{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 بحوث في علم الاصول 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: بحوث في علم الاصول 2   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:27 am

الفصل الخامس
اشتراك علاقتين في طرف


إذا افترضنا علاقتين وضعيتين ، فقد تكونان متباينتين لفظا ومعنى ، وهذا لا كلام فيه. وقد تكونان مشتركتين في لفظ واحد بأن يكون لفظ واحد موضوعا لمعنيين ، أو في معنى واحد بأن يكون لفظان موضعين لمعنى واحد ، وتسمى الحالة الأولى بالاشتراك والحالة الثانية بالترادف.
والكلام هنا يقع في ثلاث جهات :
الأولى : في الضرورة اللغوية للاشتراك. وهذا البحث يختص في كلامهم بالاشتراك بالمعنى المقابل للترادف ، إذ لم يتوهم كون الترادف ضروريا. وسيأتي إمكان دعوى كونهما معا ضروريين بمعنى من المعاني.
الثانية : في منافاته الحكمة الوضع. وهذا البحث يختص أيضا بالاشتراك ولا يشمل الترادف ، لعدم توهم منافاته للحكمة المذكورة.
الثالثة : في إمكانه النظريّ ذات. وهذا بحث يشمل الاشتراك والترادف معا ، إذ يتوهم عدم الإمكان النظريّ في ذاك تارة وفي هذا أخرى.
مدى الحاجة إلى الاشتراك
أما الحديث في الجهة الأولى ، فقد يدعى ضرورة الاشتراك ببرهان كثرة المعاني وعدم تناهيها مع كون الألفاظ محدودة ومتناهية فلو فرض اختصاص كل لفظ بمعنى واحد لزم تطابق المتناهي مع اللامتناهي وهو محال.
١١١
والتحقيق : انه إذا أريد بضرورة الاشتراك ما يعم الاشتراك الناتج من الوضع العام والموضوع له الخاصّ ، نظرا إلى أنه يؤدي إلى كون اللفظ الواحد مشتركا بين معنيين أو معان ولو بوضع واحد ، فالصحيح هو ان الاشتراك بهذا المعنى ضروري ، إذ بدونه لا بد أن نفترض لكل ربط ونسبة لفظا دالا عليه ولما كان كل ربط مغايرا ذاتا وماهية لأي ربط آخر ولا جامع بين الربطين ولو كان طرفا الربطين فردين من جامع واحد ـ على ما يأتي في المعاني الحرفية ـ فهناك إذن أنحاء من الربط غير متناهية لعدم تناهي الأفراد والجزئيات ، ولا يتوفر من الألفاظ ما يوازيها عددا ليكون لكل معنى لفظ يختص به.
وإن أريد بضرورة الاشتراك ضرورة تعدد وضع لفظ واحد لمعنيين أو أكثر من أجل عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ ـ كما هو المقصود بالاشتراك عند إطلاقه عادة ـ فيرد عليه :
أولا : ان جعل لفظ يدل على كل معنى من المعاني الاسمية أو الحرفية لا ينحصر طريقه بالاشتراك بهذا المعنى المساوق لتعدد الوضع بعدد الدلالات الوضعيّة ، بل يمكن أن يحصل عن طريق الوضع العام والموضوع له الخاصّ فالاشتراك بالمعنى المساوق لتعدد الوضع غير ضروري ولو سلمنا عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ.
وثانيا : ان الحاجة إلى الاستعمال في حياة الإنسان لا يمكن أن تتعلق إلا بمقدار محدد من تلك المعاني غير المتناهية لأنها فرع تصور الإنسان للمعنى لوضوح ان ما لا يتصور فعلا لا يحتاج إلى استعمال اللفظ فيه. فالأوضاع إذن لا يمكن أن تزيد عن المجموع الكلي للمعاني التي تصورها الإنسان في حياته ، وحيث ان هذا المجموع محدود ومتناه فلا يتطلب إلا أوضاعا متناهية وبالتالي ألفاظا متناهية. ولا فرق في ذلك بين أن يقال ان الواضع هو نفس المستعمل أو هو الله سبحانه وتعالى ، فان الّذي يدعو إلى الوضع دائما إنما هو حاجة المستعمل والحاجة إلى الاستعمال في معنى فرع تصوره ، ولما كان التصور محدودا كان الوضع محدودا لا محالة.
وثالثا : ان الاشتراك إذا كان قد وقع ضرورة بسبب زيادة المعاني على الألفاظ لكان من الطبيعي ان لا نجد لفظا مهملا مع ان الألفاظ المهملة في اللغة كثيرة
١١٢
وقد لا تقل عن عدد الألفاظ المشتركة ، وهذا يعني ان الاشتراك لم يحصل نتيجة استيفاء الألفاظ وزيادة المعاني عليها لعدم تناهيها ، فمثلا جل الكلمات اللغوية في سائر اللغات تعتبر مهملة في اللغة العربية فكيف يصح أن نفسر الاشتراك فيها على أساس الضرورة المذكورة.
ورابعا : ان تفهيم المعنى الكلي لا يتوقف دائما على أن يوضع له لفظ خاص لكي يدل عليه بالخصوص ، بل قد يحصل تفهيمية على نحو تعدد الدال والمدلول أو بنحو الإشارية ـ كما في تفهيم الجزئيات ـ فإذا أردت أن تفهم معنى « البغل » فقد لا تستعمل كلمة « البغل » بل تقول الكائن المتولد من حصان وحمار ، وبذلك تحصل نتيجة الوضع بدون التزام بأوضاع متعددة بعدد المعاني ليتوهم ضرورة الاشتراك. بل قد يحصل تفهيم جملة من المعاني بلا استعانة بدلالة وضعية أصلا ، كما في موارد الإطلاق الإيجادي والإحضار الحسي للمعنى ، كما في قولك زيد اسم ـ على ما يأتي من أن الإطلاق الإيجادي لا يتوقف على الوضع أصلا ـ.
هذا ، وأما إذا قطع النّظر عن هذه الاعتراضات ، فلا يمكن الاعتراض تارة : بأن المعاني الكلية متناهية فلا تزيد على عدد الألفاظ والوضع إنما يكون للمعاني الكلية (١) وأخرى : بأن التركيبات اللفظية غير متناهية فلا تقل عن عدد المعاني (٢) وثالثة : بأنه يمكن التعويض عن الاشتراك بالاستعمال المجازي (٣).
أما الأول ، فلأنه يرد عليه : أنا لو أدخلنا في الحساب المعاني الاعتبارية فلا برهان على تناهي المعاني الكلية ، بل البرهان على الخلاف ، إذ المعاني منها ما يكون بسيطا كمفهوم الوجود والعدم ، ومنها ما يكون مركبا حقيقيا كمفهوم الإنسان ، ومنها ما يكون مركبا اعتباريا كمفهوم الدار والمدينة فلو فرض تناهي القسمين الأولين فالقسم الثالث لا تناهي له لكونه منتزعا من ملاحظة مجموع أمرين أو أكثر بعد إلباسهما ثوب الوحدة الاعتبارية ، وهذا الانتزاع أمر غير قابل للتناهي إذ أي مفهوم اعتباري يفترض
__________________
(١) كفاية الأصول ج ١ ص ٥٣ ( ط ـ مشكيني )
(٢) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٢١١
(٣) كفاية الأصول ج ١ ص ٥٤ ( ط ـ مشكيني )
١١٣
يمكن أن ينتزع منه ومن مفهوم آخر عنوان اعتباري آخر وهكذا ..
أضف إلى ذلك : أن الالتزام بعدم تناهي مجموع المعاني الكلية والجزئية كاف لإثبات مدعى القائل بضرورة الاشتراك ولو بلحاظ المعاني الجزئية التي لا إشكال أيضا في تعلق الأغراض الاستعمالية بها كثيرا ما لم نرجع إلى جواب آخر عن الشبهة.
وأما الثاني ، فيرد عليه : أن الألفاظ مهما كان لها صور فانها تظل دائما أقل من المعاني ببرهان أن أي تركيب لفظي كما يحقق لفظا جديدا كذلك يحقق معنى جديدا قد يراد التعبير عنه نفسه كما هو واضح.
وأما الثالث ، فيرد عليه : بأن المعاني الحقيقة اما أن تكون غير متناهية أو متناهية ، وعلى الأول يجري برهان الاشتراك ، لزيادتها حينئذ على الألفاظ. وعلى الثاني يلزم ان تكون المعاني الأخرى كلها مجازية وهي غير متناهية ، وهذا يفترض علاقات غير متناهية بينها وبين المعاني الحقيقية وكل علاقة تمثل حيثية في المعنى الحقيقي ويؤدي ذلك إلى اشتمال المعاني الحقيقة على حيثيات غير متناهية وكل منها بحاجة إلى لفظ دال عليه فيعود المحذور.
وإن أريد بضرورة الاشتراك كونه ظاهرة طبيعية في اللغة فهذا أمر بالإمكان تفسيره وقبوله إلى حد ما ، لأن كل لغة لا تمثل مجتمعا واحدا بل مجتمعات صغيرة بعدد الوحدات البدائية التي تنتمي إليها من قبائل ومجاميع والحاجات اللغوية في كل واحد منها تتجدد وتزداد باستمرار وتتخذ كل مجموعة طريقة في إشباع تلك الحاجات ، ولما كانت مقررات اللغة المشتركة بين تلك القبائل محدودة نسبيا وكانت الصلة اللغوية الكاملة مفقودة بين كل مجموعة والأخرى كان من الطبيعي بحساب الاحتمالات أن يقع اختيار هذه المجموعة على لفظ معين للدلالة على معنى ويقع اختيار المجموعة الأخرى على نفس اللفظ للدلالة على معنى اخر ، وعند ما انصهرت هذه المجاميع في لغة واحدة واندمجت حياة بعضهم ببعض ظهر الاشتراك بسبب ذلك.
والشيء نفسه يمكن أن نقوله بالنسبة إلى الترادف ، فان حساب الاحتمالات يقتضي أيضا استبعاد أن يتطابق عفويا اختيار مجموعتين منتميتين إلى إطار لغوي
١١٤
واحد بصورة مستمرة ، بل قد يجعل هؤلاء لفظا دالا على معنى ويجعل أولئك لفظا آخر لنفس المعنى.
ولكن ، هذا لا يعني حصر الاشتراك ضمن هذا النطاق بل يمكن افتراضه من بداية الأمر على صعيد لغوي واحد ، فكما يتصور الاشتراك في الأعلام الشخصية في بيئة واحدة وعائلة واحدة كذلك لا مانع من افتراضه على هذا النحو في أسماء الأجناس ونحوها.
الاشتراك لا ينافي حكمة الوضع
وأما الحديث في الجهة الثانية ـ فقد يدعى ـ على عكس ما ادعي في الجهة السابقة ـ امتناع الاشتراك في اللغة لكونه لغوا ، إذا الحكمة والغرض المطلوب من الأوضاع اللغوية إفهام المعنى الموضوع بإزائه اللفظ بذلك اللفظ وهذا فرع أن يكون ما وضع بإزائه اللفظ متعينا لا مرددا بين معان متعددة كما في المشترك.
وهذه النكتة لا تجري في الترادف ، لوضوح ان تكثر الألفاظ الدالة على معنى واحد لا يدخل إجمالا على دلالة أي واحد منها.
إلا أن هذه الدعوى غير صحيحة ، فانه يكفي في إشباع الحاجة اللغوية من الوضع أن يكون جزء العلة في افهام المعنى الموضوع له. وإن شئت قلت : ان الإفهام الإجمالي بمعنى صلاحية اللفظ لأن يكون دالا على المعنى الحاصل من الوضع محفوظ في المشترك أيضا ، وإن كان يحتاج في تعيين إرادة أحد المعاني الموضوع بإزائها اللفظ إلى قرينة معينة.
هذا ، إذا لم نفترض تعدد الواضعين للألفاظ المشتركة حسب تعدد القبائل أو المجاميع اللغوية البدائية المؤدي إلى تحقق اقترانات عديدة للفظ معين مع معان عديدة وإلا فالشبهة أوضح اندفاعا.
١١٥
مدى إمكان اشتراك علاقتين في طرف
وأما الجهة الثالثة ، فلا شك في إمكان الاشتراك والترادف نظريا بناء على المسلك المختار في تفسير العلاقة الوضعيّة ، وكذلك بناء على تفسيرها بالاعتبار. واما بناء على مسلك التعهد فقد يصعب تصوير الاشتراك أو الترادف ثبوتا ، وذلك : لأن التعهد إذا كان بصيغة انه كلما جاء باللفظ قصد معناه الموضوع له بطل الاشتراك للزوم فعلية كلا التعهدين في مورد ذكر المشترك لوقوعه شرطا في التعهدين معا ، وإذا كان بصيغة انه كلما قصد المعنى جاء باللفظ الدال عليه بطل الترادف للزوم فعلية كلا التعهدين في مورد إرادة قصد المعنى المستوجبة للإتيان بكلا اللفظين معا.
ويمكن لأصحاب هذا المسلك التغلب على هذا الإشكال إما بافتراض ان المتعهد به هو قصد أحد المعنيين أو إتيان أحد اللفظين ، وإما بتقييد كل من التعهدين بعدم قصد المعنى المأخوذ في التعهد الآخر ، أو عدم الإتيان باللفظ المأخوذ فيه ، أو غير ذلك من أنحاء التقييد المتقدمة في شرح ذلك المسلك.
١١٦
٢ ـ نظرية الدلالة على المعنى المجازي
الدلالة على المعنى المجازي هي دلالة اللفظ على معنى لم يكن مدلولا له بحسب القانون اللغوي الأولي العام لعلاقة بينه وبين ما هو مدلوله اللغوية الأولي. ومن هنا تعتبر هذه الدلالة ثانوية ومتفرعة على عدم إرادة المعنى الحقيقي.
والحديث عن المجاز يقع تارة : في تشخيص حقيقته من حيث كونه مدلولا للفظ أو لمرحلة عقلية وراء مرحلة مدلول اللفظ. وأخرى : في مدى حاجة الاستعمال المجازي إلى الوضع.
١ ـ حقيقة المدلول المجازي
والبحث من الناحية الأولى هو البحث المعروف الّذي أثارته مدرسة السكاكي في باب المجاز ، حيث أنكرت هذه المدرسة أن يكون المجاز استعمالا للفظ في غير ما وضع له من المعنى بحسب القانون اللغوي بل اعتبرته من باب الاستعمال في المعنى الحقيقي وإنما العناية والتجوز في تطبيق ذلك المعنى على غير واقعه في الخارج ادعاء ، ومن هنا كان المدلول المجازي بناء على هذا الاتجاه مدلولا عقليا ادعائيا. ولكن جمهور المشهور على أن المجاز مدلول لفظي مباشر لأنه من استعمال اللفظ في ذلك المعنى على حد استعماله
١١٧
في المعنى الحقيقي إلا أنه لا بد في افهامه من الاعتماد على قرينة دالة عليه.
والتحقيق : أن الادعاء المفترض لتفسير الاستعمال المجازي من قبل السكاكي إما أن يكون مرجعه إلى ادعاء ان المفهوم الّذي لم يوضع له اللفظ « المعنى المجازي » هو نفس المفهوم الّذي وضع له اللفظ بالحمل الأولي فيعتبر ويدعي ان مفهوم « الرّجل الشجاع » هو نفس مفهوم « الحيوان المفترس » ويستعمل اللفظ فيه على أساس هذه العينية المدعاة ، أو يرجع إلى ادعاء أن غير ما وضع له اللفظ ـ سواء كان مفهوما كليا أو فردا خارجيا كهذا الرّجل الشجاع ـ مصداق لما وضع له اللفظ على نحو يحمل عليه المعنى الموضوع له بالحمل الشائع ، فيستعمل اللفظ في المعنى الموضوع له ولكنه يطبق على فرد عنائي ادعائي.
أما الأول ، فلا يحقق مقصود السكاكي ـ وهو كون التجوز تصرفا في أمر عقلي بحث لا في اللفظ ـ بل هو يعني استعمال اللفظ في غير ما وضع له بادعاء انه نفس الموضوع له ، فالعناية مأخوذة إذن في مرحلة الاستعمال ويرد عليه : ان هذه العناية لا دخل لها في تصحيح الاستعمال وتكوين الدلالة على المعنى المجازي ، لأن المعنى المدعى بالعناية انه الموضوع له إن كانت له علاقة ومشابهة مع المعنى الحقيقي كفى ذلك في تصحيح الاستعمال وتكوين الدلالة بدون حاجة إلى العناية المذكورة ـ على ما يأتي ـ وإن لم تكن بين المعنيين علاقة فلا تحصل الدلالة ولا يصح الاستعمال بمجرد الادعاء المذكور ولا يتوهم : ان الادعاء المذكور يوجب توسعة العلقة الوضعيّة حكما ، كما هو الحال في سائر ألسنة الادعاء والتنزيل ، فان الادعاء المذكور إن رجع إلى وضع جديد فهو خلف لأن لازمه كون اللفظ مستعملا فيما وضع له ؛ وإلا فلا يمكن أن تسري أحكام العلقة الوضعيّة من الدلالة وصحة الاستعمال بمجرد الادعاء والتنزيل لأنها آثار واقعية تكوينية للعلقة الوضعيّة ، وبالادعاء والتنزيل إنما تسري الآثار المجعولة من قبل ذلك المنزل لا ما كان أثرا تكوينيا.
وأما الثاني ، فهو يفي بمقصد السكاكي ، لأنه يفترض عدم التصرف في مرحلة الاستعمال وإنما التصرف في مرحلة تطبيق المراد الاستعمالي على مصداقه. وهذا يرجع في الحقيقة إلى أن العناية في تطبيق المراد الاستعمالي على المراد الجدي ، فحين تقول
١١٨
« جئني بأسد » يكون مرادك الاستعمالي المطالبة بحيوان مفترس ومرادك الجدي المطالبة برجل شجاع ، والعناية التي يدعى فيها كون الرّجل الشجاع حيوانا مفترسا بالحمل الشائع هي التي تربط عرفا ذاك المراد الاستعمالي بهذا المراد الجدي على الرغم من تغايرهما.
ويرد عليه :
أولا : ان التجوز لا ينحصر بموارد احتواء الكلام على المراد الجدي بل يتصور في موارد الهزل أيضا وتمحض الكلام في المراد الاستعمالي ؛ فان كان المجاز مرادا هنا في مرحلة المدلول الاستعمالي فهو خلف المدعى ، وإن كان مرادا في مرحلة المدلول الجدي فهو خلف هزلية الكلام.
وثانيا : ان افتراض كون هذا الفرد فردا من المعنى الحقيقي انما يناسب كلية المعنى الحقيقي ولا يتأتى حيث يكون جزئيا ؛ فلو قيل بأن لفظتي الشمس والقمر مثلا موضوعتان لهذين النيرين الخاصّين فكيف نفسر على أساس العناية المذكورة قولنا « هؤلاء أقمار أو شموس » مع أن المدلول جزئي ، وهذا بخلافه على المسلك الآخر فانه لا مانع بموجبة من أن يكون المعنى الحقيقي جزئيا والمعنى المجازي كليا.
هذا ، مضافا : إلى الوجدان القاضي بأن إسباغ صفات المعنى الحقيقي ادعاء على شيء قد يؤدي عكس المقصود للمتجوز ، فمن يريد أن يبالغ في جمال يوسف فيقول انه « بدل » ليس في ذهنه إطلاقا ادعاء ان يوسف مستدير كالبدر ، وإلا لفقد جماله كإنسان ، لأن صفات البدر انما تكون سببا للجمال في البدر بالذات لا في شيء آخر.
وعلى هذا الأساس ، فما ذكره السكاكي لا يصلح أن يكون تفسيرا عاما للتجوز.
والصحيح ما عليه المشهور من أن الأصل في التجوز كونه راجعا إلى المدلول الاستعمالي ومرحلة اللفظ.
وقد يتوهم : ان ذلك يؤدي إلى أن يكون قولنا « زيد أسد » مرادفا لقولنا « زيد
١١٩
رجل شجاع » مع ان الوجدان قاض بأن استفادة معنى الشجاعة من الأول أبلغ وآكد ، وهذا يكشف لا محالة عن أقربية تفسير السكاكي لهذا المجاز.
ويندفع ذلك : بأن كون ذلك أبلغ وآكد محفوظ حتى على مقالة المشهور ، لأن كلمة « أسد » ليست مرادفة في مدلولها الاستعمالي المجازي لكلمة الرّجل الشجاع بل تزيد عليه غالبا بملاحظة الرّجل الشجاع بما هو شبيه بالحيوان المفترس ومناظر له في الشجاعة فكأن الكلام يستبطن تشبيها أيضا.
٢ ـ مدى حاجة المجاز إلى الوضع
بعد افتراض ان التجوز يرجع إلى مرحلة الاستعمال يقع الكلام في نقاط.
منشأ الدلالة على المجاز
النقطة الأولى : انه من أين نشأت دلالة اللفظ على المعنى المجازي مع عدم الوضع ومعلومية ان الدلالة اللفظية التصورية ليست ذاتية.
وقد يتوهم الجواب على هذا التساؤل : بأن الدلالة نشأت من القرينة على المجاز. وهذا التوهم غير صحيح ، لأننا نتكلم فيما يناظر الدلالة الوضعيّة وهو الدلالة التصورية للفظ على المعنى المجازي وهذه الدلالة بوجودها الشأني ليست مستندة إلى القرينة وذلك.
أولا : لأن اللفظ بحد ذاته فيه صلاحية إخطار المعنى المجازي وإن كان بدرجة أضعف من اقتضائه لإخطار المعنى الحقيقي ، ولو لا ذلك لما صح استعمال اللفظ في المعنى المجازي بلا قرينة.
وثانيا : ان القرينة غالبا لا تصلح لإخطار المعنى المجازي وإنما تصلح لصرف الذهن عن المعنى الحقيقي ، ففي قولنا « أسد يرمي » ليس في كلمة « يرمي » دلالة تصورية ولو التزاما على الرّجل الشجاع ، بل فيها دلالة على إنسانية الأسد فقط بقرينة الرماية واما كونه رجلا شجاعا فهو بدلالة نفس لفظ « الأسد » وعليه فلا بد من تفسير لدلالة اللفظ على المعنى المجازي.
١٢٠
وهنا تفسيران رئيسيان : أحدهما : تفسيره على أساس نفس الوضع الأول للفظ بإزاء معناه الحقيقي. والآخر : تفسيره على أساس وضع آخر.
أما التفسير الأول ، فتوضيحه : أن اللفظ يكتسب بسبب وضعه للمعنى الحقيقي صلاحية الدلالة على كل معنى مقترن بالمعنى الحقيقي اقترانا خاصا غير أنها صلاحية بدرجة أضعف لأنها تقوم على أساس مجموع اقترانين ومع اقتران اللفظ بالقرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي تصبح هذه الصلاحية فعلية ويكون اللفظ دالا فعلا على المعنى المجازي ، فالدلالة اللفظية التصورية على المعنى المجازي كالدلالة اللفظية التصورية على المعنى الحقيقي كلتاهما تستندان إلى الوضع ولكن على اختلاف في الشدة والضعف.
وهذه الدلالة على المعنى المجازي من لوازم الوضع الحقيقي وليست بحاجة إلى وضع جديد ما دام قانون الاقتران كما يعمل ضمن الاقتران البسيط كذلك يعمل ضمن الاقترانات المركبة ، ومحاولة تحصيل هذه الدلالة بوضع جديد محاولة لتحصيل الحاصل. وليس معنى ما ذكرناه من استناد الدلالة على المعنى المجازي إلى مجموع اقترانين ان ذهن السامع لا بد لكي ينتقل إلى المعنى المجازي أن ينتقل أولا من اللفظ إلى المعنى الحقيقي ثم إلى المعنى المجازي ، وذلك : لأن اللفظ بعد قرنه بالمعنى الحقيقي يؤدي نفس دوره في إثارة ما يشيره المعنى الحقيقي فيصبح تصور اللفظ صالحا لإثارة المعنى المجازي في الذهن بسبب قرنه بما هو صالح لهذه الإثارة ، غاية الأمر : أن صلاحية اللفظ لذلك بدرجة أضعف من صلاحيته لإثارة نفس المعنى الحقيقي ، لأنها مكتسبة بالواسطة. فكون اللفظ مثيرا للمعنى الحقيقي حيثية تعليلية لإثارته للمعنى المجازي لا تقييدية على نحو لا بد أن يصل ذهن السامع إلى المجاز مارا بالمعنى الحقيقي.
ونلاحظ على هذا الضوء : أن طريقتنا هذه في تفسير دلالة اللفظ على المعنى المجازي وكيفية نشوئها على أساس مجموع اقترانين تفسر الطولية بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، وكون دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي أقوى ، وكون حمله على الثاني في طول تعذر الأول.
وأما التفسير الثاني. فأول ما يواجهه مشكلة المساواة بين المعنى الحقيقي والمجازي في
١٢١
دلالة اللفظ وحمل الكلام عليه ما دام كل منهما معنى وضعيا للفظ ، فلا بد من تصوير الوضع على نحو يحافظ فيه على الطولية بين المعنيين وأولوية المعنى الحقيقي ، وذلك بأحد وجوه :
الأول : أن يقال : بأن اللفظ موضوع للمعنى المجازي بوضع نوعي على نحو لوحظت فيه الأوضاع الشخصية بأن قيل مثلا ان لفظ الأسد موضوع لما يشابه معناه الموضوع له ، وبذلك تحفظ الطولية.
ويرد عليه : أن مجرد كون الوضع الثاني نوعيا وأخذ المشابهة عنوانا مشيرا إلى المعاني المجازية ، أو حيثيته تقييدية فيها لا يكفي لتفسير الطولية بين العلقتين الوضعيّتين على نحو لا تؤثر إحداهما إلا في فرض عدم تأثير الأخرى.
الثاني : أن يقال : بأن الوضع للمعنى المجازي مقيد بفرض وجود القرينة على المعنى المجازي بأخذها قيدا في الوضع أو اللفظ الموضوع ، فمع عدم القرينة يقدم المعنى الحقيقي إذ لا وضع للمعنى المجازي في هذه الحالة. ولا يتوهم : كون هذا الوضع لغوا ما دام مقيدا بوجود القرينة على المعنى المجازي لأنها تكفي عنه دائما. لاندفاع هذا التوهم : بأن المقصود بالوضع تصحيح دلالة نفس اللفظ على معناه المجازي ، والقرينة إنما تفهم المعنى المجازي على أفضل تقدير ولا تصح دلالة اللفظ عليه.
ويرد عليه : ان لازم تقييد الوضع المصحح للدلالة على المعنى المجازي بنصب القرينة عدم صحة الاستعمال المجازي في حالات عدم نصب القرينة لعدم الدلالة وانتفاء العلاقة في هذه الحالة بحسب الفرض. مع أنه صحيح بلا إشكال بلحاظ شأنية الدلالة في اللفظ ، وهذا يكشف عن أن المصحح للدلالة وبالتالي للاستعمال ليس هو الوضع المقيد المذكور.
الوجه الثالث : أن يقال : بتصوير وضع مقيد للمعنى المجازي غير ان القيد هو مجرد نصب القرينة الصارفة.
ويرد عليه : نفس المحذور أيضا ، لأن الدلالة الشأنية للفظ على المعنى المجازي وبالتالي صحة استعمال اللفظ فيه ثابتة في موارد عدم نصب القرينة الصارفة أيضا.
الوجه الرابع : أن يفترض كون اللفظ موضوعا للمعنى المجازي بوضع مقيد بعدم
١٢٢
إرادة المعنى الحقيقي بأن تقيد العلقة الوضعيّة المجعولة بهذه الحالة ، ولازم ذلك عدم الحمل على المعنى المجازي إلا في حالة عدم إرادة المعنى الحقيقي وبذلك تثبت الطولية.
ويرد عليه : انا لو تعقلنا تقييد العلقة الوضعيّة على هذا النحو فلا يمكن أن نفسر بذلك أقوائية ظهور اللفظ في المعنى الحقيقي في مرحلة المدلول التصوري على نحو لو سمعنا اللفظ من شخص غير مريد لمعنى أصلا لانسبق الذهن إلى المعنى الحقيقي بدرجة أكبر ، فان دلالة اللفظ على كل من المعنى الحقيقي والمجازي إذا كانت بسبب الوضع فلما ذا يتبادر المعنى الحقيقي في مقابل المعنى المجازي تصورا. فلا بد إذن من تفسير الدلالتين معا على أساس وضع واحد وهو وضع اللفظ للمعنى الحقيقي ، ولما كان المعنى الحقيقي أحق بهذا الوضع من المعنى المجازي كان نصيبه من الدلالة أكبر على ما شرحناه.
الوجه الخامس : أن يقال : بتصوير وضعين أحدهما للمعنى الحقيقي وهو وضع مطلق تعييني. والآخر للمعنى المجازي منوط بالجامع بين نصب القرينة وإرادة معنى على نحو الإجمال من اللفظ ، ويتعين حينئذ تقديم المعنى الحقيقي في حالة عدم القرينة ونفي الإجمال ولو بالأصل وظهور الحال.
ولا يرد على هذا التقريب : النقض بصحة الاستعمال المجازي بلا قرينة ، لأن الاستعمال كذلك مساوق للإجمال ومعه يكون الوضع للمعنى المجازي فعليا. ولا يرد عليه : لزوم فعليه كلا الوضعين في حالة إطلاق اللفظ من غير المريد ، لأن الوضع الثاني غير متحقق في هذه الحالة لعدم القرينة وعدم الإجمال فيتعين انسباق المعنى الحقيقي.
ولكن هذا انما ينسجم على تقدير التعامل مع العلقة الوضعيّة كأمر اعتباري قابل للتقيد بحال دون حال ، وهو غير صحيح على ما مر تحقيقه.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 2   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:29 am

مصحح الاستعمال المجازي
النقطة الثانية : بعد الفراغ عن تفسير دلالة اللفظ على المعنى المجازي على أساس الوضع الأول بالنحو المتقدم يقع الكلام في انه هل يصح استعمال اللفظ في المعنى المجازي ما دام أصبح صالحا للدلالة عليه أو تتوقف صحته على وضع معين أو عناية إضافية؟. ودعوى الاحتياج إلى الوضع هنا لأجل تصحيح الاستعمال وفي النقطة
١٢٣
السابقة لأجل تفسير أصل الدلالة.
والصحيح ، عدم الاحتياج إلى وضع في المجاز لتصحيح الاستعمال ، لأنه ان أريد بصحة الاستعمال حسنه فواضح أن كل لفظ له صلاحية الدلالة على معنى يحسن استعماله فيه وقصد تفهيمه به ، واللفظ له هذه الصلاحية بالنسبة إلى المعنى المجازي ـ كما عرفت ـ فيصح استعماله فيه. وإن أريد بصحة الاستعمال انتسابه إلى اللغة التي يريد المتكلم التكلم بها ، فيكفي في ذلك أن يكون الاستعمال مبنيا على صلاحية في اللفظ للدلالة على المعنى ناشئة من أوضاع تلك اللغة. وإن أريد بصحة الاستعمال جوازه وإنه لا بد من إذن الواضع في الاستعمال ليكون جائزا. فيرد عليه : أن الجواز تارة : وضعي ، وأخرى : تكليفي. فان لوحظ الجواز الوضعي فمرجعه إلى صحة الاستعمال ، وصحة الاستعمال بعنوانها ليست مجعولة إلا بتبع إيجاد علاقة بين اللفظ والمعنى والمفروض وجود هذه العلاقة ـ كما عرفت ـ وإن لوحظ الجواز التكليفي فلا معنى له في المقام ، إذ لا مولوية تكليفية لواضع اللغة بما هو كذلك ، ولا يكون منعه التكليفي ولو كان مولى موجبا لبطلان الاستعمال.
منشأ الدلالة المجازية على مسلك التعهد
النقطة الثالثة : إن ما ذكرناه إنما كان بناء على ما هو الصحيح من ان الوضع لا ينتج إلا الدلالة التصورية ، حيث اتضح في النقطة الأولى ان هذه الدلالة التصورية لا يحتاج ثبوتها بالنسبة للمعنى المجازي إلى وضع آخر وأما بناء على مسلك التعهد القائل بأن الوضع هو أساس الدلالة التصديقية فقد يقال : بالحاجة إلى الوضع في باب المجاز لتكوين الدلالة التصديقية على قصد التفهيم ، وذلك لأن المناسبة بين المعنى الحقيقي والمجازي التي شرحناها إنما تكون ملاكا لدلالة اللفظ تصويرا على المعنى المجازي ولا تكون ملاكا للدلالة التصديقية.
ولا بد من تصوير التعهد الوضعي بإرادة المعنى المجازي على نحو يكون محكوما للتعهد الوضعي بإرادة المعنى الحقيقي لتحفظ الأولوية للدلالة التصديقية على المعنى الحقيقي. وذلك بأحد وجوه :
١٢٤
منها ـ أن يفترض كون التعهد الوضعي بإرادة المعنى المجازي مقيدا بفرض عدم إرادة المعنى الحقيقي ، فيكون التعهد الوضعي بإرادة المعنى الحقيقي حاكما على التعهد الآخر ومانعا عن الانتهاء إليه ما لم تقم قرينة خاصة على عدم إرادة المعنى الحقيقي. ومثل ذلك ما إذا فرض أن الوضع الثاني مقيد بنصب القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي مثلا.
ومنها ـ ان يفترض ان الواضع تعهد بإرادة المعنى الحقيقي بالخصوص وتعهد بإرادة أحد المعنيين الحقيقي أو المجازي ، فإذا أطلق اللفظ ولم تكن قرينة حمل على المعنى الحقيقي لأنه مقتضى الوفاء بكلا التعهدين ، وإلا حمل على المجازي وفاء بالتعهد الثاني.
ولكن التحقيق : أن الدلالة التصديقية للفظ على المعنى المجازي لا تتوقف على الوضع حتى لو قلنا بأن الوضع هو التعهد وانه ينتج الدلالة التصديقية. وذلك : لأنه بعد الفراغ عن حصول الدلالة التصورية الشأنية للفظ على المعنى المجازي بمقتضى الطبع وبسبب المناسبة بين المعنى الحقيقي والمجازي ، إذا أطلق المتكلم اللفظ المذكور فقال « جئني بأسد » كان المدلول التصديقي في مرحلة المراد الاستعمالي مرددا في بادئ الأمر بين ثلاثة أمور الحيوان المفترس ، والرّجل الشجاع ، ومعنى لا يناسب الحيوان المفترس كالماء مثلا ، والأول ينفي بالقرينة الصارفة ، والثالث ينفي بظهور حال المتكلم العرفي في انه لا يقصد بلفظ تفهيم معنى ليس في اللفظ دلالة تصورية شأنية عليه ، فيتعين الثاني وبذلك تتم الدلالة التصديقية على المعنى المجازي بلا حاجة إلى التعهد الوضعي الخاصّ.
الوضع للمعنى مقيدا بالقرينة
النقطة الرابعة : بعد الفراغ عن عدم الاحتياج إلى وضع في دلالة اللفظ على المعنى المجازي واستعماله فيه نقول : أنه لا إشكال في إمكان وضع اللفظ للمعنى المجازي بنحو يوجب إخراجه من كونه مجازيا ، وإنما الإشكال في إمكان وضع اللفظ المقترن بالقرينة للمعنى المجازي بحيث يكون الموضوع للمعنى المجازي حصة خاصة من اللفظ ـ وهي
١٢٥
الكلمة المتصلة بالقرينة على ذلك المعنى ـ فقد يدعى وقوع مثل هذا الوضع ، ويستظهر أن مثل كلمة « ماء الرمان » ونظائرها موضوعة بما هي مركبة للماء المضاف الخاصّ.
والتحقيق : أن هذا الوضع غير ممكن عقلائيا للغويته ، لأنه إن أريد به افهام المعنى المجازي بلا حاجة إلى قرينة فهو غير معقول ، لأن المفروض ان الموضوع فيه هو اللفظ المقيد بالقرينة وإن أريد إفهام المعنى المجازي في حالة وجود القرينة فهذا حاصل بالقرينة بدون حاجة إلى الوضع وإن أريد بذلك إعفاء المتكلم من ملاحظة العلاقة والمشابهة بين المعنى المجازي والحقيقي فسيأتي في النظرية العامة للاستعمال ان صحة الاستعمال في المعنى المجازي لا تحتاج إلى هذه الملاحظة ، وان العلاقة المذكورة حيثية تعليلية لصحة الاستعمال لا تقييدية وشأنها شأن الوضع في الاستعمال الحقيقي فكما لا تجب ملاحظة الوضع عند استعمال اللفظ في معناه الحقيقي كذلك العلاقة هنا.
تحديد المراد من المعنى المجازي
النقطة الخامسة : اتضح مما ذكرناه في النقطة الأولى ان دلالة اللفظ على المعنى المجازي مستمدة من وضعه للمعنى الحقيقي على أساس التركيب بين اقترانين ـ كما تقدم ـ وهذا هو الأصل الغالب ، غير ان هناك دلالات ذهنية تصورية أحيانا لا تستند إلى وضع أصلا لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة ، وإنما تستند إلى تناسب ذاتي وطبيعي بين الصورة الذهنية للفظ والصورة الذهنية للمعنى ، وذلك كما في دلالة اللفظ على نوعه في مثل قولنا « ضرب فعل ماض » إذ ينتقل ذهن السامع من الشخص إلى النوع ، وهذا مبني على تناسب طبيعي بين الصورتين على نحو يوجب صلاحية صورة الشخص للإعداد للانتقال إلى صورة النوع ولو مع ضم قرينة على عدم إرادة الخصوصية ، وقد تكون القرينة نفس ورود اللفظ مورد الاستعمال لأن استعمال اللفظ في نفسه بخصوصه غير صحيح ـ على ما يأتي ـ
فإذا أريد بدلالة اللفظ على المعنى المجازي دلالته على كل معنى لا يكون موضوعا له مباشرة شملت هذه الدلالات القائمة على التناسب الطبيعي وإذا أريد بها دلالته على معنى له علاقة بالموضوع له خرجت الدلالات المذكورة عن كونها مجازية وكانت قسما آخر برأسه.
١٢٦
وقد يستشكل في دلالة اللفظ على نوعه : بأنه إن أريد كون اللفظ بخصوصيته دالا على الطبيعي وموجبا للانتقال إليه فيرد عليه : ان خصوصية الفرد مباينة للطبيعي فكيف ينتقل من المباين إلى المباين. وإن أريد كون اللفظ بجامعه دالا على الطبيعي فهذا معناه دلالة الطبيعي على الطبيعي وهو غير معقول ، لأن الدال يجب أن يكون غير المدلول.
والجواب على هذا الاستشكال : أن الدال على الطبيعي والمثير لصورته في الذهن إنما هو الصورة الذهنية لشخص اللفظ ولكن لا بما هي صورة ذهنية للخصوصية بل بما هي صورة ضمنية للجامع المحفوظ في ضمنها ، فالوجود الضمني للطبيعي يثير صورة ذهنية استقلالية للطبيعي باعتبار التناسب الطبيعي بينهما. وسيأتي الكلام مفصلا عن إطلاق اللفظ وإرادة نوعه وصنفه ومثله وشخصه عند التكلم عن الاستعمال.
١٢٧
١٢٨
المبحث الثاني


١٢٩
١٣٠
نظرية الاستعمال
علاقة اللفظ اللغوية بالمعنى في مجال الاستخدام اللغوي للألفاظ لها جانبان : أحدهما : جانبها المرتبط بالسامع ، ويعبر عن هذه العلاقة بالدلالة لأن محصل علاقة اللفظ بالمعنى عند السامع ان تصور أحدهما يوجب الانتقال إلى تصور الآخر. والآخر جانبها المرتبط بالمتكلم ؛ ويعبر عن هذه العلاقة بالاستعمال بمعنى ان المتكلم يستعمل اللفظ في المعنى ويتخذه أداة لتفهيمه.
وقد عرفنا فيما سبق منا شيء الدلالة اللغوية وتفسيرها بالنسبة إلى اللفظ مع المعنى الحقيقي ومع المعنى المجازي ، والآن نتكلم عن الاستعمال وحقيقته وشروطه العامة.
حقيقة الاستعمال
يختلف الاستعمال عن عملية الدلالة التصورية ، فان الدلالة التصورية تحصل بمجرد إطلاق اللفظ لو لم يكن قد أريد به شيء أصلا واما الاستعمال فلا يتحقق بمجرد إطلاق اللفظ بل يتقوم بالإرادة وتسمى بالإرادة الاستعمالية. وتفصيل ذلك : أن المتكلم يتصور له ثلاثة أنحاء من الإرادة.
الأولى : الإرادة الاستعمالية ، وهي الإرادة المقومة للاستعمال. وليست هذه
١٣١
الإرادة : هي إرادة تفهيم المعنى وإخطاره باللفظ فعلا ، ولا إرادة إيجاد المعنى باللفظ إيجادا عرضيا ـ كما عن المحقق الأصفهاني ـ (١) ولا إرادة التلفظ باللفظ المنبعثة عن تعهد نفساني يقتضي التلفظ به في ذلك الظرف الخاصّ ـ كما هو مقتضى مسلك التعهد ـ كما لا محصل لتفسير الإرادة الاستعمالية بإرادة استعمال اللفظ في المعنى وإفنائه في مطابقه.
أما الأول ، فلحصول الاستعمال والإرادة في موارد عدم إرادة التفهيم وعدم كون اللفظ كاشفا فعلا عن المعنى ، كما في موارد الإتيان بالألفاظ المشتركة في مقام الاستعمال مع تعمد الإجمال وعدم نصب القرينة ، فان الاستعمال حاصل بلا إشكال مع عدم حصول التفهيم وإرادته.
وأما الثاني ، فلا موجب له إلا تخيل ان الوضع عبارة عن جعل اللفظ وجودا للمعنى وان الاستعمال باعتباره تنفيذا للوضع وجريا على طبقه يكون مرجعه إلى قصد اللفظ بما هو وجود تنزيلي للمعنى ، وقد عرفت حال المبنى سابقا. مضافا : إلى أن أي مبنى يختار في تصوير حقيقة الوضع انما يراد من أجل تبرير الدلالة وتفسيرها ، وبعد فرض قيامها فلا يتعين على الاستعمال أن يكون متطابقا مع ما هو المجعول من قبل الواضع.
وأما الثالث ، فهو مبني على التعهد. على أنه لا يوضح حقيقة تلك الإرادة وانما يبين كونها ناشئة عن التعهد والكلام الآن عن حقيقتها.
وأما الرابع ، فغير مفيد. لأن الكلام في تفسير الاستعمال الّذي هو متعلق الإرادة فتفسير الإرادة الاستعمالية بإرادة الاستعمال ليس مفيدا ، إلا أن يكون المقصود تفسير الإرادة الاستعمالية بإرادة ملاحظة اللفظ آلة للمعنى بحيث تؤخذ آلية اللفظ لحاظا في معنى الإرادة الاستعمالية والاستعمال ومرجع ذلك إلى دعوى تقوم الاستعمال باللحاظ الآلي للفظ ، وسيأتي تحقيق ذلك.
بل الإرادة الاستعمالية : عبارة عن إرادة التلفظ باللفظ ولكن لا بما انه صوت مخصوص بل بما انه دال بحسب طبعه وصالح في ذاته لإيجاد صورة المعنى في الذهن ،
__________________
(١) راجع نهاية الدراية ج ١ ص ٣٥ ( المطبعة العلمية ـ قم )
١٣٢
فإرادة الإتيان بما يصلح للدلالة على معنى بما انه يصلح لذلك هي الإرادة الاستعمالية ، والمراد بهذه الإرادة هو نفس الاستعمال. وإن شئت قلت : ان الإتيان باللفظ مقدمة إعدادية للانتقال إلى صورة معنى معين فإرادته بما هو مقدمة إعدادية لذلك إرادة استعمالية ولو فرض عدم توفر المقدمات الأخرى الدخيلة في الدلالة ـ كما في موارد تعمد الإجمال ـ
الثانية : الإرادة التفهيمية ؛ وهي إرادة تفهيم المعنى تصورا باللفظ وإخطاره فعلا. وفرق هذه الإرادة عن الأولى ان متعلق هذه الإرادة التفهيم والإخطار الفعلي ومتعلق تلك الإخطار الشأني ، أي الاعداد للإخطار الملائم مع الفعلية وعدمها.
الثالثة : الإرادة الجدية ، وذلك أن من يريد أن يخطر المعنى تصورا في ذهن السامع قد يكون هازلا ولا تكون في نفسه حالة حقيقة تناسب ذلك المعنى ، من جعل حكم أو قصد حكاية وغير ذلك. وهذه الإرادة الجدية تختص بموارد استعمال الجمل التامة وأما الكلمات الإفرادية والجمل الناقصة فلا يتصور بشأنها إلا الإرادة الاستعمالية والتفهيمية.
وقد اتضح على ضوء ما ذكرناه : ان الاستعمال عملية إرادية متقومة بالإرادة الاستعمالية على النحو المتقدم ، وعلى هذا الأساس لا بد في الاستعمال من لحاظ اللفظ ولحاظ المعنى لأن اللفظ هو المراد صدوره والمعنى هو الحيثية التي بلحاظها أريد إصدار اللفظ.
مقومات الاستعمال وشروطه
وقد يذكر للاستعمال شروط ومقومات أساسية لا يتأتى الاستعمال بدونها وقد تستنبط جميعا من التعريف المتقدم.
الأول : أن يكون في اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى فإذا لم يكن فيه صلاحية ذلك فلا يعقل الاستعمال ، لأن الاستعمال ـ كما عرفت ـ قصد تفهيم المعنى باللفظ ولو شأنا وإعدادا فمع عدم شأنية اللفظ لا يعقل قصد ذلك من الملتفت. وهذا الشرط لا إشكال فيه ، وهو مستنبط من نفس التعريف المتقدم للاستعمال بدون حاجة إلى
١٣٣
مصادرة أو حجة إضافية. ولا يفرق في تحقق هذا الشرط بين أن تكون صلاحية الدلالة على المعنى حاصلة بالوضع بصورة مباشرة ، كما في دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي ، أو بالوضع بصورة غير مباشرة ، كما في دلالة اللفظ على المعنى المجازي ، أو بالمناسبة الذاتيّة ، كما في دلالة شخص اللفظ على نوعه ـ كما تقدم.
وعلى أساس هذا الشرط قلنا بأن إيجاد الوضع بنفس الاستعمال أمر غير معقول على بعض المباني ـ كما تقدم في بحث الوضع ـ.
الثاني : أن يكون هناك تغاير بين المستعمل والمستعمل فيه فلا يعقل وحدتهما وذلك أيضا مستنبط من نفس نظرية التعريف المتقدمة للاستعمال ، لأن اللفظ المستعمل يقصد جعله دالا والمعنى المستعمل فيه يقصد كونه مدلولا ، والدال والمدلول متضايفان ، والمتضايفان متقابلان فلا يعقل صدقهما على شيء واحد وقد يتوهم : عدم لزوم التغاير الحقيقي بينهما وكفاية التعدد ولو بالاعتبار لأن مجرد كون شيئين متضايفين لا يثبت تنافيها في مقام الصدق حقيقة بل يكفي أن يكون صدق كل منها بلحاظ حيثية مغايرة لحيثية صدق الآخر قضاء لحق التضايف ـ كما هو الحال في العالم والمعلوم ـ فانه يمكن صدقهما على ذات واحدة عالمة بنفسها ولكن باعتبارين. ويندفع التوهم : بأن مجرد التضايف بين مفهومين وإن كان لا يساوق امتناع تصادقهما على واحد حقيقة ولكن قد تتفق نكتة إضافية في المفهومين المتضايفين تبرهن على ذلك ، كما في العلة والمعلول فانها مفهومان متضايفان ويستحيل صدقهما على واحد ولو باعتبارين لاستحالة علية الشيء لنفسه ، والدال والمدلول من صنف العلة والمعلول ، غاية الأمر ان العلية بلحاظ الوجود الذهني للدال والمدلول فيستحيل تصادقهما على واحد لنفس المحذور ، وعليه فهذا الشرط تام. وقد يفرغ على ذلك استحالة استعمال اللفظ في شخصه ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
الثالث : انه بعد الفراغ عن تقوم الاستعمال بلحاظ اللفظ ولحاظ المعنى ـ كما تقدم ـ يقال : بأن المعتبر من اللحاظ في جانب المعنى هو اللحاظ الاستقلالي وفي جانب اللفظ هو اللحاظ الآلي والمراد بالاستقلالية في جانب المعنى الاستقلالية بالنسبة إلى اللفظ وكونه ذا المرآة للفظ فلا ينافي ملاحظة مرآة بالنسبة إلى معنونة مثلا ، والمراد
١٣٤
بالآلية في جانب اللفظ أن يلحظ اللفظ فانيا في المعنى ومرآة له بمعنى ان الاستعمال متقوم باللحاظ الآلي ، وبذلك يختلف عن الانتقال من العلامة إلى ذي العلامة في سائر الموارد فان العلامة هناك تلحظ باللحاظ الاستقلالي بخلاف اللفظ مع المعنى.
المرآتية والعلامية
ولتحقيق هذه الدعوى لا بد من التكلم في أن الاستعمال هل هو من باب المرآتية أو من باب العلامية؟ وهل تختلف أساسا طريقة مواجهة الذهن للفظ والمعنى مع طريقة مواجهة للعلامة وذي العلامة فيكون اللفظ مستعملا بالنظر المرآتي والعلامة مستعملة بالنظر الاستقلالي؟ وما ذا تعني مرآتية اللفظ في مقام الاستعمال والتفاهم؟ وإذا كان الاستعمال عادة من باب المرآتية ، فهل هذا مجرد ظاهرة عامة بالإمكان أن يشذ عنها الاستعمال أو انها من مقوماته ولا يتأتى بدونها؟
وينبغي أن يعلم : أن البحث ليس بحثا في المصطلح ، إذ قد يصطلح بكلمة الاستعمال على الاستخدام الآلي للفظ في مقام إفادة المعنى فيكون تقومه بالآلية داخلا في تعريف معناه المصطلح ولا مضايقة في الاصطلاح ، وإنما البحث في واقع العملية التفهيمية للمعاني بالألفاظ ومدى تقومها باللحاظ الآلي.
وتوضيح الحال في تلك : أن من الملاحظ وجود فارق بين علاقة اللفظ بالمعنى في مرحلة إفادة المدلول الوضعي وعلاقة العلامة بذي العلامة كعلاقة العمود بمقدار المسافة ، فان اللفظ يبدو وكأنه مرآة للمعنى وأداة لإحضارها وليست كذلك العلامة مع ذيها.
وهذه المرآتية وإن كان ما ذكرناه لا يكفي لتحديد معناها وكنهها ، إلا انها لما كانت أمرا مركوزا معلوما على وجه الإجمال أمكن أن نبدأ بالحديث عن تبريرها والكشف عن سببها في باب الألفاظ قبل تدقيق تفسيرها ، وعلى ضوء ذلك يتضح مغزاها ومعناها ومدى دخلها في عملية الاستعمال.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 2   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:31 am

تفسير ظاهرة المرآتية
وما يمكن أن يقال في تفسير ظاهرة المرآتية أحد وجوه :
الأول : ان دلالة اللفظ على المعنى لما كانت بالوضع ، والوضع هو جعل اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى ومرآة له ، كان من نتيجة ذلك أن تكون عملية تفهيم المعنى باللفظ متمثلة في لحاظ اللفظ فانيا في المعنى ومرآة له ، لأن عملية التفهيم هذه ليست إلا تطبيقا جزئيا لما جعله الواضع على وجه كلي ، ولما كان مجعول الواضع هو المرآتية ففعلية هذا المجعول يعني فعلية هذه المرآتية.
ولعل السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ لاحظ هذا حين ربط المرآتية في الاستعمال بمسلك الاعتبار ونفاه عن مسلك التعهد (١).
والتحقيق : أن الواضع إذا كان يمارس جعل العلقة الوضعيّة من خلال اعتبار اللفظ مرآة للمعنى أو وجودا له فليس معنى هذا ان المعتبر بهذا الاعتبار يتحقق بنفس هذا الاعتبار بما هو اعتبار ليرقب ثبوت المعتبر على النحو الّذي اعتبره ، فان العلقة بين اللفظ والمعنى أمر واقعي ـ كما تقدم ـ وسببية الاعتبار الصادر من الواضع له ليس من باب إيجاد الاعتبار المعتبرة ، بل من باب انه يحقق تكوينا قرنا مخصوصا بين اللفظ والمعني ، وهذا القرن يوجب التلازم بين تصور اللفظ وتصور المعنى. والسؤال حينئذ لا يزال قائما عن سر المرآتية في هذا الانتقال من اللفظ إلى المعنى.
وستعرف : أن المرآتية بالمعنى المدعى في هذا الوجه المساوق لأن يرى المعنى باللفظ نظير مرآتية العنوان لمعنونه أمر غير معقول في اللفظ بالنسبة إلى المعنى ، لأنه مباين له وليس عينه بوجه من الوجوه واعتبار العينية وجعله تنزيلا نفس المعنى لا يحقق العينية واقعا بل ادعاء ، ورؤية شيء بشيء لا تكون إلا مع العينية بينهما بوجه على حد عينية العنوان مع معنونه.
الثاني : أن اللفظ موضوع للمعنى الكلي ، والمعنى الكلي لا يجيء إلى الذهن إلا في
__________________
(١) راجع محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٢١٩
١٣٦
ضمن هذه الحصة أو تلك ، سواء قلنا بامتناع إدراك الإنسان للكلي أو بإمكانه. أما على الأول ، فواضح. وأما على الثاني ، فلأنه إمكان نظري ، وأما في الحياة العملية فلا يتوفر للإنسان إدراك الكلي بحده عادة ، وإلا فكيف نتصور إنسانا بدون فرض أي طول خاص أو لون خاص أو جهة خاصة؟ وهل يبقى بعد إسقاط كل هذا من الحساب إلا نفس لفظ الإنسان؟ ولما كان لفظ الإنسان رمزا صالحا لأن يعبر عن أي فرد من أفراد الإنسان فقد اعتاد الذهن على أن ينظر إليه بوصفه التجسيد للكلي ونحو تحقق الكلي في الذهن ؛ ومن هنا كان النّظر إلى اللفظ نظرا مرآتيا وهذا على خلاف العلامات ودلالاتها لأنها انما تدل على أشياء جزئية محددة قابلة للتصور بحدها وبصورة مستقلة عن تصور العلامة.
وهذا أيضا لا يصلح لتفسير ظاهرة المرآتية في باب التفهيم اللفظي حتى ولو سلم ما افترض له من أصل موضوعي ينكر تصور الكلي بحده ، وذلك لأن هذه المرآتية لا تختص بالألفاظ الموضوعة للمعاني الكلية عند إرادة تفهيم المعنى الكلي بها بل هي محفوظة حتى فيما إذا أريد بها الفرد الجزئي ، وكذلك في مثل الأعلام الشخصية الموضوعة للمعاني الجزئية التي تأتي إلى الذهن بحدها بلا إشكال ، فهذه المرآتية لا ربط لها بعدم إمكان تصور الكلي.
الثالث : أن الدال على شيء تارة : يكون مما يترقب تعلق غرض نفسي بالالتفات إليه بمعناه بما هو ، وأخرى : لا يترقب ذلك عادة وإنما ينحصر الغرض منه بالغرض المقدمي ، فما كان من قبيل الأول يلحظ باللحاظ ، الاستقلالي في مقام استخدامه لتفهيم مدلوله ـ ومنه العلامات ـ وما كان من قبيل الثاني يلحظ باللحاظ الآلي المرآتي لغلبة جانب المقدمية عليه ـ ومنه الألفاظ ـ.
وهذا التفسير غير واضح أيضا ، إذ لم يعلم ان كل علامة تختلف عن كل صوت لفظي أو نقش لفظي في هذه الناحية ، بل قد يجعل نقش لفظي معين علامة على رأس الفرسخ مثلا ، وهذا معناه ان المرآتية وعدمها ليست من شئون تشخيص سنخ الدال وكونه من سنخ الألفاظ والأصوات أو من سنخ العمود.
الرابع : أن العلقة الوضعيّة تقوم على أساس الأشراط والاقتران الأكيد بين
١٣٧
التصورين ـ كما تقدم ـ وكلما حصل قرن وأشراط بين تصورين لشيئين على نحو أصبح أحدهما سببا للآخر ترتب على ذلك قيام نفس العلقة بين الإحساس بذلك الشيء وتصور الشيء الآخر على نحو يكون الإحسان بنفسه سببا كافيا لتوليد تصور الشيء الآخر ، لما بين الإحساس بشيء وتصور ذلك الشيء من ارتباط يجعل ما أشرط بتصوره مشروطا بإحساسه أيضا ، وهذا معناه أن الإحساس باللفظ سمعيا أو بصيرا يولد على أساس بالإشراط تصور المعنى مباشرة فيكون هذا الإحساس بنفسه مثلا للدور الّذي ثبت بالوضع لتصور اللفظ ، ويترتب على ذلك أن تصور اللفظ يكون دائما تحت الشعاع ويكون البارز هو الانتقال مباشرة من الإحساس باللفظ إلى تصور المعنى وبذلك يصح أن يقال : بان اللفظ مغفول عنه ومرآة ونحو ذلك من التعابير.
وهذا التفسير صحيح في أساسه القائل بان علاقة السببية بين تصور اللفظ وتصور المعنى تمتد إلى نفس الإحساس باللفظ على أساس ما بين الإحساس به وتصوره من ربط فتقوم السببية بين الإحساس باللفظ وتصور المعنى مباشرة ، ويصلح هذا التفسير لتبرير الفرق بين الدلالة الآلية للفظ على المعنى ودلالة العلامة على ذي العلامة ، حيث ان تلك تصورية تقوم على أساس التلازم بين تصورين بسبب الأشراط فينسحب الأشراط من تصور المعنى على الإحساس به فيكون الإحساس باللفظ كافيا للانتقال التصوري إلى المعنى ، واما دلالة العلامة على ذيها فتصديقية فلا يكفي مجرد الإحساس بالعمود للتصديق ببلوغ رأس فرسخ ما لم يتحول هذا الإحساس إلى التصديق بأحد طرفي الملازمة المستبطن لتصوره.
ولكن ، هذا التفسير لا يشمل كل الحالات ، إذ في بعض الحالات لا يوجد هناك إحساس سمعي ولا بصري باللفظ ، كما هي الحال فيما إذا لاحظنا الشخص الّذي يتصور الكلام في ذهنه لا السامع ولا القارئ ، فانه ينطلق من تصور اللفظ إلى تصور المعنى لا من الإحساس باللفظ إلى تصور المعنى ، فكيف نفسر المرآتية في هذه الحالة؟
الخامس : ويمكن أن يعتبر بوجه تكميلا للوجه الرابع وتحقيقه : أن الانتقال الذهني إلى المعنى المدلول للفظ على نحوين :
أحدهما : الانتقال الناشئ من تصور اللفظ وإدراكه بوجه من الوجوه وهذا هو
١٣٨
انتقال السامع أو القارئ. والآخر : الانتقال السابق على تصور اللفظ والّذي ينشأ منه الانتقال إلى اللفظ ، وهذا هو انتقال المتكلم ، فانه ينقدح في نفسه أولا المعنى ويقصد تفهيمه ثم ينتقل إلى اللفظ. ولهذا فان المتكلم المطلع على لغتين بصورة متكافئة بعد أن يقصد التفهيم قد يفكر في اختيار إحدى اللغتين ، وقد يبقي يفتش عن اللفظة المناسبة لما يقصده من معنى حتى يجدها ، وهذا يعني ان انتقاله إلى اللفظ في طول انتقاله إلى المعنى.
أما في الانتقال الأول فمرآتية اللفظ مرجعها إلى كونه مغفولا عنه من قبل النّفس وإن كانت صورته موجودة في الذهن ، وذلك : إما لأن الانتقال إلى المعنى كان استجابة للإدراك الحسي للفظ مباشرة بدون توسيط الصورة الذهنية للفظ ـ على ما بيناه في الوجه الرابع ـ واما لأن الانتقال إلى المعنى كان في طول تصور اللفظ واستجابة له ، ولكن اللفظ مع هذا مغفول عنه وتمام توجه النّفس إلى المعنى. ولا يتوهم : أن الصورة الذهنية للفظ موجودة على أي حال وهي حاضرة للنفس بذاتها فما معنى كونها مغفولا عنها؟ فإنه يقال : إن وجود شيء في صقع من صقاع النّفس شيء وتوجه النّفس إليه شيء آخر ، وبهذا يفرق بين العلم الارتكازي والعلم الفعلي. ولا يتوهم : ان الصورة الذهنية للفظ إذا كانت مغفولا عنها وغير متوجه نحوها فكيف ينتقل منها إلى المعنى؟ فانه يقال : ان هذا الانتقال نتيجة الأشراط والاقتران الأكيد ، وهذا يؤدي إلى كون الصورة الذهنية للفظ بوجودها في صقع الذهن مستدعية للصورة الذهنية للمعنى لا بالالتفات إليها والتوجه نحوها ، فما هو طرف الإشراط وبالتالي طرف السببية تكوينا الوجود الذهني للفظ وبعد استتباعه لوجود المعنى ذهنا يمكن للنفس أن تتوجه إلى المعنى ابتداء ، وهذا ما يقع عادة فيقال حينئذ أن اللفظ يلحظ مرآة ؛ أي كما ان الناظر في المرآة على الرغم من أنه يرى المرآة ويرى الصورة معا يغفل عن رؤيته للمرأة ويتوجه إلى رؤيته للصورة ، فكذلك السامع فانه على الرغم من تصوره للفظ والمعنى معا لا يتوجه إلا إلى المعنى ويغفل عن تصوره للفظ ، فالسامع يتراءى له حسب وعليه التفصيليّ وتوجهه الفعلي كأنه لا يواجه إلا المعنى. هذا هو محصل الآلية والانتقال الأول.
١٣٩
وأما في الانتقال الثاني ، أي انتقال المتكلم إلى المعنى الّذي يستتبع الانتقال إلى اللفظ ، فاللفظ مرآتيته هنا أيضا بمعنى كونه مغفولا عنه وكون توجه المتكلم منصبا على المعنى وقصد تفهيمه ، وأما أداة التفهيم التي هي اللفظ فلا يتوجه إليها إلا تبعا ، كما هو الشأن في كل أداة نشأت العادة على استعمالها لأغراض معينة على نحو أصبح استعمالها شبه عمل آلي يمارسه الإنسان شبه ممارسة تلقائية ، فمن اعتاد أن يكتب بالقلم متى قصد الكتابة ـ إذا أراد أن يكتب في وقت ما ـ مد يده إلى القلم وكتب به بدون توجه تفصيلي إلى الأداة وإنما توجهه منصب على ما يكتب وليست الأداة ملتفتا إليها إلا تبعا ، وهذا نحو من الآلية ملحوظ في كل أداة من هذا القبيل.
وعلى هذا الأساس تتضح أمور :
الأول : ان الآلية بالمعنى الّذي ذكرناه في كلا الانتقالين أمر يقتضيه طبع المطلب ولكنها ليست من مقومات عملية تفهيم المعنى باللفظ أو افهام المعنى من اللفظ ، إذ يمكن لكل من المتكلم والسامع أن يتوجه إلى اللفظ وإلى المعنى توجها مستقلا. وتوهم : أن النّفس لبساطتها لا يعقل أن تتوجه إلى شيئين استقلالا في عرض واحد. مدفوع : بأن بساطتها بمعنى لا ينافي ذلك ، ولهذا كانت النّفس تتوجه إلى الموضوع والمحمول استقلالا في مقام عقد القضية في وقت واحد.
الثاني : أن انتقال السامع من اللفظ إلى المعنى يختلف عن انتقال الشخص من ملاحظة العمود إلى معرفة المسافة في أن اللفظ في الانتقال الأول يكون مغفولا عنه عادة بخلاف العمود في الانتقال الثاني ، وذلك لأن الانتقال الأول انتقال تصوري ويمثل التلازم بين تصورين على أساس الأشراط والاقتران المؤكد ، وقانون الاقتران يقتضي أن يكون أحد التصورين بوجوده الذهني سببا للتصور الآخر ، سواء التفت إليه من قبل النّفس بتوجه تفصيلي أو لا ، ويقتضي أن يكون الإحساس المثير لأحد التصورين صالحا لإثارة التصور الآخر مباشرة. وأما الانتقال الثاني فهو انتقال تصديقي ودلالة العلامة على ذيها دلالة تصديقية ، ولهذا لا يكفي الإحساس بها للتصديق بذيها ، فان التصديق بأحد المتلازمين يتوقف على التصديق بالآخر فما لم يتحول الإحساس بالعلامة إلى التصديق بوجودها المساوق حدوثا للالتفات إليها لا يحصل
١٤٠
التصديق بذيها. وهكذا نعرف أن هذه الآلية تختص بالدال التصوري.
وقد يكون من أجل ذلك ـ لا لبعض ما تقدم ـ نفي السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ الآلية والمرآتية على مسلك التعهد ، لأن الدلالة الوضعيّة على هذا المسلك دلالة تصديقية.
الثالث : اتضح مما سبق : أن الآلية والمرآتية في الاستعمال يرجع إلى معنى يقابل التوجه والالتفات من النّفس. وقد يتوهم : تفسيرها بمعنى ملاحظة اللفظ كأنه المعنى ، لا مجرد عدم التوجه إليه بل التوجه إليه بما هو عين المعنى ومندك فيه ، وهذا النحو من الآلية لا موجب لها على ضوء الوجوه السابقة بل غير معقول في المقام. وتحقيق ذلك : أن فناء شيء في شيء واندكاكه فيه ، تارة : يكون بمعنى وجوده بتبع وجوده ، بحيث يكون لكل منهما وجود في العالم الّذي تحقق فيه فناء أحدهما في الآخر غير ان وجود أحدهما وجود تبعي بالإضافة إلى الآخر لكونه محض الربط والتعلق به ، كما يقال في وجود الممكنات بالنسبة إلى الواجب ووجود النسبة بالإضافة إلى طرفيها. وأخرى : يكون بمعنى النّظر إلى الفاني كأنه المفني فيه بحيث يرى المنفي فيه برؤية الفاني ، فليس للمفني فيه وجود في عالم الفناء أصلا وإنما الموجود هو الفاني وفناؤه بمعنى أن التوجه إليه بما انه هو المفني فيه لا بما هو فكأن المفني فيه يرى برؤية الفاني ، وهذا هو سنخ فناء كل عنوان في معنونه. وكل من هذين النحوين غير معقول في اللفظ مع المعنى. أما الأول فواضح ، لأن اللفظ بالإضافة إلى المعنى ليس كالنسبة بالإضافة إلى طرفها. وأما الثاني ؛ فلان تعقل المرآتية بنحو يرى هذا الشيء بما هو الشيء الآخر لا يكفي فيه مجرد اعتبار كون أحدهما عين الآخر ، لأن هذا الاعتبار إنما يجعل ملاحظة الذهن للفظ ملاحظة للمعنى بالاعتبار والعناية لا أن الملاحظ للفظ يرى بوجه ما المعنى حقيقة من خلال اللفظ وان اللفظ يكون فانيا في أفق هذه الرؤية ، بل لا بد لتعقل المرآتية والفناء بهذا النحو بين شيئين أن يكون بينهما نحو وحده واقعية من قبيل الصورة الذهنية مع ذيها والعنوان مع المعنون ، فأنت إذا أحضرت صورة ذهنية للإنسان فهناك في صقع ذهنك تصور ومتصور موجود بنفس ذلك التصور والتصور كيف نفساني وليس إنسانا والمتصور إنسان وليس كيفا وفي هذه الحالة يمكنك أن تلحظ التصور لا بما هو تصور بل بما هو عين المتصور لأن هذه العينية واقعية فترى حينئذ الإنسان لا الصورة ويقال عند
١٤١
ذاك ان الصورة أخذت مرآة وفانية في المتصور. وقد يتفق ان المتصور نفسه مما لا يصدق على نفسه بالحمل الشائع وإن كان يصدق على نفسه بالحمل الأولي ، فأنت حين تتصور مفهوم الجزئي فتصورك له جزئي حقيقة واما متصورك فهو جزئي بالحمل الأولي ومفهوم كلي بالحمل الشائع والعينية هنا بين الجزئي بحمل والكلي بحمل آخر واقعية ، فقد تلتفت إلى تصورك بما هو كلي وقد تلتفت إليه بما هو جزئي ويقال حينئذ انه قد لوحظ بما هو مرآة لمعنونه فالمرآتية إذن لا تتم بالمعنى المذكور إلا بنحو من العينية الواقعية بين الشيئين ولا يتم ذلك في مثل اللفظ والمعنى الّذي ليس بينهما أي عينية واقعية.
الرابع : من شروط الاستعمال استحضار المستعمل للحيثية المصححة لدلالة اللفظ على المعنى. وتوضيح ذلك : أن الحيثية المصححة في الاستعمال الحقيقي هي الوضع وفي الاستعمال المجازي ، الوضع مع العلاقة. وكأنه لا إشكال عندهم في أن الوضع حيثية تعليلية بحتة ولا يجب استحضارها ، وأما العلاقة فقد ادعي لزوم استحضارها في مقام الاستعمال المجازي ، وبهذا كان هذا الشرط مدعي في نطاق الاستعمالات المجازية لا الحقيقية. وتقريبه : انه بدون ملاحظة هذه العلاقة يكون اللفظ أجنبيا عن المعنى المجازي ولا يكون هناك مبرر لاستعماله فيه ، فالحد الأوسط المبرر للاستعمال هو المعنى الحقيقي فلا بدّ للمستعمل من ملاحظته. والتحقيق : انه لا يلزم ذلك بناء على طريقتنا في تصحيح استعمال اللفظ في المعني المجازي ، إذ عرفنا أن كل لفظ يصح أن يستعمل فيما له صلاحية الدلالة عليه تصورا ، وعرفنا ان اللفظ بقرنه بالمعنى الحقيقي يكسب نفس ما للمعنى من اقترانات وإثارات ولكن بدرجة أضعف فتصبح له صلاحية الدلالة على المعنى المجازي الّذي كان المعنى الحقيقي صالحا للدلالة عليه وإثارته في الذهن. وبهذا نعرف : أن دور المعنى الحقيقي في ربط اللفظ وقرنه بالمعنى المجازي دور الحيثية التعليلية لا التقييدية. وعليه ، فاللفظ بعد وضعه للمعنى الحقيقي وقرنه به يصبح صالحا بدرجة ما للدلالة على المعنى المجازي مباشرة ، ومعه يصح للمستعمل استعمال اللفظ فيه بدون حاجة إلى لحاظ الحيثية التعليلية ، كما هو الحال في الاستعمال الحقيقي بالنسبة إلى لحاظ نفس الوضع. نعم ، لو بني على أن المصحح
١٤٢
لاستعمال اللفظ في معناه المجازي كونه موضوعا بوضع نوعي لما يشابه المعنى الحقيقي اتجه القول بتوقف صحة الاستعمال في المعنى المجازي على ملاحظة المشابهة إذ بدون ذلك لا يكون قد استعمل اللفظ في المعنى الّذي وضع له بالوضع النوعيّ وهو المشابه بما هو مشابه.
الخامس : ما يدعى كونه شرطا للاستعمال عموما من كون اللفظ موضوعا للمعنى المستعمل فيه إما بوضع شخصي ؛ وذلك في الاستعمال الحقيقي ، أو بوضع نوعي ، وذلك في الاستعمال المجازي. وتقوم هذه الدعوى على أساس ان استعمال اللفظ في معنى لا يكفي في صحته مجرد صلاحيته للدلالة عليه بل لا بد من الوضع.
وقد تقدم تحقيق ذلك في نظرية الدلالة على المعنى المجازي ، وأوضحنا انه لا يعتبر ذلك في تصحيح الاستعمال.
مقارنة بين الاستعمال والإيجاد
يمكن ان نلاحظ ـ على ضوء ما تقدم ـ ان الاستعمال عبارة عن الاستعانة بإخطار غير الشيء المقصود افهامه لكي ينتقل من إلى المقصود ، وفي مقابل ذلك قد يستبدل الشخص الاستعمال بطريقة إيجاد نفس المعنى المقصود افهامه بإيجاد المعنى خارجا وإحضاره تحت إحساس السامع كوسيلة الإخطار صورته في الذهن ، وتسمى هذه الدلالة بالدلالة الإيجادية وممارسة ذلك بالإطلاق بالإيجادي وهو يختلف في حقيقته ومميزاته عن الاستعمال ، كما يظهر ضمن النقاط التالية :
١ ـ ان الذهن في الدلالة الحكائية لا ينتقل إلى المعنى مباشرة بل باجتياز صورة ذهنية أخرى كصورة اللفظ التي تنبه الذهن إلى معناه نتيجة الاقتران الوضعي بينهما ، وما في الدلالة الإيجادية فالمعنى يتصور مباشرة وبلا توسيط تصور آخر لكونه قائما على أساس التلازم التكويني بين الإحساس بالشيء وحضور صورته لدى الذهن فلا يحتاج إلى أي عناية جعلية. وبكلمة أخرى : إن الاستجابة الذهنية في الدلالة الإيجادية قائمة على أساس الإحساس بالمنبه الطبيعي ولهذا كانت الدلالة الإيجادية هي الوسيلة الأولية والطبيعية في حياة الإنسان.
١٤٣
٢ ـ انه بالوسيلة الحكائية يمكن إخطار موضوع القضية في ذهن السامع سواء كان كليا أو جزئيا لتعقل كون الحاكي حاكيا عن الكلي تارة وعن الجزئي أخرى ، واما بالوسيلة الإيجادية فلا يعقل إخطار المعنى الكلي بها فإذا كان موضوع القضية كليا استحال إخطاره عن طريق الوسيلة الإيجادية لأن الموجد دائما فرد جزئي ، والكلي وإن كان موجودا بإيجاد فرده ولكنه موجود في ضمنه وجودا تحليليا فيمثل هذا الإيجاد نحصل على صورة في ذهن السامع موازية لما أوجدناه فيكون الكلي موجودا فيها وجودا تحليليا وفي ضمن الخاصّ لا بحده بما هو كلي ، ومن الواضح التباين بين صورة الكلي في ضمن الفرد وصورة الكلي بحده. نعم يمكن جعل الأولي مقدمة إعدادية في ذهن السامع لكي ينتقل منها إلى الثانية ، إلا ان هذا استخدام للوسيلة الحكائية وخلف فرض الاقتصار على الوسيلة الإيجادية لأنه يعني انتقال الذهن من صورة ذهنية إلى صورة ذهنية أخرى وهو معنى الحكاية ـ كما تقدم ـ ومنه أن ينصب قرينة على إلغاء الخصوصية وإرادة الكلي مما أوجده.
٣ ـ إن إفادة قضية بإخطار موضوعها بالوسيلة الإيجادية ومحمولها بالوسيلة الحكائية لا يكفي فيها مجرد معقولية الوسيلة الإيجادية في إخطار المعنى بل لا بد من فرض وسيلة لإخطار النسبة بين الموضوع والمحمول لكي تتم بذلك عناصر القضية في ذهن السامع ، ومن الواضح ان النسبة انما يكون إخطارها بوسيلة حكائية وهي الهيئة وحكاية الهيئة ودلالتها على النسبة فرع الوضع ، فلا بدّ حينئذ من النّظر إلى ان الهيئة المتحصلة من المجموع الملفق من الوسيلة الحكائية والوسيلة الإيجادية هل وضعت للنسبة على حد وضع الهيئة المتحصلة من مجموع الوسيلتين الحكائيتين لذلك أو لا؟
تطبيقات
وعلى ضوء ما تقدم من الشروط العامة للاستعمال وبالمقارنة بين الاستعمال والإطلاق الإيجادي قد يستشكل في تعقل الاستعمال في عدة مواضع.
منها ـ الاستعمال الّذي يوجد به الوضع ، لاختلال الشرط الأول من شروط الاستعمال فيه ، أو لاستلزامه اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي بناء على الشرط
١٤٤
الثالث ، وقد تقدم الكلام عنه في بحث الوضع.
إطلاق اللفظ وإرادة شخصه
ومنها ـ إطلاق اللفظ وإرادة شخصه ، فيقال : انه لا يعقل أن يكون من باب الاستعمال بل يتعين أن يكون من باب الإطلاق الإيجادي.
اما الجزء الأول من هذا المدعى ، فيبرهن عليه تارة ـ على ضوء الشرط الثاني ـ بتقريب : عدم التغاير بين الدال والمدلول والمستعمل والمستعمل فيه مع أن التغاير معتبر. وأخرى ـ على ضوء الشرط الثالث ـ بلزوم اجتماع اللحاظين لأن اللفظ بما هو لفظ دال يلحظ في مقام الاستعمال باللحاظ الآلي تطبيقا للشرط الثالث وبما هو نفس المعنى يلحظ باللحاظ الاستقلالي ويستحيل اجتماع هذين اللحاظين على ملحوظ واحد.
أما البرهان الأول فهو وجيه ، ولا ينفع التغاير الاعتباري والحيثي ـ كما تقدم ـ فلا يتم ما أفاده المحقق الخراسانيّ قدس‌سره من أن التغاير الاعتباري والحيثي ـ كاف لتصوير كون اللفظ دالا ومدلولا فهو دال بما هو لفظ صادر ومدلول بما هو مراد (١). إذ يرد عليه : ما تقدم من لزوم التعدد الحقيقي في أمثال المقام. وقد يورد عليه : بأن دلالة اللفظ بوصفه فعلا اختياريا للفظ على الإرادة دلالة عقلية وليست لفظية ، والكلام في تصحيح الدلالة اللفظية بحيث يصدق الاستعمال بنحو من الأنحاء كما أفاده المحقق الأصفهاني (٢). ولكن هذا الإيراد غير واضح ، لأن الظاهر ان مقصود صاحب الكفاية من الإرادة ليس الإرادة التكوينية للمتكلم التي هي من مبادئ الفعل الاختياري ، لوضوح انه لو كان قد خلط بين المدلول العقلي والمدلول اللفظي وتصور ان دلالة اللفظ على الإرادة دلالة لفظية لما توصل بذلك إلى مرامه أيضا ، لأنه بصدد تصوير استعمال اللفظ في شخص نفسه وبهذا الخلط انما يكون اللفظ مستعملا في شيء آخر هو
__________________
(١) كفاية الأصول ج ١ ص ٢٠ ( ط ـ مشكيني )
(٢) نهاية الدراية ج ١ ص ٣٢ ( المطبعة العلمية ـ قم )
١٤٥
الإرادة. فهذا شاهد على أنه لا يقصد بالإرادة ما ذكر بل تقصد الإرادة التفهيمية أو الاستعمالية ، بمعنى أن اللفظ بما هو لفظ أريد به التفهيم دال ، وبما أنه أريد تفهيم نفسه به مدلول.
وأما البرهان الثاني ، فيرد عليه : ما عرفت من أن الشرط الثالث غير تام ، وانه ليس من الضروري أن يكون اللفظ ملحوظا في مقام الاستعمال باللحاظ الآلي. ولو سلم هذا الشرط لكان الفرض المبحوث عنه في نفسه مستحيلا بقطع النّظر عن محذور اجتماع اللحاظين ، لأن فرض الاستعمال هو فرض الآلية وهو مساوق للاثنينية بين الآلة وذي الآلة فمع التعدد يستحيل اللحاظ الآلي وكون الشيء فانيا في نفسه.
واما الجزء الثاني من المدعى ، فالصحيح أن تفسيره على أساس الإيجاد معقول لأنه يتوقف على أمرين كلاهما ثابت ، أحدهما : أن يكون موضوع القضية جزئيا ، لما تقدم من عدم إمكان إحضار الكلي في الذهن بالإيجاد وهذا الشرط حاصل في المقام لأن المراد بحسب الفرض شخص اللفظ لا طبيعيه. والآخر : أن تكون الهيئة المتحصلة من المجموع الملفق من الوسيلة الحكائية ولإيجادية موضوعة للنسبة ، والظاهر ان هذا حاصل أيضا في الموارد التي تكون الوسيلة الإيجادية فيها لفظا ، كما هو الحال في المقام ، لأن الهيئة المتحصلة حينئذ من مثل ( زيد لفظ ) هي نفس الهيئة المتحصلة من مثل ( زيد عالم ) والعرف يفهم النسبة من كلتا الجملتين ، بخلاف الموارد التي تكون الوسيلة الإيجادية فيها متمثلة في فعل لا لفظ ، كما لو ضرب شخص الحائط وقال ( ضرب ) فان الهيئة المتحصلة من المجموع المركب من ضرب الحائط خارجا وكلمة ( ضرب ) مباينة سنخا للهيئة المعهودة دلالتها على النسبة ، ولهذا كان بالإمكان منع وضعها لإفادة النسبة.
وبهذا يتضح الجواب على ما أورده المحقق الأصفهاني قدس‌سره على تصحيح هذا الإطلاق من باب الإيجاد بالنقض بمثل إيجاد الضرب خارجا وتشكيل القضية من ضم ذلك إلى لفظ دال على المحمول (١) فان هذا النقض مندفع : بأن عدم صحة
__________________
(١) نهاية الدراية ج ١ ص ٣٣ ( المطبعة العلمية ـ قم )

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 2   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:33 am

تشكيل القضية في مورد النقض لو سلم ليس ناشئا من عدم تعقل الوسيلة الإيجادية بل من عدم كون الهيئة في مورد النقض موضوعة لإفادة النسبة ، بخلاف الهيئة في المقام.
وهذا هو الجواب على النقض لا ما قد يقال ـ كما عن المحقق العراقي ـ من أن اعتياد الإنسان على الانتقال من الألفاظ لا من الأفعال هو نكتة الفرق (١) لأن الانتقال من الإحساس بشيء إلى تصور نفس ذلك الشيء أمر لا يختص بالألفاظ كما هو واضح ، واما الانتقال إلى أمر آخر من باب الحكاية فهو وإن كان مختصا باب الألفاظ إلا أن المطلوب في المقام ليس ذلك بل الانتقال إلى نفس ما أوجد.
إطلاق اللفظ وإرادة نوعه
ومنها ـ إطلاق اللفظ وإرادة نوعه وصنفه ومثله ، وقد قيل ان الأول من صغريات الوسيلة الإيجادية بل ادعى السيد الأستاذ ( دام ظله ) ان الإطلاقات الثلاثة كلها من هذا القبيل ولا معنى لجعلها من باب الاستعمال والحكاية ، لأن التوصل بالحاكي إنما هو في فرض لا يكون نفس المقصود حاضرا فيه وفي هذه الموارد يكون نفس المقصود حاضرا وموجدا وهو كلي ( ضرب ) مثلا بإيجاد فرده ، غاية الأمر : أن المقصود إذا كان هو النوع على إطلاقه اقتصر المتكلم على إيجاد فرده ، وإن كان المقصود حصة خاصة منه أتى بالحرف للدلالة على التحصيص والتضييق فيقول مثلا ( ضرب في ضرب زيد فعل متصل بفاعله ) (٢).
ولكن ، قد اتضح ـ على ضوء ما تقدم من المقارنة العامة بين الاستعمال والإيجاد ـ عدم إمكان تخريج هذه الإطلاقات على أساس الإيجاد ، لما مضى من أن الموضوع إذا كان كليا فيستحيل إحضاره في ذهن السامع بالوسيلة الإيجادية. ولا معنى لما أفيد من كون الموضوع موجدا بنفسه والحرف دال على التضييق في موارد إرادة الصنف أو المثل ، لأن ما هو المضيق إن كان هو ( ضرب ) بوجوده الخارجي فبطلانه واضح ، إذ
__________________
(١) بدائع الأفكار ج ١ ص ٩١
(٢) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١٠٦
١٤٧
الوجود الخارجي لا يقبل الإطلاق والتقييد ، وإن كان المضيق هو المفهوم المقصود تفهيمه بذلك الوجود رجع إلى باب الاستعمال والحكاية. فالمتعين إذن تنزيل هذه الإطلاقات على الاستعمال.
وقد يستشكل في تنزيلها على الاستعمال ، تارة : بلزوم اتحاد الدال والمدلول باعتبار ان اللفظ بنفسه مصداق لنوعه فلو استعمل في النوع كان دالا ومدلولا. وأخرى : بأن الاستعمال بحاجة إلى مناسبة بين اللفظ والمعنى ليستعمل أحدهما في الآخر ولا مناسبة بين الشخص بما هو شخص والنوع لأن خصوصية الشخص مباينة للنوع.
والجواب : أما عن الأول ، فبأن كونه مصداقا للمدلول لا يساوق كونه هو المدلول بالذات ، والتقابل الآبي عن التصادق إنما هو بين الدال والمدلول بالذات ، وإلا فما أكثر ما يكون نفس الدال مصداقا لمدلوله ، كما في كلمة ولفظ ونحو ذلك. وإن شئت قلت : أن المدلولية بالذات تقف على نفس المفهوم ولا تسري إلى كل مصداق من مصاديقه ليلزم اجتماع الدال والمدلول في المصداق. واما عن الثاني ، فبأن اشتمال الفرد على حصة من الطبيعي يكفي مناسبة عرفية لجعله أداة للانتقال إلى الطبيعي.
استعمال اللفظ في أكثر من معنى
ومنها ـ استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، فقد وقع البحث في إمكانه وذهب جملة من المحققين إلى امتناعه على ضوء الشروط المتقدمة للاستعمال وذهب جماعة إلى إمكانه مع مخالفته للقواعد العربية ومساوقته للتجوز إما مطلقا أو في خصوص المفرد.
وتحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في جهات.
المراد من تعدد المعنى
الجهة الأولى : في تحرير النزاع. وتوضيحه : ان ضابط هذا الاستعمال المبحوث عن جوازه وعدمه أن يكون كل من المعنيين مستقلا في مقام تعلق الإرادة الاستعمالية به ، بمعنى أن يقصد تفهيمه بما هو باللفظ لا بما هو في ضمن معنى آخر أو بما هو
١٤٨
فرد لمعنى آخر ، فالاستقلال المقصود هو الاستقلال الاستعمالي لا الحكمي ، فقد يقصد تفهيم معنى بما هو باللفظ وكذلك المعنى الآخر إلا أن المحمول الّذي يحكم به عليهما واحد ثابت لمجموع المعنيين ، وقد يقصد تفهيم المجموع من المعنيين باستعمال اللفظ في المجموع ويكون كل منهما موضوعا مستقلا للحكم إذ لا ملازمة بين الاستقلال الاستعمالي والحكمي. وقد ذهب بعض المحققين ـ على أن ما في حاشية المحقق الأصفهاني ( قده ) (١) إلى التلازم بين الأمرين ويظهر منه ان السر في هذا التلازم هو ان الحكم الاستقلالي شأنه التعلق بالمعنى الملحوظ في مقام الاستعمال فإذا كان المعنى ملحوظا ضمنيا في مقام الاستعمال فالحكم يثبت له بما هو ضمني أيضا والعكس صحيح ، ولا يمكن مع ملاحظته في الضمن استعماليا أن يتعلق الحكم به مستقلا إلا بإبطال اللحاظ الاستعمالي وإحداث لحاظ جديد ، وهو خلاف الوجدان. والتحقيق في حل هذه الشبهة أن يقال : ان الحكم وإن كان يتعلق بالمعنى الملحوظ باللحاظ الاستعمالي لا بمعنى ملحوظ بلحاظ آخر وإلا لم يكن متعلقا بالمعنى المستعمل فيه إلا أن اللحاظ الّذي تقتضيه الإرادة الاستعمالية الضمنية له لا يأبى عن تعلق الحكم الاستقلالي به ، وذلك لأن لفظ ( عين ) مثلا موضوع لطبيعي العين الجارية ولطبيعي العين الباكية والمعنى في كل منهما هو الجامع بين المقيد بكونه في ضمن مركب والمطلق وليس المراد بكون المعنى ضمنيا في مقام تعلق الإرادة الاستعمالية إرادة الحصة الأولى منه كما انه ليس المراد باستقلاليته في هذا المقام إرادة الحصة الثانية منه بل المراد الاستعمالي سواء كان ضمنيا أو استقلاليا هو الطبيعة بنحو جامع بين المقيد والمطلق ، إلا ان هذه الطبيعة الجامعة تارة : بقصد تفهيمها بالخصوص باللفظ ، وهو معنى استقلالها في الإرادة الاستعمالية. وأخرى : يقصد تفهيمها بأن تعتبر جزءا من مجموع الطبيعتين الجامعتين بين المطلق والمقيد ويقصد تفهيمها بما انها في ضمن المجموع ، وعلى كل من التقديرين فالمراد جدا منه الّذي هو مصب الحكم تارة : يكون هو الحصة المطلقة ، وأخرى : الحصة الخاصة ؛ فعلى الأول يكون الحكم استقلاليا سواء كان الاستعمال
__________________
(١) نهاية الدراية ج ١ ص ٨٦ ( المطبعة العلمية ـ قم )
١٤٩
استقلاليا أو لا ، وعلى الثاني يكون الحكم ضمنيا على التقديرين ، فمنشأ الإشكال توهم : أن المقصود بإرادة المعنى استقلالا لا ضمنا في مقام الاستعمال إرادة المطلق في مقابل المقيد ، مع أن المقصود إرادة تفهيم الجامع بين المطلق والمقيد بنفسه ، وتوهم : ان المقصود بإرادة المعنى ضمنا في مقام الاستعمال إرادة المقيد ، مع أن المقصود إرادة تفهيم الجامع بين المطلق والمقيد ولكن في ضمن تفهيم مجموع جامعين من هذا القبيل وفي هذه الحالة قد يكون المراد الجدي هو المطلق وقد يكون هو المقيد.
إمكان استعمال المفرد في أكثر من معنى
الجهة الثانية : في إمكان استعمال اللفظ المفرد في أكثر من معنى وامتناعه وقد ادعي الامتناع وقرب بعدة وجوه :
الأول : استلزامه صدور الكثير من الواحد ، إما بتقريب منسوب إلى المحقق النائيني ( قده ) من أن النّفس باعتبار بساطتها يمتنع في حقها أن تلحظ معنيين مستقلين في آن واحد ، والاستعمال في أكثر من معنى يستدعي ذلك إذ بدونه يفقد الاستعمال أهم مقوماته وهو اللحاظ (١).
وإما بتقريب أشار إليه المحقق العراقي ( قده ) من أن استعمال اللفظ في معنيين مرجعه إلى كون اللفظ مقتضيا لإيجاد انفهامين في ذهن السامع ، مع أنه لا يمكن ترتب الفهمين على مقتض واحد حذرا من توارد المعلولين على علة واحدة (٢).
اما التقريب الأول ، فيرد عليه : ما ذكره المحقق الأصفهاني ( قده ) (٣) وغيره من اقتدار النّفس على انتقالات وتصورات متعددة في آن واحد ولا ينافي ذلك بساطتها كما هو محقق في محله ، ومما يدل على ذلك أن تصورات أجزاء القضية لا بد من اجتماعها كلها في زمان إيقاع النسبة والحكم بل ان تصور اللفظ وتصور المعنى متزامنان دائما وهما وجودان ذهنيان.
__________________
(١) راجع محاضرات أصول الفقه ج ١ ص ٢١٧
(٢) مقالات الأصول ج ١ ص ٤٨
(٣) راجع نهاية الدراية ج ١ ص ٨٥
١٥٠
واما التقريب الثاني ، فيرد عليه : أن اللفظ بلحاظ كل من الوضعين يكتسب حيثية قرن مؤكد مغايرة للحيثية التي يكتسبها بتوسط الوضع الآخر ويمكن أن نعبر عنها بالألفة الذهنية بين صورة اللفظ والمعنى الحاصلة ببركة القرن الخارجي بينهما ، وهو بلحاظ كل من الحيثيتين يكون سببا في إيجاد معنى خاص ، فلا يلزم صدور الكثير من الواحد بلا حاجة إلى التخلص عن المحذور بتكثير السبب عن طريق ضم القرينة ـ كما في مقالات المحق العراقي ـ هذا ، على أن البيان المذكور لو تم لاقتضى استحالة ترتب انفهامين في ذهن السامع على اللفظ لا استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، لأن الاستعمال لا يتقوم بفعلية الانفهام بل بشأنيته في نفسه ، ولهذا قد يكون المستعمل في مقام الإجمال.
الثاني : ما جاء في كلمات صاحب الكفاية قدس‌سره (١) ومرجعه إلى الاستناد إلى الشرط الثالث لإثبات الامتناع ، إما بتقريب : ان الاستعمال ـ كما تقرر في الشرط الثالث ـ عبارة عن إفناء اللفظ في معناه بنحو يكون اللفظ ملحوظا باللحاظ الآلي ومرآة للمعنى ، ويستحيل وحدة الفاني مع تعدد المفني فيه في عالم اللحاظ ، لأن الفناء يستدعي العينية في التصور واللحاظ وهو خلف التعدد. وبكلمة أخرى : مع فنائه في أحد المعنيين فأي وجود يبقى له لكي يفرض فناؤه في المعنى الآخر. وإما بتقريب : أشار إليه المحقق العراقي قدس‌سره في مقالاته من أنه بناء على أن اللفظ يلحظ في مقام الاستعمال لحاظا آليا يلزم في حالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى اجتماع لحاظين على ملحوظ واحد وهو اللفظ ، لأن كلا من المعنيين ملحوظ باللحاظ الاستقلالي وكل من هذين اللحاظين يصل إلى المعنى بتوسط اللفظ ومرورا منه إليه كما هو معنى الآلية ، وهو يعني مرور لحاظين من اللفظ إلى المعنيين في وقت واحد ، وهو معنى لزوم اجتماع لحاظين آليين على اللفظ في استعمال واحد وهو غير معقول. وهذا بخلاف ما إذا أنكرنا الآلية في مقام الاستعمال فان اللفظ حينئذ يكون ملحوظا
__________________
(١) كفاية الأصول ج ١ ص ٥٤ ( ط ـ مشكيني )
١٥١
بلحاظ استقلالي ويكفي فرد واحد من هذا اللحاظ لإفادة كل من المعنيين (١).
ويرد على التقريب الأول : أن آلية اللفظ ذهنا في عالم اللحاظ المدعاة شرطا ثانيا فيما تقدم إن أريد بها الآلية بالمعنى المقابل لتوجه النّفس والتفاتها تفصيلا إلى الشيء ، بمعنى أن الألفاظ تستعمل استعمالا أداتيا مع الغفلة عنها عادة ، فهذه ظاهرة عامة في عالم الاستعمال ولكنها ليست مقومة لعملية الاستعمال ذاتا ـ كما عرفت ـ ولا تستدعي امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، لأن مجرد عدم التوجه إلى اللفظ كما يلائم مع استخدامه أداة لتفهيم معنى واحد كذلك يلائم مع استخدامه أداة لتفهيم معنيين ، ولا يخرج بذلك عن كونه أداة اعتاد الإنسان على استخدامها والنّظر إليها تبعا. وإن أريد بالآلية ملاحظة اللفظ فانيا في المعنى وكأنه المعنى بحيث يرى المعنى برؤية اللفظ فهي على فرض ثبوتها في الاستعمال توجب امتناع الاستعمال في أكثر من معنى ولكن هذا المعنى من الآلية غير معقول في المقام ـ كما تقدم ـ.
ويرد على التقريب الثاني : ان اللحاظ الآلي للفظ في مقام الاستعمال ليس معناه ان لحاظا واحدا يعبر من اللفظ إلى المعنى فيكون لحاظا استقلاليا للمعنى باعتبار استقراره عليه ولحاظا آليا للفظ باعتبار استطراقه منه ليلزم محذور عبور لحاظين عن اللفظ ، بل معناه ـ على ما تقدم ـ ان اللفظ ملحوظ بلحاظ وموجود في الذهن بوجود ، ولكنه ليس محطا للتوجه والالتفات من قبل النّفس بحكم العادة التي تجعل المعتاد يستعمل الأداة فيما أعدت له من دون توجه إليها بالفعل ، وقد عرفت أن الوجود الذهني أعم من التوجه والالتفات. وعليه ، فلا يلزم من استعمال اللفظ استعمالا أداتيا لتفهيم معنيين اجتماع لحاظين آليين عليه.
الثالث : ما جاء في كلمات المحقق الأصفهاني قدس‌سره تارة بتقريب : أن الاستعمال المذكور يقتضي صيرورة اللفظ وجودا تنزيليا لكل من المعنيين ، ومع كون الوجود الحقيقي واحدا فليس هناك أمران حقيقيان لينزل كل منهما منزلة معنى. وأخرى بتقريب : ان استقلال كل من المعنيين في مقام الاستعمال الّذي هو المفروض
__________________
(١) راجع مقالات الأصول ج ١ ص ٤٨
١٥٢
معناه استقلاله في الإيجاد التنزيلي لأن الاستعمال عين الإيجاد كذلك ، والاستقلال بالإيجاد التنزيلي يستدعي الاستقلال بالوجود التنزيلي لأن الإيجاد عن الوجود ، والاستقلال بالوجود التنزيلي يقتضي الاستقلال بالوجود اللفظي الحقيقي لأن الوجود التنزيلي للمعنى عين الوجود الحقيقي للفظ ، فالاستقلال في أحدهما مساوق للاستقلال في الآخر.
ويرد على التقريب الأول : وضوح أن تعدد المنزل عليه لا يستدعي تعدد المنزل إذ يمكن أن يكون الوجود الواحد منزلا منزلة أمور متعددة بتنزيلات متعددة فلا نحتاج إلى وجود حقيقي آخر لينزل منزلة المعنى الآخر ، ولو لا ذلك لسرى الإشكال إلى أصل وضع اللفظ للمعنيين ولم يختص الإشكال باستعماله فيهما ، فإذا صح في مقام الوضع تنزيل اللفظ الواحد بتنزيلين بإزاء معنيين لم يكن ما يمنع من إخراج كل من التنزيلين عن القوة إلى الفعل.
وأما التقريب الثاني ، فيرد عليه : أولا : ما يشترك فيه البيانان ، من أنه إن أريد بكون الاستعمال إيجاد المعنى باللفظ تنزيلا كون اللفظ أداة لإيجاد المعنى ومرآة له في مقام الاستعمال فلا يمكن أن يكون كذلك بالنسبة إلى معنيين وإلا لزم فناؤه في اثنين أو اجتماع اللحاظين ، رجع إلى الوجه السابق وإن أريد بذلك مجرد اعتبار ان اللفظ عين المعنى كما يعتبر الطواف بالبيت صلاة مثلا فليس هذا حقيقة الاستعمال.
وثانيا : ان الاستقلال في الإيجاد التنزيلي وإن كان يقتضي الاستقلال في الوجود التنزيلي ، إلا ان هذا لا يقتضي الاستقلال في الوجود الحقيقي ، إذ المراد باستقلال وجود ما استقلاله في عالم ثبوته وموطن تحققه ، وهو بالنسبة إلى الوجود التنزيلي عالم الاعتبار أو ما يشبه ، فلا بدّ من استقلاله في هذا العالم ، بمعنى انه لا بد أن يكون كل من المعنيين إيجادا مستقلا في عالم الاعتبار ووجودا مستقلا كذلك ؛ وهذا حاصل في المقام ولا يلازم مع استقلال كل منهما بالوجود في عالم الخارج.
١٥٣
صحة استعمال المفرد في أكثر من معنى
الجهة الثالثة : بعد الفراغ عن عدم الامتناع يتكلم عن صحة استعمال اللفظ المفرد في أكثر من معنى على وجه الحقيقة وعدمها ، فقد يقال : ان في الاستعمال المذكور إخلالا بقيد الوحدة المأخوذ في مقام الوضع وتقريب ذلك بوجهين : أحدهما : ان يدعى ان قيد الوحدة مأخوذ في المعنى الموضوع له. والآخر : أن يدعى انه دخيل في غرض الواضع ولم يؤخذ قيدا في المعنى الموضوع له لاستحالة تقييده به ، ولما كان دخيلا في الغرض امتنع إطلاق المعنى الموضوع له ، من قبيل قصد امتثال الأمر في العبادات ؛ ولزم التقيد به في مقام الاستعمال الجاري على طبق الوضع.
أما الوجه الأول ، فيرد عليه : أن الوحدة المدعى أخذها في المعنى الموضوع له إن كانت بمعنى الوحدة الذاتيّة المساوقة لشيئية الشيء في مقابل كون الشيء اثنين ، فمن الواضح انها محفوظة في موارد استعمال اللفظ في أكثر من معنى. وإن كانت بمعنى الوحدة اللحاظية الاستغراقية ، أي أن يكون ملحوظا باللحاظ الاستقلالي لا الضمني في مقام الاستعمال ، فهذا اللحاظ الاستعمالي لو تعقلنا أخذه في المعنى الموضوع له ـ على بحث تقدم في مسألة تبعية الدلالة للإرادة ـ فهو محفوظ في المقام ، لأن المفروض ملاحظة كل من المعنيين بلحاظ استقلالي في مقام الاستعمال لا ملاحظة مجموع المعنيين شيئا واحدا مركبا ، وإلا كان من استعمال اللفظ في المعنى الواحد وإن كانت بمعنى نفي ثبوت لحاظ للمعنى الآخر في مقام الاستعمال ؛ فهذا أمر لا يعقل أخذه قيدا في المعنى الموضوع له ، لأن المراد به ليس مفهوم عدم اللحاظ الآخر بل واقعة مع انك عرفت ان طرفي العلقة الوضعيّة يجب أن يكونا مفهومين وتصورين ولا يعقل أن يكون أحد الطرفين أمرا وجوديا لأن الانتقال الوضعي انتقال تصوري بحث. وهذا هو الجواب الصحيح لا ما أفاده المحقق العراقي ( قده ) وغيره من ان الوحدة اللحاظية في مقام الاستعمال من مقومات الاستعمال فلا يعقل أخذها في المعنى المستعمل فيه السابق
١٥٤
رتبة على الاستعمال (١) إذ يرد عليه : ان مرجع هذه الوحدة إلى تقييد كل من المعنيين بعدم لحاظ المعنى الآخر لحاظا استعماليا ، ومن الواضح أن ما هو في طول كل من المعنيين اللحاظ الاستعمالي المقوم للاستعمال فيه لا اللحاظ الاستعمالي المقوم للاستعمال في المعنى الآخر فضلا عن عدم ذلك اللحاظ فلا يلزم من أخذ الوحدة اللحاظية بهذا المعنى أخذ المتأخر في مرتبة متقدمة.
وأما الوجه الثاني ، فيرد عليه : أن ضيق غرض الواضع لا يوجب ضيق نفس العلقة الوضعيّة حتى لو سلم ذلك في باب الأوامر وان ضيق غرض المولى في باب العبادة يوجب ضيقا في متعلق الأمر وعدم إطلاقه ، وذلك لما أوضحناه من أن العلقة الوضعيّة أمر واقعي مترتب على الوضع ترتب المعلول على علته وليس حالها مع الوضع حال المجعول بالنسبة إلى جعله ، فمهما كان الغرض ضيقا يؤدي الوضع دوره كسبب لقرن أكيد بين اللفظ والمعنى ، وهذا القرن هو ملاك الانتقال والدلالة.
ثم إن ما ذكرناه انما نقصد به نفي خروج الاستعمال في أكثر من معنى عن قانون الوضع ، ولكنا نسلم في الوقت نفسه بأنه خلاف القانون العرفي للمحاورة ، وبمعنى انه على خلاف الظهور العرفي ، ولهذا لا يبني العقلاء على التمسك بأصالة الحقيقة لإثبات استعمال المشترك في كلا معنييه. ونكتة ذلك ظهور حال المتكلم في التطابق وعلاقة واحد بواحد بين عالم اللفظ والإثبات وعالم المقصود والمراد ، فان مقتضى التطابق أن يكون بإزاء كل جزء من الكلام جزء من المعنى لا جزءان.
استعمال المثنى والجمع في أكثر من معنى
الجهة الرابعة : ان من سلك مسلك قيد الوحدة في إبطال استعمال اللفظ في أكثر من معنى قد استثنى من ذلك المثنى والجمع ، وذكر انه لا بأس بأن يراد بعينين عين جارية وأخرى باكية ، بتخيل ان الألف والنون في المثنى دال على إرادة المعنيين من المدخول فلا محذور.
__________________
(١) مقالات الأصول ج ١ ص ٤٩
١٥٥
والتحقيق : أن تخريج إرادة معنيين من المثنى كذلك لا يمكن تصوره إذا فرض ان المثنى دال على مفاده بنحو تعدد الدال والمدلول مادة وهيئة بمعنى ان المادة تدل على الطبيعة التي وضع لها اللفظ وهيئة المثنى تدل على المتعدد منه ، فانه على هذا إن كانت المادة مستعملة في معنى واحد فلا يعقل استفادة المعنى الآخر من التثنية بعد فرض ان مدلولها ليس إلا تكثير مدلول المادة ، وإن كانت المادة مستعملة في معنيين لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى وكان هذا التكثير مستفادا من نفس المادة ، فكان لا بد لإعمال التثنية من أن يراد المتكرر من كل من المعنيين وبذلك يلزم استعمال اللفظ ، في أكثر من معنى على مستوى المادة ومستوى الهيئة معا. وقد يتوهم : ان محذور استعمال اللفظ في أكثر من معنى في هذا الفرض انما يلزم في المادة لا في الهيئة لأن الهيئة لم تستعمل إلا في معناها وهو إفادة المتعدد من مدخولها ، غاية الأمر ان مدخولها أصبح ذا معنيين ، فهو من قبيل تثنية ما يكون متعددا بنفسه كالعشرة ، فان دلالة عشرتين على عشرين ليس من استعمال هيئة المثنى في أكثر من معنى (١). والجواب على هذا التوهم : أن هيئة المثنى موضوعة لإفادة المتعدد من مدلول المادة المدخولة لها وفي الحالة المذكورة إن استعملت المادة في مجموع المعنيين على نحو كان المجموع مدلولا واحدا لها لم يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى على مستوى المادة أصلا وهو خلف المفروض ، وإن استعملت المادة في كل من المعنيين على استقلاله فهذا يعني ان لفظ المادة له مدلولان مستقلان ، والهيئة موضوعة بنحو الوضع العام والموضوع له الخاصّ لإفادة المتعدد من مدلول المادة ، وحيث ان للمادة مدلولين فلا محالة يكون للهيئة مدلولان : أحدهما المتعدد من هذا المدلول ، والآخر المتعدد من ذلك المدلول ، وأين هذا من تثنية العشرة التي لم تستعمل مادتها إلا في مدلول واحد.
وهذا واضح ، غير ان الكلام يقع في الأصل الموضوعي له وهو ان تكون إفادة المثنى لمعناه على نحو تعدد الدال والمدلول. إذ قد يقال : بأن هذا لا يتم في بعض موارد المثنى الخاصة ـ كما في تثنية الأعلام الشخصية ـ إذ ليس المعنى الموضوع له لفظ المادة كليا
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٢٢٣

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 2   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:35 am

قابلا للتكثير بهيئة المثنى ، وكذلك الحال في تثنية اسم الإشارة. ويمكن أن تصور طريقة إفادة المثنى لمعناه في هذه الموارد الخاصة بأحد وجوه :
الأول : أن يقال بأن المثنى دال على مفاده بنحو تعدد الدال والمدلول غير ان مدلول المادة هو المسمى والتثنية تدل على إرادة كلا المعنيين باعتبارهما فردين من مفهوم المسمى. والطريقة نفسها يمكن تطبيقها على أسماء الأجناس المشتركة فيستفاد من مثناها كلا المعنيين بلا لزوم محذور سوى تأويل المادة وحملها على المسمى.
ويرد عليه : أولا : أنه إن كان مستساغا في أسماء الأجناس فهو بعيد في تثنية الأعلام الشخصية ، لأن لازم حمل المادة على المسمى تنكير اللفظ وإخراجه عن العلمية فيكون ( زيدان ) في قوة قولنا ( اثنان ممن يسمى بزيد ) مع ان المرتكز التعامل مع زيدين تعامل الأعلام.
وثانيا : انه لا يستساغ في تثنية اسم الإشارة ، إذ لا معنى عرفا لاستعمال مادته في كلي المشار إليه. وقد يعالج ذلك ـ كما في مقالات المحقق العراقي بأن تكون تثنية اسم الإشارة بلحاظ المعنى الكلي لمادتها ، وهو كلي المفرد المذكر بالنسبة إلى كلمة هذا مثلا في الرتبة السابقة على تعينه بطرو الإشارة عليه ، فالإشارة تطرأ عليه في طول إفادة تعدده وتكرره لا ان إفادة التعدد في طول الإشارة ليقال انه لا يقبل التعدد بعد صيرورته جزئيا متعينا بالإشارة (١) ولكن يبقى السؤال حينئذ عما يكون دالا على الإشارة ، فان كان هو المادة فهذا خلف ، لأن أخذ الإشارة في مدلولها بنحو من الأنحاء يوجب تعينه وعدم صلاحيته للتكرر ، وإن كان هو هيئة التثنية فهذا يعني ان هيئة التثنية في خصوص اسم الإشارة لها وضع خاص ، فلم ينجح هذا البيان في تفسير الوضع النوعيّ لهيئة المثنى على نحو تعدد الدال والمدلول.
الثاني : أن يقال بأن المثنى دال على مفاده بنحو تعدد الدال والمدلول ومدلول المادة هو أحد المعنيين ، وذلك أن اللفظ بعد وضعه لهذا المعنى ووضعه لذاك أصبحت له قابلية الدلالة على كل منهما تعيينا ـ كما هو شأن المشترك ـ ولكن دلالته الفعلية عند
__________________
(١) مقالات الأصول ج ١ ص ٥٠
١٥٧
إطلاقه بلا قرينة انما هي على أحدهما على نحو الترديد. والمراد بذلك ليس مفهوم أحدهما بل نحو من التذبذب بين المعنيين وعدم الاستقرار يعبر عنه عرفا بأن اللفظ يدل على أحدهما ، وهذه دلالة ناشئة من مجموع الوضعين فهي دلالة حقيقة ، وتكون هيئة التثنية دالة على المتعدد من هذا المدلول فيؤدي إلى نفس نتيجة التقريب السابق لكن مع مزيتين : إحداهما : ان مدلول المادة هناك مفهوم المسمى وهو معنى مجازي للفظ ، بخلافه في المقام. والأخرى : أنه لا يرد هنا لزوم خروج العلم بالتثنية عن العلمية ، لأن أحدهما بهذا المعنى لا يخرج اللفظ عن العلمية ، ولا يجعل مدلوله مفهوما كليا كمفهوم المسمى ، ولا عدم إمكان تفسير التثنية في اسم الإشارة كما في ( هذين ) فان المادة هنا مستعملة في الفرد المشار إليه ولكن على وجه الترديد ، فمن حيث انه فرد لم يخرج اسم الإشارة عن طبعه كمعرفة دالة على المعين ، ومن حيث انه مردد قابل للتكثير والتثنية بالهيئة ؛ ولا يلزم في تصوير هذا الوجه أن يكون الفرد المردد معقولا واقعا بل يكفي أن يكون معقولا عرفا وبحسب الفهم اللغوي العام ، وإذا كان معقولا عرفا أمكن تطبيقه على موارد تثنية الأعلام وأسماء الإشارة ـ وكذلك أسماء الأجناس ـ على نحو يستفاد من مثناها المتعدد من المعنى.
ويمكن أن يلاحظ على هذا الوجه : بأن التذبذب بين المدلولين في المادة إنما يتعقل على مستوى المدلول التصديقي لا على مستوى المدلول التصوري ، إذ لا معنى للتذبذب في التصور. وعلى هذا فالمدلول المتحصل من ذلك التذبذب المعبر عنه بأحد المعنيين إنما هو تصديقي لا تصوري ، فيلزم من ربط مدلول هيئة التثنية به إناطته بالمدلول التصديقي ؛ مع انه لا بد من انحفاظ معنى للهيئة المذكورة في مرحلة المدلول التصوري البحث للكلمة.
الثالث : أن يقال بأن المادة في المثنى غير مستعملة في معنى ، بل الهيئة مستعملة في إفادة تكرار لفظ المادة ، فبدلا عن أن يقول « عين وعين » يقول « عينين ». ويريد بذلك إخطار تصور عين وعين قاصدا بهما افهام المعنيين.
وهذا التصوير ينطبق على التثنية في الاعلام وأسماء الإشارة من دون ورود إشكال ، وعلى أسماء الأجناس أيضا بنحو يمكن أن يستفاد من مثناها المتعدد من المعنى تارة ، والمتعدد من الأفراد لمعنى واحد تارة أخرى على نحو تعدد الدال والمدلول.
١٥٨
وقد يعمق هذا التقريب ـ كما في كلمات المحقق الأصفهاني قدس‌سره بأن يصور على نحو يرجع إلى استعمال المادة في معنى بأن يقال : ان المادة تستعمل في طبيعي اللفظ من باب استعمال اللفظ في نوعه ولكن لا فيه بما أنه لفظ بل بما له من المعنى ، فالمعنى لم تستعمل فيه المادة بل استعملت في نوع اللفظ المتضمن للمعنى ، وهيئة المثنى تدل على إرادة فردين من طبيعي لفظ المفرد بما انهما دالان على معنييهما ، فقد تحفظنا بهذا على كون المادة مستعملة في شيء وعلى دلالة الهيئة على تعدد ما أريد من المادة (١). ويرد على هذا التعميق : ان استعمال المادة في طبيعي اللفظ بما له من المعنى تارة : يراد به ان الدلالة على المعنى بما هي مفهوم تلحظ قيدا لطبيعي اللفظ ، وأخرى : يراد به تقييد طبيعي اللفظ بواقع الدلالة على المعنى. اما الأول ، فواضح البطلان. لأن مفهوم الدلالة على المعنى لا ينسبق إلى الذهن من قولنا ( زيدان ) مضافا : إلى أن انسباقه لا يساوق انسباق واقع معنى اللفظ. وأما الثاني ، فلأن هذا قيد واقعي لا مفهومي ، ولا يعقل تقيد المعنى المستعمل فيه بقيد واقعي ، لأن الانتقال من اللفظ إلى المعنى المستعمل فيه تصوري والانتقال التصوري انما يكون بين مفهومين تصوريين.
__________________
(١) نهاية الدراية ج ١ ص ٩٣

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
بحوث في علم الاصول 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الثالث عشرالمكتبة الاسلامية الثقافية-
انتقل الى: