{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 بحوث في علم الاصول 6

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: بحوث في علم الاصول 6   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:27 am

__________________
(١) لاحظ المخزومي في كتابه « في النحو العربي » ص ٧٧ ـ ٧٩
٢٧٧
من واد واحد. وذلك كما يلي :
١ ـ انَّه في كثير من الموارد نجد إمكان الإضافة المباشرة لما يدّعى انَّ حرف الجر يقوم بدور إضافته إلى المجرور ومع ذلك لا يمكن الاستغناء فيها عن الحرف ، كما في قولك « سفرك أطول من سفري » أو قولك « زيد قائم في الدار » فان كلاَّ من « أطول » و « قائم » اسم قابل للإضافة ومع ذلك لا يصحّ أن نستغني في المثالين عن الحرف بإضافتهما إلى المجرور.
٢ ـ انَّ هذه النظرية لئن أمكن تطبيقها على مثل حرف « من » في المثال فهي لا تنطبق على أكثر حروف الجرّ كالكاف وحاشا وربّ وغيرها. فقولنا « زيد كعمرو » لا يمكن أن يكون كاف الجر فيها من أجل إضافة ما قبلها إلى ما بعدها. إذ لا يعقل إضافة زيد إلى عمرو ولا إضافة « كائن » أو « مستقرّ » إليه ـ بناء على تقديره في أمثال المقام كما يقوله النحويّون وإن كان لا يوافق عليه الباحث المذكور ـ بل حرف « حاشا » يعطي معنى السلب والاستثناء وهو على العكس من الإضافة تماماً يقتضي تخصيص الحكم بغير المجرور.
ودعوى : إرجاع مثل هذه الحروف إلى الأسماء فالكاف بمعنى « مثل » وحاشا بمعنى « غير » مضافاً إلى عدم التزام الباحث المذكور به. مندفعة : بأن أي حرف بالإمكان اقتناص مفهوم اسمي منتزع عنه كما تنتزع الظرفية من « في » والابتداء لـ « من » وهكذا. ولكن مثل هذه المفاهيم الاسمية المنتزعة ليست هي معاني الحروف بل منتزعة عمَّا هو معناها.
٣ ـ من جملة الفوارق بين حروف الجرّ والإضافة انَّ الحروف يمكن استعمالها بين أطراف جزئية مشخصة فتقول مثلاً « زيد في هذه الدار » ولكن الإضافة لا يمكن أن تكون بين طرفين مشخصين بل يشترط في المضاف دائماً أن يكون مفهوما كليّاً وهذا تعبير آخر عمَّا يقوله النحاة من اشتراط أن يكون المضاف نكرة ولا يشترط ذلك فيما يتعلّق به حرف الجر.
٤ ـ وأخيراً حكم الوجدان لمن يقارن بين موارد الإضافة وموارد استعمالات حروف الجرّ بأن الإضافة لا تفيد من ناحيتها نوع النسبة والعلاقة بين المضاف
٢٧٨
والمضاف إليه وانَّما تفيد أصل العلاقة الملائمة مع أنحاء مختلفة منها خلافاً للحروف فانَّ كلّ واحد منها يتضمّن مدلولاً خاصاً به زائداً على أصل الارتباط والنسبة إلى المجرور ، فأنت تقول مثلاً « الضرب من زيد » فيفيد صدوره منه و « الضرب على زيد » فيفيد ووقوعه عليه وتقول « ضرب زيد » فيلائم كلا الأمرين.
وهكذا يتبرهن : انَّه لا يمكن إرجاع حروف الجرّ إلى الإضافة واعتبارها تقوم بدور الوسيط لتسهيل عملية الإضافة حيث لا يمكن الإضافة المباشرة. نعم هناك في رأينا معنى آخر دقيق لاكتشاف الدور المشترك لحرف الجرّ والإضافة مع عدم طمس معالم الفرق بينهما سوف نتعرّض له فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وحيث ثبت من خلال النقاط المتقدمة وجود فارق في المدلول بين مفاد الإضافة ومفاد الحروف الجارة فسوف نواجه السؤال عن جوهر هذا الفرق وتحديد ما هو المعنى الموضوع بإزائه كلّ منهما. وفي مقام علاج هذه النقطة يمكن أن نطرح عدّة فرضيات نحاول في كلّ منها تفسير وتشخيص جوهر الفرق بين مفاد الإضافة والحروف.
لنرى أنَّ أيّاً منها تستطيع أن تفسّر الفرق بنحو لا نتنازل معه عن شيء من وجداناتنا اللغوية التي أبرزناها من خلال النقاط الأربع المتقدّمة فتكون هي النظرية الصحيحة لتشخيص مدلول الحروف والإضافة على ضوئها.
١ ـ انَّ الإضافة موضوعة للدلالة على التحصيص وتضييق دائرة صدق الاسم المضاف ، فكلمة « ماء » مثلاً مفهوم عام ينطبق على كلّ من ماء النهر والكوز والإناء ولكن بسبب إضافته إلى الكوز مثلاً يتحصص مفهومه وتتحدد دائرة صدقه بخصوص ماء الكوز ، ومن هنا كان المضاف والمضاف إليه في قوّة مفهوم واحد هو مفهوم الحصة الخاصة.
وامَّا الحروف فتدلّ على نسبة معيّنة خارجية بين طرفين أو أكثر ولهذا كانت تفيد نوعية العلاقة والنسبة بين أطرافها.
وهذا الوجه يمكن أن يفسّر لنا وجداناتنا المتقدمة فانَّه إذا افترض أن الإضافة لمجرَّد تحصيص المعنى العام وتقييده والحروف للدلالة على النسب الخارجية فاستفادة تلك النسب من الحرف دون الإضافة أمر منسجم حينئذ كما أنَّ عدم إمكان تبديل الحرف
٢٧٩
بالإضافة في النقاط المتقدمة قابل لأن يفسر على أساس هذه التفرقة.
ولكن يبقى التساؤل عن المقصود بالتحصيص الموضوع له الإضافة فانَّه إذا أريد مفهوم التحصيص والتقييد فهذا مفهوم اسمي مستقل بضمه إلى مفهوم اسمي آخر لا يتحقق تحصيص وضيق فيه. وإن أريد واقع التحصيص والضيق فهذا لا يعقل إلا بأخذ نسبة من تلك النسب الخارجية بين المفهوم المتحصص والمفهوم المتحصص به حتى يكون المركّب منهما لا يصدق على غير الحصّة الخاصة ومن دون ذلك يستحيل أن لا يصدق مفهوم على ما هو مصداقه بالذات.
وإذا أخذت النسبة الخارجية بين المفهومين في مدلول الإضافة ـ سواءً احتفظ فيها بنوع النسبة وخصوصية كونها ظرفية أو صدورية أو وقوعية أم لم يحتفظ به بل أخذ أصل الربط والنسبة ـ اتّجه النقض بالموارد السابقة لا محالة. فان هذه النسبة الخارجية كما هي ثابتة بين الماء والكوز في قولنا « الماء في الكوز » المصحح لإضافة الماء إلى الكوز وتحصيصه به كذلك بنفسها ثابتة بين القائم والدار في قولنا زيد قائم في الدار من دون أن تصحّ إضافته إليه.
وكذلك الحال في « زيد في الدار » ممَّا يعني انَّ هذا المقدار المبرز في هذه الفرضية من الفرق لا يكفي لعلاج المفارقات المتقدمة جميعاً.
٢ ـ انَّ الذهن في موارد الحروف يلحظ ثلاثة أمور الطرفان والنسبة الخاصة بينهما. وأمَّا الإضافة فاللحاظ فيها ينصب على مفهوم واحد هو المفهوم المضاف بما هو مضاف ومنسوب إلى المضاف إليه فالنسبة الخارجية تخلع على المضاف حالة الانتساب والتحصص وهذه الحالة كالنسبة معنى حرفي على ما سيأتي لدى البحث عن مدلول هيئة المصدر والفعل ، ولكنَّها ليست نسبة متقومة بطرفين بل حالة صالحة للقيام بطرف واحد ولهذا نجد وحدة المفهوم في موارد الإضافة وتعدده في موارد الحروف.
وهذه الفرضية غير تامة أيضا. وذلك.
أولا : لأنَّه لو أريد من وحدة اللحاظ في موارد الإضافة وتعدده في الحروف الوحدة الواقعية في صقع الوجود الذهني. فقد عرفت بأن مفاد الحروف بل كلّ النسب الناقصة الأوليّة يكون كذلك لأنَّها وإن كانت متضمنة للنسبة وهي متقوّمة بطرفين أو أكثر إلا
٢٨٠
أن هذا النوع من النسب تحليلية قام البرهان على استحالة كونها واقعية في الذهن. وإن أريد الوحدة بلحاظ عالم التحليل فالوجدان قاض بعدم وحدة المفهوم في موارد الإضافة أيضا كموارد الحروف تماماً بدليل لحاظ الذهن لمفهوم المضاف إليه وهذا لا ينسجم إلا مع افتراض دلالة الإضافة على النسبة بينه وبين المضاف لا الحالة الخاصة المتقومة بالمضاف فقط كما في هيئة المصدر.
وثانياً : انَّ هذه الفرضية كسابقتها لا تعالج المفارقات المبرزة في النقاط المتقدمة فانَّ في كلّ مورد توجد نسبة حرفية خارجية بين شيئين تتحقق حالة الانتساب أيضا فلما ذا لا تطرد فيها الإضافة.
٣ ـ انَّ الإضافة مفادها مفاد الحروف ولكن بنحو النسبة الناقصة المفروغ عنها بينما الحروف تدلّ على معانيها بنحو النسبة التامة فقولنا : « غلام زيد أو خاتم فضّة » تحويل للنسبة التامة المفادة بقولنا « الغلام لزيد والخاتم من فضة » إلى نسبة ناقصة تقييديّة مفروغ عنها نظير ما قلناه في النسبة التوصيفية من انَّ قولنا « الرّجل الشجاع » نسبة ناقصة منتزعة بلحاظ النسبة التامة الخبرية في قولنا « الرّجل شجاع » ولهذا أيضا نجد أن الإضافة كالتوصيف تستبطن الاخبار ، فإذا قلت « رأيت غلام زيد » كنت قد أخبرت ضمناً انَّ ذلك الغلام لزيد.
وهذه الفرضية أيضا ممَّا لا يمكن المساعدة عليها.
وذلك أولا : فساد المبنى فان النسب المفادة بالحروف نسب خارجية تحليلية وهي لا تكون إلا ناقصة ولذلك قلنا بضرورة افتراض تقدير في جملة « الغلام لزيد » أي « الغلام كائن لزيد » ليكون هو طرف النسبة التامة كما يتّفق عليه النحاة. وسوف يأتي التعرّض لذلك في بحث الهيئات الإفرادية.
وثانياً : عدم إمكان افتراض النسبة الحرفية تامة في تمام الموارد بل من الواضح نقصانها في مثل قولنا « مررت بزيد » حيث لا تكون الجملة مفيدة لأكثر من نسبة تامة واحدة. ولو فرض استفادة نسبة تامة أخرى وهي كون الرّجل المرور به زيداً فهي نسبة مستبطنة لا صريحة وهي محفوظة في الإضافة أيضا بحسب الفرض.
وثالثاً : انَّ هذا الوجه كسابقيه لا يعالج المفارقات المتقدمة طالما لا يبرز فرقاً بين
٢٨١
مفاد الحروف ومفاد الإضافة إلا من حيث المفروغية وعدمها وقد عرفت لزوم اكتشاف الفارق الجوهري المانع عن صحة استعمال الإضافة في أكثر موارد استعمالات حروف الجر.
٤ ـ انَّ حروف الجر وهيئة الإضافة موضوعتان معاً للتخصيص والنسبة التقييديّة الناقصة ـ أي النسبة الخارجية ـ غير أن بينهما فرقاً من حيث مركز التقييد ومصبّه. فالحروف موضوعة لتقييد المفاهيم التركيبيّة التامة أي مفاد النسب التامة. والإضافة موضوعة لتقييد المفاهيم الإفرادية وتحصيصها. لأنَّ النسبة التامة يتصوّر في حقّها الإطلاق والتقييد بصورة مستقلة عن الإطلاق والتقييد في أطرافها ، فالذهن في موارد النسب التامة كما يمكنه أن ينتزع مفهوماً إفراديّاً محصصاً يجعله ظرفاً للنسبة التامة الحكمية كذلك يمكنه ان يبقى المفاهيم في أطراف النسبة التامة على إطلاقها ولكن يقيّد النسبة التامة نفسها. وفائدة ذلك تظهر في الموارد التي لا يمكن فيها تحصيص المفهوم الواقع طرفاً للنسبة التامة كما إذا كان مشخصاً مثلاً غير قابل للتخصيص والتضييق كقولك « زيد في الدار » فان التقييد بالدار راجع إلى النسبة التامة للجملة. وبهذا البيان يندفع النقض بموارد استعمالات الحروف التي لا يمكن تحويلها إلى الإضافة فانَّ مركز التحصيص والتضييق في تلك الموارد ليس هو الذات الواقعة موضوعاً لكي تضاف إلى المجرور بالحرف وانَّما مركزه هو النسبة التامة كما عرفت.
وما ذكر في هذا الوجه من وضع الإضافة للنسبة الناقصة التقييدية الطارئة على المفاهيم الإفرادية وإن كان صحيحاً إلا أنَّ تعيين معنى الحروف في تقييد مفاد النسب التامة ممَّا لا يمكن المساعدة عليه.
وذلك. أولا : لرجوع التقييد بالحرف في كثير من الأحيان إلى غير النسب التامة كما في موارد تعلّقها بالمصادر والأوصاف والاشتقاقيّة وهي لا تتضمن نسبة تامة. ودعوى : إمكان اقتناص مفاد تام في تلك الموارد باعتبار أنَّ الأوصاف تستبطن الاخبار مدفوعة : مضافاً إلى أنَّه قد لا يكون متعلق الجار والمجرور إلا المصدر وهو حتى لو قيل باشتماله على النسبة لا إشكال في عدم انحلاله إلى اخبار ونسبة تامة مستبطنة. أن الاستلزام المذكور للنسبة التامة لا يختص بالمشتقات بل ثابت في مطلق القيود
٢٨٢
المأخوذة في أطراف نسبة تامة ولو لم تكن مشتقات كما في الإضافة مثلاً فلما ذا لا ترجع إليها الحروف ولا تقيد نسبها التامة المستلزمة؟
وثانياً : وجدانية عدم إمكان تقييد النسب التامة غير المشتملة ـ على مفهوم حدثي بحروف الجرّ ، كما يظهر ذلك من خلال المقارنة وتتبع الأمثلة فاننا عند ما نحكم على ( زيد ) في نسبة تامة بمفهوم جامد كما في قولنا « زيد إنسان أو ابن عمرو » لا نجد مجالاً لإيراد شيء من معاني الحروف لتقيد مفادها لأنَّا لا نجدها صالحة لذلك. ولكن بمجرّد أن نحكم عليه بمفهوم حدثي فنبدل كلمة « إنسان » إلى « قائم » أو أيّ مشتق آخر نجد أنَّه ينفتح المجال واسعاً للتقييد بكثير من معاني حروف الجر الأمر الّذي كان منغلقاً نهائيّاً علينا قبل تبديل المفهوم الجامد بالمشتق. وهذا يوجب القطع بأن الفرق بين حروف الجرّ والإضافة ليس من ناحية الاختلاف بينهما في مركز التقييد من حيث كونه مفهوماً إفراديّاً أو معنىً نسبيّاً تاماً أو ناقصاً بل هناك خصوصية في المعنى الحدثي تقتضي اختصاص حروف الجر بها.
وثالثاً : استحالة تصوير أصل طرو النسبة التقييدية الناقصة على النسبة التامة بناء على تصوراتنا في حقيقة النسبة الناقصة من كونها تحليلية لا واقعية. على ما سوف يأتي البرهان عليه لدى التعرّض إلى النسبة الاستفهامية.
وذلك البرهان أيضا لا يختصّ بفرض كون طرف النسبة الناقصة نسبة تامة بل يتمّ أيضا فيما إذا أريد جعل طرفها النسبة الناقصة نفسها لا الحصة المنتسبة.
وهكذا يتبيّن انَّ هذا الوجه لا يمكن تتميمه حتى إذ افترض أن طرف النسبة في حروف الجر هو النسب الناقصة المستلزمة للمشتقات أو الأفعال.
٥ ـ أن يقال باختصاص حروف الجر للدلالة على تقييد المعاني الحديثة بخلاف الإضافة فانَّها قد تقيد المعاني الجامدة كما في « غلام زيد » وقد تقيد المعاني الحديثة كما في « ضارب زيد ».
وهذا الوجه وإن كان صحيحاً فان الوجدان من خلال تتبع موارد الاستعمالات والمقارنة فيما بينهما بالنحو الّذي تقدّم في مناقشة الوجوه السابقة يحكم باختصاص المعاني الحرفية بتحصيص المعاني الحديثة فقط ولذلك التزم النحاة بضرورة تعلّق
٢٨٣
حروف الجرّ بل مطلق الظرف بفعل أو مشتق مذكور أو مقدّر. إلا أن التمييز بين الحروف والإضافة بهذا المقدار يجعل التفرقة بينهما بهذا النحو كأنه تعبّد لغوي بحت لا يستبطن نكتة فنيّة.
وإلا فلما ذا خصّص حرف الجر بوظيفة التحصيص في المعاني الحديثة فحسب؟
وبالإمكان تفسير هذه النقطة بوجه فني حاصله : انَّ هناك فرقاً أساسيّاً بحسب الإحساس الفطري للإنسان بين المعاني الحديثة والمعاني الذاتيّة من حيث انَّ المعنى الحدثي ليس له تشخّص بذاته كما في المعاني الذاتيّة فانَّ الذوات باعتبار استقلالها في الوجود تكون مستقلة في التشخص أيضا لأنَّ الوجود يساوق التشخص.
وأمَّا الحدث فتشخصه من قبل أطرافه وعلاقته بها فتشخص ضرب زيد عن ضرب عمر إنَّما هو بلحاظ صدور هذا من زيد وذاك عن عمرو أو وقوعه على زيد أو على عمرو أو كونه بالعصا أو باليد وهكذا. والحروف ـ وكذلك الهيئات الاشتقاقية ـ موضوعة لإفادة هذه التشخصات في المعاني الحرفية عن طريق تحديد نوع العلاقة والربط بين الحدث وبين ذلك الطرف فليست حروف الجر كالإضافة أو التوصيف لمجرّد تحصيص المعاني الحدثية ـ وإن كانت تستلزم ذلك ـ بل هي لتشخيص المعنى الحدثي وإبرازه حيث لا يتشخص إلا بمثل ذاك ومن هنا كانت تدلّ على خصوصيات تفصيلية زائدة على أصل الربط والنسبة ومن الواضح انَّ هذا الدور لا موضوع ولا معنى له في المعاني الذاتيّة لكي تدخل الحروف عليها فان الذوات متشخصة بقطع النّظر عن علاقتها بأطرافها ومن هنا كان لا بدَّ في موارد لا يوجد في الكلام ما يدلّ على الحدث كما في قولك « هذا غلام لزيد » إمَّا من تقديره فيكون المعنى هذا غلام كائن لزيد فتكون النسبة التحصيصية مفادة بالتوصيف أو تحويل اسم الذات إلى معنى حدثي بأن يفرض انَّ المقصود من غلام لزيد أنَّه مملوك له.
وبهذا التقرير يتّضح الفرق الفني الدّقيق بين قولك « هذا ضارب زيد » و « هذا ضارب لزيد » رغم التشابه الشديد بينهما الموهم وحدة معنى الإضافة وحرف الجر فيه ، فانَّ « ضارب زيد » لا يدلّ على خصوصية مشخصة للضارب فانَّه مشخص في نفسه ولا لضربه لأنَّ المضاف هو الضارب لا ضربه وانَّما يدلّ على تحصيصه وتضييقه في
٢٨٤
حصّة خاصة منه بينما يدلّ « ضارب لزيد » على خصوصية في الضرب الصادر من الضارب تشخصه من ناحية المفعول ومن يكون عليه الضرب.
وعلى ضوء كلّ ما تقدّم نعرف : انَّ ما ذكره الباحث المذكور من أنَّ حروف الجرّ تقوم بدور الإضافة قد يبرز جانباً من التشابه بين دور حروف الجر والإضافة ولكن هذا لا يفي بتحليل الموقف وانَّما الّذي يفي به تقديم نظرية شاملة للمقارنة بين حروف الجر والإضافة على نحو يبرز جوانب الاتفاق بينهما ويفسر أوجه الاختلاف جميعاً.
تفسير المحقق العراقي للنسبة التامّة والناقصة
وقد اتّضح بما ذكرناه سرّ الفرق بين الجملة التامة والجملة الناقصة والميزان الكلي في تمامية النسبة ونقصانها الراجع إلى واقعيتها في صقع الذهن وتحليلتها ، ولا يلاحظ للمشهور شيء محدد يمكن الحديث عنه بشأن التمييز بين الجملة التامة والناقصة وتفسير الفرق بينهما إلا المحاولة التي أشير إليها في مقالات المحقق العراقي ( قده ) وتوسّع فيها في تقريرات بحثه.
وحاصل المحاولة دعوى : أنَّ هيئة الجملة الناقصة تختلف عن هيئة الجملة التامة في مفادها من وجوه :
الأول : انَّ الهيئة الأولى تحكي عن النسبة الثابتة بينما الثانية تحكي عن إيقاع النسبة.
الثاني : أن المحكي عنه في الجملة التامة هو النسبة بلحاظ وجودها فإذا قال المتكلّم « زيد قائم » حكي عن النسبة الموجودة بين زيد والقيام ، وامَّا الجملة الناقصة فانَّ محكيها هي النسبة بلحاظ نفسها مع قطع النّظر عن وجودها وعدمها في الخارج ، ولهذا يصحّ أن يحكم على الموضوع المتقدّم بها بالنفي.
الثالث : وهو متفرّع على الثاني ، أنَّه كلَّما أخذ القيد في موضوع الحكم الشرعي على نهج النسبة التامة فمقتضاه كونه لوحظ قيداً ووصفاً للموضوع بما هو متحقّق في الخارج ، وكلَّما أخذ القيد فيه على نهج النسبة الناقصة فهو قيد للموضوع بحد ذاته بقطع النّظر عن الوجود والعدم. ومثال الأول : « إذا كان الماء كرّاً اعتصم » ومثال الثاني : « الماء
٢٨٥
الكرّ معتصم » وقد فرع على ذلك ثمرة بلحاظ استصحاب العدم الأزلي.
مناقشة التفسير المذكور
أمَّا الوجه الأول ، فلا محصل له إلا بإرجاعه إلى ما حققناه ، إذ ما المراد بالنسبة الثابتة وبإيقاع النسبة ، فان أريد بإيقاع النسبة إيجادها التصوري في الذهن ومن ثبوتها وجودها التصوّري كذلك فيكون الفرق من باب الفرق بين الإيجاد والوجود وتكون الجملة الناقصة موضوعة لإفادة الوجود والجملة التامة موضوعة لإفادة الإيجاد. فيرد عليه : أن الوجود التصوري والإيجاد التصوري كليهما ليسا دخيلين في مدلول الجملة ، بل مدلولها ذات المعنى في نفسه بلا أخذ الوجود فيه ، فلا بدَّ من تصوير فرق بين ذاتي النسبتين في أنفسهما.
وإن أريد بإيقاع النسبة كونها موجودة في صقع الذهن حقيقة وبالنسبة الثابتة كونها موجودة ضمناً وتحليلاً ، رجع إلى ما حققناه ولم يكن الفرق بالإيقاع والوقوع والإثبات والثبوت بل بالتحليلية والواقعية ، وإلا فمجرّد كون نسبة واقعة أو موقعة أي دخل له في تماميتها في مرحلة المدلول التصوري للكلام بعد فرض كونها نسبة واقعية في صقع الذهن.
أمَّا الوجه الثاني : فيرد عليه : انَّ النسبة التامة كالنسبة الناقصة يمكن ان يرد النفي على مفادها ، فيقال مثلاً : « ما قام زيد » وقوله ان جملة « زيد قائم » تحكي عن النسبة الموجودة بين زيد والقيام إن أريد به أخذ مفهوم الوجود في النسبة فهو واضح البطلان. مضافاً إلى أنَّه كمفهوم يمكن أن يؤخذ قيداً للجملة الناقصة أيضا فيقال : « قيام زيد الموجود » وإن أريد به أخذ واقع الوجود في المدلول بالذات لهيئة الجملة التامة فهو غير صحيح ، لأنَّ الوجود الخارجي لا يعقل أخذه في مدلول اللفظ. على أن للجملة التامة مدلولاً محفوظاً في حالتي الصدق والكذب معاً ، وإن أريد أنَّ المدلول بالذات للجملة التامة يلحظ فانياً في الخارج فنفس الشيء يصحّ في الجملة الناقصة أيضا. فحين تقول « قيام زيد محرم » تلحظ قيام زيد الّذي هو جملة ناقصة بما هو حاك عن الخارج.
نعم ، يمكن أن يعبر عن الوجه بتقريب آخر فيكون منسجماً مع ما هو التحقيق في
٢٨٦
المسألة ، وذلك بأن يقال : انَّ الجملة التامة حيث انَّ مفادها النسبة التصادقية فهي تفترض حتماً كون النّظر التصوري الّذي تحققت النسبة التصادقية في صقعه متجهاً إلى ما وراء هذا الصقع ، إذ لو لا ذلك لا يتعقّل التصادق ولو تصوّراً فتصور النسبة التصادقية بنفسه يعني النّظر ولو تصوّراً إلى ما وراء هذا الصقع. وهذا بخلاف النسبة الناقصة فانَّها لا تقتضي بطبيعتها ذلك. وهذا معنى صحيح مستنتج ممَّا ذكرناه في تحقيق ملاك التمامية والنقصان ، ولا يترتَّب عليه اختلاف الجملتين في كون الناقصة لا تأبى عن ورود النفي عليها وكون التامة تأبى عن ذلك ، لوضوح أن التامة لا تأبى عن ذلك أيضا ـ كما عرفت ـ إذ ليس معنى كون النّظر فيها إلى ما وراء الصقع التصديق بوجود مطابق في الخارج بل مجرّد كون النّظر التصوّري كذلك إذ لا يعقل تصوّر التصادق بما هو نسبة إلا بذلك.
وامَّا الوجه الثالث : فواضح البطلان. لأنَّ النسبة التامة بما هي نسبة تامة لا تختص بما إذا كان موضوعها موجوداً في الخارج ومحمولها ثابتاً لموضوعها بما هو محقق ، فقولنا « الإنسان ممكن » جملة تامة ومحمولها ليس ثابتاً للإنسان بما هو محقق في الخارج بل بما هو ماهية في نفسها ؛ والظهور المدّعى في كلامه إذا تمَّ في مثال الجملة الشرطية للكر فهو من تبعات خصوصية في العبارة لا من تبعات مجرّد التمامية.
الجمل التامة لم توضع لقصد الحكاية
وهكذا تبرهن صحة مدّعى المشهور من أنَّ الجمل التامة موضوعة بإزاء النسب التامة. كما اتّضح انَّ قصد الحكاية خارج عن مدلولها وانَّما تدلّ عليه ظهورات حالية أو سياقية. بل دعوى : وضع الجمل التامة لقصد الحكاية ممَّا لا يمكن المساعدة عليها. وذلك :
أولا : لابتنائه على القول بمسلك التعهد في حقيقة الوضع وافتراض انَّ الدلالة الوضعيّة دلالة تصديقية وليست تصورية ، وقد تقدّم في بحث الوضع عدم صحّته.
وثانياً : النقض بمثل موارد دخول أداة الاستفهام على الجملة التامة كما في قولك « هل زيد قائم » إذ لا إشكال في أنَّ المستفهم عنه نسبة القيام إلى زيد أي كون زيد
٢٨٧
قائماً لا قصد الحكاية عنها. وقد حاول الأستاذ التخلّص من هذا النقض بافتراض أن أداة الاستفهام أو هيئة الجملة الاستفهامية موضوعة بوضع واحد لإبراز قصد الإنشاء والاستفهام ، فليست استفادة الاستفهام من الجملة الاستفهامية من باب تعدد الدال والمدلول بأن يكون الاستفهام مفاداً بدلالة الأداة والنسبة التامة بالجملة التامة المدخول عليها الأداة حتى يكون نقضاً عليه.
إلا أن هذه المحاولة للتخلّص عن النقض غير تامة أيضا.
فإنَّه أولا : بالإمكان تبديل النقض بما لا يحتمل فيه وحدة الدال والمدلول كما إذا دخل الفعل على الجملة التامة في مثل قولك « أخبرني أن زيداً ميّت » فانَّ المخبر به نفس النسبة لا قصد المخبر الحكاية عنها. والأفعال لا إشكال في كون دلالتها من باب تعدد الدال والمدلول حيث وضعت هيئتها بوضع نوعي مستقل عن وضع المواد التي تدخل عليها.
وثانياً : لو لم تكن استفادة الاستفهام من الجملة الاستفهامية من باب تعدد الدال والمدلول لما صحّ أن يصدق الاستفهام في مقام الجواب بنعم أو ينفي بلا. لأنَّ المدلول الإنشائي غير قابل للتصديق أو للنفي وإنَّما القابل لذلك النسبة التامة المفاد عليها بالجملة التامة في مدخول أداة الاستفهام. اللهم إلا أن يدعى بأن « نعم » أو « لا » في قوة تكرار تلك الجملة التامة واستعمالها في معنى لم تكن مستعملة فيه في سياق الاستفهام وهو النسبة الاخبارية على سبيل الاستخدام ، نظير أن يقول « هل جاءك المولى » بمعنى العبد فيقول « نعم » وهو يريد معنى آخر من المولى غير ما أراده المتكلّم.
إلا انَّ مثل هذه التحميلات واضحة التكلّف والفساد.
٣ ـ الجمل التامة الإنشائية
وامَّا الجمل التامة الإنشائية ، فقد وقع فيها بحث واسع بين الأعلام من خلال مقارنتهم لها بالجمل التامة الخبرية ومحاولة التمييز بين القسمين ، ويمكن تصنيف البحث إلى جهتين : إحداهما : تتصل بنحو علاقة الجملة الإنشائية بالمعنى ودلالتها عليه وأنَّها إيجادية بمعنى كونها موجدة لمعناها باللفظ ، خلافاً لعلاقة الجملة الخبرية بالمعنى ودلالتها
٢٨٨
عليه التي هي إخطار به؟ والجهة الأخرى : تتصل بذات المعنى وتشخيص انَّ ذات المعنى في الجملة الإنشائية هل هو نفس المعنى في الجملة الخبرية أو لا؟
هل المعاني الإنشائية إيجادية؟
امَّا الجهة الأولى ، فهناك اتجاه معروف موروث يفترض كون الجمل الإنشائية موجدة لمعانيها باللفظ ويميّز بين الخبر والإنشاء بأن الأول حاكٍ والثاني موجد لمعناه.
الوجوه المختلفة لتفسير إيجادية الجمل الإنشائية
والإيجادية المدعاة في الجملة الإنشائية تارة : يراد به نفس الإيجادية المدعاة في مداليل سائر الحروف والهيئات ـ على ما تقدّم ـ وهي بهذا المعنى لو صحّت لا تصلح مائزاً بين الجملة الإنشائية والخبرية ، لوضوح أن هيئة الجملة الخبرية تدخل ضمن الحروف والهيئات أيضا ، فإذا تمَّ برهان على أن كلّ ما لا يكون مدلوله معنى مستقلاً في المفهومية والتقرر فلا بدَّ أن يكون إيجاديّاً فهذا يشمل هيئة الجملة الخبرية أيضا وأخرى : يراد بها الإيجادية بنكتة أخرى وبقطع النّظر عن دعوى الإيجادية العامة في الحروف والهيئات ، وعلى الثاني فلها وجوه :
الإيجادية بمعنى التوليد
الأول : انَّ تدعى الإيجادية للجملة الإنشائية بدلاً عن الإخطار بمعنى أن سنخ علاقة اللفظ بالمعنى وتأثيره فيه قد يكون بنحو الإخطار المباشر وإيجاد المعنى تصوراً في ذهن السامع بسبب اللفظ ، وهذا هو الوضع الثابت للكلمات الإفرادية وما يلحق بها ولهيئة الجمل التامة الخبرية ، فانَّها كلّها تؤثر في معانيها بإخطار تلك المعاني. وقد تكون علاقة اللفظ بالمعنى وتأثيره فيه بنحو الإيجاد والتوليد أي انَّ اللفظ يوجد المعنى في الخارج ويكون وجوده هذا سبباً في خطوره في ذهن السامع ، فالخطور في ذهن السامع ليس بسبب اللفظ مباشرة بل بسبب مواجهة المعنى بوجوده الخارجي ، وهذا الوجود الخارجي بسبب اللفظ ، فيدعى أن الجملة الإنشائية من هذا القبيل فهي توجد المعنى
٢٨٩
وفي طول ذلك يتمّ الإخطار ، فحين يقال « صلّ » يوجد بهذه الجملة طلب في الخارج وفي طول ذلك ينتقل ذهن السامع إلى مفهوم الطلب ، إذ ينتزعه من مصداقه الخارجي.
وقد يكون الداعي للذهاب إلى مثل ذلك هو البناء على أن الجملة الإنشائية موضوعة للمفاهيم الاسمية المتعارفة من الطلب والتمنّي والاستفهام والنداء ونحو ذلك. وحيث أنَّه يوجد فرق واضح بين هذه الجمل والأسماء الإفرادية الدالة على هذه المعاني لنقصان هذه الأسماء وتمامية تلك الجمل ، أريد معالجة هذا الفرق بدعوى أن اختلاف جملة « افعل » مثلاً عن اسم الطلب في كونه جملة تامة مع أنَّها موضوعة لنفس المعنى ينشأ من سنخ تأثيرها في مدلولها ، حيث انَّها توجد الطلب باللفظ ، وبذلك كانت جملة تامة يصحّ السكوت عليها لإفادتها لمعنى تصديقي بخلاف كلمة الطلب إذا أطلقت.
ويرد على ذلك : أولا : انَّ هذه الموجديّة إن ادّعي ثبوتها للجملة الإنشائية بقطع النّظر عن وضعها لمعناها فهو واضح البطلان ، لعدم العلاقة الذاتيّة بين اللفظ والمعنى ، وان ادعي ثبوتها بسبب الوضع فهو باطل أيضا بعد أن عرفنا حقيقة الوضع ، وانَّ مرجعه إلى الإشراط والقرن المؤكد وهذا لا يوجب بطبعه إلا التلازم في التصوّر بين اللفظ والمعنى ، فلا يعقل ان يترتّب عليه التلازم أو السببية في الوجود الخارجي.
وثانياً : إن الوجود الخارجي لمعاني الجمل الإنشائية كثيراً ما يكون محفوظاً في المرتبة السابقة على الكلام فكيف يعقل دعوى حصوله بالإنشاء وذلك كما في موارد التمنّي والترجّي والاستفهام ، لقيام مصاديق هذه المعاني بالنفس في المرتبة السابقة. فإن أريد الموجدية الموجدية لهذه المصاديق فهو واضح البطلان ، وإن أريد بالموجدية نحو آخر من الوجود رجع إلى الوجود الذهني وكان من باب الإخطار ، إذ ليس للماهية حقيقة إلا الوجود الخارجي أو الوجود الذهني فان قيل : هناك نحو ثالث من الوجود وهو الوجود الإنشائيّ فالجملة الإنشائية موجدة للتمنّي مثلاً بوجوده الإنشائيّ لا الخارجي ولا الذهني. قلنا : الوجود الإنشائي إن أريد به الوجود الاعتباري للشيء فهو متقوم بالاعتبار ولا يمكن أن يتحقق بمجرّد اللفظ ، مع أن استعمال جملة التمنّي والترجّي
٢٩٠
والاستفهام لا يحتاج إلى ضمّ أيّ اعتبار. وإن أريد به الوجود الحاصل بالجملة الإنشائية ؛ فهذا عود إلى ما يراد تحليله فإنَّنا بصدد معرفة حقيقة هذا الوجود.
ولعلَّ الّذي ساعد على توهّم الإيجادية بالمعنى المذكور ما يرى من ترتّب مصداق المعنى على الجملة الإنشائية أحياناً ، كما في « افعل » حيث يحصل بسببها طلب لم يكن ثابتاً قبل ذلك. إلا أن هذه الموجدية في طول إخطار الجملة لمعناها ، بل في طول مدلولها التصديقي أيضا وليست بدلاً عن الإخطار كما يراد ادعاؤه في هذا الوجه. وستعرف ذلك مفصلاً عند التكلّم في الوجه الثالث.
الإيجادية بمعنى عدم قصد الحكاية
الثاني : أن يراد إيجادية الجملة الإنشائية في عرض الإخطار ، فالجملة الإنشائية تخطر معناها في ذهن السامع على حدّ ما يقع في سائر الجمل والكلمات غير أن الجملة الإنشائية تختلف عن الجملة الخبرية من زاوية المتكلّم في أنَّ المتكلّم يتمحّض قصده من الجملة الإنشائية في تحقيق وجود تنزيلي للمعنى باللفظ فحينما يقول « بعت » إنشاءً أو « يعيد » إنشاءً يقصد إيجاد النسبة تنزيلاً باللفظ على أساس أن اللفظ وجود تنزيلي للمعنى ، وهذا لا ينافي أن يقصد إخطار المعنى تصوّراً في ذهن السامع وأن يكون اللفظ موجباً لهذا الإخطار ، وإنَّما المهم انَّه ليس قاصداً للحكاية عن وقوع النسبة خارجاً ، وامَّا في الجملة الخبرية فهو إضافة إلى ما ذكر يقصد الحكاية ، فالنسبة بين محتوى الجملة الإنشائية ومحتوى الجملة الخبرية نسبة الأقل إلى الأكثر على ما أفاده المحقق الأصفهاني ( قده ).
والتحقيق : أن الإنشاء أو الجملة الإنشائية ، تارة : تقارن بالجملة الخبرية في مرحلة المدلول الجدّي والتصديقي ، وأخرى : تقارن بها في مرحلة المراد الاستعمالي والمدلول الوضعي. امَّا في المرحلة الأولى ، فلا شك في أنَّه كما تزيد الجملة الخبرية على قصد الإيجاد التنزيلي للنسبة باللفظ ـ لو سلّمناه ـ بقصد الحكاية الّذي هو المدلول الجدّي لها ، كذلك تزيد الجملة الإنشائية على القصد المذكور بما هو مدلول جدّي لها من التمنّي النفسانيّ أو الإرادة أو طلب الفهم وغير ذلك من المداليل التصديقية للجملة الإنشائية
٢٩١
ولكن الحديث عن مرحلة المدلول الجدّي أجنبي عن محل الكلام ، لأنَّ المقصود في المقام الكشف عن الفارق بين الجملتين في مرحلة المدلول الوضعي والمراد الاستعمالي ، وذلك لوضوح أن الجملة الإنشائية والخبرية حتى في موارد استعمالها هزلاً وتجرّد هما عن المدلول الجدّي معاً يبقى فارق بينهما لا بدَّ من تفسيره ، فهناك فرق بين أن تقول « بعت داري » في مقام الإنشاء هزلاً أو تقول « بعت داري » في مقام الاخبار هزلاً ، وهذا يعني انَّ الفارق في مرحلة المراد الاستعمالي نفسه.
وامَّا في المرحلة الثانية ، فقصد الحكاية أجنبيّ عن المدلول الاستعمالي للجملة الخبريّة ، فإنَّ مدلولها الاستعمالي ليس إلا إخطار النسبة تصوّراً ، لما تقدّم من انَّ الدلالة الوضعيّة تصورية ، وهذا الإخطار بنفسه محفوظ في الجملة الإنشائية أيضا ، لوضوح انَّ المنشئ يقصد بقوله « بعت » أن يخطر في ذهن المشتري معنى. فلم يتحدد أي فرق بين الجملتين على هذا الأساس.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 6   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:28 am

الإيجادية والمدلول التصديقي
الثالث : أن يراد إيجادية الجملة الإنشائية في طول الإخطار بل في طول مدلولها التصديقي ، بأن يقال : إنَّ صيغة « افعل » مثلاً تدلّ تصوراً على النسبة البعثيّة والإرسالية ، وتدلّ تصديقاً على الحالة النفسيّة المناسبة لهذا المدلول التصوّري ، وهي إرادة تحرّك المأمور نحو المادة ، وباعتبارها كاشفة عن هذه الإرادة وكون هذا الكشف بداعي التوصّل إلى المراد ينطبق عليها عنوان الطلب وتكون مصداقاً حقيقيّاً للطلب بمعنى السعي نحو المقصود وهكذا تكون الجملة موجدة لمعناها في طول دلالتها التصورية والتصديقية.
وهذا النحو من الإيجادية صحيح في الجملة ، ولكنَّه ليس من شئون الجملة الإنشائية ولوازمها بما هي جملة إنشائية ، بل أمر يتّفق أحياناً ، وهي لما كانت في طول دلالة الجملة الإنشائية على معناها جدّاً فلا يمكن أن تكون هي نكتة الفرق بين الجملة الإنشائية والخبرية ، لانحفاظ الفرق بينهما في الرتبة السابقة وفي مرحلة المدلول الاستعمالي حتى مع هزليّة الجملتين معاً كما عرفت.
٢٩٢
واتّفاق الإيجادية بهذا المعنى يكون إمَّا في مورد تكون فيه الجملة الإنشائية بلحاظ كشفها التصديقي عن المدلول الجدّي مصداقاً لمدلولها التصوّري تكويناً ، كما هو الحال في الجملة الطلبية كصيغة « افعل » على ما عرفت ، أو في مورد تقع فيه الجملة الإنشائية الواجدة لمدلول جدّي موضوعاً لحكم شرعي أو عقلائي يكون هذا الحكم مصداقاً لمدلولها التصوّري ، كما هو الحال في الجمل الإنشائية في باب المعاملات.
وقد يستشكل في تعقّل هذه الإيجادية كما في تقريرات المحقق العراقي قدس‌سره تارة بأن الوجود الخارجي الّذي يحصل باللفظ لا يعقل أن يكون هو المستعمل فيه أو المدلول للجملة الإنشائية ، لأنَّ المدلول يجب أن يكون من الممكن حضوره في الذهن عند سماع اللفظ والوجود الخارجي لا يمكن حضوره ذهناً وأخرى : بأن هذا الوجود في طول الاستعمال والمستعمل فيه متقدّم بالطبع على الاستعمال ؛ فلو كان هو المستعمل فيه لزم التقدّم والتأخر رتبة وهو خلف.
ويرد على الإشكال الأوّل : أن الإيجادية إذا ادعيت بدلاً عن الإخطارية فلا مورد لهذا الإشكال ، إذ لا مدلول إخطاري للجملة الإنشائية حينئذ لا أن مدلولها الإخطاري هو ذلك الوجود الخارجي وانَّما الخطور يتحقق في رتبة انتزاع مفهوم من هذا الوجود ، وإذا ادعيت الإيجادية إضافة إلى الإخطاريّة فلا تعني أن هذا الوجود هو نفس المستعمل فيه بل هو وجود للمعنى المستعمل فيه ، فكأن اللفظ يخطر ذات المعنى في الذهن ويوجد له مصداقاً في الخارج من دون أن يكون الوجود الخارجي هذا دخيلاً في المستعمل فيه. ومنه يعرف الجواب على الإشكال الثاني ، فإن ما هو متقدّم على الاستعمال ذات المعنى المستعمل فيه لا وجوده لعدم دخل الوجود في المعنى ، وما هو في طول الاستعمال وجود ذلك المعنى فلا خلف.
الإيجادية بالنظر التصوّري
الرابع : أن يراد إيجادية الجملة الإنشائية بحسب النّظر التصوّري ، أي إيجادية تصوريّة ، وذلك في الجمل المشتركة بين الاخبار والإنشاء ك‍ « بعت » و « يعيد » فانَّ هذه الجملة تدلّ على النسبة المفادة لها على نحو واحد فهي في مورد الاخبار تلحظ فانية
٢٩٣
في واقع يرى بالنظر التصوّري مفروغاً عنه ، وفي مورد الإنشاء تلحظ فانية في واقع يرى بالنظر التصوّري ثبوته بنفس هذا الكلام ، ومن أجل ذلك توصف الجملة الإنشائية بالموجديّة وهذه موجدية محفوظة حتى في موارد الهزل ، لأنَّها موجدية بحسب النّظر التصوّري وهي محفوظة سواءً ترتّب مصداق للمعنى حقيقة على الجملة الإنشائية ، كما في موارد صحة البيع ، أو لم يترتّب ، كما في موارد هزليّته وعدم ترتّب أثر عليه. وبعبارة أخرى : إنَّ هذه الموجدية وما يقابلها من شئون مرحلة المدلول التصوري ولا تتوقّف على افتراض المدلول الجدّي ولا من شئونه ، غير أنَّه لا بدَّ أن يكون المعنى سنخ معنى قابل لأن يحدث له مصداق بنفس هذا الكلام لكي يلحظ بحسب النّظر التصوري على هذا الوجه ، ويكون ذلك في أحد الموردين اللذين أشرنا إليهما في الوجه السابق.
وهذه الموجدية معنى صحيح معقول يمكن التمييز به بين الأخبار والإنشاء في الموارد التي يترتّب فيها للإنشاء موجدية لمصداق معناه ، ولكنَّها غير متصوّرة في الموارد التي لا يترتّب فيها للإنشاء موجدية لمصداق معناه ، كما في جمل التمنّي والترجّي ، فإن النسبة التي تعبّر عن التمنّي أو الترجّي بنحو المعنى الحرفي إنَّما يترقب أن يكون لها مصداق ثابت في نفس المتمنّي والمترجّي ، ولا معنى لافتراض مصداق لها بنفس الكلام. ودعوى : أن التمنّي الإنشائي يكون مصداقاً كذلك مجرّد كلام ، لأنَّ التمنّي الإنشائي عبارة أخرى عن استعمال الجملة الإنشائية في مقام التمنّي وهذا ليس مصداقاً للتمنّي لينظر إلى المدلول التصوّري بما هو فانٍ في مصداق يحصل بنفس هذا الكلام.
وكلَّما تعقّلنا الموجدية في الإنشاء والحكائيّة في الاخبار ، فإن تعقّلنا هما على نحو يرجعان إلى خصوصيّتين في المدلول الجدّي للكلام فلا إشكال في خروجهما عن المعنى الموضوع له والمستعمل فيه ، لأنَّ المدلول الوضعي مدلول تصوّري بحت ، وان تعقلنا هما على نحو يرجعان إلى خصوصيتين في المدلول التصوّري الاستعمالي كما هو الحال في الوجه الرابع فيقع الكلام في أخذ هاتين الخصوصيّتين في المعنى الموضوع له الجملة الإنشائية والخبرية وعدم أخذ هما وكونهما من شئون الاستعمال محضاً ونلاحظ بهذا الصدد : أن المحقق الخراسانيّ قدس‌سره ذهب إلى انَّ الاخبارية والإنشائية ليستا دخيلتين في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه ، وأكد ذلك جملة من أعلام مدرسته
٢٩٤
ـ كالمحقق الأصفهاني والمحقق العراقي ـ على أساس أنَّهما من خصوصيات الاستعمال فلا يمكن أخذ هما في المعنى المستعمل فيه. وقد وقع نظير ذلك بالنسبة إلى اللحاظ الاستقلالي والآلي في الأسماء والحروف. والتحقيق هنا هو التحقيق هناك. وحاصله : أن حقيقة الوضع ـ كما أوضحناه ـ إيجاد تلازم تصوّري بين اللفظ والمعنى على أساس القرن المؤكد بينهما ، فما هو طرف الملازمة بينهما ، فما هو طرف الملازمة أولا وبالذات نفس الصورة الذهنية للمعنى وذات المعنى نفسه طرف للملازمة بالعرض بلحاظ كون الصورة وجوداً ذهنيّاً له ، فالموضوع له بمعنى ما جعل لازماً لتصوّر اللفظ ينطبق أولا وبالذات على نفس الصورة وثانياً وبالعرض على ذات المعنى ، فهناك موضوع له بالذات وموضوع له بالعرض. فان أريد من عدم أخذ خصوصيات الصورة من الاستقلالية والآلية ونحو فنائها في معنونها في الموضوع له عدم أخذها في الموضوع له بالعرض فهذا واضح ، لأن أخذها فيه يلزم منه التهافت وكون الصورة دخيلة في ذيها أو تعدد الصور الذهنية ، وإن أريد من ذلك عدم أخذ تلك الخصوصيات في الموضوع له بالذات فليس بصحيح ، إذ لا مانع من أن يحدد طرف الملازمة بالذات بصورة ذهنية ذات خصوصيات معينة فيقرن اللفظ بها لكي يكون تعدده سبباً لوجود تلك الصورة بتلك الخصوصيات في الذهن ، ولا يلزم من ذلك أيّ تهافت أو محذور. ونفس الشيء يقال عن أخذها في المستعمل فيه.
تشخيص المدلول التصوري للجمل الإنشائية
الجهة الثانية : في تشخيص ذات المعنى في الجملة الإنشائية والكلام في ذلك يقع في مقامين ، أحدهما : في الجمل المختصة بالإنشاء كالجملة الاستفهامية وصيغة « افعل » وجمل التمنّي والترجّي ونحوها ، والآخر : في الجمل المشتركة كالجملة الفعلية التي تستعمل في مقام الطلب أو في مقام الإنشاء المعاملي من قبيل « يعيد » و « بعت ».
٢٩٥
تشخيص مدلول الجمل المتمحضة في الإنشاء
أمَّا المقام الأول ، فهناك عدة وجوه وأقوال لتشخيص مدلول الجملة الإنشائية وذلك كما يلي :
الوجه الأول : وحاصله : أنَّ الجملة الإنشائية موضوعة للطلب وللتمنّي والترجّي والاستفهام على اختلاف أنواعها ، وبذلك تتميّز مدلولاً عن الجملة الخبرية التي لا تدخل هذه المعاني في مدلولها حتى في مثل الجملة الخبرية المتكفلة للاخبار عن الطلب أو التمنّي أو غير هما ، كما في قولك « أطلب منك » فإن الطلب هنا مستفاد من الكلمة الإفرادية لا من هيئة الجملة التي لها نحو مدلول واحد في سائر الموارد.
وهذه الفرضية عليها أن تبرز فرقاً بين الجملة الإنشائية والألفاظ الدالة على نفس مفاهيم الطلب والتمنّي والاستفهام ، لوضوح اختلافهما على ما أشرنا إليه في الحديث عن الاتجاه الأول.
وهذا الفرق تارة يبين بدعوى : ان الجملة الإنشائية موضوعة لإبراز واقع هذه الصفات والكشف عنها بينما تلك الألفاظ موضوعة بإزاء مفاهيمها بقصد إحضار تلك المفاهيم تصوراً ، وبذلك كانت الجملة الإنشائية كلاماً تاماً بخلافها. وهذا يرجع إلى البناء على مسلك التعهد وأن الدلالة الوضعيّة تصديقية ، فانَّه حينئذ يمكن القول بأن الجملة الإنشائية موضوعة للكشف على النحو المذكور فيكون واقع الطلب مدلولاً وضعياً وتكون دلالة الجملة عليه تصديقيّة ، وهذا ما اختاره السيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ غير أن المبنى باطل كما تقدّم في محله.
وأخرى يبين بدعوى : أن الجملة الإنشائية توجد معناها باللفظ وبذلك كانت كلاماً تاماً بخلاف تلك الألفاظ ، وهذا ما يعبر عنه بالإيجادية ببعض وجوهها التي تقدّم الكلام عنها وعن ردّها ، وعليه فهذه الفرضية غير صحيحة.
الوجه الثاني : ما أفاده المحقق العراقي قدس‌سره من دلالة أداة الاستفهام أو هيئة الجملة الاستفهامية مثلاً على نسبة الاستفهام إلى مدخولها فأحد طرفي هذه النسبة هو مفهوم الاستفهام والطرف الآخر النسبة التامة المدخول عليها الأداة ، وباعتبار
٢٩٦
استلزام النسبة لوجود طرفين لها على الأقل عقلاً تدلّ الأداة تبعاً على طرف النسبة الاستفهامية وهو مفهوم الاستفهام والشيء نفسه يقال عن سائر الجمل الإنشائية فالجملة الطلبية تدلّ على نسبة الطلب أو البعث إلى المادة وهكذا.
الوجه الثالث : ما يستفاد من كلمات المحقق الأصفهاني قدس‌سره من أنَّ المتكلّم بعد أن يصبح في حالة الاستفهام عن قضية تتحقق علاقة وربط بينه وبين القضية المستفهم عنها لم تكن موجودة قبل ذلك ، وكما ينتزع عن حالة الاستفهام مفهوم اسمي وهو الاستفهام كذلك ينتزع من هذا الربط مفهوم حرفي هو معنى أداة الاستفهام أو هيئة الجملة الاستفهامية فيكون مفادها النسبة القائمة بين المستفهم والمستفهم عنه ، وهذا الوجه يختلف عن سابقه في أنَّ طرف الاستفهامية هناك نفس مفهوم الاستفهام بينما هنا المستفهم ولذلك يكون مفهوم الاستفهام خارجاً عن مدلول الأداة هنا بينما كان مدلولاً عليه في الوجه السابق تبعاً والغريب انَّ مقرّر بحث المحقق العراقي ( قدس سرّه ) ذكر الوجه الثاني في تقريب كلامه ، حيث قال : انَّ أداة الاستفهام موضوعة للنسبة الاستفهامية بينما الموجود في مقالات المحقق العراقي نفسه انَّها موضوعة لنسبة الاستفهام.
وما أفاده المحقق الأصفهاني يمكن تصويره في سائر الجمل الإنشائية بأن تكون موضوعة للنسب الموازية للمفهوم الاسمي للاستفهام والطلب والتمنّي والترجّي والنداء وغير ذلك.
ولا شك في وهن الوجه السابق في مقابل هذا الوجه ، لأنَّ مقتضى الوجه السابق الّذي هو ظاهر المقالات أن تكون الجملة الاستفهامية على مستوى مدلولها اللفظي ناقصة ، لعدم وجود دال على أحد طرفي النسبة وهو الاستفهام ، لأنَّ الأداة أو الهيئة باعتبارها حرفاً متمحضة في الدلالة على النسبة ، ومجرد القرينة العقلية الحاكمة بتقوم النسبة بطرفين لا يوجب تتميم المدلول بما هو مدلول الجملة ، وإلا لأمكن أن يصبح قولنا « زيد في » جملة تامة بضمّ القرينة المذكورة ومثل هذا البيان لا يرد على ما أفاده المحقق الأصفهاني كما هو واضح.
وعلى أيّ حال ؛ فإنَّه يرد على كلّ من فرضية المحقق العراقي وفرضية المحقق
٢٩٧
الأصفهاني : أن النسبة التي تفرض بين مفاد الجملة التامة المدخولة لأداة الاستفهام وبين الاستفهام أو المستفهم إمَّا أن تكون نسبة تامة واقعية في الذهن أو ناقصة تحليلية. والأول غير معقول ، لأنَّ ضابط النسبة التامة ـ كما برهنا عليه سابقاً ـ أن يكون موطنها الأصلي الذهن ، ولهذا أثبتنا انَّ النسب الخارجية الأولية لا يمكن أن ترد إلى الذهن إلا ناقصة ، ومرادها بالنسب الخارجية كلّ ما كان خارج الذهن بوصفه وعاء للتصوّر واللحاظ سواءً كان موجوداً في عالم المادة أو في عالم النّفس. وعليه فلا يمكن أن تكون النسبة الاستفهامية تامة لأنَّها ثابتة خارج الذهن ولو كان هو عالم النّفس الّذي هو موطن الاستفهام.
والثاني غير معقول ، لأنَّ طرفي النسبة التحليلية مع نفس النسبة يوجدان بوجود ذهني واحد تنحلّ ماهيته إلى أجزاء ثلاثة كما تقدّم البرهان عليه ـ وهو المقيّد أو الحصة وأجزاؤه التحليلية الثلاثة عبارة عن ذات المقيّد والقيد والتقييد. وحينئذ إمَّا أن يفرض أن النسبة الموجودة بين زيد وعالم في مثل « زيد عالم » هو المقيد والطرف الآخر الّذي هو معنى اسمي كالاستفهام أو المستفهم هو القيد أو يفرض العكس. والأول غير صحيح ، لأن هذا الوجود الوحدانيّ المعبر عنه بالمقيد أو الحصة إِن كان وجوداً رابطيّاً واندكاكيّاً فلا يمكن أن يكون المفهوم الاسمي جزءاً من ماهيته ، هذا ، مضافاً إلى أنَّ مجرّد تقييد النسبة الخبرية التامة بالاستفهام بنحو المعنى الحرفي أو الاسمي لما ذا يخرجها عن صلاحيتها للحكاية مع وضوح عدم صلاحية الجملة الاستفهامية للحكاية بها عن النسبة التي يدلّ عليها مدخول الأداة. والثاني يستلزم كون « هل زيد عالم » كلاماً ناقصاً لا يصحّ السكوت عليه ، لأنَّ النسبة التامة الموجودة فيه صارت قيداً تحصيصياً لعنوان الاستفهام أو المستفهم والمقيد هو الاستفهام أو المستفهم فيكون بحاجة إلى أن يقع طرفاً لنسبة تامة حتى يكون هو مع الطرف الآخر والنسبة بينهما كلاماً تاماً.
وحلّ هذا الإشكال بنحو يتّضح به مفاد الجملة الاستفهامية وأضرابها : أن مفاد الأداة أو الهيئة المتحصلة من دخولها على الجملة المستفهم عنها ليس نسبة مغايرة للنسبة التصادقية المدلول عليها بجملة « زيد عالم » التي دخلت عليها الأداة ـ كما افترض ذلك في كلا الوجهين ـ بل مفاد الأداة أو الهيئة الحاصلة بها متمم لنفس هذه النسبة.
٢٩٨
وتوضيح ذلك : انَّ النسبة بين « زيد » و « عالم » ليس لها ركنان فحسب بل لا بدَّ من ركن ثالث لهما لا محالة ، فانَّ النسبة التصادقية لا معنى لها إلا بلحاظ وعاء يكون فيه التصادق أي انَّ الذهن يتصوّر « زيد » و « عالم » متصادقين على شيء في عالم من العوالم خارج الذهن ، وهذا العالم في الجملة الخبرية هو عالم التحقق والثبوت ويدلّ عليه تجرد الجملة عن الأداة في لغة العرب ولعله يوجد بإزائه دال مستقلّ في بعض اللغات الأخرى ، وفي جملة الاستفهام هو عالم الاستفهام أو السؤال ويدلّ عليه أداة الاستفهام وفي جملة التمنّي عالم التمنّي ويدلّ عليه أداة التمنّي وهكذا ويكون المعنى في الجملة الأولى تصادق المفهومين في وعاء التحقق وفي الثانية تصادقهما في وعاء الاستفهام وفي الثالثة في وعاء التمنّي وهكذا وليس المقصود من هذا الطرف الثالث وجود مفهوم اسمي ثالث للنسبة التصادقيّة على حدّ مفهوم « زيد » و « عالم » بل وجود ركن ثالث لقوام النسبة التصادقية فإنَّهما بحاجة إلى وعاء يصدق بلحاظه المفهومان. وإن شئت قلت : انَّ النسبة التصادقية بين مفهومين لها حصص عديدة ، إحداهما : النسبة التصادقية بلحاظ وعاء التحقق. والأخرى : التصادق في عالم السؤال والاستفهام. والثالثة : في عالم التمنّي وهكذا. وتعيين إحدى هذه الحصص يكون بالأداة الداخلة على الجملة أو بمجرّدها عن كلّ أداة كما في الجملة الخبرية.
وقد تحصّل ممَّا ذكرناه : أنَّ الفرق بين الجملة المختصة بالإنشاء والجمل الخبرية ينشأ من المدلول التصوّري لأنَّها تختلف عن الجمل الخبرية في الوعاء الملحوظ فيه تصادق المفهومين المقوّم لكيفيّة النسبة التصادقية وما مضى منَّا من أنَّ معنى « زيد عالم » محفوظ سواءً دخل عليه الاستفهام أم لا لكون الدلالة بنحو تعدد الدال والمدلول كان مع غضّ النّظر عن الوعاء. وعلى هذا يكون الجواب عليه بنعم بمنزلة تكرار المعنى من جميع الجهات إلا من جهة الوعاء فهو موضوع لتبديل وعاء نفس هذه النسبة من الاستفهام إلى التحقق وربّما يرجع كلام المحقق العراقي قدس‌سره لبّا إلى ما حقّقناه حيث انَّه جعل مدلول الأداة نسبة الاستفهام لا النسبة الاستفهامية فليس هناك نسبة جديدة تقتضيها الأداة مع مفهوم الاستفهام الاسمي بل هي نفس النسبة التصادقية تلحظ ببركة الأداة في عالم الاستفهام.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 6   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:29 am

٢٩٩
ونفس الشيء يقال أيضا عن الجملة الطلبية المختصة بالطلب من قبيل الجملة الفعلية المتقوّمة بفعل الأمر.
الجمل الخبرية المستعملة في الإنشاء
المقام الثاني في الجمل المشتركة أي في الجملة الخبرية التي تستعمل في مقام الإنشاء المعاملي من قبيل « بعت » أو في مقام الطلب من قبيل « يعيد » فيقع الكلام في أنَّها هل تكون مستعملة في معنى آخر مغاير لمدلولها الّذي يراد منها في موارد استعمالها كجملة خبرية بحيث يحتاج استعمالها في ذلك المعنى إلى وضع آخر أو التزام بالتجوّز أو أنَّها مستعملة في نفس المعنى؟ وعلى الثاني فما هو الفرق بين « يعيد » و « بعت » الاخبارية و « يعيد » و « بعت » الإنشائية بعد وحدة المعنى المستعمل فيه؟ فهنا نقطتان من الكلام.
أمَّا النقطة الأولى : فتوضيح الحال فيها أنَّه إن بني على مسلك التعهّد وأنَّ الدلالة الوضعيّة تصديقية وأنَّ المدلول الوضعي للجملة الخبرية في موارد الاخبار قصد الحكاية ـ كما بني عليه السيد الأستاذ فلا بدَّ من الالتزام بأن الجملة حينما تستعمل في مقام الإنشاء تنسلخ عن ذلك المعنى وتتخذ مدلولاً آخر وهو إبراز الطلب أو إبراز اعتبار من الاعتبارات المعاملية ، وذلك لعدم تعقّل انحفاظ قصد الحكاية عن وقوع الشيء في موارد الإنشاء كما هو واضح ، وأمَّا إذا بني على ان المدلول الوضعي للجملة الخبرية تصوري بحت ـ وهو في رأينا النسبة التصادقية بلحاظ وعاء التحقق أو أيّ معنى تصوري آخر في رأي الآخرين ـ فينفتح مجال لإمكان القول بأنَّ الجملة الخبرية حينما تستعمل في مقام الإنشاء تحتفظ بمدلولها التصديقي وتبدّل من قصد الحكاية إلى الطلب أو اعتبار التمليك بعوض مثلاً ، فلا يحتاج الاستعمال كذلك إلى وضع آخر أو التزام بالتجوّز. وفي مقابل ذلك يمكن القول باختلاف المدلول التصوّري وأنَّ مفاد « يعيد » أو « بعت » إنشاءً هو النسبة التصادقية في وعاء آخر غير وعاء التحقق وهو وعاء الطلب في « يعيد » ووعاء الاعتبار في « بعت » فكما اختلفت النسبة في الجملة الاستفهامية عن النسبة في الجملة الخبرية من ناحية الركن الثالث للنسبة وهو وعاء التصادق كذلك
٣٠٠
الحال في الجمل المشتركة.
ولكن الأقرب هو الأول ، وأنَّ الجملة المشتركة ذات مدلول تصوّري واحد في موردي الاخبار والإنشاء وهو النسبة التصادقية في وعاء التحقق ولا تقاس بمثل الجملة الاستفهامية ممَّا يختصّ بالإنشاء لوجود فارق ثبوتي وإثباتي أمَّا الثبوتي ، فلأن وعاء الاعتبار مثلاً في « أنت طالق » أو وعاء الطلب في يعيد صلاته ليس في عرض وعاء التحقق على حدّ عرضية وعاء الاستفهام له ، فانَّ الاعتبار يتعلّق بالنسبة التصادقية التحقيقية فما هو المعتبر مفهوماً النسبة المحققة في الخارج لا النسبة المحققة في الاعتبار وانَّما تأتي الاعتبارية من تعلّق الاعتبار بتلك النسبة ، وكذلك وعاء الطلب في جملة « يعيد صلاته » فان إبرازه بمثل ذلك بعناية افتراض تحقق الشيء وكونه مفروغاً عنه ، أو بعناية الإخبار عن تحقق الشيء من العبد المفروض كونه منقاداً ومتمثلاً الملازم لكونه مطلوباً. فالنسبة التصادقية في وعاء الاعتبار ملحوظ في هذا القسم من الجمل الإنشائية في المرتبة السابقة.
وأمَّا الفارق الإثباتي ، فعدم وجود أداة مستقلة تساعد على افتراض وعاء آخر غير وعاء التحقق الّذي يقتضيه تجرّد الجملة المستعملة في مقام الإنشاء عن الأداة.
وأمَّا النقطة الثانية ، فلا إشكال في اختلافهما في المدلول التصديقي. ولكن يمكن القول إضافة إلى ذلك باختلافهما في المدلول التصوري أيضا على الرغم من وحدته ذاتاً فيها على أساس الإيجادية والحكائية بالوجه الرابع المتقدّم ، وهي إيجادية وحكائية من شئون نفس المدلول التصوري. وقد عرفت أن بالإمكان أخذ هذه الخصوصيات في الموضوع له والمستعمل فيه ، والوجدان العرفي يساعد على ذلك أيضا لكي يتناسب المدلول التصديقي مع المدلول التصوري ، فان تعين المدلول التصديقي لكلّ جملة ليس جزافاً وانَّما هو حسب تناسباته العرفية النوعية مع المدلول التصوّري. ومن الواضح أنَّ النسبة التي تلحظ بالنظر التصوّري فانية في مصداق مفروغ عنه لا تناسب مدلولاً تصديقياً من قبيل الطلب أو التمليك المعاملي وانَّما تناسب مدلولاً تصديقيّاً من قبيل قصد الحكاية عن الخارج ، بخلاف النسبة التي تلحظ تصوراً فانية في مصداق يرى كأنَّه حاصل بنفس هذه العملية كما هو واضح وعليه فخصوصية الإيجادية والحكائية
٣٠١
بالمعنى المذكور مأخوذة في المدلول التصوّري ، وذلك إمَّا على نحو تعدد الدال والمدلول بأن تكون الجملة موضوعة لذات النسبة المناسبة لكلا النحوين من النّظر التصوّري الإفنائي ، وإمَّا على نحو وحدة الدال بالالتزام بتعدد الوضع أو بالحقيقة والمجاز.
ونفس هذا الفرق يمكن ادعاؤه أيضا في المقام الأول ، فيقال : أن الجمل المختصة بالإنشاء تتميّز عن الجمل الخبرية بنسبة مغايرة ذاتاً وبطريقة في مقام إفنائها بالنظر التصوري مغايرة لطريقة الإفناء بالنظر التصوري في موارد الجملة الخبرية ، وذلك في كلّ مورد تتعقّل فيه الإيجادية والحكائية بالنحو المتقدم في الوجه الرابع.
تلخيص وتعميق
وعلى العموم يتحصّل ممَّا ذكرناه : أن الجملة الإنشائية بكلا قسميها لا تتضمّن نسبة جديدة غير النسبة التصادقية التامة وانَّما يختلف ما يتمحّض في الإنشاء عن الجمل الخبرية في الوعاء الملحوظ فيه تصادق المفهومين. إلا انَّا انَّما نقول ذلك في الجمل المتمحّضة في الإنشاء التي يكون مدخول أداة الإنشاء فيها جملة تامة كالجملة الاستفهامية ، وأمَّا الأدوات الإنشائية التي لا تدخل على جملة تامة كما في قولنا « يا زيد » فلا يتم فيها ما ذكر ، لأنَّ المدخول ليس متكفّلاً لنسبة تصادقية تامة. فإما أن ترجع بحسب المدلول إلى جملة فعلية إنشائية فيكون في قوة قولنا « أدعو زيداً » ـ إنشاءً لا إخباراً ـ فينطبق عليه ما ذكرناه فيما سبق. وإمَّا أن يدّعى أن حرف النداء باعتباره بنفسه منبهاً تكوينيّاً على حدّ المنبهية التكوينيّة لكلّ صوت فإطلاقه إِيجاد لما هو المنبّه تكويناً لا لما هو حاك ودال عليه بالدلالة اللفظية فيكون من الإطلاق الإيجادي لا الحكائي. ولكن حيث أنَّ المنبهيّة التكوينيّة لحرف النداء نسبتها إلى « زيد » وغيره على حدّ واحد فحيثما يراد تنبيه زيد بالخصوص لا بدَّ من دال آخر على أنَّ التنبيه لزيد ، والدال الآخر هو هيئة « يا زيد » فانَّها موضوعة لذلك وبهذا يظهر : أنَّه لا يمكن استبدال حرف النداء بأيّ صوت آخر له منبهية تكوينية ، لأنَّ الهيئة المتحصلة من ضمّ صوت آخر إلى « زيد » لم تكن موضوعة لإفادة توجّه النداء نحو « زيد » خاصة.
وعلى هذا الأساس نفرض أيضا الفرق بين نداء « زيد » و « يا زيد » فإنَّ نداء
٣٠٢
« زيد » دال حكائي على حصّة خاصة من مفهوم النداء ، وامَّا « يا زيد » فهو نداء حقيقي وقد أفيد توجيهه بدال حكائي. وإن شئت قلت : أن نداء « زيد » تارة : يكون. وجوداً بوجود حكائي مقيّداً وقيداً كما في قولنا : « تنبيه زيد » وأخرى يكون موجوداً بنفسه حقيقة مقيّداً وقيداً ، كما إذا أمسكنا زيداً وجذبناه بقصد تنبيهه. وثالثة : يكون المنبّه موجوداً حقيقة وتكون نسبته وتوجهه إلى « زيد » موجوداً بوجود حكائي كما في « يا زيد » وليعلم أن هذه النسبة ناقصة ، لأن موطنها الأصلي هو الخارج فان التنبيه وكونه تنبيهاً لزيد أمر خارجي والهيئة دلّت على النسبة التحليلية بين التنبيه وزيد ، وفرقه عن النسبة الناقصة في قولنا « تنبيه زيد » أو « نداء زيد » كونها نسبة ناقصة بين واقع التنبيه لا مفهومه.
إن قلت ـ إذا كانت النسبة الندائية ناقصة كانت تحليلية في الذهن ، ومعه ما معنى كون جزء تحليلي من الوجود الذهني موجوداً بوجود حقيقي وجزء آخر منه موجوداً بوجود حكائي؟
قلت ـ مقصودنا من ذلك أن مجموع الوجود الخارجي للمنبّه مع تلك الهيئة تعاونا في إعطاء ذاك الشيء الواحد للذهن لا أنَّ كلَّ واحد منهما أوجد حقيقة جزءاً مستقلاً من ذاك الشيء حتى يقال أنَّه لا يعقل ذلك ، ولا ضير في افتراض كون الحكاية عن توجه واقع المنبه إلى زيد ـ بمعنى إعطاء صورة ذلك إلى الذهن عن طريق إيجاد واقع المنبه ونسبته بالوجود الحكائي إلى زيد ـ موجدة لواقع ذي الصورة أي انَّه يتحقق بذلك واقعاً تنبيه زيد نظير إيجاد الحالات النفسيّة عند شخص عن طريق الإيحاء بوجودها فيه.
فان قلت ـ إذا كانت هذه النسبة ناقصة فكيف صحّ السكوت على جملة النداء وكانت تامة.
قلنا ـ انَّها ليست تامة بمعنى انَّها توجد نسبة حقيقية بين شيئين مستقلين نعم هي تامة بمعنى انَّه كان المقصود إيجاد تنبيه زيد خارجاً وقد حصل ذلك فلا تبقى حالة انتظارية من ناحية التنبيه المقصود.
٣٠٣
٤ ـ مفاد الجملة الشرطية
إلى هنا كنَّا نتكلّم عن الجمل الحمليّة اسمية أو فعلية خبرية أو إنشائية ومن مجموع ما ذكرناه يمكن التعرّف على مفاد الجملة الشرطية التي يربط فيها مفاد جملة بمفاد جملة أخرى وبتعبير آخر : انَّها تربط بين نسبتين تامتين ولا يصحّ تأليف الجملة الشرطية للربط بين جملتين ناقصتين أو بين تامة وناقصة ، وهذا بنفسه من الشواهد على ما هو المختار من ان الجملة التامة والناقصة تختلفان في مرحلة المدلول التصوّري بلحاظ سنخ النسبة لا انَّ الفرق بينها بلحاظ دلالة الأولى على قصد الحكاية مثلاً دون الثانية ، كما عليه السيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ ليرجع إلى كون الاختلاف بينهما في مرحلة المدلول التصديقي إذ لو كان الأمر كذلك لكنا نترقّب ان لا تختلف جملة الشرط في حالتي التمامية لمفادها والنقصان لأنَّها على أي حال ليس لها مدلول تصديقي وانَّما المدلول التصديقي للجملة الشرطية ككل. ومن يقول « إذا جاء زيد فأكرمه » لا يريد ان يحكي عن مجيء زيد ، ومع هذا نرى انَّ جملة الشرط لا يصحّ أن تكون إلا تامة وهذا شاهد على انَّ التمامية والنقصان من شئون المدلول التصوّري. ومفاد الجملة الشرطية امَّا بلحاظ هيئتها ككل أو بلحاظ أداتها هو النسبة التعليقية وهي نسبة ثانوية كالنسبة التصادقية موطنها الأصلي هو الذهن ، إذ في لوح الواقع الخارج عن الذهن لا توجد نسبة تعليقية متقوّمة بطرفين ، بل الإناطة والتوقّف أمر واقعي له واقعية حتى في حال عدم ثبوت الطرفين يوجه فلا يعقل أن تكون واقعية التوقّف وثبوته في الخارج على نحو نسبي وإلا لما استغنى عن طرفيه ، وهذا بخلاف النسبة التوقّفية والإناطة في الذهن فانَّ مرجعها إلى إناطة المفهوم المفاد بجملة لجزاء بالمفهوم المفاد بجملة الشرط بلحاظ مرحلة صدقها وبما هما حاكيان عن معنونهما ، فكما انَّ التصادق ليس إلا شأن العناوين القائمة في الذهن كذلك الإناطة والتوقّف والنسبة التوقفية مع مفهوم التوقّف كالنسبة التصادقية أو الابتدائية مع مفهوم التصادق والابتداء ، ولما كانت نسبة ثانوية موطنها الأصلي الذهن فهي تامة لا محالة وبهذا كانت الجملة الشرطية تامة وأمَّا جملتا الجزاء والشرط فهما أيضا جملتان تامتان لأنَّ مفادهما النسبة التصادقية ، وعدم صحة السكوت
٣٠٤
على أحدهما ليس لنقصانها في نفسها بل لعدم استيفاء حق النسبة التعليقية التي لا تقوم إلا بطرفين ، فلو أتي المتكلّم بأداة الشرط مع جملة الشرط وسكت كان عدم صحة السكوت بسبب بتر مفاد الجملة الشرطية وعدم استيفاء أطراف النسبة التعليقية التي بدأ بتفهيمها لا بسبب نقصان جملة الشرط في ذاتها. وقد يأتي الكلام بنحو أوسع عن مفاد الجملة الشرطية في فصل المفاهيم إن شاء الله تعالى.
٢ ـ الهيئات الإفرادية
تتكوّن الجملة التامة من محكوم به ومحكوم عليه. والمفردات اللغوية إذا قطع النّظر عن جانب الهيئة فيها فهي تنقسم إلى اسم وحرف ، ولا شك في انَّ الاسم يصحّ أن يكون محكوماً به ومحكوماً عليه في الجملة التامة كما لا شك في انَّ الحرف لا يصلح لكلّ من الأمرين وان كان قد يتوهّم وقوعه محكوماً به فيما إذا كان الخبر مكوّناً من جار ومجرور مثلاً كما في قولنا « الرّجل في الدار » ولكن الصحيح انَّ هذا غير معقول ، لأنَّ المحكوم به طرف للنسبة التامة وطرف النسبة التامة يجب أن ينظر إليه بما هو مستقل عن طرفها الآخر ، إذ في صقع النسبة يحتاج إلى طرفين متغايرين ـ كما تقدّم ـ مع انَّ الحرف وهو كلمة « في » في المثال تدلّ على نسبة ناقصة والنسبة الناقصة تحليلية كما برهنا عليه والنسبة التحليلية تندمج مع كلا طرفيها في وجود ذهني واحد ، ومن هنا يلزم التهافت من جعل الجار والمجرور بنفسه محكوماً به ، لأنَّ مقتضى النسبة التامة أن يكون منحازاً عن المحكوم عليه ومقتضى النسبة الناقصة الاندماج فيه. وهذا هو السرّ الفني لما اتَّفق عليه النحاة من تقدير مفهوم اسمي في أمثال المقام على نحو تعود الجملة المذكورة إلى قولنا « الرّجل كائن في الدار » ليعطي لكلّ من النسبتين حقّها بدون محذور.
وأمَّا إذا دخلت الهيئة على الاسم وأصبح الاسم مركّباً من هيئة ومادة فهذا يؤدّي في بعض الحالات إلى ظهور قسم ثالث في اللغة ليس صالحاً لأن يحكم عليه وبه كما في الاسم ـ وليس فاقداً لصلاحية كلا الأمرين معاً ـ كما في الحرف ـ بل هو وسط بينهما يصلح لأن يحكم به ولا يصلح لأن يحكم عليه وهو الفعل. غير انَّ ظاهرة نشوء هذا
القسم الثالث لا تطرد في جميع موارد طرو الهيئة وتركّب الاسم من مادة وهيئة ، لوضوح انَّ المادة تصبح بطرو الهيئة مصدراً تارة ، ومشتقاً من قبيل اسم الفاعل والمفعول أخرى ، وفعلاً ثالثة ، على اختلاف نوع الهيئة الطارئة. والملحوظ انَّ المصدر لا يخرج باكتسابه الهيئة المصدرية عن صلاحيته الأصلية لأن يحكم به وعليه ولكنَّه لا يصحّ أن يحمل على الذات فيقال « الفقه علم » و « العلم مفيد » ولا يقال « زيد علم » والمشتق يصلح أيضا أن يحكم به وعليه ، ويمتاز على المصدر بصلاحيته لأن يحمل على الذات فيقال « زيد عالم » والفعل يصلح لأن يحكم به ولا يصلح لأن يحكم عليه ولا أن يحمل على الذات وتحقيق الحال في هذه الفوارق يقع في جهات.
١ ـ هيئة الفعل
الجهة الأولى : في مفاد الفعل على نحو يفسّر الظاهرة المذكورة التي تميّزه عن غيره.
وفي هذا المجال لا بدَّ من استعراض مجموعة من القناعات الثابتة بوجدان ، أو المبرهنة بشيء ممَّا تقدّم ، لكي يشخص مدلول الفعل في ضوء تلك القناعات.
وهي كما يلي :
١ ـ أنَّنا في قولنا « ضرب زيد » نفهم النسبة الصدورية القائمة بين الحدث والفاعل.
٢ ـ انَّ هذه النسبة يستحيل أن تكون نسبة تامة وفقاً للميزان المتقدم لأنَّ موطنها الأصلي هو الخارج فلا تكون في الذهن إلا تحليلية وكلّ نسبة تحليلية فهي ناقصة.
٣ ـ انَّ الجملة المذكورة تحتوي على النسبة التامة بلا إشكال.
٤ ـ انَّ الفعل بمفرده وبدون أن تستكمل الجملة الفعلية هيئتها بضمّ الفاعل يكون ناقصاً ولا يصحّ السكوت عليه.
٥ ـ انَّ الجملة المذكورة لها مدلول وضعي تصوري محفوظ مع قطع النّظر عن المدلول التصديقي المعبر عنه بقصد الحكاية وفي مرتبة سابقة عليه.
٦ ـ أنَّ الفعل لا يصحّ الحكم عليه وإن صحَّ الحكم به ، ولا يصحّ حمله على مصداق مدلول المادة خلافاً للمصدر الّذي يصحّ أن يحكم عليه وأنَّ يحمل على مصداق
٣٠٦
مدلول المادة فيه.
وبلحاظ هذه المسلَّمات يبطل ما نقل عن المحقق النائيني قدس‌سره من أنَّ هيئة الفعل تدلّ على نسبة تامة هي نسبة الحدث إلى فاعله على نحو التحقق ، وكذلك ما أفيد من قبل السيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ من أنَّ مفاده قصد الحكاية ، امَّا الأول فلان النسبة الصدورية بين الحدث وفاعله يستحيل أن تكون تامة لكونها تحليلية.
وكأن المحقق النائيني بإضافته التحقق إلى النسبة أراد أن يجعلها تامة ويميّزها عن النسبة المأخوذة في هيئة المصدر ، بتصوّر أن الفرق بين التامة والناقصة بذلك. مع انَّ هذه الإضافة لا محصل لها في مقام تتميم النسبة سواءً أريد بها مفهوم التحقق ، أو واقع التحقق الخارجي ، أو ملاحظة النسبة بما هي فانية في الواقع الخارجي ، أمَّا الأول فلأنَّه مفهوم اسمي ولا معنى لأن تتحول نسبة من النقصان إلى التمامية بمجرّد أن يكون لها طرف اسمي آخر ، وامَّا الثاني فلوضوح انَّ الوجود الخارجي غير دخيل في المدلول ، وأمَّا الثالث فلأنَّه أمر يقع حتى في المفهوم الأفرادي ولا يصيره بذلك جملة فملاك تمامية النسبة ليس إلا ما ذكرناه من كونها واقعية في مقابل التحليلية ، نعم النسبة التامة هي النسبة القابلة لأن يحكم عليها بالتحقق لا أنَّها نسبة متضمنة للتحقق.
وامَّا الثاني : فلأنه رجوع إلى المدلول التصديقي مع انَّ الكلام في المدلول الوضعي وهو تصوري.
وكيف كان ، فعلى ضوء المسلمات المذكورة يجب أن نشخص مدلول الفعل ، وذلك بوضع فرضيتين وملاحظة ما ينجح منهما في تفسير كلّ تلك المسلمات والانسجام معها.
الفرضية الأولى : انَّ في جملة « ضرب زيد » هيئتين : إحداهما : هيئة الفعل والثانية هيئة الجملة الفعلية. والأولى تدلّ على النسبة الصدورية الناقصة ، والثانية تدلّ على النسبة التصادقية التامة. وهذا يفسّر لنا النقصان في الفعل بدون استكمال الجملة لهيئتها. ولكن امام هذه الفرضية مشكلة وهي أن النسبة بحاجة إلى طرفين ، وإذا كانت الهيئة في الفعل دالة على نسبة ناقصة فالمادة تدلّ على أحد طرفيها ، ولا يوجد ما يدلّ على طرفها الآخر ، وأمَّا الفاعل فهو طرف للنسبة التامة لا الناقصة. وهذا
٣٠٧
إشكال لا يرد فيما لو فرض انَّ هيئة الفعل كان مفادها النسبة التامة ، لتوفر الدالين على الطرفين فيها. والالتزام بدلالة الهيئة على النسبة الناقصة وأحد الطرفين معاً غريب أيضا ، ولازمه انفهام ذات مبهمة من الفعل وهو خلاف الوجدان. والإشكال نفسه يرد لو قيل بوضع هيئة المصدر للنسبة الناقصة أيضا.
وحلّ هذه المشكلة : بأن النسبة التي يفرض دلالة الهيئة عليها ليست بمعنى النسبة المتقومة بطرفين بل بمعنى خصوصية في الضرب الملحوظ مدلولاً للمادة ، فانَّ الضرب تارة : يلحظ بما هو حال ، وهذا هو الضرب الّذي يضاف إلى المفعول. وأخرى : يلحظ بما هو صادر ، وهذا هو الضرب الّذي يضاف إلى الفاعل ، فالهيئة تدلّ مثلاً على كونه بالنحو الثاني. ولا يرجع ذلك إلى أخذ نفس مفهوم الصدور أو الحلول فإنَّهما مفهومان اسميان بل أخذ منشأ انتزاعهما الّذي هو حالة مخصوصة في كيفية لحاظ الضرب وهذه الحالة قائمة بالضرب بنحو قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي وليست نسبة قائمة بين معنيين اسميين لتحتاج إلى طرفين ، والشيء نفسه نقوله لحل المشكلة بالنسبة إلى هيئة المصدر أيضا.
ويمكن أن نجد حالات مماثلة لهذه الظاهرة في المعاني الحرفية أي لمعنى حرفي تتمثل حرفيته في اندكاكه في المعنى الاسمي على نحو يكون الحرف دالاً على خصوصية في المعنى الاسمي لا على نسبة بين طرفين ، ومن تلك الحالات اللام التي تدخل على الكلمة وتدلّ على التعيين بأقسامه ، فان التعيين ليس نسبة بين مفهومين اسميين بل حالة خاصة بالمدخول.
وعلى هذا الأساس يبقى على هذه الفرضية ان تفسر لنا الخصوصية السادسة من الخصوصيات المتقدمة ، وهي عدم صحة الحكم على فعل الماضي وعدم صحة حمله على مصداق مدلول المادة. إذ قد يقال : ان مجرّد اكتساب مدلول مادة الفعل نسبة ناقصة تقييدية من ناحية الهيئة لا يخرجه عن الاسمية الكاملة والصلاحية لأن يحكم به ولأن يحمل على مصداقه ، وإلا لوقع مثل ذلك في المصدر بناء على انَّ الهيئة المصدرية موضوعة للنسبة الناقصة.
ويمكن تفسير ذلك والتمييز بين فعل الماضي والمصدر بعد افتراض ان الهيئة في كل
٣٠٨

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 6   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:30 am

منهما تدلّ على نسبة ناقصة ببيان حاصله : ان الكلمة التي تتركّب من دالين أحدهما الهيئة والآخر المادة على النحو الّذي ذكرناه في المصدر والفعل ، تارة : يكون الركن فيها بحسب إفادة مجموع الدالين لمجموع المدلولين المادة. وأخرى : يكون الركن هو الهيئة. وذلك انَّا سنوضح في محله انَّ الجملة المشتملة على حرف واسم تكون بمجموعها دالة على مجموع المعنيين. ومجموع المعنيين في المقام تارة : يكون المتحصل منهما الضرب بوجه مخصوص. وأخرى : الوجه المخصوص للضرب. والأول معناه ركنية مدلول المادة ، والثاني معناه ركنية مدلول الهيئة ، والمصدر منزل في اللغة على الوجه الأول على القول بتضمن هيئته للمعنى ، والفعل منزل في اللغة على الوجه الثاني ، ولهذا لا يصحّ ان يحكم عليه لأن الركن فيه هو مدلول الهيئة الحرفي ، ولا ان يحمل على مصداق مدلول المادة لأنَّه ليس مصداقاً لمدلول الهيئة الّذي هو الركن في المعنى الجمعي للكلمة بمادتها وهيئتها ، وهذا الافتراض يفسر لنا إحساسنا الوجداني بالفرق بين الفعل والمصدر حتى مع تكفل المصدر للنسبة أيضا.
قد يقال أن فرض كون الركن في مدلول فعل الماضي هيئة ومادة هو وجه الضرب وكون الركن في مدلول المصدر الضرب بوجه مخصوص خلف حرفية الهيئة إذ بعد حرفية هيئة فعل الماضي كيف يعقل أن يكون مفادها ركناً وملحوظاً بنحو الاستقلال بحيث يكون مفاد المادة تابعاً له وتحت الشعاع له فان هذا إرجاع للهيئة إلى معنى اسمي بحسب الحقيقة بحيث لا يبقى فرق بين مدلول فعل الماضي ومدلول قولنا صدور الضرب مع انَّ هذا اسم وذاك حرف والتحقيق انَّ الحروف على قسمين : الأول ، ما كان مفاده صورة ذهنية زائدة على الصورة الذهنية التي بإزاء الاسم غاية الأمر انَّ تلك الصورة موجودة على نحو وجود النسبة والربط وبقدر حظّ هذه الماهيات الناقصة من الوجود ، الثاني ، ما لا يكون مفاده إعطاء صورة ذهنية زائدة بل تعيين الصورة الذهنية المعطاة به لمفهوم الأسماء الّذي يكون ذلك الحرف مرتبطاً به وذلك فيما إذا كان الاسم موضوعاً لسنخ معنى قابل لأن يوجد ضمن إحدى صورتين ذهنيتين ليست النسبة بينهما الأقل والأكثر ، لكي يقال ان الاسم يدلّ على الأقل ، والحرف يدلّ على الزائد فيرجع إلى القسم الأول بل النسبة بين الصورتين الذهنيتين التباين وإن كان
٣٠٩
أصل المفهوم الاسمي محفوظاً فيها معاً على نحو واحد ، ومثاله ان المادة المحفوظة في المصدر والفعل موضوعة للضرب مثلاً ولكن الضرب كمفهوم يمكن حفظه في الذهن بإحدى صورتين ، الأولى الصورة التي تبدأ بالضرب وتنتهي إلى الضارب بأن يلاحظ الضرب بما هو صادر ، والأخرى الصورة التي تبدأ للضارب وتنتهي إلى الضرب بان يلاحظ صدور الضرب وتحرك الفاعل نحوه ، وكلّ من الصورتين منتزعة عن الضرب وان اختلفا في كيفية التصور ، وهذا الاختلاف لا يرجع إلى اختلاف في جانب المتصور ، بل في التنسيق الذهني للمتصور ومن هنا لا يصحّ أن يُدّعى مثلاً ان الهيئة تدل على جزء تحليلي من التصور ، والمادة تدلّ على الجزء الآخر ، إذ لا يوجد فرق في جانب المتصوّر ، وانَّما الفرق في كيفية أخذ الصورة ذهناً من قبيل أخذ الرسام لصورتين مختلفتين لشخص واحد من اليمين تارة ومن اليسار أخرى ، وعليه فالجانب المفهومي هنا وهو ذات المتصور مدلول للاسم فقط ولا يساهم الحرف أي هيئة الفعل أو المصدر فيه ، وانَّما الهيئة تساهم في تحديد الصورة ، لأن الاسم لا يشرط تجاه إحدى الصورتين ، فيكون الحرف مشروطاً بتعين إحدى الصورتين ، ويكون المدلول النهائيّ للكلمة مادة وهيئة ، تلك الصورة المعيّنة للمادة ببركة الهيئة وهذه الصورة يختلف فيها المصدر عن الفعل بالنحو الّذي ذكرناه ، وبهذا لا يلزم جعل الهيئة الهيئة ذات مدلول اسمي ، لأن وظيفتها كما عرفت تحديد الصورة التي بإزاء مدلول المادة ولا تساهم في الجانب المفهومي للمدلول أصلاً ، ولا يُتوهم انَّ بالإمكان إرجاع حروف القسم الأول إلى ذلك أيضا بان يقال ان « في » تدلّ على الصورة الذهنية للنار بما هي مظروفة ومحتواة ، وذلك لأن هذه الصورة تحتوي على زيادة مفهومية عن المدلول الاسمي لكلمة النار ، وليس فرقها عن صورة ذات النار فرقاً تصويريّاً وفي طريقة أخذ الصورة ، وتلك الزيادة المفهومية لا محالة تكون مدلولاً للحرف ولا بدَّ من إرجاعها حينئذ إلى النسبة الظرفية.
الفرضية الثانية : أن يقال انَّ هيئة الفعل الماضي موضوعة لنسبة تامة تصادقية وهيئة الجملة الفعلية لا تدلّ على النسبة التامة بل على تعيين طرفها في الفاعل ، وامَّا النسبة الصدورية فهي مأخوذة في نفس مدلول المادة امَّا افتراضاً وامَّا برهاناً بناء على انَّ الهيئة موضوعة بالوضع النوعيّ بلحاظ مختلف المواد ، فانَّه بناء على ذلك مع
٣١٠
ملاحظة أن النسبة الملائمة لبعض المواد هي النسبة الصدورية ولبعضها النسبة الحلولية ولبعضها غير ذلك لا يمكن فرض أخذ أنحاء هذه النسب في طرف الهيئة إلا بأن يكون وضعها شخصيّا وفي ضمن كلّ مادة بشخصها. وهكذا يتعيّن بناء على الوضع النوعيّ للهيئة أن تكون هذه النسب مأخوذة في مدلول المادة ، وقد يكون الفرق بين الماضي والمضارع أيضا بلحاظ النسبة المأخوذة في مدلول المادة.
وهذه الفرضية تفسّر لنا عدم صحة الحكم على فعل الماضي وعدم صحة حمله على مصداق مدلول المادة. إذ حال فعل الماضي حال جملة اسمية فكما انَّ الجملة الاسمية تكون مواد مفرداتها مندكّة في ضمن مدلولها الجملي ومفادها النسبي الهيئتي كذلك الحال في فعل الماضي.
هذا كلّه في الفعل الماضي ومثله فعل المضارع. وأمَّا فعل الأمر فان بني في تفسير الماضي على الفرضية الأولى وأريد تعميمها على فعل الأمر لكون الأقسام الثلاثة من الفعل على وتيرة واحدة وجداناً فلا بدَّ من افتراض دلالة هيئة فعل الأمر على نسبة ناقصة ودلالة هيئة الجملة المكونة من الفعل وفاعله على نسبة تصادقية تامة غير انَّها ليست بلحاظ وعاء التحقق بل بلحاظ وعاء الطلب فهي نسبة تصادقية تشريعية لا خارجية حيث انَّ الجملة المذكورة إنشائية. ولكن بناء على ذلك لا يمكن الالتزام بان مدلول هيئة فعل الأمر نفس النسبة الناقصة الصدورية التي يدلّ عليها فعل الماضي مثلاً لأنَّ لازم ذلك الترادف بين فعل الماضي والأمر وعدم ظهور الفرق بينها إلا بعد ضمّ الفاعل وملاحظة الجملة بمجموعها مع وضوح الفرق بين الفعلين في مدلوليهما التصوريين في أنفسهما. ومن هنا يتعيّن القول بأنَّ مفاد هيئة فعل الأمر نسبة ناقصة أخرى من قبيل ما يقال من أن مدلول هيئة الأمر النسبة الإرسالية أو البعثية ، بمعنى ملاحظة الإرسال أو البعث على نحو المعنى الحرفي وبما هو نسبة بين المرسِل والمرسَل والمرسل نحوه أو الباعث والمبعوث والمبعوث نحوه ، والنسبة الإرسالية مع الإرسال كالنسبة الابتدائية مع الابتدائية مع الابتداء ، وقد يلائم هذا حينئذ مع إِبقاء النسبة التصادقية التامة التي تدلّ عليها هيئة جملة ( افعل ) على وعاء التحقق بأن يكون الملحوظ في مفاد الجملة تحقق الإرسال لا صدور المادة.
٣١١
وان بني في تفسير الماضي على الفرضية الثانية أمكن القول هنا تعميماً لتلك الفرضية بأن هيئة فعل الأمر موضوعة ابتداء لنسبة تامة تصادقية وهذه النسبة التصادقية امَّا أن تكون نسبة تصادقية بين نفس المدلول الأصلي للمادة والفاعل فلا بدَّ أن تكون حينئذ بلحاظ وعاء الطلب لا بلحاظ وعاء التحقق. وإِمَّا أن تكون نسبة تصادقية بين الإرسال نحو المادة والفاعل بأن يلحظ مدلول المادة في ( اضرب ) لا بما هو حدث الضرب بل بما هو إرسال نحو الضرب فيكون الإرسال مطعماً في مدلول المادة بدلاً عن أخذه في مدلول الهيئة ، كما هي الحال على أساس الفرضية الأولى وقد يأتي مزيد بحث وتوضيح في مفاد صيغة افعل في فصل الأوامر وسنخ هذا التطعيم لا بدَّ من الالتزام به في المضارع إِذا قيل بأنَّ هيئة الماضي والمضارع موضوعة للنسبة التصادقية التامة على نحو واحد ليحفظ الفرق بين الفعلين.
ثمَّ انَّ هناك مقالة لبعض النحاة في عدم النّظر إلى فعل الأمر قسيماً للماضي والمضارع. ووافقه على ذلك بعض الباحثين المحدّثين مدعياً : انَّ بناء « افعل » ليس بفعل كما يفهم من هذه الكلمة ، لأن الفعل لا بدَّ وأن يتميّز بشيئين أحدهما متفرّع على الآخر :
١ ـ أن يبنى على المسند إليه ويحمل عليه.
٢ ـ أنَّه مقترن بالدلالة على الزمان.
وبناء « افعل » خلو من هاتين الميّزتين لأنَّه لا يشير إلى تلبّس الفاعل بالفعل في حال بل كلّ ما يشير إليه أو يدلّ عليه هو طلب الفعل من المواجه بالطلب. ومن هنا لا تكون له دلالة على الزمان أيضا إِذ ليس هناك من فعلي لكي يكون تلبّس الفاعل به واقعاً في أحد الأزمنة (١).
وقد اتّضح بطلان هذه المقالة على ضوء ما تقدّم في تحليل مدلول الأفعال ، فانَّ دلالة الفعل على تلبّس فاعله به لا يقصد منها الدلالة على وقوع ذلك خارجاً بل المقصود أن الفعل والحدث تارة : يلحظ في نفسه فيكون اسماً ، وأخرى : تلحظ نسبته إلى
__________________
(١) راجع « في النحو العربي » ص ١٢٠ ـ ١٢١
٣١٢
شخص بنحو النسبة الناقصة أو التامة ـ على الفرضيتين المتقدّمتين ـ ومن الواضح انَّ هذا محفوظ في فعل الأمر أيضا لأنَّه يدلّ على انَّ المطلوب صدور الفعل من المأمور فقد لوحظت نسبة الفعل ـ الحدث ـ إلى الفاعل أيضا ، لكنَّه لم يلحظ ذلك في وعاء التحقق والاخبار بل في وعاء الطلب والإرسال ، وهذا الاختلاف لا يمثل فارقاً فيما هو مدلول الفعل بل في مدلول الجملة وكون النسبة التامة فيها إخبارية أو إنشائية.
وبكلمة أخرى : انَّ الملحوظ في صيغة ( افعل ) لو كان هو نسبة طلب الفعل إلى الشخص المخاطب ابتداءً بدون ملاحظة نسبة بين نفس الفعل والفاعل كان لما ذكر من عدم كون هذه الصيغة فعلاً وجه ، لأنَّ الفعل متقوّم بنسبة الحدث إلى الفاعل بنحو الصدور أو الحلول ولكن الالتزام بتجريد فعل الأمر عن النسبة المباشرة بين الحدث والفاعل بلا موجب بل الموجب على خلافه ، وهو أنَّ هذا التجريد يقتضي أن يكون المطلوب من المخاطب ذات الحدث ولو بأن يصدر من غير المخاطب ، فلو قال الشخص لابنه « جئني بماء » فالولد هنا مطلوب منه مجيء الماء ولم يلحظ مجيء الماء صادراً منه ، مع أن الفهم العرفي واللغوي لهذا الكلام لا يبرر أن يكتفي الابن بتوفير المجيء بالماء عن طريق أمره لغيره بأن يسقي أباه الماء وليس ذلك إِلاَّ لأنَّ النسبة بين الحدث والمخاطب بنحو الصدور مأخوذة وهذا يكفي في كون الصيغة فعلاً لدلالتها على النسبة الصدورية تصوراً وإن لم تدل على وقوع الحدث من الذات فعلاً لأنَّ الوعاء الملحوظ للنسبة ليس هو وعاء التحقق بل وعاء الطلب ولو كانت فعلية الفعل متقومة بدلالته على وقوع الحدث من الذات فعلاً وكون النسبة بلحاظ وعاء التحقق لوجب الالتزام بعدم فعلية فعل الماضي والمضارع أيضا حينما يلحظان في غير وعاء التحقق كما إِذا قيل « ليضرب زيد » أو « هل ضرب زيد ».
ثمَّ انَّه يظهر من المحقق النائيني ( قده ) الاستغناء بهيئة الفعل ووضعها لمعناها عن وضع هيئة الجملة الفعلية للنسبة بدعوى : انَّ الهيئة الإفرادية للفعل كافية لإفادة الربط والنسبة بين الفعل والفاعل فلا حاجة لوضع هيئة الجملة الفعلية لذلك خلافاً للجملة الاسمية فانَّه لا يوجد فيها هيئة فيها هيئة إفرادية تغني عن وضع هيئتها الجملية لإفادة النسبة.
٣١٣
وقد اعترض عليه المحقق العراقي ( قده ) باعتراضين :
أحدهما : النقض ببعض الجمل الاسمية « كزيد ضرب » باعتبار اشتمالها على هيئة الفعل فلما ذا لم يغن عن وضع الهيئة التركيبيّة.
والآخر : الحل بأن مفاد الهيئة الإفرادية للفعل نسبة الفعل إلى فاعل ما فلا بدَّ من وضع الهيئة التركيبيّة لإفادة تعيين طرف النسبة في فاعل مخصوص وهو زيد مثلاً في « ضرب زيد ».
ويمكن دفع الاعتراض الأول : بأن جملة ( زيد ضرب ) امَّا ان نبني على رجوعها بالتحليل إلى جملتين كبيرة وصغيرة كما هو المعروف ، وامَّا نقول بأنَّها جملة واحدة مكونة من الفعل والفاعل غاية الأمر انَّ الفاعل تقدم على الفعل فعلى الأول تكون الجملة مشتملة على نسبتين أحدا هما : نسبة الفعل إلى الضمير المستتر المقدر في الجملة الفعلية. وأخرى : نسبة المبتدأ إلى الجملة الفعلية بما هي خبر. والمدعى ـ وفاء هيئة الفعل بإفادته انَّما هو النسبة الأولى دون الثانية فلا بدَّ إِذن من وضع هيئة الجملة الاسمية لإفادة النسبة الثانية.
وعلى الثاني : تكون جملة زيد ضرب فعلية على حدّ جملة ضرب زيد فلا موضوع للنقض.
وأمَّا الاعتراض الثاني : فيندفع ـ كما يندفع أصل كلام المحقق النائيني ( قده ) ـ بأن نسبة الفعل إلى فاعله التي هي مدلول هيئة الفعل لا يعقل كفايتها سواءً لوحظ فيها الفاعل بنحو الإبهام أو التعيين ـ بناء على الفرضية الأولى من الفرضيتين السابقتين ـ إِذ تكون النسبة المفادة بهيئة الفعل نسبة أولية وقد برهنَّا سابقاً على انَّ كل نسبة أولية لا بد أن تكون مفادة على نهج النسبة التحليلية فتكون ناقصة ويستحيل أن تكون نسبة واقعية ثابتة فلا تغني عن وضع الهيئة التركيبيّة للجملة لإفادة النسبة التامة.
٢ ـ هيئة المصدر
الجهة الثانية : في المصدر وقد اشتهر في كلمات النحاة انَّ المصدر هو الأصل في الاشتقاقات. وينبغي أن يقصد من ذلك كون معناه المدلول عليه بأسماء المصادر
٣١٤
أصلاً فيها لكونه عبارة عن نفس المبدأ ، وامَّا ألفاظها فتشتمل على هيئات خاصة لا ترد في سائر الاشتقاقات إِلاَّ انَّ هذه الهيئات لم تلحظ فيها إفادة معنى زائد على المبدأ وإلا لم تكن أصلاً.
وهناك محاولتان تتردّدان في كلمات المتأخّرين من الأعلام لتصوير معنى زائد وضعت بإزائه هيئات المصادر أيضا.
المحاولة الأولى : انَّها موضوعة بإزاء نسبة ناقصة بين الحدث وذات مبهمة.
وهذه المحاولة يمكن أن تذكر في مقام إبطالها عدّة مفارقات :
١ ـ ما أفاده المحقق النائيني ( قده ) من استلزامه مشابهة أسماء المصادر للحروف في معانيها النسبيّة فلا بدَّ وأن تكون مبنيّة مع كونها معربة بلا كلام (١).
وهذا الجواب غير تام لأنَّ الّذي يستدعي بناء الاسم مشابهته للحروف بمادته لا بهيئته كما في أسماء الإشارة والضمائر. وإِلاَّ انتقضت هذه القاعدة بالأوصاف الاشتقاقية بناء على ما هو الصحيح من دلالة هيئاتها على معانٍ نسبية.
٢ ـ لا إِشكال في صحة نسبة المصدر إلى ذات في مثل قولنا « ضرب زيد » وهذا ينافي أخذ معنى نسبي في هيئته لاستلزامه قيام نسبتين ناقصتين في عرض واحد بين مادة واحدة وطرفين ، أحدهما الذات المبهمة والآخر زيد ، وهو مستحيل بناء على ما تقدّم من حقيقة المعاني الحرفية ، لأن عرضية النسبتين تستدعي تعدد هما وهو يقتضي وجود مفهومين مستقلين في الذهن ينحل كلّ منهما إلى طرفين ونسبة تحليلية ووحدة المادة المنتسبة تقتضي عدم وجود أكثر من مفهوم واحد وهو خلف.
نعم لو فرضت الطولية بين النسبتين الناقصتين كما في قولنا « ماء وجه زيد » أو قولنا « ماء ورد زيد » أمكن قيامهما بمفهوم واحد ، لرجوعه إلى مزيد تحصيص في مفهوم واحد إِلاَّ انَّ الطولية في المقام غير معقولة لأنَّ الذات المبهمة المنتسب إِليها المبدأ نفس زيد فلا يعقل تحصيصها به.
ويمكن لصاحب المحاولة الفرار عن هذا الإشكال بدعوى : خروج الذات عن
__________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 6   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:31 am

(١) أجود التقريرات ج ١ ص ٦٣
٣١٥
مدلول المصدر ، فهو لا يدلّ على أكثر من المبدأ المنتسب مع تعيين المنتسب إِليه بما يضاف إِليه المصدر ، ولا محذور في ذلك عدا تعدد الدال على النسبة بتعدد هيئة المصدر وهيئة الإضافة. وليس هذا محذوراً ثبوتيّاً.
٣ ـ انَّ فرض دلالة المصدر على طرف النسبة في موارد الإضافة لزم المحذور المتقدّم في الجواب السابق ، وإِلاَّ لزم افتقار المصدر دائماً إلى دال آخر ليتمم مدلوله الإفرادي ، مع وضوح تماميته في نفسه في كثير من الموارد كما في قولنا الضرب حرام.
وهذا الجواب أيضا بالإمكان التخلّص عنه بالالتزام بتعدد الوضع في أسماء المصادر فهي مستقلة في الخارج فلا تكون النسبة مأخوذة فيها ويصطلح عليها حينئذ باسم المصدر ، وهي مقيّدة ومنتسبة إلى ذات موضوعة للمبدإ المنتسب ويصطلح عليها حينئذ بالمصدر.
٤ ـ انَّ فرض أخذ الذات في مدلول المصدر لزم المحذور الثبوتي المتقدّم ، وإلا لزم تعدد الدال على النسبة ، وهو مع الغض عن كونه خلاف الوجدان والذوق العرفيين لا يحقق غرضاً لغويّاً ، إِذ في موارد استعماله مستقلاً لا نسبة لكي يوضع لها بحسب الفرض ، وفي موارد الإضافة والتقييد يوجد دال آخر عليها فيكون وضعه لها لغواً لا طائل تحته.
المحاولة الثانية : ما أفاده المحقق النائيني قدس‌سره من أنَّ هيئة المصدر وضعت للتمييز بين اسم المعنى المصدري والمعنى المصدري ، حيث أن اسم المصدر موضوع للدلالة على الحدث ملحوظاً غير منتسب إلى ذات وهيئة المصدر موضوعة لنفي ذلك اللحاظ وإِلغاء عدم الانتساب (١).
وهذه المحاولة رغم إِجمالها مما لا يمكن المساعدة عليها أيضا إِذ لو أريد أن هيئة اسم المصدر موضوعة لتقييد المبدأ بالحدث غير المنتسب « فالغسل » مثلاً يعني الغسل الّذي لا يكون من ذات في الخارج ، فهذا ، مضافاً : إلى كونه خلاف الواقع الخارجي إِذ لا يوجد مصداق لمحدث غير منتسب إلى ذات ،
__________________
(١) أجود التقريرات ج ١ ص ٦٣
٣١٦
واستلزام عدم صحة إِضافة اسم المصدر إلى ذات كقولنا « غسل زيد » للزوم التهافت بين مدلوله ومدلول هيئة الإضافة. ممَّا لا موجب له فانَّه يكفي في إِفادة عدم هذا التقييد ان لا يكون المصدر موضوعاً للتقييد المذكور لا أن تكون موضوعة بهيئتها لإلغائه.
وإِن أريد دلالة اسم المصدر على عدم الانتساب من ناحية وان انتسب بدوالٍ أخرى. فهذا المعنى ممَّا لا يحتاج إلى الوضع بل يحصل بعدم الوضع للخلاف ، كما في الأسماء الجامدة على أنَّ ما يقابله حينئذ أن تكون هيئة المصدر موضوعة للدلالة على الانتساب ، وهو رجوع إلى المحاولة الأولى التي استنكرها المحقق المذكور.
ويمكن تصوير دلالة الهيئة المصدرية على معنى حرفي بنحو ثالث يختلف عن الوجهين السابقين ، ولعلَّه هو المحصل الحقيقي لهما ، وهذا الوجه هو ما أشرنا إِليه في الجهة السابقة من كون الهيئة موضوعة للدلالة على خصوصية في مدلول المادة قائمة به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي من دون أن تكون هذه الخصوصية نسبة بالمعنى الّذي يحتاج إلى طرفين ، ولا تكون الذات على هذا مأخوذة في مدلول الهيئة أصلاً. وتندفع بذلك جلّ الإشكالات السابقة ، ويعقل التمييز على أساس ذلك حينئذ بين المصادر وأسماء المصادر باعتبار وضع هيئة المصدر لما ذكرناه وعدم وضع هيئة اسم المصدر لشيء وتمحضه في مدلول المادة فتكون النسبة بين المدلول الجمعي للمصدر والمدلول الجمعي لاسم المصدر نسبة الكلّ إلى الجزء ، وعلى هذا الأساس لا معنى لافتراض وحدة الصيغة للمصدر ولاسم المصدر ، فانَّ هذا انَّما يتعقّل إِذا فرضنا التباين بين المعنيين ولو بلحاظ مفاد الهيئة ، فيمكن افتراض صيغة واحدة موضوعة لكلّ منهما على نحو الاشتراك اللفظي ، وامَّا إِذا كان الفارق بينهما مجرّد تمحّض اسم المصدر في الدلالة على مدلول المادة وزيادة المصدر على ذلك فمع وحدة الصيغة وكون هيئتها موضوعة لمعنى إضافي لا يحصل التمحّض فلا يمكن جعلها بلحاظ اسم المصدر. وليس الكلام في التفرقة بلحاظ مرحلة المدلول التصديقي حتى يقال أنَّها تكون اسم المصدر حين لا يراد من هيئتها شيء وإِنَّما الكلام في التفرقة بين المصدر واسمه في مرحلة المدلول التصوري. ولكن الصحيح أنَّه لا معين لكون هذا المعنى الإضافي مدلولاً لهيئة المصدر.
٣١٧
ثمَّ انَّه يمكن أن يستدل على وضع زائد لهيئة المصادر بعدة وجوه :
منها ـ انَّا نرى الفرق بحسب الوجدان بين المصادر وبين أسمائها. وهذا لا يكون إِلاَّ على أساس أخذ معنى نسبي في مدلول المصدر.
وهذا الوجه لو تمَّ لكفى في أداء حقّه افتراض أخذ النسبة في مدلول المصادر المزيدة مع عدم أخذها في المصادر المجردة. إِذ بذلك يحفظ الفرق بينهما ولا يتوقّف انحفاظ الفرق على أخذ النسبة في كلّ من القسمين من المصادر. بل يمكن افتراض دخوله في مدلول المادة ولهذا نجده محفوظاً في سائر مشتقات المادة. فالبيان المذكور ينفع لتصوير الفرق بين مدلول المصدر ومدلول اسم المصدر لا لبيان انَّ هيئة المصدر لها مدلول قد وضعت لإفادته إِلاَّ أن يقال انَّ مرجع هذا إلى ذاك.
ويتوقّف هذا الوجه إلى انحصار ملاك الفرق بين المصدر واسم المصدر فيما ذكر ، فانَّ الفرق بينهما ممَّا لا إِشكال فيه عرفاً إلا انَّه يمكن أن يكون لأحد اعتبارات أخرى.
الاعتبار الأول : انَّ المصدر موضوع للفعل واسم المصدر موضوع للانفعال.
وهذا الاعتبار يمكن استبعاده بعدم الفرق بين الفعل والانفعال فان كليهما من المصادر.
الاعتبار الثاني : انَّ المصدر موضوع للفعل واسم المصدر للنتيجة المتولدة منه. وهذا أيضا بظاهره ينفيه عدم توقّف الفرق بينهما على أن يكون الفعل توليديّاً بحيث تكون له نتيجة خارجية.
الاعتبار الثالث : انَّ العقل والعرف يحلل الفعل في عالم المفهوم والتصوّر إلى مرحلتين : إِحداهما : الفعل بما هو حدث يصدر من فاعل. والأخرى : الفعل بما هو موجود بالذات في الخارج وهذا واضح جداً في مثل الخلق والمخلوق والإيجاد والوجود فإنَّهما رغم وحدتهما بحسب الواقع والحقيقة بينهما فرق واضح بحسب عالم المفهوم. فان المخلوق والموجود كأنَّهما نتيجة الخلق والإيجاد ، فنفس المعنى يقال في باب المصادر وأسماء المصادر وإن كان التحليل المذكور أخفى فيها من المثالين. فالقيام تارة : يلحظ بما هو حدث وإيجاد فيكون معنى مصدريّاً. وأخرى : يلحظ بما هو موجود في الخارج فيكون اسم المصدر. وهذا الاعتبار الثالث يلتقي في الحقيقة بالنحو الثالث الّذي ذكرناه
٣١٨

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 6   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:35 am

لتصوير دلالة المصدر على معنى إضافي وقد عرفت انَّه يلائم مع كون هذا المعنى الإضافي مأخوذاً في نفس مدلول المادة.
ومنها ـ انَّا نرى الفرق عرفاً بين المصادر المجرّدة والمزيدة فالخروج ليس هو الإخراج رغم وحدة المادة فيهما ، ممَّا يكشف عن إفادة هيئات المصادر لمعنى زائد يختلف باختلافها.
وهذا الوجه لا مأخذ له أيضا ، إِذ لا موجب لافتراض منشأ للفرق بين المصادر بلحاظ مدلول هيئاتها ، بل يمكن أن يكون الفرق ناشئاً من وضعها بإزاء مبادئ مختلفة. فالخروج موضوع بإزاء فعل الخروج ، والإخراج بإزاء سنخ خاص منه وهو الخروج التحميلي ، والاستخراج بإزاء سنخ آخر وهو الخروج المطاوعي وهكذا.
ومنها ـ عدم صحة إضافة بعض المصادر إلى الفاعل لها بل إلى القابل لها ، فإذا أخرج زيد عمراً مثلاً لا يصحّ أن يقال خروج زيد بل خروج عمرو ، ممَّا يعني أخذ نسبة المبدأ إلى القابل أو الفاعل أو إِليهما في المصادر زائداً على معنى مباديها. وإِلاَّ فمبدأ الخروج نسبته إلى فاعله وقابله على حدّ واحد.
وفيه : انَّا بيَّنا آنفاً انقسام الفعل في عالم المفهوم إلى مرحلتين مرحلة التكوين ومرحلة التكوين ومرحلة التكون ، ونضيف عليه في المقام : بأن مرحلة التكوين أيضا يمكن أن يحلل عرفاً إلى التكوين الفاعلي والتكوين القابلي ، فيوضع بعض المصادر بإزاء الفعل الملحوظ في مرحلة تكوينه الفاعلي وبعضها بإزاء الفعل الملحوظ في مرحلة تكوينه القابلي أو الأعم منه ومن الفاعلي.
وهكذا يتّضح : أن وضع هيئة المصدر لمعنى حرفي بالنحو الّذي يرجع إلى نسبة ناقصة أو إِلغاء لحاظ عدم الانتساب ممَّا لا دليل عليه ، بل البرهان على خلافه. وامَّا وضعها لمعنى حرفي بالنحو الثالث الّذي شرحناه فهو أمر معقول ثبوتاً ، ولا شك إثباتاً في مساعدة الوجدان على استفادة هذا المعنى الحرفي من الكلمة ، ولكن لا معين لكون الهيئة المصدرية موضوعة لإفادته لإمكان كونه مأخوذاً في نفس مدلول المادة بمعنى وضعها للحدث الملحوظ على ذلك الوجه ، ولهذا نرى انَّ هذه النكتة محفوظة ومستفادة من المادة حتى في ضمن هيئة أخرى كهيئة الفعل ، فإذا ثبت انَّ هيئة الفعل غير
٣١٩
موضوعة لإفادة هذه النكتة ـ كما أشرنا سابقاً ـ تبرهن كونها مأخوذة في مدلول المادة السارية ، وبهذا يكون الفرق بين المصدر واسم المصدر محفوظاً بين مادة الاشتقاق بكلّ صيغها بما فيها المصدر أسبقية البسيط على المركب ، وانَّ المصدر أسبق رتبة من الفعل بنفس النكتة ، وانَّ الفعل وكلّ جملة تامة أسبق رتبة من الجملة الناقصة على ما أشرنا إلى نكتته سابقاً.
وأمَّا المشتق فهو في رتبة الجملة الناقصة ، بناء على التركيب في مفاده بالنحو الّذي يأتي إِن شاء الله.
٣ ـ هيئة المشتقات
الجهة الثالثة : في تشخيص مفاد هيئة المشتقات الوصفية. والمراد بها كلّ مشتق يحمل على الذات التي يقوم بها المبدأ بنحو من أنحاء القيام ، كاسم الفاعل وغيره من الأوصاف الاشتقاقية. ولا شك في أنَّ هيئة هذه المشتقات موضوعة لمعنى إضافي زائداً على مدلول المادة ، كما لا شك أيضا في عدم كونها موضوعة لنسبة تامة ومن ناحية ثالثة ، يلاحظ أنَّ هذه المشتقات تختلف عن المصدر في أنَّها تحمل على الذات بلا عناية بينما لا يحمل المصدر عليها إِلاَّ بعناية ، وعلى أساس هذه المسلمات يقع الكلام عن تشخيص المعنى الجمعي للمشتق وبكلمة أخرى : تحديد مدلول الهيئة فيه. ومن خلال البحث في ذلك نشأ الحديث عن بساطة المفاهيم الاشتقاقية وتركبها حسب الاحتمالات التي تطرح في مقام تشخيص المدلول. ولا ينبغي أن يكون المراد بالبساطة التي وقع النزاع فيها البساطة في اللحاظ والتصور في مقابل التركب وتكثر المفهوم في هذه المرحلة ، لأنَّ البساطة بهذا المعنى لا معنى للشك فيها على جميع المحتملات في مدلول المشتق حتى لو بني على دخول النسبة والذات فيه ، لأنَّ النسبة الممكن ادعاء دخولها نسبة ناقصة لوضوح عدم تكفّل المشتق لمفاد جملة تامة على نحو يصحّ السكوت عليه ، والنسبة الناقصة مع طرفيها تشكّل مفهوماً وحدانيّاً بسيطاً في مرحلة اللحاظ والتصور كما تقدّم ، فلا بديل لهذه البساطة إِلاَّ دعوى دخول النسبة التامة في مفاد المشتق وهو
٣٢٠
واضح البطلان ، كما لا ينبغي أن يقال في تصوير النزاع انَّه بعد الفراغ عن كون مدلول المشتق منتزعاً عن الذات بلحاظ تلبسها بالمبدإ يتكلّم في انَّ المنتزع هل هو عنوان واحد أو أمران ، لأن هذا يعني فراغ كلا الطرفين عن مقومية الذات للمدلول الاشتقاقي ، مع انَّ هذه المقومية محل الإشكال عند القائلين بالبساطة ومورد ما نقل من براهين المحقق الشريف على إبطال التركيب ، وعليه فمرجع البحث في البساطة والتركيب إلى البحث عن انَّه بضمّ مدلول الهيئة إلى مدلول المادة هل يتحصّل معنى واحد إدراكاً وتحليلاً أو انَّه معنى واحد إدراكاً ولكنه بالتحليل مركب من حدث وغيره على نحو تركب مفاد الجملة الناقصة.
وعلى أي حال ، فالأقوال في تحديد مدلول المشتق من زاوية البساطة والتركيب والتمييز بينه وبين المصدر يمكن تلخيصها في أربعة :
الأقوال في المشتق من حيث البساطة والتركيب
١ ـ ما اختاره المحقق الدواني وتبعه المحقق النائيني ( قدس سر هما ) من أن المشتق موضوع بمادته للحدث وبهيئته للدلالة على أنَّه ملحوظ لا بشرط عن الحمل على الذات ، بخلاف المصدر الملحوظ بشرط لا عن الحمل.
٢ ـ ما يظهر من كلمات المحقق الخراسانيّ ( قده ) من دلالة المشتق على معنى بسيط منتزع عن الذات بلحاظ تلبسها بالمبدإ ، بحيث تكون نسبته إليها نسبة العنوان الانتزاعي إلى منشأه ونسبته إلى المبدأ نسبة العنوان المنتزع إلى مصحح الانتزاع.
٣ ـ ما يظهر من كلمات المحقق العراقي ( قده ) من أن المشتق يدلّ بمادته على الحدث وبهيئته على نسبته إلى الذات ، فيكون مدلول « قائم » مثلاً قيام صادر من ذات.
٤ ـ ما يظهر من كلمات المحقق الأصفهاني ( قده ) وتبعه السيد الأستاذ ( دام ظلّه ) من دلالة المشتق على الذات المنتسب إليها المبدأ ، فيكون مدلول « قائم » مثلاً ذات لها القيام.
٣٢١
أدلة القول الأول ومناقشتها
امَّا القول الأول ، فينحل إلى دعوى سلبية هي عدم أخذ النسبة في هيئة المشتق ، ودعوى إيجابية هي وضع الهيئة للدلالة على اللا بشرطية من ناحية الحمل.
امَّا الدعوى السلبية ، فممّا يمكن أن يستدلّ به عليها.
١ ـ ما نسب إلى الدواني من صحة إطلاق المشتق كالأبيض مثلاً على البياض الّذي هو المبدأ والّذي هو المحسوس المباشر للإنسان قبل قيام البرهان الفلسفي على وجود ذات وراءه ، بل ويصحّ إطلاقه على ما ثبت بالبرهان استحالة وجود ذات وراءه كإطلاق العالم على الواجب تعالى الّذي أوصافه عين ذاته.
وفيه : أنَّه مبنيّ على افتراض دلالة المشتق ـ بناء على التركيب على تلبّس ذات بالمبدإ بنحو يستلزم الاثنينية بينهما في الوجود أيضا وهو بلا موجب ، بل يمكن افتراض دلالته على وجدان ذات للمبدإ ، سواءً كان بنحو التلبّس الخارجي أو التلبّس الذاتي الصادق في المتحدين وجوداً أيضا أي الذات المتلبسة بالمبدإ سواءً كان تلبسها به في مرحلة ذاتها أو في مرحلة لاحقة.
٢ ـ ما ذكره المحقق النائيني ( قده ) من استلزام التركب والدلالة على النسبة مشابهة المشتق للحروف في المعنى ، فلا بدَّ من أن يكون مبنيّا مع انَّه معرب بلا كلام.
وفيه : أولا ـ ما أشرنا إِليه آنفاً من أنَّ الاسم يبنى فيما إِذا تضمّن بمادته لمعنى حرفي.
وثانياً : انَّ مطلق دلالة الاسم على معنى حرفي نسبي لا يصيره مبنيّا بل فيما إِذا دلَّ على المعنى النسبي فحسب بحيث كان تمام ما هو مفاده معنى غير مستقل محتاج إلى طرف كالحروف ، وامَّا إِذا دلَّ على معنى نسبي في ضمن أطرافه بحيث لم يكن محتاجاً في تصوّر معناه الأفرادي إلى دال آخر كما هو المدعى في المشتق فلا يصيره مبنيّا. وإِن شئت قلت : انَّ المدعى دلالة المشتق على حصّة خاصة من الذات ، وهي المنتسب إليها المبدأ. والحصة وإِن كانت متقومة بالنسبة التحليلية المأخوذة فيها إِلاَّ انَّها معنى افرادي تام لا يحتاج إلى غيره ليشابه الحروف. وإِلاَّ لزم أن يكون بعض الجوامد مبنيّا
٣٢٢
أيضا كالصارم مثلاً الموضوع لحصة خاصة من السيف ، والسرير الموضوع لحصة خاصة من الخشب.
٣ ـ ما جاء في تقرير إِفادات المحقق النائيني ( قده ) أيضا من انَّ المشتق ان دلَّ على النسبة مع طرفها وهو الذات اتّجه المحذور الّذي سوف يأتي نقله عن المحقق الشريف ( قده ) وإِلاَّ لزم تقوّم النسبة بطرف واحد وهو مستحيل.
وهذا البيان بظاهره ممَّا يسهّل رفضه ، فانَّ عدم أخذ طرف النسبة في مدلول المشتق لا يعني تقوّم النسبة بطرف واحد بل هي متقومة بطرفين إِلاَّ انَّ المشتق لا يدلّ عليهما معاً فيحتاج إلى دال آخر. بل كان الأفضل أن يوجّه المحذور القادم عن الشريف ( قده ) من تقوّم المشتق بالذات على كلا التقديرين ، لأنَّ النسبة المدلول عليها بالمشتق متقومة بطرفها وهو الذات فيكون مدلول المشتق متقوّماً بالذات أيضا.
ويمكن أن يكون واقع مرام المحقق النائيني ( قده ) انَّ الذات لو كانت خارجة عن مدلول المشتق لزم عدم استقلاليته في المفهوم وهو واضح الفساد لغة وعرفاً.
ولزوم هذا المحذور على هذا التقدير متين لا غبار عليه ، ولكن التخلّص عنه باختيار التقدير الأول ودفع المحاذير التي تخيل لزومها المحقق الشريف ( قده ) على ما سيأتي.
وامَّا الدعوى الإيجابية فبالإمكان تفسيرها بأحد وجوه :
١ ـ ما هو مقتضى ظاهر عنوان لا بشرطية الحمل وبشرط لائيته من اعتبار المبدأ بشرط لا والمشتق لا بشرط.
وقد اعترض عليه : بأنَّ اعتبار اللا بشرطية لا يصحح الحمل ، بل لا بدَّ من الاتحاد والعينيّة بين المحمول والمحمول عليه فلو كان المبدأ متّحداً مع الذات صحَّ حمله عليه ولو اعتبرناه لا بشرط. وما أفيد في هذا الاعتراض من عدم كفاية اعتبار اللا بشرطية في صحة الحمل صحيح ، إِلاَّ انَّ دعوى صحة الحمل إِذا كان المحمول متّحداً مع الموضوع ولو اعتبرناه بشرط لا قابل للمنع بأحد وجهين :
أ ـ ان يدّعى تقييد العلقة الوضعيّة بين اللفظ المحمول ومعناه بعدم الحمل ، نظير ما ادعي في المعاني الحرفية على بعض المسالك.
ب ـ أن يؤخذ مفهوم عدم الحمل قيداً تصوريّاً في المدلول بأن يوضع القيام لحدث
٣٢٣
القيام غير المحمول على ذات فلا يمكن حمله عندئذ ، لأن حمله على حدث يكون محمولاً على الذات ومتّحداً معه ليس مصداقاً له وحمله على حدث غير محمول تهافت ، إِذ كيف يكون الحدث غير المحمول محمولاً.
وعلى هذا الأساس يمكن لأصحاب هذا القول دعوى اعتبار هيئة المصدر لغة للمنع عن الحمل بأحد هذين الوجهين بخلاف هيئة المشتق.
ولكن يرد عليهم حينئذ :
أولا : ابتناؤه على اتحاد المبدأ والذات وجوداً ، وسوف يأتي بطلانه.
ثانياً : أنَّه موقوف على الالتزام بوضع هيئة المصدر لمعنى زائد دون هيئة المشتق ، إذ يكفي عدم وضعها بإزاء المنع عن الحمل في صحة الحمل وهذا ما لم يحتمله أحد.
٢ ـ ما يظهر من خلال كلمات المحقق النائيني ( قده ) تلويحاً أو تصريحاً من انَّ اللا بشرطية والبشرط لائية لم تلحظ بالنسبة إلى الحمل ابتداءً بل لخصوصية أخرى في مدلول اللفظ نتيجة صحة الحمل في المشتق وعدمها في المصدر.
وتلك الخصوصية هي انَّ الاعراض أطوار ومظاهر للموجود الخارجي إلا انَّها تلحظ تارة : بما هي طور من أطواره فيكون وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعها وبهذا الاعتبار تكون متحدة مع الموضوع وأخرى تلحظ بما هي فترى كأنَّها موجودة بوجود مستقل مغاير مع موضوعها. فهناك لحاظان للمبدإ يكون متحداً بأحد هما مع الذات ومغايراً بالآخر معها والمشتقات موضوعة بهيئاتها للدلالة على ملاحظة المبدأ بالنحو الأول ولذلك صحَّ حملها على الموضوع ، والمصادر موضوعة للدلالة على ملاحظته بالنحو الثاني ولذلك لم يصحّ حملها (١).
وقد اعترض عليه السيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ بوجوه عديدة (٢) :
منها ـ انَّ مجرد الاختلاف في كيفية لحاظ المفهوم لا يمنع عن حمله على مفهوم آخر إذا كان متحداً معه واقعاً كما انَّه لا يصحح حمله إذا كان متغايراً.
__________________
(١) أجود التقريرات ج ١ ص ٧٢
(٢) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٢٩٢
٣٢٤
وهذا الاعتراض لا مأخذ له نقضاً وحلاًّ.
امَّا النقض : فبالمصادر الجعلية كالشيئية والإنسانية والحيوانية فانَّه لا إِشكال في عدم صحة حملها على الذات فلا يقال زيد شيئية أو إنسانية كما يقال شيء أو إنسان. ولا يمكن أن يفسّر الفرق بينهما على أساس اختلاف المفهوم خصوصاً في مثل الشيء والشيئة ، إذ لا يوجد مفهوم أوضح من مفهوم الشيء يمكن أخذه فيه بنحو التركيب.
وامَّا الحلّ : فلان مصحح الحمل وعدمه اتحاد المفهومين وتغاير هما بحسب عالم لحاظهما ، فإذا كان لحاظهما بنحو يرى انَّهما متغايران في الوجود لم يصحّ حمل أحدهما على الآخر ، وإذا كان بنحو يرى انَّهما وجود واحد صحَّ الحمل لأن الحمل من شئون عالم اللحاظ الذهني لا الواقع الخارجي فانَّه عالم الاتحاد والعينيّة. ويرى المحقق النائيني ( قده ) انَّ الذهن بتعمله وتحليله يمكن أن يجزّئ الموجود الخارجي إلى ذات وعرض ولو لم يكونا اثنين واقعاً فينتزع عنوان الإنسانية مثلاً بما هو عرض لذات الإنسان ، وبهذا اللحاظ عندئذ يرى وجودين لا يمكن حمل أحدهما على الآخر ، والمصدر موضوع للمبدإ منظوراً إليه بهذه العناية ، ولذلك قال الميرزا ( قده ) انَّ مدلول المصدر بحاجة إلى عناية بخلاف المشتق الموضوع للموضوع الخارجي منظوراً إليه بحسب طبعه وحقيقته.
ومنها ـ النقض بالأعراض الانتزاعية والاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج لكن يمكن أن ينظر إليها تارة بما هي موجودة في نفسها وأخرى بما هي موجودة لغيرها.
والالتزام بالتفصيل بين المشتقات ذات المبادئ الانتزاعية والاعتبارية وغير هما ممَّا لا يمكن المساعدة عليه.
وهذا الاعتراض أوضح اندفاعاً عن سابقه لأنَّه يهدم مدعى المعترض أيضا ، إذ يقصد من ورائه الانتهاء إلى أخذ مفهوم الذات أو الشيء في المشتق ليصحّ الحمل بلحاظه مع انَّه من المفاهيم الانتزاعية التي لا وجود خارجي لها ، فانَّ سلّم بنحو اتحاد بينها وبين مناشئها المصحح لحملها على الخارج كان بنفسه مصحح الحمل عند المحقق النائيني أيضا.
ومنها ـ النقض بأسماء الزمان والمكان فانَّ « مقتل » مثلاً ليس موضوعاً للقتل وملحوظاً لا بشرط عن حمله على زمان أو مكان ، إذ ليس القتل وجوداً لمكان أو زمان
٣٢٥
وطوراً من أطوار هما كي يصحّ حمله عليهما بهذا الاعتبار فيلزم التفصيل أيضا بين المشتقات.
وهذا الاعتراض أيضا يمكن التخلّص عنه بافتراض انَّ المبدأ في أسماء الزمان والمكان ليس هو الحدث ، بل المحلية والمعرضية للحدث التي تكون نسبتها إلى الزمان أو المكان نسبة العرض إلى موضوعه ، نظير ما يلتزم به في أسماء الحرف والملكات من المشتقات.
والصحيح في مناقشة هذا التفسير للا بشرطية أن يقال :
ان سلّم تعدد وجود العرض وموضوعه غاية الأمر انَّ الوجود كما يضاف إلى العرض بنفسه كذلك يضاف إليه بما هو لموضوعه فهذا لا يكفي وحده لصحة الحمل بعد افتراض تغاير هما في الوجود حقيقة ولحاظاً. بل هو نظير إضافة وجود المعلول لعلته فيقال انَّه موجود لعلته باعتبار وجدانها له بنحو التسبيب لا التقييد فكما لا يصحّ حمل المعلول على علته لمجرّد إضافة وجوده إليها بعناية الواجديّة كذلك في العرض وموضوعه.
وإن أنكرنا تعدد الوجود ، وقلنا بأنَّه ليس هناك أكثر من موجود واحد في الخارج هو الموضوع والاعراض حدود ذلك الوجود ومن شئونه فهذا مطلب معقول فلسفيّاً ولا برهان على خلافه غير ما يقال : من أنَّ العرض من مقولة مباينة مع الموضوع وان الموضوع وجود جوهري في نفسه والعرض وجود رابطي. وهذه الكلمات بمجموعها لا تعدو أن تكون مصادرات وقد التزم بعض الحكماء أنفسهم بأن النّفس وما يعرض عليها من الصور العلمية وجود واحد والصور العارضة حدود ذلك الوجود.
إِلاَّ أن الإلهام الفطري للإنسان الّذي هو منبع الأوضاع اللغوية والعرفية يأبى وحدة العرض وموضوعه ويرى تغاير هما مفهوماً ووجوداً ، ومعه لا يمكن حمل ما وضع بإزاء أحدهما على الآخر.
٣ ـ أن يراد باللابشرطية والبشرط لائية تباين المفهومين ذاتاً. فالمصدر موضوع للحدث وهو مغاير مع الذات مفهوماً ووجوداً وبذلك يكون بشرط لا عن الحمل ، والمشتق موضوع لعنوان بسيط ينتزع عن الذات في حال تلبسها بالمبدإ ، وبما انَّ العناوين الانتزاعية متحدة مع مناشئها كان المشتق لا بشرط من الحمل. ونستعرض
٣٢٦
لإثبات بساطة المشتق بالمعنى المذكور المحاذير التي أوردها المحقق الشريف على القول بالتركيب. ويرجع هذا القول في ضوء هذا التفسير إلى القول الثاني الّذي نسبناه إلى صاحب الكفاية ( قده ). وبذلك نكون قد شرعنا في معالجة الثاني فنقول :
القول الثاني ومناقشته
هنالك عدة مواضع للنظر في هذه الدعوى :
فأولاً : إن أريد من الانتزاع معنى يساوق الإدراك كما هو الحال في جميع الأمور الانتزاعية التي لها واقعية ونحو تقرّر في لوح الواقع بقطع النّظر عن الذهن ، كالإمكان والزوجية ، ويكون نظر الذهن طريقاً إليها فواضح انَّه في المقام لا نجد شيئاً زائداً على الذات والمبدأ والنسبة ليكون هو مدلول المشتق ، وإن أريد من الانتزاع معنى يساوق الجعل من قبل الذهن وإنشاء مفهوم ذهني لكي يطبق على الذات المتلبسة فهذا معناه انَّ مداليل عالم وقائم وغيرهما يكون من المنشآت الذهنية المطبقة على الخارج بتعمل الذهن وليس من مستوردات الذهن التي يرى لها واقع محفوظ في نفسه ، وذلك خلاف الوجدان.
وثانياً : انَّ محاذير المحقق الشريف لا يتخلص عنها بهذا القول طالما افترض تقوم المشتق مطلقاً بأمر انتزاعي غير ذاتي.
وثالثاً : انَّ مجرَّد فرض معنى المشتق أمراً انتزاعيّاً لا يكفي لإثبات بساطته أو الفرق بينه وبين معنى المصدر في ضمن الحمل على الذات ، بدليل وجود مصادر انتزاعية أيضا للإمكان والزوجية فلما ذا لا يصحّ حملها على الذات ويصحّ حمل الممكن أو الزوج عليها.
القول الثالث ومناقشته
وامَّا القول الثالث الّذي اختاره المحقق العراقي من دلالة المشتق بمادته على الحدث وبهيئته على النسبة فقد استند فيه إلى استقراء وضع الهيئات في اللغة فانَّها جميعاً موضوعة بإزاء معانٍ حرفيّة نسبيّة فيما نعرف فلا تكون هيئة المشتق بدعاً عنها.
٣٢٧
وبما أن المعنى النسبي بحاجة إلى طرف آخر غير المبدأ وهو الذات ومن دون أخذها في المشتق لا يصحّ الحمل فيه اضطرَّ المحقق العراقي ( قده ) إلى علاج هذه النقطة. ولكن عبائر تقرير بحثه لا تخلو عن غموض وتشويش يمكننا أن نستخلص منها سنخين من العلاج.
١ ـ ان يدعى دلالة المشتق على طرف النسبة بالالتزام وتكون صحّة الحمل بملاحظة هذا المدلول الالتزامي.
وفيه :
أولا : انَّه تعسّف واضح ، فانَّ الظاهر من حمل المشتق على ذات أو على مشتق آخر كقولنا الناطق ضاحك ، الربط بين المدلولين المطابقيين لهما.
وثانياً : انَّ هذه الدلالة لا تعين أخذ الذات طرفاً للنسبة بنحو المقيد أعني ذات لها المبدأ ، لا بنحو القيد أعني مبدأ لذات. والّذي يجدي في صحة حمل المشتق ويكون مستفاداً منه لغة هو الأول لا الثاني.
وثالثاً : النقض بالمصدر بناء على المسلك المشهور من دلالة هيئته على النسبة فلو كانت الدلالة الالتزامية على طرف النسبة كافية لتصحيح الحمل لما بقي فرق بينه وبين المشتق.
٢ ـ انَّ هيئة المشتق موضوعة للنسبة الاتحادية بين الذات والمبدأ فلا مغايرة بين الطرفين كي لا يصحّ الحمل.
والواقع انَّ هذا البيان ممَّا لم نفهم له معنى ، إذ ليس البحث عن الدال على النسبة الاتحادية أو الحملية وانَّما الإشكال في التغاير بين المشتق وما يحمل عليه إذا لم تؤخذ الذات فيه وهو تغاير مناف لصحة الحمل. ثمَّ انَّه يرد على هذا القول : ما تقدّم في التعليق على القول الأول من أنَّ دلالة المشتق على المبدأ والنسبة فقط يلزم منه تقوم النسبة بطرف واحد في مقام التصور وهو يؤدّي إلى أن يكون المشتق ناقصاً من حيث المفهوم محتاجاً إلى متمم تصوّري كالحروف ، ومجرّد لزوم تقوّم النسبة بطرفين لا يكفي لإيجاد مدلول التزامي عليهما فانَّ الدلالة الالتزامية التصورية فرع تمامية تصوّر الملزوم مسبقاً ، ومن دون تصور طرفي النسبة لا تصوّر للنسبة بعد لما تقدّم في بحث المعنى الحرفي
٣٢٨
من أنَّ النسب الخارجية تحليلية لا توجد ذهناً إلا ضمن صورة واحدة تنحلّ إلى طرفين ونسبة.
القول الرابع وأدلّته
وأمَّا القول الرابع الّذي اختاره المحقق الأصفهاني ( قده ) والسيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ من تركّب المشتق من ذات له المبدأ فالبحث عنه يقع أولا : فيما يمكن أن يساق دليلاً عليه. وثانياً : في دفع المفارقات التي ذكرت أو يمكن أن تذكر بشأنه.
امَّا الأدلة ، فقد ذكروا انَّ المشتق لا بدَّ وأن يكون مغايراً مع المصدر مفهوماً ببرهان صحّة حمله على الذات وعدم صحة حمل المصدر عليها وهو دليل تغاير المفهومين ، إذ المفهوم الواحد لا يعقل أن يكون متحداً مع الذات ومبايناً معها. ولا يعقل التغاير بينهما إلا على أساس أخذ مفهوم الذات المبهمة في المشتق بنحو المقيد لا القيد إذ لا يصح الحمل من دون ذلك (١).
والواقع ، انَّ هذا البيان إن قصد منه البرهنة الحديّة على القول بتركيب معنى المشتق أمكن النقاش فيه بما تقدّم منَّا في تفسير كلام المحقق النائيني ( قده ) من أنَّا لو جارينا الدقة الفلسفية فلا برهان يقتضي تركّب الموجود الخارجي من موضوع وعرض ، إلا أن الإلهامات الفطرية والعرفية التي عليها المعول في تشخيص الأوضاع اللغوية قد تساعد على دعوى التركيب وإن شئت مزيداً من توضيح له قلنا : انَّ المحمولات على أقسام ثلاثة :
١ ـ ما يكون ذاتيّاً للموضوع بالمعنى المذكور في كتاب الكليّات الخمس ، كقولنا زيد إنسان.
٢ ـ ما يكون ذاتيّاً في كتاب البرهان ، كقولنا الأربعة زوج أو زيد شيء.
٣ ـ ما يكون عرضاً خارجيّاً ، كقولنا الإنسان أبيض.
وملاحظة هذه المحمولات بالنظرة الفلسفية الدقيقة تقضي بإمكان ملاحظتها في
__________________

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 6   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:39 am

(١) يراجع نهاية الدراية ج ١ ص ١٢٩ ومحاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٢٩٧
٣٢٩
عالم التصوّر والإدراك تارة : بنحو وحداني بسيط كما هو طبع وجوده الخارجي. وأخرى : بنحو التحليل والتجزئة إلى ذات وإنسانية أو شيئية أو بياض. ولكن الفهم العرفي الفطري للإنسان يجد فرقاً بين القسمين الأولين والقسم الأخير ، لأنَّ إنسانية الإنسان أو شيئيّة الشيء ليست وجودات زائدة على موضوعاتها ، ولذلك يعتبرها مصادر جعلية انتزعت بالتجريد وإعمال العناية العقلية التحليلية ، وهذا بخلاف بياض الجسم مثلاً أو قيام زيد فانَّ مثل هذه الأعراض تعتبر بحسب الفهم الفطري وجودات مستقلة طارئة على الذوات ، ولذلك لم يصح حملها عليها ، فإذا أريد حملها على موضوع اضطرَّ إلى تركيب معنى يمكن أن ينطبق عليه وذلك بأخذ عنوان الذات ـ الّذي هو من الذاتي في كتاب البرهان ـ أو واقع الذات كالإنسان مثلاً ـ وهو الذاتي في كتاب الكليّات ـ في المعنى. وقد وضعت المشتقات بحسب النوع بإزاء هذا المعنى التركيبي ، وإن كانت قد تدخل على ما يكون ذاتياً بحسب الدقّة كالممكن مثلاً. ولعلَّه باعتبار عرضيته بحسب الفهم العرفي.
المناقشات على القول بتركب المشتق
وأمَّا المفارقات والاعتراضات التي أخذت على هذا القول ، فبعضها توجه على افتراض تركّب المشتق من مفهوم الشيء أو الذات والمبدأ والنسبة وبعضها توجه على افتراض تركّبه من واقع الشيء المعروض للمبدإ كالإنسان في ضاحك مثلاً. فالبحث يقع عن فرضين.
أمَّا فرض التركّب من مفهوم الشيء ، فقد استظهر من بعض كلمات المحقق الشريف في حاشيته على شرح المطالع في المنطق انَّه يعترض عليه بلزوم دخول العرض العام ـ وهو الشيء ـ في الذاتي ـ كالناطق الفصل ـ وهو مستحيل.
والمحقق النائيني ( قده ) عدل من صياغة المفارقة بعد الاعتراف بصحتها بأن اللازم دخول الجنس في الفصل لأنَّ الشيء جنس الأجناس وليس عرضاً عاماً.
وكلتا الصياغتين ممَّا لا نساعد عليه.
امَّا صياغة المحقق النائيني ( قده ) فلأنَّ الشيء ليس جنساً أعلى ، لا لما قيل من لزوم
٣٣٠
عدم كون المقولات العشر ـ مقولة الجوهر ومقولات الأعراض التسع ـ أجناساً عالية وهو خلاف ما هو ثابت في محله ، فانَّه حوالة على مفلس ، إذ لم يقم في الفلسفة برهان على استحالة وجود جنس أعلى للمقولات العشر ـ كما اعترف به صاحب الأسفار ـ وانَّما الّذي قام البرهان عليه هو انَّ مثل مفهوم العرض ليس جنساً عالياً للمقولات العرضية وكذلك مفهوم الوجود.
بل لأن مفهوم الشيء لو كان جنساً لزم تركب كلّ مقولة منه ومن فصل يميزه عن المقولات الأخرى.
وذاك الفصل شيء لا محالة وإلا لم يكن جزءاً زائداً ، فان كان تمام حقيقته الشيئية لزم اتحاد الجنس والفصل وإن كانت جزءه لزم تركبه من جزءين ، فننقل الكلام إلى جزئه الثاني الّذي هو شيء لا محالة ، فإما نرجع إلى الشيئية في النهاية أو نتسلسل إلى ما لا نهاية دون أن نصل إلى ما يميّز المقولات وكلاهما باطل كما هو واضح.
أضف إلى ذلك : عدم الفرق بين القول بتركب المشتق أو بساطته إذا كان مفهوم الشيء جنس الأجناس ، إذ لا إشكال في انتزاعه من المبدأ أيضا ، فمحذور دخول الجنس في الفصل لازم على كلّ حال.
وأمَّا الصياغة المنسوبة إلى المحقق الشريف ، فجوابها : انَّ ما مثل به المناطقة للفصول كالناطق والصاهل لم يرد جعله بتمام مدلوله اللغوي فصلاً كيف والنطق ـ سواءً كان بمعنى التكلّم أو الإدراك ـ من الكيف المسموع أو النفسانيّ وليس ذاتياً فإذا كان لا بدَّ من التصرّف في مادة هذه الأمثلة بحملها على ما يوازي هذه الأعراض من جهات ذاتية فأيّ مانع من أن يكون هناك تصرّف بلحاظ هيئاتها أيضا بأن لا يراد جعل تمام مدلولها فصلاً. بل لو فرض انَّهم جعلوها كذلك فالخطأ في فهمهم للمعاني اللغوية فكان ينبغي أن ينقض عليهم لا أن يجعل ما صنعوه نقضاً على المعنى اللغوي بعد أن لم يكن المنطقي ناظراً إلى المسألة اللغوية.
والواقع انَّ ما ذكره المحقق الشريف أجنبي عن مسألتنا الأصولية بالمرة لأنَّه يذكر كلامه هذا في التعليق على مقالة شارح مطالع الأنوار في دفع شبهة كان يوجه على تعريف الإدراك بأنَّه : ترتيب أمور معلومة يتوصّل به إلى أمر مجهول ، من لزوم خروج
٣٣١
التعريف بالحد الناقص الّذي هو تعريف بالفصل فقط. حيث أجاب عنها : بأنَّ الفصل أيضا مركّب من أمور وليس بسيطاً فالناطق مثلاً عبارة عن شيء له النطق. فعلق عليه المحقق الشريف بلزوم دخول العرض في الذاتي. وواضح انَّ تمام نظره إلى الفصل الحقيقي والتعريف به مع قطع النّظر عن باب الدلالات اللغوية. وانَّ حقيقة الفصل لو كان مركّباً من الشيئية والنطق مثلاً لزم دخول العرض العام في الذاتي وهو محال ، سواءً كان يوجد دال عليهما أو على أحدهما فقط وهذا لا ربط له بمسألتنا اللغوية.
وأمَّا فرض تركّب المشتق من واقع الشيء والمبدأ والنسبة ، فقد أورد عليه : بلزوم انقلاب القضية الممكنة إلى ضرورية ، فقولنا « الإنسان كاتب » يؤول إلى قولنا « الإنسان له الكتابة » فتكون ضرورية.
وأجيب عنه حلاًّ : بأن الضروري ثبوت مطلق الإنسانية للإنسان لا المقيدة بقيد إمكاني فانَّ ثبوته إمكاني أيضا.
ونقضاً : بلزومه على القول بدخول مفهوم الشيء لأن ثبوت الشيء للإنسان ضروري أيضا لكونه ذاتياً في كتاب البرهان.
وهناك عدّة محاولات لتوجيه الاعتراض بنحو يسلم عن هذا الجواب. نذكر بعضها فيما يلي :
١ ـ تغيير مورد الإشكال من مثال « الإنسان كاتب » إلى « زيد كاتب » فلو كان المأخوذ واقع الشيء في الكاتب رجع إلى قولنا « زيد زيد له الكتابة » والتقييد في هذا المثال غير معقول ، لأن زيداً جزئي لا يقبل التقييد وانَّما هو مجرّد معرف ومشير فتكون القضية ضرورية.
وفيه :
أولا : انَّه قد يراد من واقع الشيء ما يكون معروضاً عادة للمبدإ في الواقع الخارجي ، كالإنسان في مثال الكاتب ، لا ما جعل موضوعاً للقضية. وهو كلّي قابل للتقيّد.
وثانياً : الجزئي الحقيقي كزيد وإن لم يكن يقبل التقييد الأفرادي ولكنه يقبل
٣٣٢
التقييد الأحوالي ، فقولنا « زيد كاتب » يرجع إلى قولنا « زيد زيد في حالة الكتابة » ومن الواضح انَّ الجزئي المقيد بحالة خاصة إمكانيّة بما هو مقيّد بتلك الحالة ثبوته لنفسه إمكاني لا ضروري.
٢ ـ ان القيد الإمكاني إن أريد به المعرفية والمشيرية إلى ذات المقيد كان المحمول نفس الموضوع فتكون القضية ضرورية ، وإن أريد به التقييد والتحصيص فالمقيد بما هو مقيّد وإن كان ثبوته غير ضروري إلا انَّه يستلزم أن يكون الحمل وضعيّاً لا طبعيّاً ، لكونه من حمل الأخص على الأعم بحسب المفهوم ، وهو باطل. وبهذه المحاولة يندفع الحلّ والنقض معاً.
وفيه : انَّا لا نسلّم بطلان حمل الأخص مفهوماً على الأعم سواءً كان الحمل معبراً عن النسبة التصادقية بين مفهومي الموضوع والمحمول في الخارج أو عن افتراض الموضوع مصداقاً للمحمول بجعل مفهوم الموضوع فانياً في معنونه الخارجي لأنَّ اللازم على الأول جعل المفهومين مرآتين عن حقيقة واحدة وعلى الثاني جعل مفهوم كذلك فكأن الملحوظ فيه المصداق ابتداءً ولا تضرّ أعمية الموضوع مفهوماً على كلا التقديرين.
٣ ـ انَّ أخذ واقع الشيء في المشتق يستلزم انحلال القضية الواحدة الممكنة إلى قضيتين : إحداهما : ضرورية وهي « الإنسان إنسان » والأخرى ممكنة هي « الإنسان له الكتابة » مع انَّ « الإنسان كاتب » ليس إلا قضية واحدة عقلاً. وعرفاً. وهذه المحاولة لا تدفع النقض وإن كانت تعالج الحلّ.
وفيه : انَّ الانحلال إلى قضيتين وكون إحداهما ضرورية إن كان بلحاظ انَّ المحمول يصبح بذاته قضية بقاعدة انَّ الأوصاف والقيود قبل العلم بها أخبار فقولنا « زيد شاعر ماهر » يرجع إلى إخبارين اخبار بمطلق شاعريته واخبار بمهارته في الشعر ، فمن الواضح انَّ أحد الإخبارين وهو الأخبار عن ثبوت المطلق مفاد للجملة التزاماً بقانون انَّ ثبوت المقيد يستلزم ثبوت المطلق عقلاً ، ولا ضير في أن تكون جهته ضرورية ، وامَّا ثبوت الحصة الّذي هو المدلول المطابقي للجملة فجهته الإمكان كما في قولنا « الحديد جسم صلب ».
وإن كان الانحلال بدعوى : انَّ اشتمال المحمول على النسبة يؤدّي إلى عروض
٣٣٣
نسبتين على الذات في عرض واحد إحداهما ضرورية والأخرى إمكانية إذ لا موجب لافتراض الموضوع في إحداهما مقيداً بمحموله. فيرد عليه : انَّ النسبة الناقصة ملحوظة في رتبة سابقة عن الحمل فيكون المحمول هو الحصة الخاصة لا الذات المطلقة. وإن شئت قلت : قد تقدّم منَّا في بحث المعاني الحرفية أن النسبة الناقصة ليست إلا صورة ذهنية واحدة لحصة من المقيد والنسبة الملحوظة فيها تحليلية وليست بواقعية فلا تشتمل القضية الحملية على أكثر من نسبة واحدة وهي إمكانية.
وهكذا يتبرهن عدم صحة المحاولات الثلاث في إبطال الجواب على مفارقة انقلاب الممكنة ضرورية لو أخذ مصداق الشيء في المشتق.
الصحيح والمختار من الأقوال
إلا انَّ الصحيح مع ذلك عدم أخذ مصداق الشيء في المشتق على القول بالتركيب ؛ إذ لو أريد به ما جعل موضوعاً للقضية فمن الواضح انَّ المشتقات لا تكون محمولات دائماً كما في قولنا « أكرم الكاتب ».
وإن أريد أخذ الطبيعة التي من شأنها الاتصاف بالمبدإ كالإنسان فهو ينافي ما نحسّه وجداناً من صحّة استعمال الكاتب مثلاً في غير الإنسان وإن كانت القضية كاذبة ، فيتعيّن أن يكون المشتق مركباً من مفهوم الشيء والمبدأ والنسبة.
إلا انَّ هذا الكلام إنَّما نقوله في المشتقات الموضوعة بوضع نوعي ، أي الأوصاف الاشتقاقيّة بحسب مصطلح النحاة لا مثل السيف والصارم والسرير ونحوها ، فانَّ المأخوذ فيها واقع الشيء بمعنى الطبيعي الّذي يكون معروضاً لمبادئها ولذلك لا يصدق على غيره كما يظهر بمراجعة العرف واللغة.
نحو التلبّس المأخوذ في المشتق
بعد افتراض أخذ نسبة تلبسيّة بنحو من أنحاء التلبّس في مدلول هيئة المشتق ـ سواءً قيل بأخذ الذات فيه أو لا ـ يقع الكلام في انَّ هذا التلبس هل يستدعي المغايرة ذاتاً ووجوداً بين الذات والمبدأ فلا يمكن تطبيق مدلول المشتق على ما يكون متحداً مع
٣٣٤
المبدأ إذ لا يعقل التلبس حينئذ بين الشيء ونفسه ، أو يكفي في تعقله المغايرة مفهوماً وان اتحدت الذات والمبدأ وجوداً كما في إطلاق صفات الذات على الله سبحانه وتعالى بناء على الحق من عينيّة مبادئ تلك الصفات لذاته أو لا يحتاج حتى إلى المغايرة مفهوماً فيصح قولنا البياض أبيض والضوء مضيء وهكذا.
ذهب المحقق الخراسانيّ ( قده ) إلى الوسط من هذه الوجوه قائلاً بأن المأخوذ في المدلول التلبس بنحو من الأنحاء ، وهو كما يصدق على التلبس الحلولي والصدوري كذلك يصدق على التلبس الاتحادي ، ومرجعه إلى قيام المبدأ بالذات على نحو العينية وبهذا صحّ إطلاق عالم على الله سبحانه بلا حاجة إلى عناية.
والتحقيق : انّ أنحاء التلبس هي أنحاء من النسب ولا يعقل الجامع الذاتي بينها ، فدعوى : انّ المأخوذ هو التلبس بجامعه غير صحيح. لأنّ المقصود بالتلبس إن كان المعنى الاسمي له فمن الواضح انّه لا ينسبق إلى الذهن من الكلمة ، وإن كان المعنى الحرفي له فلا يتصوّر الجامع بين الحلول والصدور والعينيّة بل يتعيّن أن تكون الكلمة موضوعة لأحد هذه الأنحاء وتستعمل في الباقي بنحو من العناية أو موضوعة لكلّ واحد من تلك الأنحاء على نحو الوضع العام والموضوع له الخاصّ على نحو لا تكون الكلمة من متحد المعنى.
وضع المجموع الكلي للمركّب
عرفنا سابقاً أن المركّب يشتمل على مواد لمفرداته وهيئات إفرادية وهيئة حاصلة من ضمّ هذه المفردات بعضها إلى بعض. وبعد أن فرغوا عن أنّ كلّ واحد من هذه العناصر موضوع لمعناه ومساهم في تكوين المعنى الجملي المجموعي للكلام وقع البحث في انّه هل يكون للمجموع من هذه العناصر المشتمل حتى على هيئة الجملة وضع خاص للمجموع من المعاني المتحصلة من تلك العناصر أو لا. والمعروف بين المحققين عدم وجود وضع من هذا القبيل وقد استدلّ لذلك بوجوه :
الأول : انّه لو ثبت هذا الوضع لزم استفادة المعنى والانتقال إليه مرّتين : مرة على سبيل التفصيل جزءاً جزءاً من ناحية وضع أجزاء الجملة وأخرى على سبيل الإجمال
٣٣٥
واللف من ناحية وضع المركب للمجموع المتحصّل من معاني أجزائه وهو خلاف الوجدان بل الّذي يلزم في الحقيقة الانتقال إلى المعنى الجملي الإجمالي مرّتين لأنّ معاني الأجزاء باعتبار اشتمالها على المعنى الحرفي الرابط لا تأتي إلى الذهن متفاصلة بل مترابطة.
ويرد عليه : انّ تعدد الانتقال بسبب تعدد الدال لا تعدد الوضع فان الوضع كما تقدّم هو القرن المؤكد بين اللفظ والمعنى فهو حيثية تعليلية للانتقال من اللفظ إلى المعنى ، وامّا السبب الباعث على تصوّر المعنى فهو نفس اللفظ فإذا كانت جملة واحدة طرفا لقرنين مؤكدين ، مجملة تارة ، ومفصلة أخرى ، فليس هناك في الذهن إلاّ سبب واحد لإثارة المعنى لأن الجملة بإجمالها وتفصيلها موجودة بوجود واحد. وإن شئت قلت : انّ التعدد التحليلي للدال لا يوجب تعدد الوجود الذهني للمعنى حقيقة.
الثاني : انّ لازم ذلك اجتماع لحاظين في آن واحد من قبل النّفس أحدهما متعلّق بالمعنى الإجمالي ، والآخر متعلّق بالمعنى التفصيليّ وهو محال. وهذا الوجه واضح البطلان كبرى وصغرى.
الثالث : انّ وضع مواد المركّب وهيئاته لأنحاء النسب والربط يجدي لتحصيل المقصود فتكون إضافة وضع آخر للمركّب على تلك الأوضاع لغواً صرفاً ، والتحقيق :
انّ هذا يتمّ إذا افترضنا انّ بالإمكان استقلال الهيئات في كلّ جملة بالوضع لمعانيها الحرفية ، ولكن سيأتي إن شاء الله تعالى أن الهيئات والحروف الموضوعة للنسب الناقصة يستحيل استقلالها في الوضع بل لا بدّ أن تكون موضوعة تبعاً لوضع الجملة ككل ، ومعه لا لغوية في وضع المجموع للمجموع. ويأتي توضيح الحال في ذلك عند الكلام في تشخيص وضع الحروف والهيئات ونوعه.
الأسماء المبهمة
وقد شمل بحث الأصوليين وتحليلهم المبهمات من الأسماء ، كأسماء الإشارة والضمائر والموصولات ، لشباهتها بالحروف في عدم تحدد معناها بصورة مستقلة عن غيرها ، وإن كانت تختلف عنها في إمكان وقوعها محكوماً به وحملها على الذات.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
بحوث في علم الاصول 6
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الثالث عشرالمكتبة الاسلامية الثقافية-
انتقل الى: