامات كثيرة ففي مقام { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ }1 مطهرون عن كل المعاصي والسيئات من المحرمات والمكروهات من الظاهرية والباطنية والحقيقية والمجازية في مقام الشريعة ومقام الطريقة ومقام الحقيقة فلا يلتفتون إلى أنفسهم ولا إلى غيرهم عاملون بمقتضى قوله تعالى { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ }‏2 وقوله عز وجل { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }‏3 وشهد الله لهم بذلك حيث قال { وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ }4 ثم مدحهم بذلك فـقال { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ }‏5 { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ }‏6 والإيمان الحقيقي هو الإقرار والإقرار هو العمل ومما في الكتاب { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } وما أمر هو قوله تعالى { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ }‏7 فالذي يعصي ليس بمخلص وليس بمؤمن لقوله عز وجل { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } { بِئْسَ الاِسْمُ 
__________________
1 الكهف 110
2 الحجر 65
3 هود 112
4 الأنبياء 19
5 الأعراف 110
6 آل عمران 119
7 البينة 5


الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ }1 فجعل الإيمان مقابل الفسق والفسق هو العصيان حقيقة لأن العاصي بأي وجه كان ولو صغيرة يصدق عليه أنه فسق عن أمر ربه فحينئذ ما آمن بالكتاب كله ، فلما طهرهم الله سبحانه وهم تطهروا وشهد لهم بذلك ومدحهم على ذلك ثم ألزم الخلق محبتهم وولايتهم في قوله تعالى { قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى }‏2 والله سبحانه لا يأمر بمودة العاصي حينما يعصي وفيه وإن كان إشارة إلى الخلافة إلا أنها لا تظهر إلا للخواص فصرح في الأمر في قوله الحق { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ }3 وكيف يكون العاصي صادقا مع أنه أخلف الله وعده حين أخذ عليه الميثاق عند قوله { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى }‏4 فأقروا له بالوفاء ، والمعصية ليست من أمر الرب وإنما هي من أمر الشيطان وقال عليه السلام (( من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق عن الله عز وجل فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس ))5 فالعاصي حين المعصية يعبد الشيطان فما صدق في قوله بلى يوم ألست بربكم ، فالله سبحانه أمر بالكون مع الصادقين الذين أوجب مودتهم وهم ذوو القربى الذين هم أهل البيت الذين طهرهم الله من الرجس ، وهذه الآية وإن كانت أصرح مما قبلها في إثبات ولايتهم ووجوب متابعتهم لإتيانه سبحانه بلفظ الأمر الدّال على الوجود لكنها ليست ناصّة بقطع حجة الخصم فأوضح الأمر وصرح بوجوب 
__________________
1 الحجرات 11
2 الشورى 23
3 التوبة 119
4 الأعراف 172
5 عيون أخبار الرضا 1/304


المتابعة في قـوله عز وجل { أَطِيعُـواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }1 والأمر هـو الأمر بالمعـروف والنهي عن المنكر الـذي تقدم في الآيـة { كُنتُمْ }إلى أن قـال { تَـأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْـهَوْنَ عَـنِ الْمُنكَرِ }‏2 فتعين أن أولي الأمر هم الصادقون الطاهرون ثم أبـان الحق سبحانـه عن عدد أولي الأمر في قوله عز وجل { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا }3 وقـال رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( كلما كان في الأمم الماضيـة والـقرون السالفة يكون في هذه الأمّة حذوالنّعل بالنّعل والقذة بالـقذة ))4 
_____________________
1 النساء 59
2 الأعراف 110
3 الأعراف 159
4 لم نقف على هذه الرواية بعينها فيما لدينا من المصادر ولكن وجدنا ما يقرب منها في المعنى ففي البحار 25/134 ح 6 قال رسول الله صلى الله عليه وآله (( يكون في هذه الأمة كلما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة )) .


{لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}1 { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}2 ، فيكون القوم الهادون في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر ويجب أن يكونوا أسباط الأنبياء فانحصر أولوا الأمر في ذوي القربى وهذه الآية وإن كانت صريحة في نفي المخالفين المدعين للقرابة لعدم كونهم أسباطا لكن فيه نوع خفاء يمكن أن يدلسوا على الجهال فأظهر الأمر سبحانه وتعالى لتعيين ذوي القربى لئلا يدعي كل من له نسبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانت عرضية فقال سبحانه { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ }3 فهذه الأولوية ليست إلا في الولاية التي أثبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والولاية هي الأولوية في التصرف لقوله { أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ } فأخرج المهاجرين عن هذه الولاية أجمع وأثبت الأمر في أولي الأرحام فخصص ذوي القربى بهم فبطل الذين كانوا متمسكين بالقرابة السببية من المناكحة والمزاوجة ، ثم أولـوا الأرحام أيضا ما دخلوا كلهم لقوله تعالى { بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ }‏ والأمر في الحقيقة وإن ظهر في هذا المقام لأن أولي الأرحام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان إلا العباس وأمير المؤمنين ، والعباس قد عرف الخلق كلهم بعدم استيهاله لهذا الأمر وكذلك باقي بني هاشم ، لكن الله سبحانه تأكيدا للأمر وإتماما للحجة وإكمالا للنعمة صرح بالأمر ونص عليا عليه السلام بهذا الأمر بما لا يحتمل الخلاف بقوله 
___________________
1 الانشقاق 19
2 الفتح 23
3 الأحزاب 6


تعالى { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا }1 وما اجتمعت الصفتان إلا في علي عليه السلام لأن العباس وغيره من بني هاشم وغيرهم كانوا نسبا ولم يكونوا صهرا وعثمان وإن كان صهرا على ظاهر دعواهم لكنه لم يكن نسبا وليس النسب والصهر إلا مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه فقوله تعالى { فَجَعَلَهُ نَسَبًا } إشارة إلى أنه سبحانه جعله كذلك واختصه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فهو نسب واقعي إلهي قد جعله الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وارثا إذ ما كل نسب في الظاهر وأولي رحم هو نسب وأولي رحم في الباطن والحقيقة وأحكام النبوة والولاية والمودة الإلهية للنسب الواقعي الإلهي الأصلي لا الظاهري ألم تر إلى قوله تعالى { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ }‏2 وحكم النجاة ما شمل ابن نوح الشامل لكل أهله لأنه ابنه في الظاهر ولم يكن ابنه في الباطن ، ولما شهد الحق سبحانه لعلي عليه السلام بالقرابة الواقعية والمناسبة الذاتية المجعولة من الله سبحانه ولم يشهد لغيره علمنا أنه لمزية عنده ليست لغيره فيكون هو المناسب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره بأن زوجه الله سبحانه ابنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فشهد لها بالطهاره وعلو القدر والمقام إذ الله سبحانه ما يختار للنبوة والرسالة أهل الباطل وأهل المعصية مردة الشيطان وفعلة الطغيان والعصيان وإنما يختار الطيب الطاهر لأنه سبحانه هو الطيب الطاهر { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ 
_________________
1 الفرقان 54
2 هود 46
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ }1 فما ينسب إلى الله سبحانه وتعالى يجب أن يكون أشرف وأولى وأطهر من كل أحد مما لم ينسب إلى الله سبحانه وتعالى ، فلما اختار محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة والنبوة علمنا أن ذلك لجليل شأنه عنده وعظيم خطره لديه وكبر محله وقرب منزلته منه ، فلما اختار من بين المنتسبين إليه واحدا وأثبت له القرابة والنسب دون الآخر ين علمنا أن ذلك ليس لمجرد النسبة الظاهرية وإلا لكان لغوا بل لمناسبة حقيقية ذاتية ليست في غيره خصوصا عند قوله تعالى { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا }‏2 مع أن البشر كلهم خلقوا من التراب قال تعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ }‏3 فلو كان المراد الماء الذي جزء العناصر فالكل كانوا مشتركين في هذا الحكم مع أن ذلك لا يصح فإن الحكم على الجزء الغالب لا الجزء المغلوب ولذا شاع وذاع أن الإنسان خلق من التراب والجن من النار والملائكة من النور مع أن هذه الثلاثة في الكل موجودة ولا يقال أن الملائكة خلقوا من النار أو من التراب أو الجن خلقوا من التراب أو من النور أو البشر خلقوا من النور أو من النار أو من الهواء فكذلك من الماء، فتحقق أن الله سبحانه يريد في هذه الآية بيان حقيقة مناسبة هذا الخلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لا يشبه غيره من أولي القربى وأهل النسب فإنهم خلقوا من التراب أي من فاضل الجسد البشري وأما هذا الخلقعليه السلام فهو من الماء ، والماء هوالذي به كل شيء حي فهو مادة الحياة والخلق من هذه المادة إشارة إلى وجودها وتحققها فيه وإلا لكان عبثا ، يعني أن حياته الأبدية ذاتية فطرية إلهية ليست كسائر الخلق بالاكتساب والاختلاط الترابي وإنما هو حياة صرف ونور بحت ، والحياة هي العلم والإيمان والتقوى والعمل الصالح والطهارة ولذا كان الماء 
_________________
1 النور 26
2 الفرقان 54
3 الروم 20
طهور ا لقوله عز وجل { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ }‏ فجعل الجـاهل والكافـر ميتـا لقوله { كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ } وهي السواد الذي طبعها بارد يابس الذي هو طبع الموت وقال تعالى { وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ }1 .
فإذا أثبت الحق سبحانه أن عليا عليه السلام هو مادة العلم ومنشؤه وحقيقته وفطر على اليقين والتقوى في أصل خلقته لحسن قابليته ، وأن النبوة ليست حكم القالب البدني الترابي وإنما هو حكم القالب البدني المائي الذي هو آثار رحمة الله يحيي بها أراضي القلوب الميتة وعلي عليه السلام مناسبة في هذه الحقيقة فيرد الأمر من المناسب إلى المناسب لا البائن ، ثم لما أراد الله سبحانه إظهار ذوي القربى وحملة النبوة والولاية جعل هذا الطيب الطاهر المخلوق من الماء الذي هونسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صهرا حقيقيا بأن زوّجه ابنته الحقيقية التي لها مناسبة ذاتية مع ذلك البشر المخلوق من الماء فتكون هي أيضا مخلوقة من الماء لحكم المناسبة فهي أيضا عين العلم ومعدنه ومنبعه وما كانت مخلوقة من الجسد البشري وإنما هي مخلوقة من الماء الإلهي الذي به حياة كل شيء حي نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتولدت منه على الواقعي الحقيقي لا الظاهري المحض ، فلما قارن السعدان والتقى البحران أخرج الله سبحانه منهما اللؤلؤ والمرجان وهما الحسنان عليهما السلام فورثا حكم الله واستودعا أمر الله إذ من الطيب والطيبة ابنة الطيب ما يظهر إلا الطيب فالمناسب للمناسب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناسب له ، فذوي القربى ولاة الأمر يجب أن يكونوا من نسل هذين الطيبين الطاهرين وإليه أشار مولانا الحسين عليه السلام في يوم 
_________________
1 فاطر 22 _ 23كربلاء إلى أن قال عليه السلام :
لا لشيء ان مني قبل ذا غير فخري بضياء الفرقدين
بعلي الخير مـن بعـد النبي والنبـي القـرشـي الوالـديـن
خيرة الله مـن الخلـق أبي ثم أمي فـأنـا ابـن الخـيـرتين
فضة قد خلصت من ذهب فأنـا الفضة وابـن الـذهـبيـن
من له جد كجدي في الورى أو كشيخي فأنا بـن الـقمريـن
فـاطم الزهراء أمـي وأبي قاصم الكفر ببـدر وحنـــين
إلى آخر الأبيات . 
فكان أئمتنا سلام الله عليهم مأخوذين من تلك الصفوة ومن تلاقي ذين البحرين المخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فهم ليسوا من نسبة هذا التراب البشري المحض وإنما هم من نسبة الماء الذي به كل شيء حي ولما كان المعاند قد يلتبس الأمر على بعض العوام المستضعفين على أن السبط والذرية إنما هي من جهه الأب لا الأم إلا الجزئي على ما قال شاعرهم :
بنونا بنوا أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
والأئمة سلام الله عليهم منسوبون إلى رسول الله من جهه الأم لا من جهة الأب فلا يقال لهم ابن رسول الله إلا مجازا أبطل هذه الشبهة ورفع هذه الواهمة في سورة الأنعام بإثبات أن عيسى عليه السلام من ذرية نوح عليه السلام ولا ريب أنه من جهه الأم لا من جهه الأب . 
وبالجملة براهين طهارتهم واضحة وحجج ولايتهم ظاهرة لا ينكر طهارتهم إلا خبيث المولد خبيث الذات خبيث الصفات خبيث الأفعال المشرك المرتاب ، اللهم صل على محمد وآل محمد وثبتنا على دينك ودين نبيك ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .
وهذا مقام طهارتهم عليهم السلام في المقامات البشرية ، وأما طهارتهم في مقام الوجهية فمما يقصر الكلام لبيانها ويحسر اللسان لأدائها إذ فيها مقام ارتياب الجهال وفتنة أصحاب القيل والقال إلا أني فيما مثلت لك من أمر الفاعل ومعموليته للفعل واشتقاقه منه وهيمنة الفعل عليه مع نسيان الفعل وعدمه عند وجود ذكر الفاعل يظهر المقصود فيظهر لك أن أقصى مقامات التنزيه وأعلى درجات التقديس بالنسبة إلى الطبقة الإنسانية أدنى درجات تنزيه آل محمد وتقديسهم وإن أقصى مقامات تنزيه الأنبياء وتطهيرهم الحق سبحانه عن كل ما سواه جزء من سبعين ألف جزء من رأس الشعيره من تنزيههم عليهم السلام وهكذا ، وأنا أذكر لك حديثا تعرف منه ماذكرنا ظاهرا وباطنا إن وفقت لذلك ، روى الصدوق رضوان الله عليه بأسانيده عن عبد السلام ابن صالح الهروي عن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( ما خلق الله خلقا أفضل مني ولا أكرم عليه مني قال علي عليه السلام : فقلت يا رسول الله فأنت أفضل أم جبرئيل ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي إن الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلني على جميع النبيين والمرسلين والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من بعدك وإن الملائكة لخدامنا وخدام محبينا ، يا علي الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا ، يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم عليه السلام ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه لأن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتمجيده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظمت أمرنا فسبحنا لتعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون وإنه منزه عن صفاتنا فسبحت الملائكه بتسبيحنا ونزهتة عن صفاتنا ، فلما شاهدوا عظم شأننا هللنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله وإنا عبيد ولسنا بآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه فقالوا لاإله إلا الله، فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا لتعلم الملائكة أن الله أكبر من أن ينال عظيم المحل إلا به، فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العزة والقوة فقلنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لتعلم الملائكة أنه لا حول لنا ولا قوة إلا بالله ، فلما شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا الحمد لله لتعلم الملائكة ما يسحق لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة الحمد لله ، فبنا إهتدوا إلى معرفه توحيد الله عز وجل وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده ، ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا وإكراما وكان سجودهم لله عز وجل عبودية ولآدم إكراما وطاعة لكوننا في صلبه ، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون ))1 ، تأمل في هذا الذي ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه تمام الأمر لكنه لوح صلى الله عليه وآله وسلم لأهل التلويح إلى ما ذكرنا فإن قوله صلى الله عليه وآله وسلم قلنا (( لا إله إلا الله .. إلى آخره )) هو ما كتبوا في حقائقهم من وصف عدم تذوتهم وهو الفاعل في ضرب زيد عمروا الذي هو معمول الفعل بل لا يكون الفاعل إلا معمول الفعل أبدا فتكون طهارتهم سلام الله عليهم هي طهارة الله وتقديسه وتنزيهه فافهم راشدا موفقا إن شاء الله .
___________________
1 عيون أخبار الرضا 1/262 _ 263 .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
شرح الخطبة التطنجية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الثاني يختص باحاديث اهل البيت عليهم السلام-
انتقل الى: