{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 بحوث في علم الاصول 4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: بحوث في علم الاصول 4   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:54 am

ثمرة النزاع في أسماء العبادات
الجهة الرابعة : حول ثمرة هذا البحث ومهمّ ما ذكر بهذا الصدد ثمرتان :
أولاهما : وهي مبنيّة على أن يكون المسمَّى عند الصحيحي جامعاً بسيطاً وعند الأعمّي جامعاً تركيبيّاً ، لعدم إمكان استكشاف جامع بسيط بين الصحيحة والفاسدة. فيقال عندئذٍ : بظهور ثمرة البحث فيما لو شك في اعتبار جزء أو شرط ، حيث يكون من الشك في المحصل بناء على الصحيح فيجب الاحتياط ، ومن الشك في التكليف الزائد بناء على الأعمّ فتجري البراءة.
وفيه : أولا ما تقدّم من بطلان المبنى.
وثانياً : كون المسمَّى جامعاً بسيطاً لا يلازم عدم جريان البراءة عند الشك.
لا لما جاء في الكفاية من أنَّ الجامع البسيط قد يفترض متّحداً مع الأجزاء والشرائط في الوجود (١). فانَّ هذا الكلام غير فنّي على ما يتّضح.
بل الصحيح : انَّ الجامع البسيط إن افترض ذا مراتب تشكيكية تصدق على الضعيف والشديد بحيث تؤدّي سعة المركّب وضيقه من حيث الأجزاء والشرائط إلى
__________________
(١) كفاية الأصول ج ١ ص ٣٧ ( ط ـ مشكيني )
٢٠٠
شدة ذلك الجامع وضيقه ـ كما زعمه المحقق العراقي فتجري البراءة عند الشك في القيد ولو كان الجامع غير متّحد مع المركّب بل مسبباً عنها خارجاً ، لرجوعه إلى الشك في وجوب المرتبة الشديدة منه وهو شك في التكليف.
وان افترض الجامع البسيط غير تشكيكي بل بسيط في وجوده كما هو بسيط في مفهومه ، فان فرض أنَّه وجود مباين مع المركّب مسبب عنه كان من الشك في المحصل الّذي هو مجرى قاعدة الاشتغال. وإن فرض انَّه متّحد معه في الوجود وإن كان مبايناً ذاتاً ، فإن كان منتزعاً منه بلحاظ جهة عرضية داخلة في عهدة المكلّف ، نظير عنوان المؤلم المنتزع من الضرب بلحاظ حيثية الألم القائمة بالمضروب ، فالشك بلحاظ ما هو داخل في العهدة شك في المحصل وإن كان بلحاظ قيود ذات المركّب دائرة بين الأقل والأكثر ، فيلزم الاحتياط أيضا.
وإن كان متّحداً معه وجوداً وذاتاً ، بأن كان منتزعاً بلحاظ ذات المركّب فالشك في أصل التكليف ، لأن ما هو داخل في عهدة المكلّف هو الجامع الذاتي الّذي افترضنا اتحاده مع المركّب ذاتاً ووجوداً ، فالشك في المركّب يعني الشك في حدود ما هو داخل تحت عهدة المكلّف فتجري البراءة.
وكذلك الحال فيما إذا افترضنا الجامع اعتباريّاً لا خارجيّاً ـ سواء كان تشريعيّاً كعنوان الطهور أو عقليّاً كعنوان أحدهما ـ فتجري البراءة عند الشك ولو كانت نسبة الجامع الاعتباري إلى المركّب نسبة المسبب إلى السبب كما لو شك في حصول الطهور شرعاً بثلاث غسلات ـ لأنَّ الارتكاز العرفي المحكَّم على الخطابات الشرعية يقضي بأخذ العناوين المذكورة على نحو الطريقية والمشيرية إلى معنوناتها الخارجية متعلّقاً للتكليف وليست هي المطلوبة على سبيل الاستقلال ، فيكون الشك بلحاظ ما يدخل في عهدة المكلّف شكّا في التكليف الزائد لا محالة.
ومن التأمّل فيما ذكرناه يظهر لك أوجه المفارقة في جملة من كلمات الأعلام في المقام.
ثانيهما : ذكروا : أنَّه على القول بالوضع للصحيح ينسد باب التمسّك بالإطلاق اللفظي في الخطابات الشرعية المشتملة على هذه الأسامي وإن أمكن التمسّك
٢٠١
بالإطلاق المقامي أحياناً ، لرجوع الشك في اعتبار قيد إلى الشك في الصدق. وعلى القول بالأعم يمكن التمسّك بالإطلاق اللفظي ابتداءً ، لانحفاظ صدق العنوان على كلّ حال.
وهذا التقرير للثمرة صحيح لا غبار عليه ، وإن وقع التشكيك في صحّتها من قبل بعض الأصوليّين نتيجة خلطه بين الإطلاق اللفظي الّذي هو سنخ من دلالة اللفظ ولكن مشروطا بمقدمات تثبت بأصول عقلائية عامة ولا يحتاج إلى قرينة خاصة ، وبين الإطلاق المقامي الّذي هو من دلالة الحال ومقام السكوت مشروطاً بتوفّر قرينة خاصة يحرز بها وجود مقتضي البيان.
اختيار أحد القولين
الجهة الخامسة : في اختيار أحد القولين والبرهنة عليه. ونستعرض في هذه الجهة أدلة القول بالوضع للأعم أولا ثمَّ أدلة القول بالوضع للصحيح.
١ ـ أدلة القول بالوضع للأعم
ذكروا لإثبات الوضع للأعم وجوه عدة :
١ ـ ما ذكره السيد الأستاذ ( دام ظلّه ) من أنَّ الصلاة موضوعة للأعم من الصحيحة والفاسدة بلحاظ الأجزاء والشرائط غير الأركان الأربعة المتمثّلة في التكبير والركوع والسجود والطهور فإنَّها مقوّمة للمسمَّى أيضا وقد حاول استظهار ذلك من الأخبار البيانيّة التي وردت بشأن تحديد أجزاء الصلاة وقيودها. أمَّا التكبير ، فلأنَّه ورد بشأنه بأن افتتاح الصلاة يكون به فمن دون التكبير لا صلاة بعد. ولعلّه لذلك لم يذكر فيما تعاد الصلاة بالإخلال به ، فكأنَّ أحاديث لا تعاد ناظرة إلى الإخلال بصلاة منعقدة حدوثاً وأمَّا الركوع والسجود والطهور ، فلما ورد من أنَّ الصلاة ثلثها الركوع وثلثها السجود وثلثها الطهور. ولا ضير في أن تكون الا ثلاث الثلاثة كلّها مستوفاة بحيث لا يبقى محل لغيرها ، فانَّ هذا مجرّد إطلاق قابل للتقيد بما دلّ على ركنيّة جزء آخر هو التكبير ، أو يحمل على أنَّها أثلاث للصلاة بعد فرض الدخول فيها
٢٠٢
بالتكبير ، وامَّا الأجزاء الأخرى فلا تكون مقومة للمسمَّى ولا ركناً فيها ، ولذا لا تجب الإعادة بسبب الإخلال بها نسياناً (١).
وهذه الدعوى تنحل بحسب الحقيقة إلى جانب إيجابي ، هو أخذ الأركان الأربعة في المسمَّى ، وجانب سلبي هو عدم أخذ غيرها فيه. ورغم انَّ الجانب السلبي هو محل النزاع في هذا البحث نجد انَّ الّذي استأثر باهتمام الأستاذ كان هو الجانب الإيجابي فتصدّى للبرهنة عليه بالنصوص والروايات.
وأيّاً ما كان فيما يمكن أن يذكر دليلاً على الجانب السلبي وجوه عديدة :
منها ـ انَّ الأجزاء غير الركنية لو كانت مأخوذة في المسمَّى لما صحّت الصلاة بالإخلال بها ولو نسياناً ، وهو خلاف المقرر فقهيّاً.
وفيه : ما تقدّم من أنَّ الصحيحي إنَّما ينتزع الجامع عمَّا يكون مطابقاً للمأمور به بمقدار دخالته فيه لا أكثر ، فإذا كان اعتباره منوطاً بحال دون حال أخذ في الجامع مقيداً بذلك الحل فلا يكون في البين إخلال.
ومنها ـ استكشاف ذلك من الأخبار البيانية ، حيث اقتصرت في بيان الأركان على الأربعة المتقدمة ولم تذكر سائر الأجزاء.
وفيه : أنَّه موقوف على إحراز ورود الأخبار لبيان المسمَّى أيضا ، وأنَّى يمكن إحراز ذلك.
ومنها ـ التمسّك بمفهوم ما دلَّ على أنَّ الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود (٢) بدعوى : أنَّ ظاهرها الأوّلي بيان حقيقة الصلاة وتكوينها ، ولا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور إلا في تكبيرة الإحرام التي دلّت نصوص أخرى على أنَّ الصلاة تفتتح بها.
وفيه : أنَّ دلالة رواية التثليث تكون بالوضع فلا يمكن أن يجمع بينها وبين دليل ركنية التكبير بالتقييد ، كما لا يمكن إرادة الا ثلاث بعد الدخول في الصلاة بالتكبير
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١٧٥ ( مطبعة الآداب ـ النجف الأشرف )
(٢) راجع وسائل الشيعة باب ـ ٩ ـ من أبواب الركوع والسجود
٢٠٣
لأنَّه ينافي مع كون أحد الثلاثة الطهور. فيتعين الجمع بينها وبين دليل ركنية التكبير ـ بل وأدلة القيود الأخرى الأخرى المعتبرة في الصلاة أيضا ـ بإرادة التثليث من حيث الأهمية أو الثواب كما ورد ذلك بشأن سورة الإخلاص من أنَّها ثلث القرآن الكريم. هذا إذا لم يدع ظهور سياق دليل التثليث في ذلك من أوّل الأمر.
وأمَّا الجانب الإيجابي في كلام السيد الأستاذ ، فما يمكن أن يكون مدركاً له انَّما هو رواية تثليث الصلاة بضميمة ما دلَّ على أنَّ الصلاة تفتتح بالتكبير ، ولكن يرد عليه :
أولا : انَّ هذه الأحاديث امَّا أن يدعى عدم ظهورها في أكثر من إبراز أهمية الأمور الأربعة وركنيتها بلحاظ الغرض الشرعي فلا تثبت ما هو المطلوب ، وأمَّا أن يجمد على ظاهر التعبير فيها ، فلا بدَّ حينئذ من الالتزام بدخالة كلّ ما ورد فيه تعبير مماثل من الأجزاء أو الشرائط في المسمَّى ، من قبيل ما ورد من أنَّه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا صلاة لمن لم يقم صلبه وغير ذلك.
وثانياً : انَّ الأخبار المتعرضة لركنية تكبيرة الإحرام على طوائف :
أولاها : ما دلَّ على الاجتزاء بتكبيرة واحدة في افتتاح الصلاة ، من قبيل رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزي والثلاث أفضل والسبع أفضل كلّه (١).
ولا دلالة فيها على أكثر من دخل تكبيرة الإحرام في الاجتزاء وأداء الواجب الشرعي.
ثانيتها : ما دلَّ على أنَّ التكبير بمثابة الصلاة كرواية إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( في حديث ) قال : ولكلّ شيء أنف وأنف الصلاة التكبير (٢).
وهذه قد تكون على عكس المقصود أدلّ لأنَّ أنف الشيء لا يكون مقوماً له وإنَّما هو كناية عن مقدمته على انَّ الرواية ساقطة سنداً.
__________________
(١) وسائل الشيعة باب ١ من تكبيرة الإحرام ج ٤
(٢) نفس المصدر والباب ج ٦
٢٠٤
ثالثتها : ما دلّ على أنَّ التكبير مفتاح الصلاة ، كرواية ناصح المؤذن عن أبي عبد الله عليه‌السلام ( في حديث ) قال : فانَّ مفتاح الصلاة التكبير (١).
وهذه وإن كان قد يستظهر منها انَّ الصلاة لا تنعقد بدون التكبير مهما جاء الإنسان بالأركان والأجزاء إلا أنَّ هذا الظهور انَّما يجدي فيما لو أحرز أنَّ النّظر إلى المسمَّى لا أداء المطلوب الشرعي. على أنَّ ناصح المؤذن ممّن لم يثبت توثيقه.
رابعتها : ما دلّ على حصر افتتاح الصلاة بالتكبير كرواية ( المجالس ) بإسناده ( في حديث ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وامَّا قوله : الله أكبر إلى أن قال : لا تفتح الصلاة إلا بها (٢).
وهي مضافاً إلى ضعف سندها لا يعلم أن تكون جملة خبرية فضلاً عن أن تكون ناظرة إلى ما يكون مقوم صدق المسمَّى ، بل يحتمل أن تكون جملة ناهية ومع الاحتمال لا يتمّ الاستدلال.
خامستها : ما دلّ على أن تحريم الصلاة تكبير ، كرواية ابن القداح عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( في حديث ) وتحريمها التكبير (٣).
وهي لا تدلّ على أكثر من حرمة الإتيان بمنافيات الصلاة بعد الدخول فيها.
سادستها : ما دلّ على أنَّه لا صلاة بدون افتتاحها بالتكبير كرواية عمّار قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل سها خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة قال : يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح (٤).
ولعلَّ هذه أحسن ما يمكن الاستدلال بها على المدعى من روايات ركنية تكبيرة الإحرام. لكنَّه مع ذلك لا يتمّ لأنَّ قوله عليه‌السلام ( يعيد صلاته ) إن لم يكن قرينة على انَّ النّظر إلى مقام الامتثال والأجزاء لا المسمَّى وإلا لم يناسب أن يعبر عنه بالإعادة ، فلا أقلّ من الاحتمال المستوجب للإجمال.
__________________
(١) وسائل الشيعة باب ١ من تكبيرة الإحرام ج ٧
(٢) نفس المصدر والباب ج ١٢
(٣) نفس المصدر والباب ج ١٠
(٤) وسائل الشيعة باب ٢ من أبواب تكبيرة الإحرام ج ٧
٢٠٥
على أن نفي عنوان الصلاة عن الفاقدة لا يختص بالتكبير بل وارد في كثير من الأجزاء ، كما يعرف بمراجعة الأخبار البيانية.
وهكذا يتّضح : عدم وفاء شيء من روايات تكبيرة الإحرام على أخذها في المسمَّى ، فالجانب الإيجابي من كلام السيد الأستاذ ( دام ظلّه ) لا دليل عليه أيضا.
٢ ـ صحة تقسيم الأسماء بما لها من المعنى الشرعي إلى الصحيح والفاسد.
وفيه : أنَّه لا يدلّ على أكثر من صحة استعمالها في الأعم وهو أعمّ من الحقيقة.
٣ ـ ما ورد من التعبير بالإعادة في موارد وقوع العبادة فاسدة المستبطن للاعتراف بصدق الاسم على الفاسد أيضا.
وفيه : انَّ الاستعمال ـ كما عرفت ـ أعمّ من الحقيقة. نعم لو أريد به مجرّد إبراز منبه وجداني لمن يعترف سلفاً بعدم العناية في هذه الاستعمالات كان له وجه. إلا انَّه منقوض عليه بمثل لا تعاد الصلاة إلا من خمس ، المشعر بصدق الاسم مع فقد الأركان أيضا وهو ممَّا لا يلتزم به القائل بالأعم. وكذلك ينقض عليه بالإطلاقات المعاكسة ، من قبيل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.
٤ ـ دعوى تبادر المعنى الأعم.
وفيه : لو سلّم فلا يمكن ان يكشف عن المعنى الثابت في زمن الشارع ، إذ لعلّه كان حقيقة في الصحيح ونقل إلى الأعم نتيجة التوسّع في الإطلاقات عند المتشرعة.
وأصالة عدم النقل العقلائية لا يحرز ثبوتها في موارد يكون مقتضي النقل مؤكداً في نفسه.
٥ ـ ما أفاده المحقق الأصفهاني ( قده ) من شهادة سيرة العقلاء المخترعين للمعاجين ونحوها على الوضع للأعم بلحاظ شرائط التأثير دون الأجزاء (١).
وفيه : لو سلّمنا ذلك ، وسلّمنا متابعة الشرع لنفس الطريقة ، فهو خلط بين شرائط الاستعمال والتأثير وشرائط المركّب نفسه التي هي محلّ البحث ، إذ أي فرق بين الأجزاء وبين أن يكون المعجون ذا رائحة خاصة أو لون معيّن.
__________________
(١) نهاية الدراية ج ١ ص ٧١ ( المطبعة العلمية ـ قم )
٢٠٦
٦ ـ الاستدلال بمثل قوله عليه‌السلام « دعي الصلاة أيّام أقرائك » بتقريب : أن صلاة الحائض فاسدة لعدم الطهور فنهيها عنها دليل الوضع للأعم.
واعترض عليه من قبل بعض المحققين (١) بأن هذا النهي إرشادي فيكون مفاده الأخبار عن عدم القدرة على الصلاة لكونها مشروطة بالطهور.
وأجيب عنه (٢) : بلغوية الأخبار بعدم القدرة على الصلاة عن طهارة من الحيض في حال الحيض.
وفيه : أنَّه لا لغوية إذا كان الغرض من نفس هذا الخطاب إرشاده إلى منافاة الحيض مع الطهور المعتبر في الصلاة. والغريب من المجيب في مقام إبطال أصل الاستدلال أن جعل مراد الصحيحي استعمال اللفظ فيما هو الصحيح بقطع النّظر عمَّا يعتبر بشخص ذلك الخطاب. مع أنَّ هذا تفسير بما لا يرضى به صاحبه ـ كما هو ظاهر القول بالوضع للصحيح ـ وخلاف غرضه من المنع عن التمسّك بإطلاق الخطاب عند احتمال اعتبار قيد بشخص ذلك الخطاب.
ويمكن أن يجاب عن الاعتراض : بأن الإرشادية لا تعني استعمال الجملة الإنشائية الناهية في مدلول استعمالي إخباري هو نفي القدرة على الصلاة ، فانَّ هذا غير محتمل.
وانَّما تعني عدم إرادة الحرمة الذاتيّة من النهي ثبوتاً لقرينة عامة مختصة بأدلة المانعية في باب المركّبات مع كون المستعمل فيه الجملة الإنشائية هو النهي عن صلاتها ، فهذا الاعتراض غير متّجه.
وهناك اعتراض آخر وجهه صاحب الكفاية ( قده ) وحاصله : أن القول بالأعم أيضا لا يدفع الإشكال نهائيّاً ، إذ لازمه حرمة إتيان الحائض بالصلاة الفاسدة من غير ناحية الحيض. فلا بدَّ من تقييدها بما يكون صحيحاً من غير ناحية الحيض ، ومعه لا يكون دليلاً على مقالة الأعمي أيضا (٣).
وفيه : إمكان دعوى استفادة التقييد المذكور بنحو تعدد الدال والمدلول من قرينة
__________________
(١) هو الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية
(٢) نهاية الدراية ج ١ ص ٧٣ ( المطبعة العلمية ـ قم )
(٣) كفاية الأصول ج ١ ص ٤٨ ( ط ـ مشكيني )
٢٠٧
خاصة وهي كون النّظر إلى الإتيان بما هو وظيفتها الشرعية لو لا الحيض ، وأمَّا الاسم فمستعمل في الأعم.
والصحيح في الجواب : أنَّه لا مانع من إرادة الصحيحة بالخصوص بناء على القول بالوضع للصحيح ، بل هو المتعيّن على ضوء القرينة التي ذكرناها الآن ؛ غاية الأمر : أنَّه لا يكون بداعي الزجر بل بداعي إبراز عدم القدرة على الفعل خارجاً.
٢ ـ أدلة القول بالوضع للصحيح
وذكر بشأن إثبات الوضع للصحيح وجوه أيضا :
١ ـ التمسّك بمثل قوله تعالى « إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر » (١) أو قوله عليه‌السلام « الصلاة قربان كلّ تقيّ » (٢) إذ بعد العلم باختصاص اللوازم بالصحيحة يعرف أن الفاسدة ليست بصلاة.
وفيه : أنَّه من التمسّك بالأصل عند الشك في الاستناد ، حيث يعلم بخروج الفاسدة ولكن لا يدري هل يكون خروجه بالتخصيص أو من جهة وضع الاسم لغيرها. فلا يتمّ بناء على عدم صحة إجراء الأصول العقلائية اللفظية في هذه الفروض.
٢ ـ التمسّك بما دلّ على نفي الصلاة عن الفاقد كقوله عليه‌السلام « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » وما لم يرد فيه ذلك يلحق بما ورد فيه بعدم احتمال الفرق.
وفيه : مع الغضّ عن أنَّ نظر هذه الألسنة إلى قيود الواجب وما هو الوظيفة الشرعية بأسلوب بليغ أكيد ، أنَّها معارضة بمثل ما تقدّم عن القائل بالأعم من إطلاقات تشهد على العكس.
٣ ـ الاستشهاد بالطريقة العقلائية للمخترعين التي تقتضي بوضع الاسم للفرد الصحيح الواجد للأجزاء والشرائط المعتبرة فيه ولم يظهر انَّ الشارع قد حاد عنها فيما
__________________
(١) سورة العنكبوت آية : ٤٥
(٢) راجع وسائل الشيعة باب ١٢ من أبواب أعداد الفرائض
٢٠٨
شرعه من عبادات.
وفيه : ما تقدّم في بحث سابق من أنَّ مجرّد وجود طريقة عقلائية في هذا المجال لا يستوجب أكثر من احتمال أو ظنّ باتباع الشارع لنفس الطريقة ولا دليل على حجيّة هذا الاحتمال أو الظنّ ، إلا أن تبلغ مرتبة من الوضوح والارتكاز في أذهان الناس بحيث تخلع على الاستعمال الشرعي ظهوراً في إرادة الوضع للصحيح وعهدة إثبات مثل ذلك في المقام على مدعيه.
٤ ـ دعوى : تبادر خصوص الصحيح وانسباقه إلى الذهن عند إطلاق الاسم في مثل قولنا ( فلان صلَّى ) حيث يفهم منه أنَّه أدَّى الصلاة الصحيحة المبرئة لذمته لا الفاسدة.
وفيه : ان مأخذ التبادر المزعوم ليس هو اللفظ بل القرينة المعنوية العامة ، وهي معهودية التزام كلّ مكلّف بأداء ما هو وظيفته الشرعية بنحو مبرئ للذمة.
المختار في الصحيح والأعم
والتحقيق في الاستدلال على الوضع للصحيح أو الأعم أن نرجع إلى البحث المتقدّم في المسألة السابقة والمباني المذكورة هناك فنقول : تارة : نبني على ثبوت المعاني الشرعية لأسماء العبادات أو المعاملات كحقائق عرفية كانت دائرة بين الناس قبل مجيء الإسلام. وأخرى : نبني على ثبوتها لها كحقيقة شرعية تعينية. وثالثة : نبني على الحقيقة الشرعية التعيينية.
فعلى الأول ، لا معنى لتوهم الوضع بإزاء الصحيح خاصة : بل يتعيّن المصير إلى أنَّها كانت موضوعة لمعنى عام صالح للانطباق على ما اعتبره الإسلام فيها من أجزاء وقيود وعلى الثاني ، يترجّح الوضع للأعم أيضا ، لإمكان إحراز شرط الوضع التعيني ـ وهو كثرة الاستعمال ـ بالنسبة للأعم بخلاف الصحيح. بل قد لا يحرز أصل إطلاقه عليه ، لاحتمال كون الإطلاق في موارده باعتبار مصداقيته للأعم أيضا.
وعلى الثالث ، يشكل إحراز أيّ من الوضعين التعيينيين من قبل الشارع إلا انَّ أصل هذا المبنى كان بلا مأخذ في المسألة السابقة ، سيّما إذا لاحظنا أنَّ تداول الأسامي
٢٠٩
في استعمالات الشارع كان سابقاً على تبيان الأجزاء والشرائط والتي اقتضت المصلحة أن يتدرّج في بيانها ، فلو كان هناك وضع تعييني من قبل الشارع فالأرجح أنَّه كان في الأعم ، لأنَّ الوضع للصحيح بما هو صحيح غير محتمل ؛ ولواقع الأجزاء والشرائط التي هي مبهمة لم تعرف بعد لا يناسب غرض الوضع والوضع لما هو مبين فعلا يوجب تغير الوضع وهكذا يترجح القول بالوضع للأعم على جميع التقادير.
ثم إن هناك رأيا آخر في معاني هذه الأسماء تبناه الشيخ الأنصاري ( قده ) وتبعه فيه المحقق النائيني ( قده ) وهو انَّ الموضوع له في مثل لفظ الصلاة المرتبة العليا منها المتمثّلة في صلاة المختار الواجد لجميع القيود ، واستعمالها في المراتب الأخرى يكون بعناية تنزيل الفاقد منزلة الواجد مع العذر نعم لا بدَّ من فرض المرتبة العليا جامعة بين القصر والتمام لكونهما في عرض واحد.
وهذا إذا كان بقصد التخلّص من تصوير الجامع بلحاظ سائر المراتب فهو يواجه أيضا مشكلة تصوير الجامع بلحاظ الأنحاء المختلفة للصلاة الاختيارية لا من ناحية القصر والتمام فقط بل من ناحية كونها ثنائية تارة وثلاثية أخرى ورباعية ثالثة.
أسماء المعاملات
المقام الثاني : في أسماء المعاملات. والبحث عن وضعها للصحيح أو الأعم يقع في جهات أيضا.
تحرير صيغة النزاع في أسماء المعاملات
الجهة الأولى : في صيغة النزاع ، حيث يمكن أن يجعل النزاع في وضعها للصحيح أو الأعم بنظر الشرع ، كما يمكن أن يجعل النزاع في وضعها لذلك بنظر العقلاء وإن لم يكن صحيحاً عند الشرع ، حيث انَّ للعقلاء أيضا نظراً في صحة المعاملة وفسادها ، فلا بدَّ من تحديد المراد بالصحّة المبحوث عنها أهو الصحة عند العقلاء أو عند الشرع أيضا؟
وقد اختار السيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ أن المبحوث عنه هو الوضع للأعم أو الصحيح
٢١٠
بنظر العقلاء فقط ، إذ دعوى الوضع بإزاء الصحيح الشرعي يستوجب أن تكون أدلة الإمضاء من مثل ( أحلّ الله البيع ) لغواً حيث يرجع بحسب المفاد إلى قولنا البيع الصحيح صحيح ، وهي قضية بشرط المحمول (١).
وفيه : مضافاً إلى أنَّ غاية ما يلزم أن يكون البيع في شخص هذا الاستعمال أريد به الأعم ولو مجازاً بقرينة ورودها في مقام الإمضاء أن ما ذكر من المحذور انَّما يتّجه فيما إذا أريد بالوضع للصحيح عنوان الصحيح ، وهو لم يكن محتملاً في أسماء العبادات فضلاً عن أسماء المعاملات ، وإنَّما مدّعى الصحيحي هو الوضع بإزاء واقع الصحيح وهو المركب المشتمل على قيود تستوجب ترتّب الأثر المطلوب ، فيكون قوله تعالى ( أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ ) ) بمثابة ان يقول « أحلّ الله التمليك بعوض المقرون بالرضا والإنشاء بفعل الماضي والبلوغ مثلاً » ولا لغوية في ذلك كما هو واضح. وإن شئت قلت كما أن الصحة في المعاملة متقومة بالإمضاء كذلك الصحة في العبادة متقومة بالأمر فيكون أخذها في المسمَّى مستلزماً لتعلّق الأمر بالمأمور به وهو من القضية بشرط المحمول أيضا ، فالتفرقة بين المقامين في الإشكال المذكور لا نفهم له وجهاً. والجواب ما عرفت.
فالصحيح ، أنَّ النزاع يمكن أن يجعل في الوضع للصحيح عند العقلاء أو الوضع للصحيح عند الشارع الّذي هو أخصّ من الصحيح عند العقلاء.
تصوير النزاع في المعاملة بمعنى المسبب
الجهة الثانية : في جريان النزاع في أسماء المعاملات بمعنى المسببات.
ذكر المشهور : أنَّ النزاع في أسماء المعاملات مبنيّ على أن تكون اسماً للمعاملة بمعنى السبب ، لأنَّه الّذي يشتمل على أجزاء وشرائط ويترتّب عليه الأثر فيتصوّر فيه الصحة والفساد ، وأمَّا المعاملة بمعنى المسبب ـ كالملكية ـ فأمره دائر بين الوجود والعدم لا الصحة والفساد.
وعلّق عليه السيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ بأنَّ المسبب له معنيان :
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٣٠٤ ( مطبعة الآداب في النجف الأشرف )
٢١١
١ ـ الأثر الشرعي أو العقلائي الحاصل بالمعاملة كالملكية مثلاً :
٢ ـ الأثر المنشأ من قبل المتعاملين أنفسهما ، وهو اعتبار شخصي قائم بالمتعاملين يكون بمثابة موضوع للاعتبار العقلائي والشرعي.
والّذي لا يعقل فيه الصحة والفساد انَّما هو المعنى الأوّل من المسبب لا الثاني ، فانَّه قابل للاتّصاف بهما لاستتباعه ترتّب الأثر وعدمه.
ثمَّ أفاد بأن المعنى الأول للمسبب لا مجال لأن يتوهّم كونه الموضوع له ، لوضوح انَّه ليس فعلاً للمتعاملين بل فعل الشارع أو العقلاء وأسماء المعاملات تنسب إلى المتعاملين أنفسهما فيقال : باع واشترى ، ولا يصحّ أن يقال : باع الشارع أو اشترى العقلاء (١).
والصحيح ، ما ذهب إليه المشهور فانَّ المعاملة بمعنى المسبب يمكن أن يراد بها الأثر العقلائي أو الشرعي المترتّب خارجاً على السبب باعتباره النتيجة المتوخّاة من قبل المتعاملين ، ولو كان هناك اعتبار شخصي أيضا من قبلهما فذلك استطراق إلى حصول النتيجة القانونية. وبما أن هذه النتيجة من فعل المتعاملين بالتسبيب صح اسناد المعاملة إليهما فيكون المراد بالمسبب ما هو فعل المتعاملين بالتسبيب وهو فعلية المجعول العقلائي أو الشرعي وترتّبه خارجاً لا جعل الأثر بنحو القضية الحقيقية. وفعلية المجعول العقلائي يدور أمرها بين الوجود والعدم لا الصحة والفساد كما هو واضح.
ثمرة النزاع في أسماء المعاملات
الجهة الثالثة : في ثمرة النزاع لا إشكال في عدم انعقاد الإطلاق اللفظي في أدلة المعاملات بناء على القول بوضعها للصحيح كما هو الحال في أسماء العبادات بناء على وضعها للصحيحة ، إلا أنَّه على القول بالوضع للصحيح الشرعي لا ينعقد إطلاق لفظي أصلاً ، وعلى القول بالوضع للصحيح العقلائي ففيما يشك في اعتباره عند العقلاء فقط لا ما يحرز عدم اعتباره عندهم ويشك في اعتباره شرعاً.
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٣٠٤ ( مطبعة الآداب في النجف الأشرف )
٢١٢
ولكن قد يعوّض عن الإطلاق اللفظي بدلالة أخرى ينفي بها احتمال اعتبار القيد المشكوك ويمكن تقريبها بأحد نحوين :
١ ـ التمسّك بدلالة الاقتضاء في دليل إمضاء المعاملة ، إذ لو لم يكن الإمضاء مطلقاً لزم لغوية الخطاب عرفاً.
وفيه : انَّ الإطلاق بملاك صون الكلام عن اللغوية موقوف على عدم وجود قدر متيقّن الصحة لمفاد الدليل ؛ كما هو كذلك بالنسبة إلى المعاملة الواجدة لتمام ما يحتمل دخله في صحتها شرعاً.
٢ ـ التمسّك بالإطلاق مقامي يقوم على أساس ظهور حال الشارع عند تصدّيه لإمضاء معاملة دائرة بين العقلاء في الإحالة على العرف العقلائي بالنسبة إلى ما سكت عنه.
وهذا التقريب وإن كان أحسن حالاً من سابقه ، لكنَّه موقوف على إحراز تصدّى المولى لبيان تمام مرامه بشخص ذلك الخطاب لا بمجموع خطاباته كما هو طريقته في الردع. واما استكشاف الإمضاء الشرعي من عدم وصول الرادع مع الحاجة إليه فهو اعتماد على دليل لبّي ليس فيه امتيازات الدليل اللفظي كما هو واضح.
عدم ترتّب الثمرة في المعاملة بمعنى المسبب
الجهة الرابعة : جاء في كلمات جملة من الأعلام ـ منهم المحقق النائيني ( قده ) ـ أنه بناء على وضع الاسم للمعاملة بمعنى المسبب لا يمكن التمسّك بالإطلاق الدليل اللفظي على كلّ حال ، لأنَّ إمضاء المسبب لا يقتضي إمضاء كافة ما جعل سبباً له بل يكفي إمضاء سبب من أسبابه.
وقد اعترض عليه السيد الأستاذ ـ دام ظلّه ـ : بأنَّ المسبب كالسبب منحل خارجاً بعدد الأسباب ، سواءً أريد به الحكم العقلائي ، أو الاعتبار الشخصي ، أو المنشأ للمتعاملين لوضوح الخلال الأحكام العقلائية بعدد الأسباب وان المتعاملين في كلّ معاملة وإنشاء لهم اعتبار ومنشأ غير ما لهم في الإنشاء الآخر ، فليس هناك مسبب خارجي واحد له أسباب عديدة كي يقال : بعدم دلالة إمضائه على إمضاء كافة
٢١٣
أسبابه (١).
ولكنَّك عرفت : أن المعاملة بمعنى المسبب ليس هو المنشأ أو الاعتبار الشخصي القائم في نفس المتعاملين ، بل النتيجة القانونية المتحصّلة بالمعاملة خارجاً. وإمضاء الشارع للمسبب بهذا المعنى لا يعني افتراض نظره إلى الأحكام العقلائية ـ جعلاً أو مجعولاً ـ المقررة من قبل لإمضائها ، بل إمضاء المسبب عند الشرع والعقلاء معاً بمعنى إعطاء الناس الفرصة على إيجاده في قبال المنع عنه ، كما هو المستفاد من مثل قوله تعالى « ( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) » (٢).
وعلى هذا الأساس يتّضح وجه عدم الإطلاق اللفظي في أدلة الإمضاء لأنَّ الترخيص وإعطاء الفرصة لإيجاد مسبب ـ كالتمليك بعوض مثلاً ـ لا يقتضي الترخيص في إيجاده عن أيّ طريق وسبب ، وهذا مطلب عرفي مقبول قبل أن يكون تحليلاً عقليّاً ونظيره ما يدلّ على الترخيص في ذي المقدمة الّذي له مقدمات عديدة على سبيل البدل فانَّ دليل الترخيص هذا ليس له إطلاق يقتضي الترخيص في جميع تلك المقدمات البدلية.
وضع أسماء المعاملات للسبب أو المسبب
الجهة الخامسة : في اختيار وضع أسماء المعاملات للأسباب أو المسبّبات ولا بدَّ مسبقاً من توضيح ما يشتمل عليه كلّ من السبب والمسبّب. أمَّا السبب فيتكوّن من ثلاثة عناصر :
١ ـ الإنشاء المتمثل في اللفظ أو ما يقوم مقامه.
٢ ـ المدلول التصديقي للإنشاء ، وهو الالتزام الشخصي بمضمونه في أفق النّفس فلو لم يكن جاداً في إنشائه لم يتحقّق السبب.
٣ ـ قصد التسبب بذلك الالتزام إلى المسبب القانوني العقلائي أو الشرعي
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١٩٩ ـ ٢٠٢ ( مطبعة الآداب في النجف الأشرف )
(٢) سورة البقرة آية ٢٧٥
٢١٤
فلو لم يكن قاصداً للتسبب. لا تتحقّق المعاملة.
وأمَّا المسبب ، فهو الأثر والنتيجة القانونية المترتّبة خارجاً على إنشاء المعاملة ـ كما تقدّم ـ وهو تارة : يكون قانوناً شرعيّا. وطوراً : يكون قانوناً عقلائيّاً. وثالثة : يكون قانوناً شخصيّا يتّفق عليه المتعاملان خاصة.
وعلى هذا الأساس يتبيّن : أنَّه لا تقابل بين المعاملة بمعنى السبب والمعاملة بمعنى المسبب بل يمكن جعلهما فردين من مفهوم واحد ، فالبيع مثلاً اسم للتمليك بعوض ، والبائع عند إنشائه يكون قد أوجد التمليك خارجاً حقيقة بنفس اعتباره وإنشائه ، فكل من اعتباره وما تسبب إليه فرد من التمليك إلا أنَّ أحدهما التزام شخصي مباشر والآخر التزام قانوني تسبيبي والدليل عليه صحّة إطلاق الاسم عرفاً على كلّ منهما بلا عناية.
بل لا يبعد دعوى أنَّه بحسب النّظر العرفي المسامحي لا يوجد شيئان بل شيء واحد هو ما يوجده المتعاملان من التمليك بعوض ، ويكون تحليل العملية إلى إنشاء معاملي ونتيجة قانونية منشأة به نظير تحليل الموجود الخارجي إلى إيجاد ووجود أمراً دقيقاً.
فالحاصل : انَّ النّظر العرفي المسامحي يرى انَّ الملكية القانونية عبارة عن تطوير للتمليك الشخصي والنسبة بينهما نسبة البذرة إلى الشجرة.
وحيث ثبت صحة إطلاق أسماء المعاملات على المعاملة بمعنى السبب كان النزاع حول وضعها بخصوص الصحيح منها أو الأعم متجهاً.
الرّأي المختار في أسماء المعاملات
الجهة السادسة : في اختيار وضع أسماء المعاملات للصحيح أو الأعم والظاهر أنَّه لا ينبغي الشك في عدم وضعها لخصوص المعاملة الصحيحة بنظر الشرع ، كيف وهذه الأسماء كانت دارجة بين الناس قبل مجيء الشريعة وما أوجبته من قيود وشرائط. كما أنَّ مخالفة الشرع مع العرف في بعض شرائط صحة المعاملة لا تعني مخالفته معه في مدلول الاسم ، وهذا واضح بل يمكن أن يقرر هذا المعنى كدليل تعبّدي على عدم وضع الاسم للصحيح الشرعي بالبيان المتقدّم في بحث الحقيقة الشرعية ، حيث يدّعى ظهور الاستعمالات الشرعية عرفاً في أن الشارع أيضا يستعملها في نفس المعاني المعهودة لها
٢١٥
عند الناس بوصفه أحد هم وسائراً على طريقتهم في مجال المحاورة.
وأمَّا الصحة بنظر العقلاء ، فالظاهر عدم أخذها في مدلول الأسماء أيضا. أمَّا مفهوم الصحة فواضح ، وامَّا واقع الصحيح فلأنَّ أخذ كلّ ما يعتبر في الصحة من القيود يستلزم تأرجح معاني هذه الأسماء وتغيرها من وقت إلى آخر أو من بلد إلى بلد ، ومثل هذا ممَّا يجزم بعدمه. فالصحيح هو الوضع للأعم بعد أخذ ما يحفظ صورة المعاملة وعنوانها ، فانَّ ذلك لا بدَّ من افتراضه مقوماً للمسمَّى. ومنه أصل الإنشاء والمعنى المنشأ به ، فانَّه من دونهما لا يصدق الاسم جزماً.
٢١٦
مباحث الدليل اللفظي


البحوث اللفظية التحليلية
تمهيد
دور علم الأصول في البحوث اللفظية
والمنهج العام للبحث فيها
الحروف والهيئات
٢١٧

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 4   الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:15 am

تمهيد
لا شك في انَّ تعيين مدلول كلّ كلمة ـ سواءً كانت اسماً أو فعلاً أو حرفاً أو هيئة ـ من شأن علوم اللغة والبحوث اللغوية بمعناه العام الّذي يتناول الصرف والنحو أيضا.
ووظيفة الممارسين لعلوم اللغة تحديد المدلول لكلّ كلمة أو هيئة بالقدر الّذي يتيح للمستعمل أن يميّز مدلول كلّ كلمة عن مدلول الأخرى في الحدود التي تتصل بأغراضه في مقام الاستعمال ، وامَّا البحث في كنه ذلك المدلول وحقيقته فليس من وظيفة علوم اللغة وإذا أردنا مثالاً لهذا الموقف أمكن تنظيره بقاموس يوضع لشرح مصطلحات الأدوات والمواضعات التي يباشرها أو يحتاجها العامل الممارس للكهرباء ، فانَّ القاموس وظيفته أن يشرح له معنى السالب والموجب مثلاً وليس من وظيفته أن يشرح له حقيقة السالب والموجب ، وامَّا البحث في كنه المدلول وحقيقته فهو في ذمة غير علوم اللغة من العلوم الطبيعة والفلسفية والمنطقية. والتوضيح كما يلي : حينما نطرح قضية البياض في الجسم تارة « نتساءل ما هو لون البياض كما يتساءل الغريب عن اللغة العربية ، فيقال له أنَّه هذا اللون المعهود في العاج مثلاً ، وهذا وظيفة اللغوي. وثانية : نتساءل عن المصداق الخارجي لمفهوم هذا الكلام ، أي مدلوله
٢١٩
بالعرض بالقدر الّذي يبحث فيه عن بياض الجسم كظاهرة طبيعية نريد أن نفسرها ونربطها بسائر الظواهر ، وهذا وظيفة العلوم الطبيعية. وثالثة : نتساءل عن المصداق الخارجي ، أي المدلول بالعرض ، ونريد أن نبحث عن كنهه وما هي حقيقة البياض وحقيقة الجسم وهل هما موجودان بوجود واحد أو بوجودين؟ وهذا بحث يدخل في ذمة الفلسفة الطبيعية التي استغنت عنها العلوم الطبيعية الحديثة. ورابعة : نتساءل عن ماهية البياض بما هي بقطع النّظر عن وجودها الخارجي ونبحث عن تعريفها المنطقي وتحليلها إلى أجزائها الذاتيّة من جنس وفصل ، ككون البياض كيفاً مبصراً ، وهذا بحث فلسفي من ذلك النوع وتطبيق لنظرية الحد والرسم من المنطق الصوري. وخامسة : نتساءل عن كنه المدلول بالذات للكلام بما هو مدلول بالذات له وحاك عن الخارج ، أي عن تحليله من زاوية بنائه الذهني. وكيف بنيت عناصره على نحو صار صالحاً للحكاية عن الخارج ومتطابقاً مع أجزاء الكلام ، فنحن هنا لا نطلب الحصول على التصور المناسب لمدلول الكلمة لكي نطلب ذلك من اللغة ، لوضوح انَّ الصورة الذهنية المناسبة لقولنا ( البياض في الجسم ) موجودة في ذهننا فعلاً بوصفنا من العارفين باللغة العربية ، ولا نطلب أي حقيقة خارجية عن البياض والجسم لنرجع إلى العلوم الطبيعية أو الفلسفة الطبيعيّة ، ولا نريد أن ندرس كنه الوجود الذهني لهذه الصورة التي أثارها هذا الكلام في نفسنا وتشخيص ماهيّتها في نفسها لترجع إلى الفلسفة الإلهية بالمعنى الأعم ، ولا نريد أن نعرف ماهيّة من الماهيات حسب نظرية الحدّ والرسم في المنطق الصوري. وانَّما نريد أن نعرف عناصر هذه الصورة الذهنية وتركيبها بالقدر الّذي يتيح لنا تفسيرها بما هي متطابقة مع الكلام تطابق المدلول مع داله. ومع الخارج تطابق المدلول بالذات للمدلول بالعرض على النحو الّذي يجعله صالحاً للحكاية عنه والانطباق عليه ، فمثلاً هل الصورة الذهنية الموجودة في ذهننا فعلاً عند سماع جملة البياض في الجسم مكونة من عنصرين أو من ثلاث عناصر؟ وحينما نشكل جملتين إحداهما تامّة والأخرى ناقصة وهي متطابقة في عنصري البياض والجسم معاً فنقول ( بياض الجسم ) و ( ابيضَّ الجسم ) فما هو العنصر الّذي تتميّز به إحدى الصورتين الذهنيّتين عن الأخرى فجعل هذه تامّة وتلك ناقصة؟ ويمكن أن نطلق على ذلك انَّه
٢٢٠
البحث في فلسفة اللغة لأنَّه بحث تحليلي في مدلول اللغة بما هو مدلول بينما الفلسفة الاعتيادية تبحث في تحليل الشيء بما هو لا بما هو مدلول. ويدخل في هذا النطاق بحث الحروف والهيئات.
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقسم البحث في مدلول اللفظ إلى قسمين :
الأول : بحث لغوي اكتشافي ـ تحديدي ـ وهو البحث عن تعيين مدلول اللفظ بغية أن يصبح ذهننا قادراً على الانتقال إلى الصورة الذهنية المناسبة عند سماع اللفظ. وهذا بحث يغير من واقع ما يجري في الذهن ، فالأجنبي عن اللغة العربية بعد أن يتعلّم هذه اللغة تحصل في ذهنه عند سماع قولنا ( البياض في الجسم ) صورة لم تكن تحصل قبل ذلك.
الثاني : بحث فلسفي تحليلي لمدلول اللفظ بما هو مدلول ، أي للصورة الذهنية بهذه الحيثية. وهذا بحث لا أثر له على واقع ما يجري في الذهن ولا يوصل إلى صورة جديدة بسبب سماع الكلام ، لأنَّ الفهم اللغوي له مكتمل سابقاً وانَّما هو مجرّد تحليل.
وقد لاحظ علماء الأصول : أن في كلّ من هذين البحثين قصوراً على مستوى الممارسات العملية له. أمَّا البحث الأول ، فهو وإن كان من وظيفة علماء اللغة إلا انَّ جملة ممَّا يدخل في هذا المجال لم تف بحوثهم بتوضيحه إمَّا لغفلتهم عنه بسبب عدم صلته بالأغراض العملية المحدودة التي تستهدفها علوم اللغة ، وهي أغراض لا تزيد على حاجة الإنسان العرفي في مقام التعبير عادة من قبيل دلالة صيغة الأمر على الوجوب إثباتاً ونفياً ، إذ اكتفي اللغويّون ببيان دلالتها على الطلب دون توضيح خصوصيّات الطلب. وإمَّا لأنَّ المسألة ليست مرتبطة بمجرّد نقل موارد الاستعمال عند العرب وانَّما هي بحاجة إلى عناية واجتهاد ، كالبحث عن دخول الزمان في مدلول الفعل أو شمول المشتق لما انقضى عنه المبدأ.
وأمَّا البحث الثاني ، فلم تكن له أيّ ممارسة جادة قديماً حيث كانت الفلسفة وقتئذٍ متّجهة إلى تحليل حقائق الأشياء الذهنية والخارجية بما هي أشياء لا بما هي مدلولات للكلام ولما أحسّ الأصوليّون بهذا النقص كان هذا الإحساس سبباً تدريجيّاً لمحاولات تنامت على مرّ الزمن لسدّ هذا النقص وملأ شيء من هذا الفراغ.
٢٢١
ومن أجل ذلك دخلت في علم الأصول أبحاث من قبيل دلالة صيغة الأمر والنهي على الوجوب والحرمة ، ودلالة أداة الشرط على المفهوم ؛ وهذا ما يدخل في القسم الأول. وأبحاث من قبيل تحليل المعاني الحرفية ومداليل الهيئات في الجمل الناقصة والتامّة والخبريّة والإنشائيّة ، وهذا ما يدخل في القسم الثاني.
ولما لم يكن علم الأصول علماً لغويّاً أو فلسفيّاً بطبيعته ، بل هو علم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ، كان حريّاً به أن لا يتناول بصورة أساسية من تلك الأبحاث إلا ما يشكّل عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط على نحو ينطبق عليه الميزان المتقدّم للمسألة الأصولية. وهذا ما كان بالنسبة إلى ما يندرج من البحوث الأصولية في القسم الأول وما يندرج منها في القسم الثاني.
امَّا بالنسبة إلى القسم الأول ، فقد ميّز الأصوليّون بين الدلالة اللغوية الصالحة لأن تكون عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط فبحثوها في علم الأصول ، كدلالة الأمر على الوجوب ، وأداة الشرط على المفهوم ، وهيئة اسم الفاعل على الأعم ، بالرغم من أنَّ بعضهم ذكر بعض هذه الأبحاث في المقدّمات والمبادئ ، لأنَّ عدم الرؤية الفنيّة الواضحة لميزان المسألة الأصولية كان يوجب باستمرار التشويش في الجانب التصنيفي والتنسيقي للمسائل ، بينما الشعور الأصولي الفطري كان هو الموجّه الأساسي لذكر ما ينبغي أن يذكر.
وتركت ـ على هذا الأساس ـ أبحاث لغويّة لم تف اللغة بحقّها على الرغم من دخلها في الاستنباط أحياناً ، وذلك لعدم كونها عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط ، فتحمل مسئوليتها الفقه في الموارد التي يكون لها دخل في استنباط الحكم فيها ، كتفسير كلمة ( الصعيد ) أو ( الكعب ) أو ( الريبة ) ونحو ذلك.
وأمَّا بالنسبة إلى القسم الثاني ، فنجد أن المصبّ الرئيسي للبحث أصولياً متّجه إلى تمييز المعاني الاستقلالية عن المعاني الربطية والآلية ، وتوضيح خصائص كلّ منهما بما في ذلك قابلية المعنى الاستقلالي للحاظ والتوجّه المؤدّي إلى صلاحيته للإطلاق والتقييد وعدم قابلية المعنى الربطي والآلي لذلك المؤدّي إلى عدم صلاحيته للإطلاق والتقييد. وقد أدّت المسالك المختلفة تجاه المعنى الحرفي وآليته وربطيته إلى مواقف مختلفة
٢٢٢
في عدّة مسائل منها ـ إمكان إرجاع القيد إلى الهيئة في الواجب المشروط ، وبذلك كان هذا البحث التحليلي في مدلول اللغة يشكّل ـ إثباتاً ونفياً ـ عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط. وسيأتي ـ تفصيل الكلام عن ذلك في موضعه المناسب.
وفي ضوء ذلك نعرف : أن البحوث الأصولية في دلالات الألفاظ تنقسم إلى قسمين : أحدهما : بحوث تحليلية. والآخر : بحوث لغوية تحديدية. غير أنَّ المزيد من التعميق والتدبّر في هذه البحوث اللغوية وتقييمها يكشف على ما سيأتي إن شاء الله تعالى : ان جلّ البحث فيها تفسيري وليس لغويّاً.
وبهذا يظهر فارق جوهري بين دور الأصولي في بحث تلك المسائل ودور علوم اللغة. ولنضرب مثالاً لتوضيح الفكرة ، وذلك بالبحث عن دلالة صيغة الأمر على الوجوب ، فانَّ هذه المسألة وإن طرحت في علم الأصول في البداية وكأنَّ المطلوب حقيقة التفهم على مدلول الصيغة والتوصّل إلى ما يفهمه العرف منها ، ولكنَّها بالتدريج لم تعد كذلك ، وأصبح من المتسالم عليه انَّها تدلّ على الوجوب ، وإنَّما البحث في تفسير هذه الدلالة. فهل هي دلالة بالوضع ، أو بالإطلاق ومقدمات الحكمة ، أو بحكم العقل والعقلاء؟ وهو بحث تفسيري تترتّب عليه ثمرات في الفقه ، لأنَّ التعامل مع الدلالة في مورد التعارض والتقديم والتخصيص ونحو ذلك يختلف باختلاف نوع الدلالة وبهذا اكتسب البحث الأصولي عمقاً واحتاج إلى أساليب دقيقة في مقام إثبات المطلوب في هذه المسائل ، بينما لا يحتاج تشخيص المدلول العرفي النهائيّ على إجماله إلى بحث معمّق على هذا المستوى لأن المعتمد فيه بصورة رئيسية هو الانسباق والفهم العرفي العام.
وعلى هذا الأساس ، نستطيع أن نصنّف الاتجاه في الأبحاث اللغوية الأصولية إلى اتجاهين :
الأول : اتجاه تفسيري ، وهو ما شرحناه. ومنهج هذا الاتجاه ان تجمع في البداية كلّ الدلالات العرفية المتّصلة باللفظ المبحوث عنه وبعد التأكد من عرفيتها وسلامتها يبحث عن تفسيرها ، ويكون التفسير ناجحاً بالقدر الّذي يستطيع أن يقدّم نظرية لتفسير تلك الدلالات جميعاً دون أن يلزم نقض أو تنثلم دلالة ، وهذا نهج علمي يشبه النهج العلمي الّذي يمارسه العالم الطبيعي في تفسير ظاهرة طبيعية بكلّ آثارها
٢٢٣
وشئونها ، وهو يختلف بصورة أساسية عن نهج علوم اللغة. وهذا هو النهج الّذي ستجد ممارسته في الأبحاث المقبلة إن شاء الله تعالى.
الثاني : اتّجاه اكتشافي ، وهو الاتجاه إلى معرفة المدلول العرفي للكلمة أو الكلام الّذي يعالج دفع شك حقيقي في انَّ اللفظ هل يدلّ على المعنى الفلاني أو لا ، وهو اتجاه يتّفق في روحه العامة مع الاتجاه اللغوي. وفي هذا المجال توجد وسيلتان رئيسيّتان بغض النّظر عن الوسائل المستمدة من علوم اللغة.
إحداهما : الانسباق والتبادر ، وهي وسيلة تدلّ على الوضع كما تقدّم والتبادر قد يكون تبادراً لنفس المعنى الموضوع للفظ ، كما إذا تبادر خصوص المتلبّس بالمبدإ من اللفظ المشتق ، وأخرى يكون لملازمات المعنى التي يستكشف منها المعنى ، كما إذا تبادر التضاد فيما بين المشتقات الدال على وضعها لخصوص المتلبس لا محالة.
لا يقال : كيف يمكن التفكيك بين الانسباقين بحيث يفترض في المثال عدم تبادر خصوص المتلبس الّذي هو المعنى الموضوع له ولكن تتبادر خصوصية التضاد الملازمة مع كون المعنى خصوص المتلبس ، فان تبادر اللازم يساوق دائماً تبادر الملزوم ومعه لا حاجة إلى تبادر اللازم.
فانَّه يقال : يمكن ذلك فيما إذا فرض رجوع المستعلم إلى تبادر أهل العرف للازم فانَّه قد يفترض انَّ ارتكازهم للتضاد مثلاً بين المشتقات أوضح وأبين من تبادر هم أصل المعنى.
أضف هذا إلى أنَّه بناء على ما هو الصحيح في تفسير الوضع من كونه عبارة عن الأشراط بين اللفظ والمعنى تصوراً من المعقول أن يكون بعض جهات المعنى الموضوع له أو ملازماته أشدّ التصاقاً وإشراطاً باللفظ من المعنى بحدّه وحاقه.
والأخرى ـ البرهان ، ويكون وسيلة لتشخيص المعنى الموضوع له في أحد مجالين :
١ ـ في نفي أحد المعنيين أو المعاني المحتملة في اللفظ ، فيكون وسيلة سلبية على المعنى. وقد استعمل علماء الأصول هذه الوسيلة في بحث الصحيح والأعم حيث حاول بعضهم نفي احتمال الوضع للصحيح بإقامة البرهان على استحالة وجود معنى جامع بين الأفراد الصحيحة بالخصوص.
٢٢٤
٢ ـ في التطبيق. وهذا ما يحصل عادة حين يبحث عن تطبيق كبرى مقدمات الحكمة على مورد فيقال : انَّ الجملة الشرطية مثلاً هل يتصوّر فيها إطلاق يدلّ على الانتفاء عند الانتفاء أو لا ، فانَّ هذا بحث تطبيقي لأنَّ كبرى مقدمات الحكمة مفروغ عنها على نحو لا يحتمل التخصيص فيها وإنَّما الكلام في تشخيص صغراها.
فإن قيل : أي معنى للبرهنة على أنَّ اللفظ يدلّ على المعنى الفلاني فانَّ الانسباق أمر وجداني أو قريب من الوجدان دائماً ، فمع وجوده لا شك في الدلالة ومع عدمه كيف يمكن إثبات الدلالة ببرهان.
قلنا : أمَّا في المجال الأول ، فقد عرفت أنَّ البرهان لا يكون وسيلة على إثبات المعنى ابتداءً بل وسيلة سلبية على نفي أن يكون أحد المحتملين أو المحتملات معنى للفظ لعدم كونه مفهوماً متقرراً واحداً في نفسه ، وهذا من شأن البرهان إثباته أو نفيه.
وأمَّا في المجال الثاني ، فلأن كبرى دلالة قد يفرغ عنها ، كدلالة مقدمات الحكمة على نحو لا يحتمل التخصيص في اقتضائها وانَّما يكتنف الغموض صغراها ؛ فقد لا يكون الانطباق واضحاً حتى عرفاً ولكن على نحو بحيث لو بيّن الانطباق لأحسّ العرف بالدلالة تطبيقاً لمقدمات الحكمة. ولكن مع هذا قد يتوهّم : ان خفاء الدلالة على العرف لا بدَّ أن يكشف عن خلل في نظر هم في انطباق تلك الكبرى على المورد ومعه يكون نظرهم متبعاً.
إلا أنَّ الصحيح انَّ الأمر ليس كذلك دائماً بل يختلف ، فقد يكون على هذا النحو ، كما في خفاء استفادة الوجوب من صيغة الأمر بالإطلاق بتقريب : انَّ الوجوب هو الطلب المطلق والاستحباب هو الطلب المقيّد لأنَّه فرد ضعيف من الطلب والفرد الضعيف يرجع إلى المقيد بحدّ عدمي. لوضوح انَّ هذه القيدية ليست عرفية ومقدمات الحكمة انَّما تنفي القيد العرفي. وقد لا يكون على هذا النحو ، كما في خفاء استفادة المفهوم من الشرط بلحاظ افتراض علة أخرى يساوق عدم كون الشرط دخيلاً بعنوانه وهو خلاف ظاهر اللفظ ، فانَّ هذا التقريب لو تمّ لا يضرّ به خفاء النتيجة المستخلصة منه فعلاً لأنَّ هذا الخفاء مرجعه إلى عدم إدراك العرف للتلازم بين هذه النتيجة وما يفهمه من اللفظ فعلاً من دخل الشرط بعنوانه فإذا أمكن إثبات هذا التلازم ولو بالبرهان تمّ المطلوب.
٢٢٥
ثمَّ إنَّ الاتجاه التفسيري يصبح في عدد من الحالات كافياً لاكتشاف المطلب وإثباته ، وذلك انَّ الاتجاه الاكتشافي ـ كما عرفت ـ يعالج دفع شك حقيقي في انَّ اللفظ هل يدلّ على المعنى الفلاني أو لا يدلّ بينما الاتجاه التفسيري يعني انَّ الدلالة مفروغ عنها وانَّما نريد أن نفسرها. ولكن الشك الحقيقي في دلالة لفظ على معنى ـ كدلالة الجملة الشرطية على المفهوم ـ على نوعين :
أحدهما : أن يكون شكّا حقيقياً غير ناشئ من شبهة. والآخر : أن يكون شكّا حقيقياً ناشئاً من شبهة معيّنة ، وهي وجود وجدانات عرفية متعددة لا يتمكن الملاحظ من تفسيرها جميعاً فيتبلبل ويشكك ، كما إذا كان يحسّ بوجدانه من ناحية بمفهوم الشرط ويحسّ بوجدانه من ناحية أخرى أيضا بأنَّ استعمال الشرطية في موارد عدم المفهوم ليس مجازاً ، فيقول الملاحظ لو كانت الشرطية موضوعة لإفادة العليّة الانحصارية الموجبة للمفهوم فكيف لا يلزم التجوّز؟ ولو لم تكن الشرطية مجازاً في مورد عدم المفهوم فكيف نفسّر دلالتها على المفهوم؟ وهذا العجز عن وضع تفسير نظري لكلّ الوجدانات يصير في كثير من الأحيان باعثاً على الشك ، وهذا نسمّيه بالشك الناشئ من شبهة ، وفي مثل ذلك يكون للاتجاه التفسيري دور مهم في الإثبات وإزالة هذا الشك فيما إذا أمكن له أن يجمع كلّ الوجدانات العرفية المتعلقة بالقضية المطروحة للبحث ويضع نظرية لتفسيرها جميعاً على نحو يحسّ الإنسان العرفي بعد ذلك بالاطمئنان إلى وجداناته ويزول منه الشك فالاتجاه التفسيري كما قد يكون تفسيريّاً لغرض ترتيب آثار هذه الخصوصية أو تلك كذلك قد يكون لغرض الإقناع وإزالة شك حقيقي ، وذلك بممارسة المنهجة العلمية التي شرحناها. وستأتي في البحوث المقبلة تطبيقات لهذه المنهجة العلمية وكيفية استخدام الاتجاه التفسيري في هذا المجال هذه هي المنهجة العامة لعلم الأصول في القسمين السابقين من البحوث.
وبعد أن تحدّد دور علم الأصول في بحوث هذين القسمين والفوارق الجوهرية بينهما والمنهج العام للبحث في كلّ منهما ، نستعرض فيما يلي قسم البحوث التحليلية أولا ثمَّ قسم البحوث اللغوية ثانياً.
٢٢٦

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
بحوث في علم الاصول 4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الثالث عشرالمكتبة الاسلامية الثقافية-
انتقل الى: