{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 بحوث في علم الاصول 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:01 am

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على قائد البشرية الصالحة أبي القاسم محمد وعلى آله الهداة الميامين ..
أما بعد ... فلقد شاءت الأقدار أن تخرج هذه الأسفار الجليلة من تقريرات سيدنا الشهيد آية الله العظمى السيد الصدر ( قدس ) في مثل هذه الظروف العصيبة ، التي ألمت بعالمنا الإسلامي ، بعد قيام الثورة الإسلامية المباركة في إيران الإسلام بقيادة امام الأمة آية الله العظمى السيد الخميني ( مد ظله ).
هذه الظروف التي جاءت نتيجة تكالب قوى الكفر والاستكبار العالمي ، وتحالفها في التصدي ، والمواجهة للمدد الإسلامي الظافر ، الّذي كان لسيدنا الشهيد ( قده ) الدور الأساس في ترسيخ دعائمه ، وإرساء قواعده على الصعيدين الفكري والعملي في العالم الإسلامي أجمع ، وفي العراق على وجه الخصوص. حتى توج حركة الإسلام ببذل دمه الزاكي ، الّذي كان أغلى دماء هذا العصر. أريق في سبيل إعلاء كلمة الحق ومواجهة الطغاة والظالمين. فكان بحق سيد شهداء عصره ، أسوة بجده سيد الشهداء عليه‌السلام.
والحقيقة ان استيعاب أبعاد عظمة هذا العالم الرباني العامل لا يتيسر لأحد في مثل هذه الدراسة العاجلة ولكن ذلك لا يعفينا من التعرض لأبرز معالم مدرسته العلمية والفكرية ، التي أنشأها ، وخرج على أساسها جيلا من العلماء الرساليين والمثقفين الواعين
٧
والعاملين في سبيل الله المخلصين .. رغم قصر حياته الشريفة التي ابتلاه الله فيها بما يبتلي به العظماء من الصديقين والشهداء والصالحين ..
وفيما يلي أهم مميزات هذه المدرسة ، التي ستبقى رائدة وخالدة في تاريخ العلم والإيمان معا.
١ ـ الشمول والموسوعية


اشتملت مدرسة شهيدنا الراحل على معالجة كافة شعب المعرفة الإسلامية والإنسانية. فهي متعددة الأبعاد والجوانب ، ولم تقتصر على الاختصاص بعلوم الشريعة الإسلامية من الفقه والأصول فحسب ، رغم ان هذا المجال كان هو المجال الرئيس والأوسع من إنجازاته وابتكاراته العلمية. فاشتملت مدرسته على دراسات في الفقه ، وأصول الفقه ، والمنطق ، والفلسفة ، والعقائد والعلوم القرآنية ، والاقتصاد ، والتاريخ ، والقانون ، والسياسة المالية والمصرفية ، ومناهج التعليم والتربية الحوزوية ، ومناهج العمل السياسي وأنظمة الحكم الإسلامي ، وغير ذلك من حقول المعرفة الإنسانية والإسلامية المختلفة.
وقد جاءت هذه الشمولية نتيجة لما كان يتمتع به إمامنا الشهيد من ذهنية موسوعية وعملاقة ، يمكن اعتبارها فلتة ، يحظى بها تاريخ العلم والعلماء بين الحين والآخر ، والتي تشكل كل واحدة منها على رأس كل عصر منعطفا تاريخيا جديدا في توجيه حركة العلم والمعرفة وترشيدها. فلقد كان رحمه‌الله آية في النبوغ العلمي ، واتساع الأفق ، والعبقرية الفذة. وقد سطعت منذ طفولته ، وبداية حياته ، وتحصيله العلمي ، كما شهد بذلك أساتذته ، وزملاؤه ، وتلاميذه ، وكل من اتصل به بشكل مباشر ، أو التقى به من خلال دراسة مصنفاته وبحوثه القيمة.
٢ ـ الاستيعاب والإحاطة :


من النقاط ذات الأهمية الفائقة في اتصاف النظرية ، أية نظرية ، بالمتانة والصحة مدى ما تستوعبه من احتمالات متعددة ، وما تعالجه من جهات شتى مرتبطة بموضوع البحث. فان هذه الخصيصة هي الأساس الأول في انتظام الفكر والمعرفة في أي باب من الأبواب ، بحيث يؤدي فقدانها إلى أن تصبح النظرية مبتورة ، ذات ثغرات ينفذ من خلالها النقد والتفنيد للنظرية. وهذه الميزة أيضا كان يتمتع بها فكر السيد الشهيد ( قده ) بدرجة
٨
عالية ، فانه لم يكن يتعرض لمسألة من المسائل العلمية سيما في الأصول والفقه ، إلا ويذكر فيها من الصور والمحتملات ما يبهر العقول. وهذا هو جانب الاستيعاب والإحاطة المعمقة في فكره.
وقد ظهرت هذه السمة العلمية ، وهذه الخصيصة ، حتى في أحاديثه الاعتيادية. فكان عند ما يتناول أي موضوع ، ومهما كان بسيطا واعتياديا ، يصوغه صياغة علمية ، ويخلع عليه نسجا فنيا ، ويطبعه بطابع منطقي مستوعب لكل الاحتمالات والشقوق ، حتى يخيل لمن يستمع إليه انه امام تحليل نظرية علمية تستمد الأصالة والقوة والمتانة من مبرراتها وأدلتها المنطقية.
٣ ـ الإبداع والتجديد :


ان حركة العلوم والمعارف البشرية وتطورها ترتكز على ظاهرة التجديد ، والإبداع ، التي تمتاز بها أفكار العلماء ، والمحققين في كل حقل من حقول المعرفة. وقد كان سيدنا الشهيد ( قده ) يتمتع في هذا المجال بقدرة فائقة على التجديد وتطوير ما كان يتناوله من العلوم والنظريات ، سواء على صعيد المعطيات ، أو في الطريقة والاستنتاج. ولقد كان من ثمرات هذه الخصيصة انه استطاع أن يفتح آفاقا للمعرفة الإسلامية لم تكن مطروقة قبله.
فكان هو رائدها الأول ، وفاتح أبوابها ، ومؤسس مناهجها ، وواضع معالمها ، وخطوطها العريضة ، وستبقى المدرسة الإسلامية مدينة لهذه الشخصية العملاقة في هذه الحقول. وخصوصا في بحوث الاقتصاد الإسلامي ، ومنطق الاستقراء والتاريخ السياسي لأئمة أهل البيت عليهم‌السلام.
٤ ـ المنهجية والتنسيق :


ومن معالم فكر سيدنا الشهيد منهجيته الفنية الفريدة ، والمتماسكة لكل بحث كان يتناوله بالدرس والتنقيح. ومن هنا نجد ان طرحه للبحوث الأصولية والفقهية يمتاز عن كافة ما جاء في دراسات وبحوث المحققين السابقين عليه من حيث المنهجية والترتيب الفني للبحث. فتراه يفرز الجهات والجوانب المتداخلة والمتشابكة في كلمات الآخرين ، خصوصا في المسائل المعقدة ، التي تعسر على الفهم ويكثر فيها الالتباس والخلط ، ويوضح الفكرة ، وينظمها ، ويحللها بشكل موضوعي وعلمي لا يجد الباحث المختص نظيره في بحوث الآخرين. كما كان يميز بدقة طريقة الاستدلال في كل موضوع ، وهل أنها لا بد وان
٩
تعتمد على البرهان أو انها مسألة استقرائية ووجدانية؟. ولم يكن يقتصر على دعوى وجدانية المدعى المطلوب إثباته فحسب ، بل كان يستعين في إثارة هذا الوجدان وإحيائه في نفس الباحثين من خلال منهج خاص للبحث ، وهو منهج إقامة المنبهات الوجدانية عليه.
وهذه نقطة سوف نواجهها بوضوح في دراساتنا الأصولية القادمة.
٥ ـ النزعة المنطقية والوجدانية :


ومن معالم فكر سيدنا الشهيد نزعته المنطقية والبرهانية في التفكير والطرح في الوقت الّذي كانت تلك المعطيات البرهانية تنسجم وتتطابق مع الوجدان وتحتوي على درجة كبيرة من قوة الإقناع وتحصيل الاطمئنان النفسيّ بالفكرة ، فلم يكن يكتفي بسرد النظرية بلا دليل أو كمصادرة ، بل كان يقيم البرهان مهما أمكن على كل فرضية يحتاج إليها البحث حتى ما يتعسر صياغة برهان موضوعي عليه كالبحوث اللغوية والعقلائية والعرفية ، وهذه السمة جعلت آراء ومعطيات هذه المدرسة الفكرية ذات صبغة علمية ومنطقية فائقة ، يتعذر توجيه نقد إليها بسهولة. كما جعلتها أبلغ في الإقناع والقدرة على افهام الآخرين وتفنيد النظريات والآراء الأخرى. وجعلتها أيضا قادرة على تربية فكر روادها وبنائه بناء منطقيا وعلميا ، وبعيدا عن مشاحة النزاعات اللفظية أو التشويش والخبط واختلاط الفهم ، الخطر الّذي تمني به الدراسات والبحوث العلمية والعقلية العالية في أكثر الأحيان.
وفي الوقت نفسه لم يكن يتمادى هذا الفكر البرهاني المنطقي في اعتماد الصياغات والاصطلاحات الشكلية ، التي قد تتعثر على أساسها طريقة تفكير الباحث فيبتعد عن الواقع ويتبنى نظريات يرفضها الوجدان السليم. خصوصا في البحوث ذات الملاك الوجداني والذاتي ، التي تحتاج إلى منهج خاص للاستدلال والإقناع. فكنت تجده دوما ينتهي من البراهين إلى النتائج الوجدانية ، فلا يتعارض لديه البرهان مع مدركات الوجدان الذاتي السليم في مثل هذه المسائل ، بل كان على العكس يصوغ البرهان لتعزيز مدركات الوجدان ، وكان يدرك المسألة أولا بحسه الوجداني والذاتي ثم كان يصوغ في سبيل دعمها علميا ما يمكن من البرهان والاستدلال المنطقي. ومن هنا لا يشعر الباحث بثقل البراهين وتكلفها أو عدم تطابقها مع الذوق والحس والوجداني للمسألة ، الأمر الّذي وقع فيه الكثير من الأصوليين والفقهاء المتأثرين بمناهج العلوم العقلية الأخرى ...
١٠
وقد استطاع هذا الفكر العملاق على أساس التوفيق بين خصيصته المنطقية والعلمية في الاستدلال وبين مراعاة المنهجية الصحيحة المنسجمة مع كل علم أن يتناول في كل حقل من حقول المعرفة المنهج العلمي المناسب مع طبيعة ذلك العلم من دون تأثر بالمناهج الغريبة عن ذلك العلم وطبيعته. وهذه خصيصة أساسية سوف نواجهها بجلاء أيضا في الدراسات الأصولية القادمة.
٦ ـ الذوق الفني والإحساس العقلائي :


الذوق حاسة ذاتية في الإنسان يدرك على أساسها جمال الأمور وتناسقها. والذهنية العقلائية هي الأخرى التي يدرك بها الإنسان الطباع والأوضاع والمرتكزات التي ينشأ عليها العرف والعقلاء ، ويبني على أساس منها الكثير من النظريات والأفكار في مجال البحوث المختلفة كالدراسات التشريعية والقانونية والأدبية. وهي في الأعم الأغلب البحوث المختلفة كالدراسات التشريعية والقانونية والأدبية. وهي في الأعم الأغلب مجالات للبحث لا يمكن إخضاعها للبراهين المنطقية أو الرياضية أو التجريبية ، وانما تحتاج إلى حاسة الذوق الفني والذهنية العقلائية والحس العرفي الأدبي. ونحن نجد في مدرسة السيد الشهيد الصدر ( قده ) التمييز الكامل بين هذه المجالات وغيرها في العلوم والمعارف ونجد أنه ( قده ) كان يتناول المسائل في المجال الأول بالاعتماد على الذوق الموضوعي والإدراك العقلائي المستقيم حتى استطاع ان يضع المنهج المناسب في هذه المجالات وأن يؤسس طرائق الاستدلال الذوقي والعقلائي ، ويؤصل قواعدها ومرتكزاتها ، خصوصا في البحوث الفقهية التي تعتمد الاستظهارات العرفية أو المرتكزات العقلائية ، فأبدع نهجا فقهيا موضوعيا في مجال الاستظهار الفقهي خرجت على أساسه الاستظهارات من مجرد مدعيات ومصادرات ذاتية إلى مدعيات ونظريات يمكن تحصيل الإقناع والاقتناع فيها على أسس موضوعية.
وتحسن الإشارة إلى انه قلما تجتمع النزعة البرهانية المنطقية في الاستدلال ، مع الذوق الفني والحس العقلائي والذهنية العرفية في شخصية علمية واحدة. فاننا نجد ان العلماء الذين مارسوا المناهج العقلية والبرهانية من المعرفة وتفاعلوا مع تلك المناهج وطرائق البحث قد لا يحسون بدقائق النكات العرفية والذوقية والعقلائية ، ولا يبنون معارفهم وأنظارهم إلا على أساس تلك المصطلحات البرهانية ، التي اعتادوا عليها في ذلك البحث العقلي. وكذلك العكس فالباحثون في علوم الأدب والقانون وما شاكل نجدهم لا يجيدون صناعة البرهنة والاستدلال المنطقي ، ولكن نجد ان مدرسة سيدنا الشهيد قد امتازت
١١
بالجمع بين هاتين الخصيصتين اللتين قلما تجتمعان معا وتمكنت من التوفيق الدّقيق فيما بينهما ، واستخدام كل منهما في مجاله المناسب والسليم ، دون تخبط أو إقحام ما ليس منسجما.
٧ ـ القيمة الحضارية المدرسة السيد الشهيد الصدر :


لقد كان سيدنا الشهيد الصدر تحديا حضاريا معاصرا ، وكانت من مميزات مدرسته انها استطاعت التصدي لنسف أسس الحضارة المادية لإنسان العصر الحديث ، وان يقدم الحضارة الإسلامية شامخة على إنقاض تلك الحضارة المنسوفة. وعلى أسس علمية قويمة وضمن بناء شامل ومتماسك ومتى استطاع سيدنا الشهيد من خلاله أن ينزل إلى معترك الصراع الفكري الحضاري كأقوى وأمكن من خاص غمار هذا المعترك ووفق لتفنيد كل مزاعم ومتبنيات الحضارة المادية المعاصرة ، وان يخرج من ذلك ظاهرا مظفرا وبانيا لصرح المدرسة الإسلامية العتيدة والمستمدة من منابع الإسلام الأصلية والمتصلة بوحي السماء ولطف الله بالإنسان.
هذه نبذة مختصرة عن معالم مدرسة هذا المرجع والفيلسوف والعارف الرباني والمجاهد الشهيد التي أسسها وأشادها لبنة لبنة بفكره ونماها مرحلة مرحلة بجهوده العلمية المتواصلة وهي تعبر بمجموعها عن البعد العلمي ، الّذي هو أحد أبعاد هذه الشخصية العظيمة الفريدة في تاريخنا المعاصر.
أجل سيدي الأستاذ فان لساني ليكل عن استيعاب كل أبعاد شخصيتك وان قلمي ليعجز عن رسم مناقبك وفضائلك القدسية ، التي تفوق آفاق ذهني الضيق وقدرتي المحدودة. فعذرا سيدي إن اقتصرت على جانب واحد من جوانب عظمتك ، ذلك الجانب الّذي عشت معه ردحا طويلا من الزمن وعرفته معرفة مباشرة وتغذيت من ينبوعه الثر ما وسعني التزود العلمي والفكري والروحي. ولعل الله يوفقني لعرض ما يمكنني استعراضه من الجوانب الأخرى من حياتك المباركة وجهادك المقدس وتقواك وخصالك الحميدة وزهدك في دنياك واستعدادك للتضحية في كل وقت من أجل رسالتك وأمتك ودورك القيادي في حمل أعباء الإسلام الّذي ختمته ببذل دمك الزاكي في سبيل رسالتك ، فكم كنت عظيما سيدي! وكم كنت موفقا من قبل الله سبحانه وتعالى لكل منقبة ولكل بطولة وعظمة! فسلام الله عليك أيها الإمام الشهيد يوم ولدت ، ويوم نشرت الحق وأسست أصول العلم والإيمان ، ويوم جاهدت ودافعت عن كرامات هذه الأمة ، ويوم
١٢
استشهدت بيد أرذل خلق الله في هذا العصر ويوم تبعث حيا مع جدك الحسين وسائر الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..
واما ما يأتي من البحوث فهي مجموعة الدراسات ، التي ألقاها سيدنا الشهيد الصدر في علم الأصول حسب منهج الدراسات العليا لبحوث هذا العلم خلال ما يقارب اثني عشر عاما كنا قد طبعنا منها في النجف الأشرف جزءين يرتبط أحدهما بمباحث ( تعارض الأدلة الشرعية ) والآخر ( بمباحث الألفاظ ) إلى مبحث الأوامر. وقد رأينا ان نعيد طباعتها مع سائر أجزاء الدورة الكاملة حسب ما تلقيناها من دروس ومحاضرات أستاذنا الشهيد ( قدس‌سره الشريف ) ، وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى وتسديده ؛ لتكون رائدة لحركة هذا العلم ينتفع بها العلماء والمحققون ، الذين سيجدون من خلال هذه الدراسات الكثير من التجديد والإبداع والتطوير في المعطيات والطريقة معا ..
وسوف تستوعب الأجزاء الثلاثة الأولى كل مباحث الألفاظ والتي سميناها بمباحث الدليل اللفظي كما نأمل ان نوفق لإعداد وتنقيح بحوث الأدلة والأصول العملية خلال أجزاء أربعة ..
وختاما أسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقني لإكمال طباعة هذه الدورة وان يتغمد سيدنا وشهيدنا الراحل بعظيم أجره ويجمعه في مستقر رحمته مع الأنبياء والأئمة والصالحين وان يوفقنا للسير على نهجه واتباع خطه ويلحقنا به انه قريب مجيب ..
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .. 

_________________


عدل سابقا من قبل ابوكوثر في الإثنين سبتمبر 14, 2015 7:09 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:06 am

المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد.
هذا الكتاب جزء آخر من « بحوث في علم الأصول » يتلو الجزء السابق الّذي صدر باسم « تعارض الأدلة الشرعية » ويعتبر هذا الكتاب الجزء الأول من تلك البحوث ، بدأنا به حسب منهج الدراسات العليا لبحوث هذا العلم التي تلقيناها من محاضرات المولى الشريف سيدنا الأستاذ المفدي سماحة آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ـ أدام الله ظله الشريف على رءوس المسلمين.
وقد أولى سماحته في هذه الدراسة اهتماما بالغا بالمضمون والمنهجة معا فلم يقتصر على مجرد إعطاء آرائه وإنظاره في البحوث الأصولية مع عرضها بالطريقة المتبعة في الكتب والدراسات التقليدية التي تسرد من خلالها وكأنها كومة أبحاث لا ترابط واضح فيما بينهما ، بل اهتم بالجانب المنهجي وتنسيق البحوث على نحو يتشخص الموضع الفني والطبيعي لكل مسألة ، إيمانا منه بأن هذا التنسيق يساهم في إعطاء صورة أوضح للمحتوى وفي القدرة على تحقيقه. هذا مع الالتزام على العموم بأن لا تبتعد الطريقة المتبعة في عرض هذه البحوث عن الطريقة المألوفة كثيرا ولو ادى ذلك إلى التنازل عن بعض مزايا المنهج الأفضل ، مساعدة للطالب على إمكان تطبيق مفردات هذه البحوث على ما هو معروض فعلا.
وعلى هذا الأساس ، يتضمن هذا الجزء كل أبحاث المقدمة المذكورة في « كفاية
١٥
الأصول » المشتملة على ثلاثة عشر امرا. وقد وزعناها على النحو التالي :
١ ـ تمهيد ، ويتضمن البحث عن تعريف علم الأصول وتحديد موضوعه وتقسيم مباحثه.
٢ ـ المدخل لدراسة البحوث اللفظية الأصولية ، ويشتمل على بحوث الوضع والعلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى واقسامها وأحكام كل قسم ووسائل الإثبات وتشخيص نوع العلاقة في مورد الشك والالتباس.
٣ ـ بحوث لغوية ترجع بحسب المنهجة الصحيحة إلى قسم البحوث اللفظية الأصولية ، وهي البحوث المرتبطة بتشخيص مفاد الحروف والهيئات والمشتقات ، ذلك ان هذه البحوث تحتل اليوم مساحة واسعة من مباحث علم الأصول ولها أثرها الكبير في عدة من المسائل الأصولية الأخرى. ولكن من سوء المنهجة ولأجل عدم معهودية البحث عنها بهذه التوسعة والتطوير في الدراسات الأصولية القديمة التي كانت تتعرض لبحثها في سياق تقسيم مدلول الكلمة إلى ما يدل على معنى غير مستقل ومعنى مستقل كمبحث تمهيدي لغوي ، انساق المتأخرون من علماء الأصول أيضا مع جعلها بحثا تمهيديا بتعرض له في مقدمة العلم رغم انها بوضعها الفعلي تعتبر على حد أهم البحوث الأصولية المرتبطة بالدليل اللفظي من القواعد المشتركة التي تلعب دورا مهما في كيفية استنباط الحكم الشرعي من أدلته اللفظية.
وعلى هذا الأساس رأينا ان الصحيح درج البحث عن مفاد الحروف والهيئات والمشتقات في ضميم المسائل الأصولية وضمن مباحث الألفاظ.
وأخيرا ؛ إذ أبتهل إلى المولى القدير سبحانه وتعالى ان يوفقني لإكمال حلقات هذه الدراسة تأليفا ونشرا أسأله تعالى ان يمن علينا وعموم المسلمين بطول عمر سيدنا الأستاذ المفدي ويمتعنا بدوام أيام إفاداته العامرة انه ولي التوفيق.
النجف الأشرف
١٣٩٦ هجرية
محمود الهاشمي
١٦
تمهيد
تعريف علم الأصول
موضوعه
تقسيمات مباحثه
١٧
١٨
تعريف علم الأصول
اختلفت كلمات الأعلام في إعطاء صياغة محددة وتعريف جامع مانع الكافة المسائل المبحوث عنها في هذا العلم بالرغم من اتفاقهم على أن هذه المسائل تعتبر بطبيعتها متقدمة على بحوث علم الفقه ومسائل بنحو يجعل لعلم الأصول مرتبة أسبق من مرتبة علم الفقه.
والواقع ، ان عملية استنباط الأحكام الشرعية التي يتكفلها علم الفقه تعتمد على عناصر عديدة ومختلفة لا بد من توفرها جميعا ليتمكن الفقيه على أساسها من استنباط الحكم الشرعي. وهذه العناصر حين نفحصها نجد أنها تختلف فيما بينهما من حيث المأخذ ، فبعضها يطلب من علم الحديث وبعضها يطلب من علم الرّجال ، وبعضها يطلب من علم الفقه نفسه ، وأهم تلك العناصر وأوسعها انتشارا ما يؤخذ عادة من علم الأصول. ومن هنا يطرح السؤال التالي نفسه « هل أن هذه العناصر التي يبحث عنها في علم الأصول قد جمعت في إطار هذا العلم على أساس وجود رابط فيما بينهما يميزها عما عداها من العناصر المساهمة في عملية الاستنباط أو أنها جمعت نتيجة عدم تكفل سائر العلوم بها؟ »
والإجابة الصحيحة على هذا السؤال لا بد وأن تقوم على أساس إبراز مائز قبلي
١٩
موضوعي لبحوث علم الأصول يميزها عن غيرها من العناصر المساهمة في الاستنباط فلا يكفي لذلك مجرد انتزاع جامع بقدر ما ينطبق خارجا على المسائل المبحوثة فعلا في هذا العلم ، كما حاوله بعض عن طريق أخذ قيد « الممهدة لغرض الاستنباط خاصة » في التعريف. فان مثل هذا الجامع إنما ينتزع في طول تأليف العلم فلا يمكن أن يكون على أساسه تميز مسائله وبحوثه عن غيرها من البحوث المساهمة في عملية الاستنباط.
التعريف المدرسي
والتعريف المدرسي المعروف لعلم الأصول : أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي.
وقد وجه إلى هذا التعريف ثلاثة اعتراضات رئيسية :
١ ـ انه لا يشمل المسائل الأصولية التي لا يستنبط منها حكم شرعي بل نتيجة عملية هي المنجزية أو المعذرية تجاه الحكم الشرعي ، كمسائل الأصول العملية طرا.
٢ ـ إنه ينطبق على القواعد الفقهية كقاعدة ما يضمن وما لا يضمن وقاعدتي لا ضرر ولا حرج وبعض القواعد الفقهية العملية كقاعدة الفراغ والتجاوز ، فانها جميعا يستنبط منها الحكم الشرعي أيضا كل بحسب مورده.
٣ ـ انه لا يميز بين المواضيع التي يدرسها علم الأصول والتي يدرسها بعض العلوم الأخرى ، كمسائل علم الرّجال مثلا أو بعض المسائل اللغوية ، فان وثاقة الراوي التي هي مسألة رجالية ، أو ظهور كلمة ( الصعيد ) في معنى معين وهو مسألة لغوية ، يمكن اعتبارهما أيضا من القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي المرتبط بمدلول تلك الكلمة أو المنقول في رواية ذلك الراوي.
مدى شمول التعريف للأصول العملية
أما الاعتراض الأول ، فكأن المحقق الخراسانيّ ( قده ) اعترف بوجاهته فحاول تصحيح التعريف عن طريق إضافة قيد « أو الانتهاء إلى وظيفة عملية » على التعريف.
٢٠
إلا أن هذا ليس تصحيحا موفقا ، إذ لم يشتمل على إبراز المائز الحقيقي الجامع بين كافة مسائل العلم وإنما هو مجرد عطف للمسائل التي لم يشملها التعريف على ما شملها من مسائل العلم ؛ الأمر الّذي كان ممكنا منذ البداية بأن يقال : ان علم الأصول هو علم مباحث الألفاظ أو الملازمات العقلية أو الأصول العملية وهكذا.
وهناك محاولتان للتغلب على هذا الإشكال بنحو آخر.
إحداهما : ما أفاده المحقق النائيني ( قده ) : من أنه إذا أريد بالحكم المأخوذ في التعريف الأعم من الحكم الواقعي أو الظاهري دخلت مباحث الأصول العلمية أيضا (١).
وهذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه. إذ يرد عليه :
أولا : ان الحكم الظاهري المحفوظ في موارده الأصول العملية يمثل نفس القاعدة الأصولية العملية وليس مستنبطا منها كما هو المطلوب في التعريف ، على ما سوف يأتي في شرح معنى الاستنباط.
وثانيا : ان جملة من الأصول العملية التي يبحث عنها في علم الأصول لا تتضمن الحكم الشرعي حتى الظاهري ، وإنما هي مجرد وظيفة عملية يقررها العقل حين يعجز عن الانتهاء إلى حكم شرعي بشأن الواقعة المشتبهة.
والأخرى ـ ما أفاده السيد الأستاذ ( دام ظله ) من أن المراد بكلمة الاستنباط في التعريف هو التوصل إلى الحجة على الحكم ، أي إثباته ولو تنجيزا أو تعذيرا لا خصوص الإثبات الحقيقي الواقعي. ولا إشكال في أن الأصول العملية بجميع أنواعها تثبت التنجيز أو التعذير تجاه الحكم الواقعي الشرعي (٢).
وهذه المحاولة صحيحة في التغلب على الاعتراض الأول.
__________________
(١) أجود التقريرات ج ١ ص ٣
(٢) بتصرف من محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١٠
٢١
النقض على التعريف بالقواعد الفقهية
وأما الاعتراض الثاني ؛ فقد ذكر في مقام دفعه وجهان.
الأول : ما أفاده السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ بقوله : « ان الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية سواء كانت مختصة بالشبهات الموضوعية ، كقاعدة الفراغ واليد ، أم كانت تعم الشبهات الحكمية أيضا ، كقاعدتي لا ضرر ولا حرج ـ بناء على جريانهما في موارد الضرر أو الحرج النوعيين ـ وقاعدتي ما يضمن وما لا يضمن وغيرها ، إنما هي من باب تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها وليست من باب الاستنباط والتوسيط ، مع ان نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصية. » (١).
وهذه الإجابة غير تامة ، وذلك :
أولا : لعدم اختصاص القواعد الفقهية بالقواعد التطبيقية بل منها ما يستنبط به الحكم بنحو التوسيط ـ كما سيأتي قريبا ـ
وثانيا : ان التمييز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية بالتطبيق نفيا وإثباتا يؤدي إلى أن أصولية المسألة كثيرا ما ترتبط بصياغتها وكيفية التعبير عنها ، فمسألة اقتضاء النهي عن العبادة لفسادها تكون أصولية إذا طرحت بصيغة البحث عن الاقتضاء لأن البطلان حينئذ مستنبط عن الاقتضاء وليس تطبيقا ، ولا تكون أصولية إذا طرحت بصيغة البحث عن أن العبادة المنهي عنها باطلة أولا ، لأن بطلان كل عبادة محرمة حينئذ يكون تطبيقا ، مع ان روح المسألة واحدة في كلتا الصياغتين وهذا يكشف عن أن المائز الحقيقي للقاعدة الأصولية عن القاعدة الفقهية ليس مجرد عدم انطباق القاعدة الأصولية على الحكم المستخرج انطباق الكلي على فرده وانطباق القاعدة الفقهية كذلك بل أمر آخر قد يكون من مظاهرة ان النسبة بين القاعدة الأصولية والنتيجة الفقهية نسبة استنباطية لا تطبيقية وهذا ما سيأتي توضيحه.
الثاني : ما ورد في كلمات السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ وكأنه وجه ثان لمحل الإشكال
__________________
(١) نفس المصدر ص ١٠
٢٢
حيث أفاد : « والصحيح انه لا شيء من القواعد الفقهية تجري في الشبهات الحكمية ، فان قاعدتي نفي الضرر والحرج لا تجريان في موارد الضرر والحرج النوعيّ ؛ وقاعدة ما يضمن أساسها ثبوت الضمان باليد مع عدم إلغاء المالك لاحترام ماله فالقواعد الفقهية نتائجها أحكام شخصية لا محالة. » (١)
وهذا الوجه بحاجة إلى تمحيص وتحديد للمقصود بالشبهة الحكمية التي أفيد بأن القواعد الفقهية لا تجري فيها ، فان ظاهر هذا الوجه ان قاعدة لا ضرر مثلا لو كان مناطها الضرر النوعيّ فهي مما تجري في الشبهة الحكمية وإذا كان مناطقها الضرر الشخصي فلا تكون جارية في الشبهة الحكمية.
فان أريد بالشبهة الحكمية الشك فيما يكون من وظيفة الشارع بيانه في مقابل الشك في الأمور الخارجية ، فمن الواضح ان وجوب الوضوء في حالة الضرر الشخصي حكم من وظيفة الشارع بيانه ويكون الشك فيه حينئذ شبهة حكمية ، وقاعدة لا ضرر تجري لتنقيح حال هذه الشبهة. وإن أريد بالشبهة الحكمية الشك فيما يكون من وظيفة الشارع بيانه على شرط أن يعم المكلفين جميعا ، فيمكن أن يفهم على هذا الأساس الفرق بين القول بأن الميزان في قاعدة لا ضرر الضرر النوعيّ والقول بأن الميزان الضرر الشخصي ، إذا على الأول تكون النتيجة ثابتة لعموم المكلفين في حالة وجود الضرر النوعيّ وعلى الثاني تختص النتيجة بمن كان الضرر فعليا في حقه ، ولكن أخذ العمومية بهذا المعنى شرطا في الشبهة الحكمية بلا موجب.
مع أن النتيجة قد تعم جميع المكلفين حتى على القول بأن الميزان هو الضرر الشخصي ، وذلك في مقام نفي أحكام هي بطبيعتها ضررية ولم يدل دليل عليها.
فلو شك في حكم الشارع بالضمان في غير موارد قيام الدليل على الضمان أمكن نفي الضمان بلا ضرر ، والنتيجة هنا عامة لا تختص بمكلف دون مكلف لأن الضرر مستنبط في الحكم بالضمان دائما فهو منفي بالقاعدة عن كل أحد.
هذا ، مضافا : إلى أن من القواعد الفقهية ما يكون الحكم المستنبط منها كليا يعم
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١٠
٢٣
جميع المكلفين ، كما سيأتي في القواعد الفقهية الاستدلالية.
والتحقيق : أن ما يسمى بالقواعد الفقهية على أقسام.
الأول : ما ليس قاعدة بالمعنى الفني للقاعدة ، وذلك كقاعدة ( لا ضرر ) فان المعنى الفني للقاعدة يتقوم بأن تكون القاعدة أمرا كليا ذات نكتة ثبوتية واحدة بحيث ترجع إلى حقيقة واحدة ، فإن كانت القاعدة من المجعولات التشريعية كحجية خبر الثقة أو قاعدة الضمان باليد فوحدتها بوحدة الجعل الموجد لها تشريعا ، وإن كانت القاعدة من غير المجعولات كقاعدة الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته فوحدتها بوحدة تقررها الثبوتي بوصفها حقيقة واحدة ثابتة في نفس الأمر ، ومفاد ( لا ضرر ) ليس إلا مجموعة من التشريعات بالعدمية جمعت في عبارة واحدة ؛ فقصر وجوب الوضوء على غير حالة الضرر وقصر وجوب الصوم على غير حالة الضرر مثلا ليسا مجعولين بجعل واحد وثابتين بتقرر واحد ، بل الأول ثابت بتقييد جعل وجوب الوضوء بغير حالة الضرر والثاني ثابت بتقييد جعل وجوب الصوم بغير حالة الضرر. غاية الأمر ، ان الشارع جمع بين هذه التشريعات العدمية المتعددة بجعلها في مبرز واحد ، وفي مثل ذلك لا تصدق القاعدة إذ لا يوجب أمر كلي وحداني يكون دخيلا في إثبات كل واحد من هذه التشريفات بل هي جميعا تثبت في عرض واحد بدليل واحد ، فهذا من قبيل أن يقال : كل حكم يثبت للرجل في المعاملات فهو ثابت للمرأة. فان هذا ليس قاعدة بل هو تجتمع لجعول وأحكام متعددة تحت عنوان ثانوي مشترك وإبرازها بهذا العنوان.
وإن شئت قلت : ان القاعدة عنوان ثانوي في ( لا ضرر ) إن أريد بها نفس اللفظ الصادر من الشارع باعتباره دالا على تشريعات عدمية كثيرة فيرد على ذلك ان القاعدة أمر كلي وهذا لفظ شخصي.
وإن أريد بها مفاد هذا اللفظ فهو معنى كلي ولكن ليست له وحدة ثبوتية وإنما هو مجموعة من الأحكام والجعول المشتركة في عنوان ثانوي عبر عنها به.
نعم لو فسرنا ( لا ضرر ) على أساس أنها تشريع لحرمة الضرر ـ خلافا للتفسير المشهوري لها ـ فحرمة الضرر والإضرار أمر له وحدة ثبوتية فيصح أن تسمى قاعدة بالمعنى الفني للقاعدة ، إلا أنها سوف تكون على غرار قاعدة ( ما يضمن وما يضمن ) من
٢٤
أمثلة القسم الثاني من أقسام القواعد الفقهية التي سيأتي الحديث عنها.
وعلى ضوء ما ذكرناه من معنى القاعدة يتضح أيضا : ان القاعدة الأصولية في بحث مقدمة الواجب ليست هي ان مقدمة الواجب واجبة بل الملازمة. لأن الملازمة لها وحدة ثبوتية في تقررها ، واما وجوب مقدمة الواجب فليست له هذه الوحدة ، إذ لم يتعلق جعل بوجوب كلي مقدمة الواجب وإنما مقدمة كل واجب واجبة بوجوب مجعول بتبع وجوب ذيها وكون مقدمة الواجب واجبة مجرد تجميع لتلك الجعول.
الثاني : ما يكون بنفسه حكما واقعيا كليا مجعولا بجعل واحد كقاعدة ( ما يضمن ) الراجعة إلى الضمان باليد. وهذا يصدق عليه القاعدة بالمعنى الفني لوحدته الثبوتية جعلا وكليته ، غير انه لا يمكن أن تقع في طريق إثبات جعل شرعي لأنها هي بنفسها الجعل الصادر من الشارع وإنما تقع في طريق تطبيقات وتخصصات هذا الجعل ؛ وهذا يخرج إذا أوضحنا ان المراد بالحكم الّذي مهدت القاعدة الأصولية لإثباته الجعل لا ما يعم حصصه وتطبيقاته. فضمان المشتري للسلعة في البيع الفاسد وإن كان يستخرج من القاعدة المذكورة ولكنه ليس مجعولا برأسه بل هو حصة من الحصص المجعولة بذلك الجعل الواحد. ومن هذا القسم أيضا قاعدة ( لا ضرر ) بناء على تفسيرها بحرمة الضرر والإضرار فانها على هذا تكون بنفسها جعلا شرعيا يقع في طريق إثبات تطبيقاته وتحصصاته الخارجية ، بخلاف ما إذا فسرت بنفي الحكم الضروري بحيث يكون وزانها وزان نفي العسر والحرج فانها على هذا التفسير الّذي هو المشهور والمعروف بينهم تقع في طريق إثبات الجعل سعة وضيقا ، إلا أنها لا تكون قاعدة بالمعنى الفني لها كما تقدم.
فالقاعدة الأصولية لا بد أن تقع في طريق إثبات جعل شرعي ، وهذا هو نكتة ما لوحظ سابقا من أن نتيجة القاعدة الأصولية نسبتها إليها ليست نسبة التطبيق بل نسبة الاستنباط والتوسيط ، وهذا إنما يصح فيما إذا كانت القاعدة الأصولية جعلا شرعيا لأن التطبيق معناه حينئذ كون النتيجة من صغريات القاعدة الأصولية ومصاديقها وهذا خلف كونها جعلا مستقلا برأسه ، فلا بد من أجل ذلك أن تكون النسبة بين القاعدة الأصولية والنتيجة نسبة الاستنباط لا التطبيق.
٢٥
الثالث : ما يكون حكما ظاهريا يحرز به صغرى الحكم الشرعي ، من قبيل قاعدة الفراغ وأصالة الصحة. وهذا يخرج بنفس نكتة خروج القسم الثاني ، لأنه لا يقع في طريق إثبات جعل شرعي بل في طريق إثبات مصداق المتعلق جعل أو موضوعه.
الرابع : ما يكون حكما ظاهريا يمكن أن يتوصل به إلى الحجة على الحكم الشرعي ، أي على أصل الجعل ؛ كقاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكمية أيضا.
الخامس : القواعد الفقهية الاستدلالية ، وهي القواعد التي يقررها الفقيه في الفقه ويستند إليها في استنباط الحكم الشرعي ، كقاعدة ظهور الأمر بالغسل في الإرشاد إلى النجاسة التي تشبه قاعدة ظهور الأمر بشيء في وجوبه.
وهذان القسمان لا يمكن إخراجهما على الأسس التي خرجت بموجبها الأقسام الثلاثة السابقة ، بل يتوقف إخراجهما عن التعريف المدرسي على إدخال تعديل عليه.
والتعديل المقترح لذلك هو إضافة قيد ( الاشتراك ) فيكون الميزان في أصولية القاعدة عدم اختصاص مجال الاستفادة والاستنباط منها بباب فقهي معين ، وبذلك يخرج القسمان الأخيران أيضا لأن قاعدة الطهارة أو القواعد الفقهية الاستدلالية وإن كانت عامة في نفسها ولكنها لا تبلغ درجة من العمومية تجعلها مشتركة في استنباط الحكم في أبواب فقهية متعددة. وهذا هو الّذي يبرر أن يكون البحث عن كل واحدة منها في المجال الفقهي المناسب لها ، بخلاف القواعد الأصولية المشتركة في أبواب فقهية مختلفة فانه لا مبرر لجعلها جزءا من بحوث باب فقهي معين دون سائر الأبواب.
النقض على التعريف بمسائل اللغة الرّجال
وأما الاعتراض الثالث. فقد اختلفت كلمات الأعلام في محاولاتهم لعلاج التعريف من ناحيته. وفيما يلي نستعرض أهم مواقفهم في هذا المجال :
١ ـ موقف المحقق النائيني من النقض
وحاصل ما أفاده المحقق النائيني ( قده ) انه أخذ قيد ( الكبروية ) في التعريف ، فذكر : ان علم الأصول هو العلم بالكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها استنتج
٢٦
منها حكم فرعي كلي (١).
وهذه المحاولة وإن وفقت في إخراج جملة من المسائل غير الأصولية التي قد يحتاج إليها الفقيه ، كوثاقة الراوي مثلا لكونها لا تقع كبرى قياس الاستنباط. إلا أنها تخل بالتعريف من حيث استلزامها خروج جملة من البحوث الأصولية أيضا ، من قبيل المسائل الأصولية المرتبطة بتشخيص المداليل اللغوية أو العرفية لبعض المواد فانها أيضا لا تقع إلا صغرى لكبرى حجية الظهور في قياس الاستنباط الفقهي ، وكذلك جملة من المسائل الأصولية العقلية ، كمسألة اجتماع الأمر والنهي ومسألة اقتضاء الأمر للنهي عن الضد ، فان الثمرة الفقهية المطلوبة منهما ـ على ما سيأتي في موضعه ـ تتوقف على تطبيق كبرى حجية الظهور أو قواعد التعارض بين الأدلة التي تنقح في هاتين المسألتين صغرياتها لا أكثر.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:07 am

٢ ـ موقف السيد الأستاذ من النقض
وحاصل ما حاوله السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ انه أخذ قيد عدم الاحتياج إلى ضميمة أخرى في قياس الاستنباط ؛ فذكر : ان علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الأحكام الشرعية الكلية الإلهية من دون الحاجة إلى ضميمة كبرى أو صغرى أصولية أخرى إليها (٢).
ثم أورد عليه بنقوض مع الإجابة عليها ، وهي ترجع إلى نقضين رئيسيين :
الأول : النقض ببحوث الدلالات بأجمعها ، فانها لا تنقح إلا صغرى الظهور ، فتكون بحاجة إلى ضم كبرى حجية الظهور.
وأجاب عنه : بأن حجية الظهور قاعدة مسلمة مفروغ عن صحتها عند جميع العقلاء فلا تكون مسألة أصولية.
الثاني : النقض بمسألة اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضده فانها لا يترتب عليها
__________________
(١) فوائد الأصول ج ١ ص ٢
(٢) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٨
٢٧
وحدها إلا حرمة الضد غيريا وهي ليست نتيجة فقهية لعدم منجزية الحكم الغيري ؛ وإنما النتيجة الفقهية هي فساد الضد إذا كان عبادة ، واقتناصها موقوف على ضم كبرى أصولية هي اقتضاء حرمة العبادة لفسادها.
وأجاب عنه ، بكفاية ترتب النتيجة الفقهية على أحد تقديري البحث الأصولي ، وفي المقام تترتب صحة العبادة على القول بعدم الاقتضاء وهذا كاف في صيرورة مسألة الضد بحثا أصوليا (١).
وهذه المحاولة أيضا مما لا يمكن المساعدة عليها ، لا لما قد يقال : من استلزامها دورية التعريف ، حيث أصبحت المسألة الأصولية تعرف بعدم حاجتها إلى مسألة أصولية أخرى فلا بدّ في المرتبة السابقة من تشخيص المسألة الأصولية ، ليقال : بأن المقصود إن كل مسألة لم يكن يحتاج في مقام استنباط الحكم منها إلى غير صغراها المنقحة لموضوعها فهي مسألة أصولية. بل لأنه يرد عليها :
أولا : انه قد يراد عدم احتياجها إلى كبرى أصولية فوقها بل تكون هي كبرى القياس ، وحينئذ يكون رجوعا إلى المحاولة الأولى التي أفادها المحقق النائيني ( قده ) وقد يراد عدم احتياجها إلى مسألة أصولية أخرى ولو لم تكن كبرى في قياس الاستنباط ، وحينئذ إن أريد عدم الحاجة إليها أصلا خرجت الكثير من المسائل الأصولية ، لكثرة موارد احتياج بعضها إلى بعض في مجال استنباط الحكم الشرعي ، كما إذا اعتمد الاستنباط على دليل غير قطعي السند أو الدلالة. وإن أريد عدم الحاجة في الجملة بأن تكون المسألة الأصولية مستغنية عن غرها ولو في مورد واحد ؛ فسوف يشمل التعريف جملة من المسائل غير الأصولية التي قد يتفق بشأنها الاستغناء في الجملة ، كما إذا وردت كلمة ( الصعيد ) في دليل قطعي السند ـ كالنص القرآني ـ بحيث لم يكن الاستنباط الفقهي بحاجة إلى شيء عدا تحديد مدلولها فيكون البحث عنها بحثا أصوليا بمقتضى هذا التعريف.
وثانيا : ان جملة من بحوث علم الأصول تحتاج دائما إلى ضم كبرى أصولية إليها
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١٦
٢٨
لكي يتمّ الاستنباط ، كالمسائل المرتبطة بتشخيص أقوى الظهورين عن أضعفهما في باب العمومات والمطلقات أو في باب المنطوق والمفهوم ، فانَّها تنقح صغرى أقوى الدليلين التي تكون بحاجة إلى ضمّ كبرى قواعد الجمع العرفي وملاكات الترجيح الدلالي في مقام المعارضة بين الأدلة.
ودعوى : أن قواعد الجمع العرفي كأصل حجيّة الظهور من القضايا المسلَّمة المتَّفق عليها عند العقلاء فلا يكون البحث عنها أصولياً. مدفوعة صغرى وكبرى.
أمَّا صغرى : فلأنَّ كبريات الجمع العرفي بنفسها بحاجة إلى بحث وتحقيق خصوصاً مع إبداء البعض لاحتمال شمول الأخبار العلاجية لموارد الجمع العرفي ، كما ذهب إليه صاحب الحدائق ( قده ) في جملة من الموارد وطبقة جملة من الفقهاء في بحوثهم الفقهية كالشيخ الطوسي ( قده ) في مسألة نجاسة الخمر وغيرها.
واما كبرى ، فلأن صيرورة المسألة واضحة أو مسلمة لا تميزها عن سائر مسائل العلم الواحد وإنَّما تؤدي إلى الاختلاف عنها بحسب مقام الإثبات والاستدلال.
فان هناك درجات من الإثبات قد تطرأ على المسألة وليست أصولية المسألة مرهونة بالخلاف فيها ، وإلا لرجع الأمر إلى تحديد المسألة الأصولية بمقياس يتعين في طول البحث الأصولي ، ومعه أمكن الاستغناء عن التعريف بالقول بأن قواعد علم الأصول هي القواعد الدخيلة في الاستنباط غير المبحوث عنها في علم آخر. ومنه يعرف ما في جوابه ـ دام ظله ـ عن النقض بمباحث الألفاظ.
وثالثا : فيما يخص الجواب عن النقض بمسألة الضد توجد عدة ملاحظات على ما يلي :
١ ـ ان القول بعدم الاقتضاء لا يكفي للحكم بصحة العبادة الضد ما لم تضم إليه أيضا قاعدة أصولية أخرى هي ثبوت الأمر الترتيبي ، أو إمكان استكشاف الملاك بعد سقوط الخطاب في موارد التزاحم.
٢ ـ جعل ثمرة بحث الاقتضاء صحة العبادة الضد أو بطلانها غير فني ، لأن النهي الغيري عن الضد إن كان صالحا للتنجيز كان هو الثمرة ، وإلا فلا يمكن ان ينقح به إثباتا أو نفيا صغرى اقتضاء النهي عن العبادة لفسادها وبالتالي الحكم ببطلان
٢٩
العبادة الضد ، وإنما الصحيح جعل ثمرة هذا البحث ـ على ما سيأتي في محله ـ ثبوت الأمر الترتبي بالضد العبادي على القول بعدم الاقتضاء المستلزم لصحته والاجتزاء به وعدمه على القول بالعدم المستلزم لعدم الاجتزاء به.
٣ ـ ان ترتب الصحة على القول بعدم الاقتضاء من دون حاجة إلى مسألة أصولية أخرى ليس من الاستنباط بناء على ما تقدم منه ـ دام ظله ـ في دفع الاعتراض الثاني ، لكونه بنحو التطبيق لا التوسيط.
٣ ـ موقف المحقق العراقي من النقض
وحاصل ما حاوله المحقق العراقي ( قده ) انه جعل أصولية القاعدة مرهونة بكونها متكفلة للدلالة على الحكم وناظرة إلى إثباته بنفسه أو بكيفية تعلقه بموضوعه (١).
وبهذا يمكن تفسير الفرق بين ظهور صيغة الأمر في الوجوب وظهور كلمة الصعيد أو وثاقة الراوي ، فان الأول دال على الحكم بنفسه وناظر إليه دون الثاني.
ولا ينقبض عليه بمثل بحوث العام والخاصّ أو المطلق والمقيد أو بحوث الجملة الشرطية والوصفية ، بدعوى : انه كالبحث عن مدلول كلمة الصعيد لا يكون ناظرا إلى إثبات الحكم. لأن البحث فيها يرجع بحسب الحقيقة إلى البحث عن كيفية تعلق الحكم بموضوعه من حيث كونه عاما أو خاصا أو كونه بنحو التعليق أولا ، فتكون القاعدة الأصولية اللفظية في هذه البحوث أيضا ناظرة إلى إثبات الحكم.
وهذه المحاولة أيضا مما لا يخلو من إشكال. لأنها تؤدي إلى خروج مثل مسألة اقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضده ، بناء على ان الحكم المطلوب إثباته بها فقهيا ليس هو حرمة الضد بل الأمر الترتيبي به أو صحته وبطلانه ، وواضح ان قاعدة الاقتضاء لا تكون ناظرة إلى إثبات ذلك بصيغتها المطروحة في علم الأصول وقد يرجع واقع مراد المحقق العراقي ( قده ) إلى معنى آخر يأتي توضيحه.
وهكذا يتضح : ان جميع المحاولات التي أفيدت لعلاج الاعتراض الثالث ودفعه
__________________
(١) مقالات الأصول ج ١ ص ١٠
٣٠
غير تامة. كما انها لا تتم في علاج الاعتراض الثاني المتقدم على ما يظهر بشيء من التأمل.
المختار في التعريف
والصحيح في تعريف علم الأصول بنحو تعالج به كل المشاكل المثارة بوجهه ان يقال :
علم الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكلي.
ونلاحظ ان هذا التعريف يضع للمسألة الأصولية عدة خصائص.
الأولى : ان تكون عنصرا مشتركا لا يختص بباب دون باب من أبواب الفقه.
وتوضيح ذلك : ان الأدلة التي يمارسها الفقيه في مجال استنباط الحكم الشرعي تكون على قسمين :
١ ـ ما يكون دليلا خاصا معتمدا في استنتاج حكم فقهي معين ، من قبيل البحث عن مدلول كلمة ( الصعيد ) لغة ، فانه قد يستند إليه الفقيه كدليل على إثبات حكم شرعي في الفقه إلا انه لا يكون عنصرا مشتركا يستدل به في أبواب فقهية متنوعة.
٢ ـ ما يكون دليلا مشتركا سيالا في مختلف الأبواب الفقهية ، كالبحث عن تحديد مدلول صيغة الأمر أو النهي ، فانه يوفر للفقيه قاعدة عامة في تشخيص مداليل النصوص الشرعية المتكفلة لأمر أو نهي ، والأمر والنهي لا يختصان بباب فقهي دون باب.
وقد لوحظ من خلال توسع الممارسات الفقهية الاستدلالية وتطورها تدريجيا ان القسم الثاني من عناصر الاستنباط هذه باعتبار اشتراكه في أكثر من باب فقهي وعموميته في عمليات الاستنباط يكون أوسع من البحث الفقهي في هذا الباب أو ذاك ، بحيث لم يكن من الصحيح اعتباره جزءا من بحوث مسألة فقهية معينة ، أو تكرار البحث عنه في كل مسألة. بل الصحيح افراد الحديث عنه في فصل مستقل
٣١
تدرس فيه تلك العناصر كبرويا ثم تطبق النتائج المنقحة هناك في البحوث الفقهية كمصادرات مفروغ عنها سلفا ومن هنا بدا البحث عن هذا القسم من عناصر الاستنباط ينفصل شيئا فشيئا عن البحوث الفقهية حتى أصبح على شكل علم مستقل له خصائصه المتميزة ومنهجه الخاصّ.
فهذه الخصوصية من أهم مميزات المسألة الأصولية ، وبها تخرج مسائل اللغة التي لم يبحثها الأصوليون عن التعريف ، وكذلك جملة من القواعد الفقهية ، لأنها لا تشكل عناصر مشتركة.
الثانية ـ ان يكون هذا العنصر المشترك من عناصر الاستدلال الفقهي ونعني بالاستدلال الفقهي الاستدلال الّذي يقوم به الفقيه لتحديد الوظيفة تجاه الجعل الشرعي الكلي ، فما لا يدخل في نطاق هذا الاستدلال لا يكون أصوليا ، كقاعدة الفراغ أو أصالة الصحة ، لأنها وإن كانت عنصرا مشتركا ولكنها مختصة بالشبهات الموضوعية ولا تقع عنصرا في الاستدلال المحدد للوظيفة تجاه جعل شرعي كلي.
الثالثة ـ ان يكون هذا العنصر المشترك مرتبطا بطبيعة الاستدلال الفقهي خاصة وليس من العناصر المشتركة في عمليات الاستدلال على العموم ، وإلا كان بحثه من وظيفة علم المنطق لا الأصول ، فان علم الأصول بمثابة المنطق للفقه خاصة فهو يبحث العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي بينما يبحث المنطق عن العناصر المشتركة في طبيعي الاستدلال.
الرابعة ـ ان يكون هذا العنصر المشترك مما يستعمله الفقيه في الاستدلال الفقهي دليلا على الجعل الشرعي الكلي ، ومن دون فرق بين أنحاء الدليليّة من كونها لفظية أو عقلية أو شرعية وتوضيح ذلك : ان الأدلة التي يعتمد عليها الفقيه في استدلاله الفقهي على أقسام :
١ ـ الدليل اللفظي ـ ويراد به كل دليل تكون دلالته على أساس الوضع اللغوي أو العرفي العام فيشمل دلالة الفعل والتقرير أيضا.
٢ ـ الدليل العقلي البرهاني ـ وهو الدليل الّذي تكون دلالته على أساس علاقات وملازمات واقعية تثبت بحكم العقل البديهي أو بتوسط برهان.
٣٢
٣ ـ الدليل العقلي الاستقرائي ـ وهو الدليل القائم دلالته على أساس حساب الاحتمالات الّذي هو الأساس العام في الأدلة الاستقرائية.
٤ ـ الدليل الشرعي ـ وهو ما جعله الشارع دليلا لتشخيص الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المشتبه.
٥ ـ الدليل العقلي العملي ـ هو كل كبرى عقلية تشخص الوظيفة تجاه الواقع المشكوك تعذيرا أو تنجيزا ، كقاعدتي البراءة والاحتياط العقليين.
والقسم الأول من هذه الأقسام يشمل مباحث الألفاظ والدلالات فانها طرا يكون البحث فيها عن الدليليّة اللفظية وتحديد مدلول ألفاظ عامة تعتبر عناصر مشتركة لاستنباط الحكم الشرعي في أبواب فقهية متنوعة.
والقسم الثاني يشمل بحوث الملازمات العقلية الثابتة بين الأحكام أو بينها وبين متعلقاتها ، كبحث وجوب المقدمة واقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضده واجتماع الأمر والنهي واقتضاء النهي للفساد ، وبحوث اشتراط القدرة في متعلق التكليف وإمكان أخذ القيود المختلفة في موضوع التكليف أو متعلقه وغير ذلك من المسائل العقلية الأصولية التي يكون البحث فيها عن سنخ العلاقة الثابتة بين حكمين أو بين الحكم ومتعلقه أو موضوعه والتي يستدل بها الفقيه على إثبات حكم آخر أو نفيه أو تحديد موضوع الحكم أو متعلقه ويكون ملاك الدلالة في جميع هذه البحوث عقليا برهانيا.
والقسم الثالث يشمل مسألة حجة الإجماع والسيرة والتواتر ، فان دليلية مثل هذه الأدلة تكون استقرائية لا برهانية ، إذا استثنينا بعض المسالك في حجية الإجماع وهو المسلك الّذي اختاره الشيخ الطوسي ( قده ) المعبر عنه بقاعدة اللطف ، إذ بناء عليه تكون دليلية الإجماع برهانية.
والقسم الرابع يشمل بحوث الحجج والقواعد المقررة شرعا لإثبات الوظيفة العملية ، وهي على قسمين :
١ ـ الأمارات ـ وتكون دليليتها على أساس الكشف والطريقية إلى الواقع الّذي يعنى بحسب الروح ترجيح قوة الاحتمال في التزاحم بين الأحكام في مرحلة الحفظ.
٢ ـ الأصول العملية ـ وتكون دليليتها على أساس ترجيح المحتمل في التزاحم المذكور.
٣٣
والقسم الخامس يشمل مسألة البراءة والاحتياط والتخيير العقلية التي يشخص العقل في مواردها ما هو الوظيفة تجاه الحكم الشرعي المشتبه.
فكل هذه الأقسام تدخل في نطاق علم الأصول ، لأنها عناصر مشتركة ومستعملة من قبل الفقيه كأدلة على الجعل الشرعي الكلي.
وبهذه الخصوصية تخرج مسائل علم الرّجال ، كوثاقة الراوي ، وأدلة الرجالي ، كقاعدة ان ترحم الإمام هل يدل على الوثاقة أولا ، أو ان من روى عنه أحد الثلاثة هل يكون ثقة أولا؟ وذلك لأن مسائل الرّجال وأدلته وإن كانت عناصر مشتركة في الاستدلال الفقهي بمعنى ان الفقيه يستفيد منها في مختلف الأبواب ، ولكنها لا تكون لديه أدلة على الجعل الشرعي الكلي كما هو شأن المسألة الأصولية ، اما وثاقة الراوي فهي يحتاج إليها الفقيه باعتبارها موضوعا لدليلية الدليل حيث ان دليلية الخبر منوطة بوثاقة المخبر ، وما هو الدليل نفس الخبر ، فالبحث عن الوثاقة بحث عن ثبوت موضوع ما هو حكم شرعي ظاهري وليس بحثا عما يكون بنفسه دليلا للفقيه على الجعل الشرعي الكلي. واما أدلة الرجالي فهي أدلة على تلك الوثاقة لا على الجعل الشرعي الكلي فالفقيه يستعملها دليلا لإثبات موضوع الحكم الظاهري بحجية الخبر لا لإثبات الجعل الشرعي ابتداء.
فإن قيل ـ ان حجية الخبر التي هي مسألة أصولية يستعملها الفقيه أيضا لإثبات ظهور كلام الإمام الّذي هو موضوع للحكم الظاهري ، وما يكون دليلا على الجعل الشرعي هذا الظهور لا الخبر.
قلنا ـ ان ما يجعله الفقيه منجزا للجعل الشرعي الكلي في مورد هذا النقض نفس الخبر لا انه يجعله وسيلة لتنجيز الكلام المنقول ، ولهذا كان المنجز تاما ولو لم يصدق النقل ، وهذا بخلافه في محل الكلام فان الفقيه لا يجعل الدليل الرجالي بنفسه منجزا للواقع بل سببا في منجزية الخبر له.
وبهذه الصياغة للتعريف قد استغنينا عن إدخال كلمة ( الاستنباط ) في تعريف الأصول وحملها على الاستنباط التوسيطي خاصة لإخراج القواعد الفقهية غير الاستدلالية ، الأمر الّذي لا مأخذ له ، فان المطلوب من القاعدة الأصولية ان تقع في
٣٤
طريق تشخيص الوظيفة العملية تجاه جعل إلهي سواء كان ذلك بنحو التوسيط أو التطبيق. واما القواعد الفقهية فقد عرفت انها لا تكون عناصر مشتركة في الاستدلال الفقهي.
٣٥

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:10 am

موضوع علم الأصول
اعتاد علماء الأصول على ان يتعرضوا بمناسبة البحث عن تحديد موضوع عام لعلم الأصول إلى الحديث عن ضرورة وجود موضوع لكل علم وتحديد ما يكون موضوعا ومحمولا في العلم ، وجريا على هذا المنهج نبحث فيما يلي عن النقاط التالية :
١ ـ موضوع العلم.
٢ ـ معنى العرض الذاتي والغريب.
٣ ـ ما يبحث عنه في مسائل العلم.
٤ ـ تحديد موضوع عام لعلم الأصول.
١ ـ موضوع العلم
في كل علم مسائل عديدة ، ولكل مسألة موضوعها الخاصّ ، وجميع موضوعات تلك المسائل تلتقي في موضوع عام ينطبق عليها ويعتبر موضوعا للعلم ، لأن بحوث العلم كلها تدور حوله. وعلى هذا الأساس ذكروا في تعريف موضوع العلم وتحديده بأنه ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة.
وقد استدل على ضرورة وجود موضوع عام لكل علم بدليلين :
٣٧
الدليل الأول ـ ويتألف من مقدمتين :
أولاهما ـ ان لكل علم غرضا يترتب عليه ، والأغراض المترتبة على العلوم من نوعين :
١ ـ أغراض تدوينية ، وهي التي تطلب من وراء تدوين العلم أو تعليمه للآخرين ، ولذلك يكون هذا النوع من الأغراض المطلوبة في العلوم متنوعة ومختلفة من شخص إلى آخر.
٢ ـ أغراض ذاتية تترتب على كل علم في نفس الأمر والواقع مع قطع النّظر عن مرحلة التدوين والتعليم. وهذا النوع من الأغراض يكون بمثابة المعلول للعلم ويكون ترتبه على مسائل العلم من سنخ ترتب المعلول على علته ، وعلى هذا الأساس كان
لكل علم غرض واحد ـ ولو بالنوع ـ يترتب عليه. فعلم النحو مثلا يترتب عليه غرض الصيانة من الخطأ في المقام وعلم المنطق يترتب عليه غرض الصيانة من الخطأ في الفكر ، وهكذا سائر العلوم الأخرى.
الثانية ـ تطبيق كبرى فلسفية تقول بأن الواحد لا يصدر إلا من واحد بعد تعميمها إلى الواحد بالنوع ، فيقال هنا : بأن وحدة الغرض المترتب على مسائل كل علم تكشف لا محالة عن وحدة بالنوعية جامعة بين تلك المسائل بمعنى وجود قضية واحدة كلية يكون موضوعها جامعا بين موضوعات المسائل ومحمولها جامعا بين محمولاتها وتكون تلك القضية هي العلة في ترتب ذلك الغرض الواحد.
وقد نوقش في المقدمة الأولى من هذا الدليل : بإنكار ترتب تلك الأغراض على مسائل العلم في ذاتها وواقعها ، كيف ولو كان الأمر كذلك لزم ان لا يقع في الخارج خطأ في المقال أو الفكر مثلا لثبوت المسائل النحوية أو المنطقية في نفس الأمر والواقع.
وأجيب عنه تارة : بأن المقصود كون مسائل العلم في نفسها سببا في ترتب الغرض وليس المراد ترتبه عليها فعلا ومن دون قيد أو شرط ، فلا مانع من اشتراط معرفة المسائل وتعلمها في تحقق الغرض المنشود منها خارجا وإن شئت قلت : انها علة للتمكن من عدم الخطأ في الفكر أو المقال.
٣٨
وأخرى : بأن غرض التصحيح وعدم الخطأ ليس أمرا خارجيا كوقوع الكلام الصحيح بل أمر إضافي يراد به مطابقة الكلام أو الفكر للقاعدة العلمية الثابتة في نفسها ، ومن الواضح : أن اتصاف الفكر أو الكلام بالمطابقة مع القاعدة يكون تمام علتها ثبوت نفس القاعدة في لوح الواقع.
والصحيح هو الجواب الأول دون الثاني : لأن التصحيح ومطابقة الفكر أو الكلام مع القاعدة العلمية ليست نسبة إلى مسائل العلم نسبة الأثر إلى المؤثر والغرض إلى ذي الغرض وإنما هو مجرد نسبة وإضافة بين شيئين ينتزعهما الذهن كلما افترض وجود المنتسبين فكيف يعقل أن تكون هي الغرض من جعل تلك القاعدة أو ثبوتها.
هذا ، ولكن مع ذلك لا يمكن المساعدة على هذا الاستدلال ، لأنه لو سلم ما يدعى فيه من أن لكل علم غرضا واحدا ولو بالنوع فهو لا يكفي لاستنتاج وحدة موضوع مسائل ذلك العلم ، وبرهان الواحد لا يصدر إلا من واحد على فرض تعميمه للواحد بالنوع لا يراد منه أكثر من لزوم التطابق بين العلة الموجودة ومعلولها في السنخ فيكون قاصرا على العلة الفاعلية ومبادئ وجود شيء خارجا وليست مسائل العلم وقضاياه علة فاعلة لوقوع الكلام أو الفكر الصحيحين خارجا كما هو واضح. هذا إن أريد ترتب الغرض بالنحو الأول الحقيقي ، وأما لو أريد الغرض بالمعنى الثاني الإضافي فعدم انطباق البرهان المذكور فيه أوضح ، لأن النسبة والإضافة تابعة في الوحدة والتعدد لأطرافها فلو فرض ثبوت قضية واحدة جامعة بين مسائل العلم الواحد كانت الإضافة المنتزعة منها واحدة لا محالة ، وإلا كانت متعددة ، وليست الإضافة أمرا مستقلا في ذاتها لكي تلحظ مستقلا ويستكشف منها وحدة العلم أو تعدده موضوعا.
وهذا هو الجواب الصحيح عن الاستدلال المذكور. واما ما جاء في كلمات السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ تارة : من إنكار ترتب غرض على ذات المسائل بدليل عدم تحققه في حق الجاهلين بها فلو أريد تطبيق برهان الواحد لزم افتراض وجود وحدة بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بين موضوعات المسائل وأخرى : بأن مقتضى البرهان الآنف الذّكر وجود جامع بين النسب الخاصة التي ترتبط بين محمولات المسائل وموضوعاتها
٣٩
لأن الغرض يكون نتيجة ثبوت تلك النسب (١) فمما لا يمكن المساعدة عليه.
أما الأول : فلما عرفت في تصوير الغرض المترتب على مسائل العلم ؛
وأما الثاني : فلأن النسب والإضافات ليست أمورا مستقلة ـ كما عرفت أيضا ـ لكي يعقل في حقها الجامع والفرد والوحدة والتعدد بقطع النّظر عن أطرافها بل وحدتها وجامعيتها تكون بتبع وحدة طرفها دائما فافتراض وحدتها يعنى افتراض وجود قضية واحدة عامة جامعة موضوعا ومحمولا لموضوعات المسائل ومحمولاتها تكون هي المؤثرة في إيجاد الغرض الواحد.
الدليل الثاني ـ ان تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها فلا بد وأن يكون لكل علم موضوع واحد وإلا لتداخلت العلوم فيما بينها.
وقد ناقش صاحب الكفاية ( قده ) في هذا الدليل بإنكار ما زعم فيه من أن تمايز العلوم يكون على أساس تمايز موضوعاتها بل على أساس تمايز الأغراض المترتبة عليها ، وإلا لزم أن يكون كل باب بل كل مسألة في علم علما مستقلا عن سائر المسائل لتمايز موضوعه عن موضوعها وهو واضح الفساد (٢).
ونحن وإن كنا لا نوافق على هذا الطراز من الاستدلال في إثبات وحدة موضوع العلم لكونه أشبه بالمصادرة ، حيث ان معرفة تكون تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها فرع معرفة وجود موضوع واحد لكل علم يتميز عن موضوع غيره. إلا أن ما جاء في مناقشة صاحب الكفاية ( قده ) أيضا مما لا نوافق عليه ، لأن المدعى عند صاحب هذا الدليل ان موضوع العلم هو الجامع الذاتي بين موضوعات المسائل الّذي لا يندرج تحت جامع آخر وإلا كان هو موضوع العلم ، وموضوعات المسائل أو الأبواب داخل علم واحد تندرج كلها تحت جامع أوسع منطبق عليها فلا يمكن اعتبار كل منها علما برأسه.
ثم إن السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ حاول إبطال دعوى ضرورة وجود موضوع واحد في كل علم بالنقض ببعض العلوم كعلم الفقه حيث لا يعقل افتراض وجود موضوع
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١٩
(٢) كفاية الأصول ج ١ ص ٥ ( ط ـ مشكيني )
٤٠
واحد جامع بين موضوعات مسائله ، إما لكونها قضايا جعلية اعتبارية فلا يعقل في حقها جامع حقيقي ، واما باعتبار ان موضوعاتها من مقولات متباينة بل متنافرة أحيانا فكيف يكون بينها جامع ذاتي (١).
ويمكن المناقشة فيما أفاده ـ دام ظله ـ بأن الأحكام الشرعية وإن كانت قضايا اعتبارية بلحاظ المعتبر والمنشأ إلا أنها حقيقية بلحاظ نفس الاعتبار ومبادئ الحكم لكونها من مقولة الكيف النفسانيّ ، وهي بهذا الاعتبار تكون موردا لحكم العقل بحق الطاعة والعبودية الّذي هو الغرض الملحوظ في علم الفقه.
وأما تباين موضوعات المسائل الفقهية فجوابه : انه لا بد وأن يراد بالموضوع الواحد لكل علم وجود محور واحد تدور حوله كل بحوث العلم الواحد وهذا قد لا يتطابق مع ما يجعل موضوعا للمسائل بحسب التدوين خارجا لأن مرحلة التدوين قد تتأثر بعوامل ومناسبات تقتضي نهجا آخر تعرض من خلاله مسائل العلم وبحوثه. ولذلك نجد أن بحوث علم الفلسفة والحكمة العالية التي تدور كلها حول الوجود قد صيغت في مرحلة التدوين بشكل لا يتطابق فيه ما جعل موضوعا للمسائل مع الوجود الّذي هو موضوع العلم حيث جعل الجوهر والعرض والواجب وغير ذلك موضوعا في المسألة الفلسفية بحسب مرحلة التدوين وجعل الوجود محمولا لها ، فقيل. العرض موجود والجوهر موجود والواجب موجود وهكذا مع أن الجوهر أو العرض أو الواجب تعينات للوجود أو الموجود الّذي هو موضوع الفلسفة ومحور أبحاثها ومثل ذلك يمكن بالنسبة إلى مسائل علم الفقه ، فيقال : أن الموضوع العام الّذي تدور حوله بحوث علم الفقه إنما هو الحكم الشرعي ويكون البحث في المسائل الفقهية عن تعينات الحكم الشرعي وتمثله في وجوب الصلاة أو الصوم أو حرمة الكذب أو غير ذلك.
والواقع ، أن قاعدة إن لكل علم موضوعا واحدا تدور حوله بحوثه ويمتاز به عن غيره من العلوم تشير إلى مطلب ارتكازي مقبول بأدنى تأمل لو لا وقوع التباس في البين نتيجة مجموع أمرين :
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٢١
٤١
١ ـ تخيل ان المراد بالموضوع ما جعل موضوعا للمسائل في مرحلة تدوينها وتأليفها في البحوث والمصنفات ، مع أن المقصود بالموضوع ما يكون محورا لبحوث العلم بحسب المناسبات الواقعية التي تطلبها طبيعة تلك البحوث ومقتضياتها ، وأقوى دليل على إرادة هذا المعنى من موضوع العلم ما تقدم نقله عن الفلسفة العالية التي تمثل العلم الحقيقي لدى من أخذت منهم قاعدة ان لكل علم موضوعا يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة ، فانهم اتفقوا على ان موضوعها هو الوجود أو الموجود مع انهم يصوغون موضوعات مسائلها في مرحلة التدوين بشكل آخر كما عرفت.
٢ ـ تفسير القوم للعرض الذاتي بما يعرض للشيء أو يحمل عليه بعد الفراغ عن ثبوته ، مما أدي إلى صعوبة تطبيق القاعدة على بحوث كثير من العلوم وسوف يأتي توضيح الخطأ الواقع في هذه النقطة قريبا.
وبعد تصحيح هاتين النقطتين صح أن يقال : ان لكل علم موضوعا يوجد بحوثه في محور واحد بنحو يتميز به عن العلوم الأخرى وهذه الوحدة ثابتة ارتكازا ووجدانا لكل علم في مرتبة أسبق من مرتبة تدوينه التي هي مرتبة لاحقة ومتأثرة بعوامل ثانوية خارجة عن مناسبات طبيعة العلم في نفس الأمر والواقع ، فلا غرو أن نجد اختلافا في بعض الأحيان بين ما يكون موضوعا لبحوث علم واقعا وما يجعل موضوعا لمسائله في مرحلة التدوين والعرض. فبحوث علم النحو مثلا موضوعها الكلمة العربية وهي كذلك بحسب مرحلة تدوين المسائل النحوية أيضا ، ولكن بحوث الفلسفة العالية أو علم الفقه مثلا موضوعها الوجود والحكم الشرعي مع أنهما يحتلان مركز المحمول في المسائل الفلسفية والفقهية بحسب التدوين ، وبحوث علم الصحة مثلا تدور حول موضوع واحد هو صحة البدن مع انه بمثابة الغرض المترتب على مسائل علم الصحة بحسب مرحلة تدوينها حيث يبحث فيها عن الأسباب والعلل المؤثرة في صحة الأبدان طردا وعكسا. فالتطابق بين ما هو موضوع للمسائل بحسب التدوين وما هو موضوع للعلم ومحور لبحوثه غير لازم.
ومنه يظهر حال النزاع الّذي أثاره صاحب الكفاية ( قده ) من أن تمايز العلوم هل يكون بتمايز موضوعاتها أن باختلاف الأغراض المترتبة عليها؟ فانه لو أريد بالموضوع أو
٤٢
الغرض ما وقع موضوعا أو كان غرضا للمسائل بحسب مرحلة التدوين فلا ضابط يمكن إعطاؤه كقاعدة عامة لجميع العلوم بل قد يكون امتياز علم عن غيره بما جعل موضوعا لمسائله وقد يكون بما يكون غرضا لها. وإن أريد بالموضوع ما يكون محورا تدور حوله بحوث العلم ومسائله التي تبحث عن الأعراض الذاتيّة لذلك الموضوع بالمعنى الّذي سوف يأتي في معنى العرض الذاتي فالصحيح ان تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها.
٢ ـ العرض الذاتي والعرض الغريب
ذكروا في تعريف العرض الذاتي : بأنه ما يعرض على الشيء بلا واسطة أو مع واسطة مساوية ، والعرض الغريب ما يعرض على الشيء بواسطة أمر أخص أو أعم داخليا ـ أي جزءا من ماهيته ـ أم خارجيا أم مباينا ـ أي غير متحد معه أصلا ـ وقد أثيرت حول هذا التعريف اعتراضات مختلفة من قبل علماء الأصول ، ولعل أجودها ما ذكره المحقق العراقي ( قده ) ، ونقتصر في هذا المجال على عرضه مع التعليق عليه.
وتوضيح ما أفاده : أن الأوصاف المنتسبة إلى شيء تتصور على أحد الأنحاء التالية :
١ ـ أن يكون العرض منتزعا عن مرحلة ذات الشيء فيوصف به باعتباره جزءا منه ووصفا داخليا له ، وهذا هو الذاتي في كتاب الكليات الخمس ( الإيساغوجي ) بحسب مصطلح المناطقة.
٢ ـ أن يكون منتزعا عن أمر خارج عن ذات الشيء ولكنه من اقتضاءاتها بحيث يكفي ثبوت ذات الموضوع وحده للاتصاف به بلا حاجة إلى جهة خارجية كالحرارة للنار والزوجية للأربعة ، وهذا هو الذاتي في كتاب البرهان بمصطلح المناطقة.
٣ ـ أن يكون عارضا بواسطة أمر خارج عن ذات الشيء غير أنه واسطة تعليلية تقتضي ثبوت العرض لنفس الشيء فيكون هو المعروض لا الواسطة ـ وهو الّذي يصطلح عليه بالواسطة الثبوتية ـ كالمجاورة التي تكون واسطة لعروض الحرارة على الماء ، ولا يفرق هنا بين أن تكون الواسطة الخارجية أعم أو أخص أو مساويا أو مباينا طالما ليست هي المعروضة للوصف.
٤٣
٤ ـ أن يكون عارضا بواسطة أمر خارجي يكون حيثية تقييدية في العروض ، أي تكون الواسطة هي المعروضة للوصف حقيقة ـ وهو الّذي يصطلح عليه بالواسطة في العروض ـ ويشترط في هذا القسم أن يكون ذو الواسطة جزءا تحليليا من الواسطة. ومثاله ما يعرض على الجنس بواسطة النوع.
٥ ـ أن يكون عارضا بواسطة تقييدية ـ كما في القسم السابق ولكن مع افتراض كون الواسطة جزءا من ذي الواسطة ـ وهو عكس ما مر في ذلك القسم ـ من قبيل ما يعرض على النوع بواسطة الجنس. ولازم ذلك أن لا يكون ذو الواسطة في هذا القسم معروضا للوصف كما كان في القسم السابق لا ضمنا ولا استقلالا.
٦ ـ أن يكون عارضا بواسطة تقييدية مباينة عن ذيها تمايز الواسطة ذاتا ووجودا ، من قبيل ما يعرض على الجسم وينسب إليه من البطء أو السرعة مع كونه عرضا الحركة الجسم المباينة معه في الوجود أيضا.
وقد أفاد في حكم هذه الأقسام : بأن ذاتية العرض وغرابته إن كانت بلحاظ صحة الحمل والإسناد الحقيقيّين فالأقسام كلها باستثناء الأخير تكون من العرض الذاتي لصحة الحمل الحقيقي فيها جميعا ، وإن كانت بلحاظ صحة الاتصاف والعروض الحقيقي للشيء فالأقسام الثلاثة الأولى تكون من الذاتي بلا إشكال لكون الموضوع فيها هو المعروض الحقيقي للوصف ، كما أنه لا إشكال في ان الأقسام الثلاثة الأخيرة لا تكون من العرض الذاتي لكون الأوصاف فيها غير عارضة على الشيء حقيقة ، وأما القسم الوسط ـ وهو الرابع ـ فاعتباره من الذاتي أو الغريب مرتبط باشتراط استقلالية العروض وعدمه ؛ فلو لم يشترط ذلك كان من الذاتي أيضا لكون الشيء معروضا فيه للوصف ولو ضمنا.
وقد استظهر ـ قده ـ من كلمات الحكماء في هذا المجال ـ مستشهدا بكلام للمحقق الطوسي ـ ان ميزان ذاتية العرض وغرابته صحة العروض لا الإسناد ، كما استظهر منها
٤٤
اشتراط استقلالية العروض فليس غير الأقسام الثلاثة الأولى عرض ذاتي فيما تقدم من الأقسام.
وبهذا أبطل ما اشتهر بينهم من أن العرض الذاتي ما يعرض بلا واسطة أو مع واسطة مساوية ، إذ الواسطة إذا كانت تقييدية فالعرض غريب لأن العروض غير حقيقي وإن كانت الواسطة مساوية ، وإذا كانت تعليلية فالعروض ذاتي وإن كانت الواسطة غير مساوية ، فالمناط تعليلية الواسطة لا مساواتها مع ذي الواسطة.
وفيما يلي تعليقنا على ما أفاده هذا المحقق من عدة نقاط.
١ ـ ان ما أسنده إلى كلمات الحكماء من كون مناط ذاتية العرض استقلالية العروض غريب في بابه ، فان كلام المحقق الطوسي ( قده ) الّذي استشهد به في إثبات مدعاه أيضا ـ صريح في خلاف ما أفاد وكأنه لم يلاحظ ذيله الّذي قال فيه « ... العلوم تتناسب وتتخالف بحسب موضوعاتها فلا يخلوا اما أن يكون بين موضوعاتها عموم وخصوص أم لا يكون ، فان كان فاما أن يكون على وجه التحقيق أو لا يكون ، والّذي يكون على وجه التحقيق هو الّذي يكون العموم والخصوص بأمر ذاتي وهو أن يكون العام جنسا للخاص كالمقدار والجسم التعليمي الذين أحدهما موضوع الهندسة ، والثاني موضوع المجسمات ، والعلم الخاصّ الّذي يكون بهذه الصفة يكون تحت العام وجزءا منه ، والّذي ليس على وجه التحقيق هو الّذي يكون العموم والخصوص بأمر عرضي وينقسم إلى ... وبعد أن قسم هذا إلى قسمين أيضا ـ قال : والعلم الخاصّ الّذي يكون على هذين الوجهين يكون تحت العام ولكنه لا يكون جزءا منه » (١).
وكأن المحقق العراقي ( قده ) لاحظ صدر هذا الكلام فاستفاد منه أن الموضوعين اللذين يكون أحدهما أعم من الآخر وجنسا له يكون كل منهما موضوعا لعلم مستقل ، فالبحث عن عوارض الموضوع الأخص لا يكون من مسائل العلم الّذي يبحث عن الموضوع الأعم وهذا يعني أن عوارض الموضوع الأخص لا تكون أعراضا ذاتية للموضوع الأعم وإن كان الأعم جزءا من الأخص كالجنس بالنسبة للنوع. وهذا كما يدل
__________________
(١) شرح الإشارات للمحقق الطوسي ج ١ ص ٣٠٢ ( ط ـ طهران )
٤٥
ـ بحسب فهمه ـ على اشتراط كون العروض حقيقيا وعدم كفاية صحة الإسناد الحقيقي ـ وإلا فأوصاف الجنس تنسب إلى النوع حقيقة ـ كذلك يدل على اشتراط استقلالية العروض وعدم كفاية العروض الضمني المحفوظ في عوارض الجنس بواسطة النوع.
الا أن ذيل عبارة الطوسي ( قده ) صريح في أن الموضوع الأخص إذا كان تخصصه بالفصل ، أي كان نوعا وكان الموضوع الأعم جنسا له ، فالعلم الخاصّ يكون تحت العلم العام وجزءا منه أي انه ليس علما مستقلا في قباله ، وإذا كان تخصصه بأمر عرضي لم يكن العلم الخاصّ جزءا من العام بل كان علما مستقلا وهذا يعني ان العوارض الذاتيّة للأخص الذاتي عوارض للأعم أيضا ولذلك كانت مسائله جزءا من بحوث الأعم.
٢ ـ ان العرض تارة : يلحظ مضافا إلى موضوعه في عالم الوجود. وأخرى : يلحظ مضافا إليه في عالم التحليل وفي الحالة الأولى ، كل ما يكون محمولا على الشيء حقيقة يكون عارضا عليه كذلك أيضا ، لأن الوجود الخارجي للمعروض واحد على كل حال وإن كان ذا أجزاء بحسب عالم التحليل. فالأقسام كلها ما عدا الأخير تكون من العرض الذاتي على كلا الميزانين المذكورين في كلامه ( قده ). وفي الحالة الثانية ، ما لا يكون عارضا على شيء حقيقة لا يصح حمله عليه كذلك فأعراض الجنس كما لا تكون أعراضا للفصل حقيقة كذلك لا تكون محمولة عليه لأن الجنس والفصل بحسب التحليل متباينان لا ينسب أحدهما أو ما له من أعراض إلى الآخر.
وهكذا يتضح : أن التفصيل بين الأقسام المذكورة على أساس الحمل أو العروض لا محصل له ، وإنما الصحيح هو التفصيل على أساس العالم الملحوظ فيه العروض فان كان عالم الوجود فالأقسام الستة من العرض الذاتي وإن كان عالم التحليل انحصر العرض الذاتي بالأقسام الثلاثة الأولى.
٣ ـ إن ثمة نسبتين مختلفتين بين الشيء وما يعرض عليه :
إحداهما : نسبة المحلية.
الثانية : نسبة المنشئية
ونقصد بالمحلية : أن يكون الشيء محلا وموضوعا للعرض. ونقصد بالمنشئية : أن
٤٦
يكون سببا لوجود العرض. وهاتان النسبتان قد تتطابقان وقد تفترقان ، فالحرارة تنتسب إلى النار بالمحلية والمنشئية معا بينما لا تنتسب إلى الماء إلا بالمحلية ، وإلى المجاورة مع النار إلا بالمنشئية.
والمحقق العراقي ( قده ) ـ شأن من عداه من علماء الأصول ـ فسر ذاتية العروض بكون المعروض محلا للعرض حقيقة ، ومن هنا حار في كيفية تطبيق هذا المعنى على العارض بواسطة أمر مساو كما جاء في تعريف الحكماء للعرض الذاتي. لأن الواسطة إذا كانت تقييدية تمنع عن كون ذي الواسطة محلا للعرض حقيقة وإذا كانت تعليلية فلا موجب لتخصيص الواسطة بالمساوي ما دام العروض على ذي الواسطة حقيقيا.
مع ان ظاهر الحكماء ان نظرهم في ذاتية العرض إلى النسبة الثانية أعني المنشئية والاستتباع ، فكل عرض كان ثبوته لموضوع بذاته أو لأمر يرجع إلى ذاته من دون أن يساهم في ذلك واسطة خارجة عن حريم الموضوع فهو عرض ذاتي وكل ما كان ثبوته لموضوعه بأمر خارج عن ذات الموضوع فعرض غريب.
وهذا التفسير لذاتية العرض وغرابته علاوة على انسجامه مع الأعراض المبحوث عنها في العلوم ـ على ما يأتي توضيحه في النقطة القادمة ـ هو المطابق مع كلمات الحكماء في تعريف العرض الذاتي في المقام وتوضيح ذلك : انهم جعلوا العرض الذاتي منحصرا في قسمين : ما يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو وغيرهما عرض غريب. ولا وجه لهذا التقسيم إلا إذا أردنا بالعروض المنشئية والاستتباع ، فان العرض إذا كان يعرض بلا واسطة فالموضوع تمام المنشأ والعلة لاستتباع العرض وإذا كان يعرض بواسطة أمر مساو فالواسطة لا بد وأن تكون عارضة على الموضوع أيضا إما بلا واسطة فيكون موضوع هو تمام المنشإ في استتباعها واستتباع العرض أو بواسطة أمر مساو أيضا ـ لاستحالة عروضها بواسطة أمر أعم أو أخص وإلا كانت هي أيضا أعم أو أخص ـ فيكون كالواسطة الأولى المساوية من حيث منشئية الموضوع لاستتباعه ، من دون فرق في ذلك بين كون الواسطة داخلية أم خارجية.
لا يقال ـ ما يعرض على النوع بسبب الفصل يكون من العارض بواسطة أمر مساو مع أن المنشأ الحقيقي له الفصل لا النوع.
٤٧
فانه يقال ـ باعتبار مساوقة وجود النوع لوجود الفصل وكون الفصل هو المحصل الحقيقي لماهيته تكون المنشئية والاستتباع ثابتة للنوع أيضا بحيث كلما وجد خارجا كان العرض موجودا أيضا وكلما ارتفع كان مرتفعا وهذا بخلاف عوارض النوع بواسطة الجنس.
وأما إذا كان العروض بواسطة أمر أخص فلا يكون العرض ذاتيا إذا كانت الواسطة خارجية ، أي أمرا عرضيا ، لأن المنشأ عندئذ إنما هو الواسطة فلا يكون الموضوع منشأ لاستتباع العرض.
وأما إذا كانت الواسطة داخلية ، كعوارض الجنس بسبب الفصل ، فالعرض ذاتي كما أشار إليه المحقق الطوسي ( قده ) في كلامه المتقدم « والّذي يكون على وجه التحقيق هو الّذي يكون العموم والخصوص بأمر ذاتي وهو أن يكون العام جنسا للخاص كالمقدار والجسم التعليمي ... والعلم الخاصّ الّذي يكون بهذه الصفة يكون تحت العام وجزءاً منه ».
والوجه في اعتبار هذا القسم من العرض الذاتي مع أن الجنس قد ينفك عن الفصل المسبب للعروض فلا يكون وجوده مستتبعا لوجود العرض ـ يرتبط بمسلكهم في تصوير كيفية عروض الفصل على الجنس المعبر عنه لديهم ( بالتشكيك الخاصي ) فقد ذكروا : أن عروض الفصل على الجنس في مثل قولنا بعض الحيوان ناطق يكون بأمر أخص ، وهو تلك الحصة الخاصة من الحيوانية التوأمة مع الفصل خارجا ، إلا أن هذه الواسطة الخاصة تمتاز على ما عداها من الوسائط العامة أو الخاصة المغايرة ذاتا مع ذيها في أنها عين ذيها بلا ميز ، ببرهان أنها إذا كانت مغايرة عنها ذاتا لكانت هي الفصل ومن هنا قالوا : أن ما به امتياز هذه الحصة الخاصة عن غيرها من حصص الجنس هو عين ما به. اشتراط الحصص. فعلى هذا الضوء إذا أخذنا به نستطيع أن نعرف الوجه في ذاتية العارض بواسطة أمر أخص داخلي كعوارض الجنس بسبب الفصل ، لأن الموضوع وهو الجنس وإن لم يكن وجوده مستتبعا دائما لوجود العرض إلا إنه باعتبار عدم حيلولة أمر غريب بين الفصل العارض على الجنس في الوجود كانت المنشئية الحقيقة بين الجنس والفصل وعوارضه ثابتة أيضا. وهذا بخلاف العارض

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:12 am

بواسطة أخص خارجي أو بواسطة أعم داخليا كان أم خارجيا إذ لا يبقى وجه لاعتبارهما ذاتيين بعد عدم استتباع الموضوع لهما.
وأما العارض بواسطة أمر مباين. فالواقع ان هذا القسم قد جاء من إضافات الأصوليين على تعريف العرض الذاتي والغريب ، فانهم بعد أن فسروا العروض بالمحلية الحقيقية فسروا المساواة والأعمية والأخصية بلحاظ عالم الصدق والاتحاد الخارجي فبقيت صورة تباين الواسطة عن ذيها في الوجود الخارجي غير مشمولة للتعريف فأضافوها كقسم من أقسام العرض الغريب.
ولكن بعد أن اتضح ان القصد من العروض المنشئية الحقيقية لا المحلية يتضح أيضا : أن المراد بالمساواة والأعمية والأخصية ما يكون كذلك بحسب المورد خارجا سواء كان متحدا في الوجود مع الموضوع أو لا ، لأن المنشئية والاستتباع لا يفرق فيها بين كون المنشأ متحدا في وجوده مع الناشئ أم مباينا معه وعلى هذا الأساس لا يشكل العارض بواسطة أمر مباين قسما جديدا للعرض الغريب بل إذا كانت الواسطة مستتبعة لنفس الموضوع كان العرض ذاتيا وإلا كان غريبا.
وقد تلخص من مجموع ما تقدم : أن العرض الذاتي هو ما يكون بينه وبين موضوعه المنشئية الحقيقية سواء كانت بينهما نسبة المحلية أيضا أم لا.
ثم إنا لا نريد بالمنشئية خصوص العلية الفاعلية بل مطلق الاستتباع والاستلزام الحقيقي ، بحيث يكون فرض وجود الموضوع مساوقا مع وجود العرض وإن لم يكن علة فاعلية له ، فإذا اتفق ان كان المحل ـ العلة المادية ـ مثلا لشيء مستتبعا لوجود العرض أيضا لكون علته الفاعلية مفروضة على كل حال ، صح أن يعتبر ذلك العرض ذاتيا لذلك المحل ومندرجا في مسائل العلم الّذي يبحث عن عوارضه. من قبيل علم النبات أو الأحياء مثلا اللذان يبحثان عن عوارض الموت والحياة والنموّ وغيرها للحيوان والنبات مع أنهما من العلل المادية لهذه الأعراض وعلتها الفاعلية الحقيقية إرادة الله سبحانه وتعالى ، ولكن باعتبار انه لا قصور في فيض تلك العلة الفاعلة وإنما القصور في استعداد المادة الحيوانية أو النباتية بحيث كلما تم الاستعداد وجبت تلك الأعراض كان البحث عنها بحثا عن العوارض الذاتيّة المستتبعة لهما وهذا بخلاف ما إذا لم يكن
٤٩
المحل أو الغاية مستتبعا لوجود العرض لعدم توافر الشرائط الأخرى لوجوده كما في عروض السريرية على الجسم أو الحرارة على الماء مثلا ، ولهذا لم يكن البحث عنهما مندرجا في علم يتكفل البحث عن الأجسام أو المياه رغم كون العروض بمعنى المحلية الحقيقية محفوظا فيهما أيضا.
٣ ـ ما يبحث عنه في مسائل العلم
يستفاد من الكلام المتقدم عن الحكماء : أن العلم لا بد وأن يبحث فيه عن العوارض الذاتيّة لموضوعه مما يعني أن مسائل العلم ومحمولاتها عبارة عن أعراض ذاتية لما هو موضوع العلم.
وقد نوقش هذا الكلام من قبل علماء الأصول بمناقشات عديدة نقتصر على نموذجين منها :
الأول ما أفاده المحقق الأصفهاني ( قده ) ووافقه عليه جملة من المحققين : من اشتمال مسائل العلوم كثيرا على البحث عما لا يكون عرضا ذاتيا الموضوع العلم لدخالته في الغرض المطلوب من بحوث ذلك العلم (١).
وأضاف عليه السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ : بأن مسائل العلم قد لا تشتمل على ما يكون عرضا ذاتيا لموضوع المسألة فضلا عن موضوع العلم فمسائل علم الفقه مثلا محمولاتها عبارة عن أحكام شرعية وهي أعراض غير حقيقية فضلا من أن تكون ذاتية للموضوع (٢).
وهذه المناقشة يظهر حالها بعد ملاحظة مجموع أمرين :
١ ـ ما تقدم في شرح مرادهم من العرض الذاتي وهو الاستتباع والمنشئية الحقيقية.
٢ ـ أن نظر الحكماء في مثل هذه الكلمات والتحديدات إلى ما يصطلحون عليه بالعلم البرهاني وهو منحصر عندهم في الحكمة العالية والحكمة الطبيعية والحكمة
__________________
(١) نهاية الدراية ج ١ ص ٥ ( ط ـ عبد الرحيم )
(٢) راجع هامش أجود التقريرات ج ١ ص ٥
٥٠
التعليمية « الرياضيات » وأما سائر العلوم فهي من الفنون والصناعات. إذ العلم البرهاني لديهم هو اليقين بثبوت المحمول للموضوع الحاصل على أساس الضرورة واستحالة الانفكاك لا الصدفة ، وذلك لا يكون إلا في ما إذا كان المحمول ضروري الثبوت لموضوعه أي عارضا عليه بلا واسطة أو بواسطة أمر يكون ثبوته له ضروريا ليكون ثبوت المحمول ضروريا في النهاية وهذا ينحصر عندهم في المسائل الفلسفية كما أشرنا.
وعلى هذا الضوء يعرف وجه قولهم بأن مسائل العلم تبحث عن العوارض الذاتيّة لموضوعه لا غير ، إذ لو لم تكن العوارض المحمولة على موضوع العلم ذاتيا له بمعنى أنها ناشئة منه بالذات أو بواسطة أمر ذاتي لم يكن التصديق بثبوتها علما بحسب اصطلاحهم فما لا يكون موردا للميزان المذكور كعلم الفقه والأصول ونحوهما خارج عن هذه القاعدة موضوعا.
الثاني : الإشكال المعروف من النقض بمحمولات المسائل التي تعرض على موضوع العلم بواسطة موضوعاتها وهي في الغالب أخص من موضوع العلم فتكون من العارض بواسطة أمر أخص ، وهو عرض غريب.
وقد اتضح جواب هذه المناقشة أيضا على ضوء ما عرفت في معنى العرض الذاتي وأن ما يعرض بواسطة أمر أخص يكون تخصصه ذاتيا ـ كأعراض الجنس بسبب الفصل ـ عرض ذاتي أيضا.
وبملاحظة مجموع ما ذكرنا يتبين لك أوجه المفارقة في كثير من كلمات علماء الأصول التي ذكروها في هذا المقام نقتصر فيما يلي على الإشارة إلى ما حاوله المحقق الأصفهاني ( قده ) في دفع الإشكال المعروف المتقدم حيث حاول تفسير العرض الذاتي بما يعرض على الشيء بلا واسطة أو بواسطة أمر يكون جعله بعين جعل ذي الواسطة لا بجعل آخر ، ولذلك كان ما يعرض على موضوع علم كالجسمية العارضة على الموجود في مسائل علم الحكمة بواسطة موضوعات المسائل الأخص ، كالجوهرية أو الإمكان حيث يقسم الموجود إلى ممكن وواجب والممكن إلى جوهر وعرض ويقسم الجوهر إلى عقل ونفس ومادة وصورة والأخيران يشكلان الجسم ـ عرضا ذاتيا لأن جعل الجوهرية
٥١
أو الإمكان بنفس جعل الجسمية ، بخلاف عروض مثل السواد على الإنسان بواسطة كونه زنجيا مثلا فانه عرض غريب (١).
والواقع ان ما أفاده ليس تفسيرا للعرض الذاتي بقدر ما هو تفسير للعرض الأولي ، حيث ميز العرض الأولي في كلمات الحكماء بما يكون جعله بنفس جعل موضوعه فيكون أوليا لكونه عينه في الوجود وإن كان غيره في التحليل. ومسائل العلوم لا تبحث عن خصوص العوارض الأولية لموضوع العلم ولا موجب لاشتراط ذلك فيها وإنما الاعتبار يقضي بأن يكون المبحوث عنها في مسائل العلم الحقيقي ـ وهو العلم البرهاني ـ العوارض الثابتة الموضوع العلم ثبوتا ذاتيا لكونه منشأ لها بحيث يستحيل انفكاكه عنها سواء كان ثبوتها بلا واسطة أو بواسطة وسواء كانت الواسطة أولية أو ثانوية وقد صرح شيخ الحكماء الرئيس ابن سينا في مقدمة كتاب البرهان بأن محمولات المسائل البرهانية لا يشترط فيها أن تكون أعراضا أولية لموضوعاتها.
٤ ـ موضوع علم الأصول
وعلى ضوء مجموع ما تقدم يعرف أن موضوع علم الأصول هو الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصة. ويكون البحث في المسائل علم الأصول عن دليليتها وجواز استناد الفقيه إليها في مقام الاستنباط.
إن قيل : ان جملة من القواعد الأصولية يكون البحث فيها عن أصل ثبوت تلك القاعدة وعدم ثبوتها ، كالبحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته أو حرمة ضده وكالبحث عن ثبوت قاعدة قبح العقاب بلا بيان ولا يكون البحث عن دليليتها.
قلنا : ان مرجع هذه البحوث إلى البحث عن دليلية الأمر بشيء على وجوب مقدمته أو حرمة ضده أو دليلية الشك وعدم البيان عقلا على المعذرية فان صياغة هذه البحوث بحسب التدوين الخارجي المسائل علم الأصول وإن كانت عن أصل ثبوت
__________________
(١) نهاية الدراية المجلد الأول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٣
٥٢
القاعدة أو الملازمة وعدمه إلا ان ما هو مستند الفقيه في الاستدلال الفقهي إنما هو نفس الأمر بالشيء أو الاحتمال بلا بيان.
وهذا التحديد لموضوع علم الأصول يلتقي إلى حد كبير مع التحديد المعروف لموضوع علم الأصول عند المتقدمين من أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة. فانهم بحسب ارتكازهم العلمي أدركوا بأن هذا العلم يبحث عن قواعد الاستدلال الفقهي وأدلته العامة ، وإلا أنه حيث لم تكن الأدلة عندهم محدودة ولا مصنفة بعد إلا في حدود تلك الأدلة الأربعة التي كانت هي الأدوات الرئيسية للاستدلال في الفقه اعتبروا موضوع علم الأصول الأدلة الأربعة ، فالكتاب والسنة يعبران عن الدليل اللفظي والشرعي والإجماع يعبر عن الدليل العقلي الاستقرائي والعقل يعبر عن الدليل العقلي البرهاني والعملي.
٥٣
٥٤
تقسيم علم الأصول
التقسيم المعروف


يقال عادة في تقسيم بحوث علم الأصول : ان القواعد الأصولية على أربعة أقسام :
١ ـ ما يوصل إلى معروفة الحكم الشرعي بعلم وجداني. وهذا هو مباحث الاستلزام العقلي.
٢ ـ ما يوصل إلى معروفة الحكم الشرعي بعلم تعبدي ، وهذا على ضربين :
الأول : ما يكون البحث فيه عن الصغرى بعد الفراغ عن الكبرى وهذا هو مباحث الألفاظ بأجمعها.
الثاني : ما يكون البحث فيه عن الكبرى. وهذا هو مباحث الحجج والأمارات الظنية.
٣ ـ ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية الشرعية للمكلفين عند العجز عن معرفة الحكم الواقعي بعلم وجداني أو تعبدي. وهذا هو مباحث الأصول العملية الشرعية.
٤ ـ ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية العقلية في مرحلة الامتثال عند فقدان ما يعين الوظيفة الشرعية. وهذا هو مباحث الأصول العملية العقلية (١).
__________________
(١) راجع محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٦ ـ ٨
٥٥
وهذا التقسيم لبحوث علم الأصول إن كان مجردا اختيار تصنيف معين للمسائل الأصولية فلا كلام. وإن كان على أساس ملاحظة نكتة فنية تقتضي هذا الترتيب بين المسائل الأصولية ، فان كانت تلك النكتة هي الطولية والترتب بين الأقسام المذكورة في عملية الاستنباط بحيث لا يمكن الانتهاء إلى قسم الا حيث يفقد القسم الأسبق. اتجه عليه :
أولا : عدم الطولية بين القسمين الأولين.
وثانيا : ثبوت الطولية داخل المجموعة الثانية والثالثة. فان الحجج والأمارات ـ العلوم التعبدية بحسب مصطلحه ـ وكذلك الأصول العملية الشرعية ليست كلها في مرتبة واحدة بل بعضها مقدم على بعض في عملية الاستنباط. فالعلم التعبدي الحاصل من دلالة دليل قطعي السند مقدم على الحاصل من دلالة دليل ظني. والوظيفة الشرعية المقررة بالاستصحاب مقدمة على الوظيفة المقررة بالبراءة ... وهكذا.
وثالثا : تأخر مرتبة المجموعة الرابعة على الثالثة لا يكون صحيحا على جميع المباني الأصولية في قاعدة الاشتغال العقلية ، فان من جملة المسالك علية العلم الإجمالي للموافقة القطعية التي تعني ان حكم العقل بالاشتغال تنجيزي حاكم على إطلاق دليل البراءة الشرعية.
وإن كانت تلك النكتة هي الطولية بين الأقسام من حيث مراتب الإثبات ودرجاته ، وان ذلك تارة : يكون بالعلم الوجداني ، وأخرى : بالعلم التعبدي ، وثالثة : بالأصل الشرعي ، ورابعة : بالوظيفة العقلية ، فهذا إنما يتجه على مباني مدرسة المحقق النائيني ( قده ) في تفسير الأمارات والأصول وإرجاع الفرق بينهما إلى سنخ المجعول فمتى ما كان المجعول هو العلمية والكاشفية كانت الأمارة ومتى ما كان المجعول شيئا آخر كان الأصل. واما بناء على ما هو الصحيح من أن الأمارية والأصلية ليستا بلحاظ سنخ المجعول وان صياغة المجعول وكونه بلسان جعل الطريقية أو المنجزية أو الوظيفة مجرد تعابير وألسنة لفظية وان مرد الفرق الواقعي بين الحكم الظاهري في مورد الأمارة والحكم الظاهري في مورد الأصل إلى كون الأول نتيجة لإيقاع التزاحم بين الملاكات الواقعية في مقام الحفظ وتقديم بعضها بملاك قوة الاحتمال وكون الثاني نتيجة
٥٦
للتزاحم المذكور مع تقديم بعضها بملاك أهمية المحتمل ـ كما حققناه مفصلا في محله أقول : بناء على ذلك لا يصح التصنيف المذكور المسائل علم الأصول.
هذا مضافا : إلى ان المقياس في التصنيف إذا ربط بسنخ المجعول وألسنته فيمكن افتراض الأصل المحرز كالاستصحاب قسما برأسه بين الأمارات والأصول غير المحرزة.
المقترح في تقسيم علم الأصول


والواقع ، أن المسائل الأصولية قد عرفت أنها تتضمن البحث عن الأدلة المشتركة للاستدلال الفقهي ، وهي متنوعة من حيث نوع الدلالة وكونها لفظية أو عقلية أو شرعية بتوسط الكشف عن الواقع المعبر عنه بالأمارة أولا بتوسطه المعبر عنه بالأصل. ومتنوعة أيضا من حيث نوع الدليل ذاته وكونه مرتبطا بالشارع وصادرا منه أولا ومن حيث نسخ المجعول فيه وكونه الطريقية والعلمية أو المنجزية أو الوظيفة العملية.
والبحث عن كل هذه الأنحاء يتوقف على أصل موضوعي لا بد من بحثه مسبقا ، وهو حجية القطع إذ بدونه لا أثر للبحث في أي مسألة لاحقة كما أنه حيث ان الأدلة المذكورة كلها إنما يراد بها استنباط الحكم الشرعي فلا بدّ لكل تلك الأبحاث أيضا من فكرة مسبقة عن الحكم الشرعي وحقيقته وانقساماته إلى الواقعي والظاهري والتكليفي والوضعي وغير ذلك من الانقسامات.
وعلى هذا الأساس ، فالمنهج المقترح لبحوث هذه العلم ، أن توضع مقدمة تشتمل على أمرين. أحدهما ـ البحث عن حجية القطع. والآخر ـ البحث عن حقيقة الحكم وما يتصور له من أقسام. وبعد ذلك تصنف البحوث الأصولية على أساس أحد المقياسين التاليين.
١ ـ التقسيم بلحاظ نوع الدليليّة


وهو ان يلاحظ في التقسيم نوع الدليليّة من حيث كونه لفظيا أو عقليا أو تعبديا. وعلى هذا الأساس يمكن تصنيف المسائل الأصولية إلى ما يلي :
١ ـ مباحث الألفاظ ـ ويتضمن البحث عن الدليليّة اللفظية وكل ما يرجع إلى
٥٧
تشخيص الظهورات اللغوية أو العرفية. فيندرج في هذا القسم كل البحوث اللغوية الأصولية ، كما يندرج فيه البحث عن كل ظهور حالي أو سياقي يمكن أن يكون كاشفا عن الحكم الشرعي ولو لم يتمثل في لفظ كما في دلالة فعل المعصوم عليه‌السلام أو تقريره على الحكم الشرعي.
٢ ـ مباحث الاستلزام العقلي ـ ويتضمن البحث عن الدليليّة العقلية البرهانية ـ غير الاستقرائية ـ ويندرج في هذا القسم البحث عن كل قاعدة عقلية برهانية يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي وهي على قسمين :
١ ـ غير المستقلات العقلية ـ ويبحث فيها عن القواعد العقلية التي يستنبط منها الحكم الشرعي بعد ضم مقدمة شرعية إليها ، وهذا يشمل كل أبحاث العلاقات والاقتضاءات التي يدركها العقل بين حكمين أو بين حكم وموضوعه أو متعلقه.
٢ ـ المستقلات العقلية ـ ويراد بها القاعدة العقلية التي يمكن على أساسها أن يستنبط حكم شرعي بلا توسيط مقدمة شرعية المعبر عنها بقاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل من تحسين أو تقبيح وما حكم به الشرع. ويبدأ في هذا القسم أولا بالبحث عن حقيقة الحكم العقلي بالتحسين والتقبيح ثم يبحث عن قاعدة الملازمة.
٣ ـ مباحث الدليل الاستقرائي ـ ويتضمن البحث عن الإجماع والسيرة والتواتر التي تكون دليليتها قائمة على أساس حساب الاحتمالات والاستقراء ويبدأ البحث في هذا القسم بنبذة في شرح حقيقة الدليل الاستقرائي على نحو الإجمال.
٤ ـ الحجج الشرعية : وتتضمن البحث عن الأدلة التي تثبت دليليتها بجعل شرعي. وهي تشتمل على قسمين من الأدلة. أحدهما الأمارات ، والآخر الأصول العملية. والجدير أن توضع مقدمة قبل القسمين معا يبدأ فيها بالبحوث التي تتعلق بجعل الدليليّة والحجية شرعا وألسنتها المختلفة ، ويبحث فيها أيضا عن الفرق الجوهري بين حجية الأصل وحجية الأمارة ونوع الآثار التي تثبت بكل منهما ومقدار ما يثبت المعبر عنه بحجية المثبتات واللوازم ، ويبحث فيها أيضا عن تأسيس الأصل عند الشك في دليلية الشرعية.
٥ ـ الأصول العملية العقلية ـ وهي القواعد التي يقررها العقل تجاه الحكم
٥٨
الشرعي في موارد الشك البدوي أو المقرون بالعلم الإجمالي بالمتباينين أو الأقل والأكثر ، ويلاحظ في هذا الفصل أيضا مدى تأثير العلم الإجمالي على الوظيفة المقررة في مورد الشك شرعا لو لا العلم الإجمالي وقلبه لها ، فيشمل هذا الفصل كل مسائل الاشتغال زائدا على البحث عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان والتخيير العقليين.
ثم تختم بحوث الأدلة بخاتمة في التعارض الواقع بين الأدلة المذكورة على أقسامها وأحكام التعارض المذكور.
٢ ـ التقسيم بلحاظ نوع الدليل


وهو أن يلاحظ في التقسيم نوع الدليل من حيث ذاته ، وعلى أساسه تصنف البحوث الأصولية إلى قسمين رئيسيين :
أحدهما : الأدلة ، وهي القواعد الأصولية التي تشخص بها الوظيفة تجاه الحكم الشرعي بملاك الكشف عنه.
والآخر ـ الأصول العملية ، وهي القواعد التي تشخص الوظيفة العملية لا بتوسط الكشف.
أما القسم الأول ، فيبدأ فيه أولا بالبحوث التي تتعلق بالأدلة بصورة عامة ـ وهي التي أشرنا إليها في النهج السابق أيضا ـ ثم بعد الفراغ عنها تصنف إلى أدلة شرعية ، وهي التي تكون صادرة من الشارع. وعقلية ، وهي التي تكون قضايا مدركة من قبل العقل. فيبدأ بالدليل الشرعي ويصنف الكلام فيه إلى ثلاث جهات :
الأولى : في تحديد دلالات الدليل الشرعي.
الثانية : في إثبات صغراه أي صدوره من الشارع.
الثالثة : في حجية تلك الدلالات.
اما الجهة الأولى. فيصنف فيها الدليل الشرعي إلى لفظ وغيره ، ويميز بين دلالات الدليل الشرعي اللفظي ودلالات الدليل الشرعي غير اللفظي ( الفعل والتقرير ) وفيما يخص دلالات الدليل الشرعي اللفظي تقدم مقدمة تشتمل على مباحث الوضع والهيئات والدلالات اللغوية والمجازية ، لأن هذه المباحث ترتبط بدلالات هذا
٥٩
الصنف من الدليل. ويدخل في نطاق دلالات الدليل الشرعي اللفظي مسائل صيغة الأمر ومادته وصيغة النهي ومادته والإطلاق والعموم والمفاهيم وغير ذلك من الضوابط العامة للأدلة.
وفيما يخص دلالات الدليل الشرعي غير اللفظي يتكلم عما يمكن أن يدل عليه الفعل أو التقرير بضوابط عامة من الظهور العرفي أو القرينة العقلية الناشئة من عصمة الشارع.
وأما الجهة الثانية ، فستعرض فيها وسائل الإثبات الممكنة من التواتر والإجماع والسيرة والشهرة وخبر الواحد.
وأما الجهة الثالثة ، فيتكلم فيها عن حجية الدلالة ، وجواز الاعتماد على ظهور الكتاب والسنة وسائر ما يتصل بذلك من أقوال ، وعن تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية.
وبعد ذلك ينتقل إلى الدليل العقلي. ويدخل فيه البحث عن كل قضية عقلية يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي اما بلا واسطة أو بضم مقدمة شرعية أخرى ، أي المستقلات العقلية وغير المستقلات. ويدخل في الدليل العقلي هذا كل أبحاث الملازمات والاقتضاءات.
والبحث عن الدليل العقلي ، تارة : يقع صغرويا في صحة القضية العقلية ودرجة تصديق العقل بها. أو أخرى : كبرويا في حجية الإدراك العقلي للقضية في مقام استنباط الحكم الشرعي منه.
واما بحث الأصول العملية. فيبدأ بالكلام أولا عن بحوث عامة في الأصول العملية ، كالبحث عن ألسنتها وفوارقها مع الأدلة ومدى إثباتها لمواردها وعدم ثبوت المدلول الالتزامي بها ونحو ذلك ، ثم يبحث عنها. ويشتمل البحث عنها أولا : على بيان الوظيفة المقررة للشبهة المجردة عن العلم الإجمالي بجامع التكليف.
وثانيا : على بيان مدى التغير الّذي يحدثه في الموقف افتراض علم من هذا القبيل. ويدخل في الأول بحث البراءة والاستصحاب وفي الثاني بحث الاشتغال والأقل والأكثر.
٦٠
وأيضا تختم بحوث علم الأصول بخاتمة في التعارض الواقع في الأدلة والأصول وأقسامه وأحكامه.
مقارنة بين التقسيمين


والملحوظ ان التقسيم الثاني أقرب إلى المنهج القديم في الدراسات الأصولية ؛ حيث كان يدرج فيها البحث عن حجية الخبر في البحث عن السنة لكونه عن عوارض السنة ، أي مثبتات الدليل الشرعي ، في حين ان التقسيم الأول أوفق بالمنهج المتداول في الدراسات الأصولية الحديثة.
كما أنه يتميز التقسيم الثاني بأنه يلحظ فيه تقسيم البحوث إلى مجاميع بنحو متطابق مع أنحاء تجمعها في مجال الاستدلال الفقهي ، فالقواعد الأصولية العامة في الدليل اللفظي ، كأبحاث الأوامر والنواهي وغيرها ، لا تنفصل عادة في مجال التطبيق والاستدلال الفقهي عن القواعد الأصولية الدخيلة في إثبات السند ، كحجية خبر الواحد والتواتر والسيرة والإجماع. لأن الفقيه حينما يستنبط الحكم من دليل لفظي يلتفت إلى دلالته وسنده معها ويعمل القواعد الأصولية المناسبة في كل من الجهتين ، فالتقسيم المذكور يراعي ذلك ويوحد التبحث عن مجموع تلك القواعد تحت عنوان الدليل الشرعي. وهذا معنى ان التصنيف فيه بنحو يناظر وضع القواعد الأصولية في مجال التطبيق والاستدلال الفقهي بينما ليس التقسيم الأول كذلك ، لأن أبحاث الظواهر والألفاظ فصلت فيه عن بحث حجية الخبر ، بل عن بحث حجية نفس الظهور أيضا مع أن الظهور وحجيته عنصران متلازمان عند الاستناد إليهما في عملية الاستدلال الفقهي.
وفي مقابل ذلك يتميز التقسيم الأول بإجراء التصنيف على أساس نوع الدليليّة للقاعدة الأصولية وتجميع كل مجموعة تتفق في سنخ الدليليّة وفي كونها لفظية أو عقلية برهانية أو استقرائية أو تعبدية بجعل الشارع في نطاق مستقل. وهذا يتيح الحديث في كل نطاق من نطاقات هذا التصنيف عن سنخ تلك الدليليّة التي هي السمة المشتركة للقواعد الأصولية الداخلة في ذلك النطاق ومنهجها وقواعدها العامة. فالأدلة
٦١
الاستقرائية مثلا بوصفها صنفا خاصا في التقسيم المذكور يمكن الحديث في نطاقها عن أصل المنهج الاستقرائي ، والحجج الشرعية بوصفها تمثل صنفا آخر من الدليلية ـ وهو الدليليّة التعبدية بحكم الشارع ـ يمكن الحديث في نطاقها عن أصل الحجية التعبدية وتحليلها. وبهذا يستهل كل صنف بما يكون بمثابة المنطق أو المنهج بالنسبة إليه ، بينما لا يتأتى ذلك. بنفس الدرجة من السهولة والدقة في التقسيم الثاني ، إذ قد تندمج بموجبة القاعدة ذات الدلالة اللفظية والأخرى الاستقرائية والثالثة التعبدية في صنف واحد لمساهمتها جميعا في الاستنباط من دليل واحد.
وبهذا قد يصح أن يقال : بأن التقسيم الأول هو الأفضل إذا نظر إلى علم الأصول بنظرة تجريدية ، أي بصورة منفصلة عن تطبيقه في علم الفقه. وان التقسيم الثاني هو الأفضل حينما ينظر إليه موزعا من خلال التطبيق وعلم الفقه. ومسألة تعيين أحد التقسيمين مسألة اختيار وتفضيل حسب وجهة النّظر.
وسنسير في بحوثنا هذه سيرا يقارب منهج التقسيم الأول ، لأنه بذلك يكون أقرب إلى الانطباق على المنهج المألوف في الكتب الأصولية التي وضعتها مدرسة الشيخ الأنصاري في الأصول. غير أننا فضلنا منهج التقسيم الثاني في الحلقات الدراسية الجديدة التي وضعناها كبديل للكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلا لأنه في رأينا أكثر قدرة على إعطاء الطالب صورة أوضح عن دور القاعدة الأصولية في المجال الفقهي ، ورؤية أجلى لكيفية الممارسة الفقهية لقواعد علم الأصول.
٦٢
مباحث الدليل اللفظي
المدخل
٦٣

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:15 am

تقسيم البحث


المبحث الأول ـ الدلالة اللفظية وتفسيرها
١ ـ نظرية الدلالة على المعنى الحقيقي
تفسير العلقة الوضعيّة ـ تشخيص الواضع ـ تقسيمات الوضع ـ
تبعية الدلالة الإرادة ـ الاشتراك والترادف
٢ ـ نظرية الدلالة على المعنى المجازي
المبحث الثاني ـ نظرية الاستعمال
حقيقة الاستعمال ـ شروطه ـ المرآتية والعلامية ـ تفسير ظاهرة
المرآتية ـ مقارنة بين الاستعمال والإيجاد ـ إطلاق اللفظ وإرادة
شخصه ـ إطلاق اللفظ وإرادة نوعه ـ استعمال اللفظ في أكثر من معنى
المبحث الثالث ـ علامات الحقيقة وتشخيص المعنى
علامية التبادر ـ علامية صحة الحمل ـ علامية الاطراد ـ الأثر العملي
لتشخيص المعنى الحقيقي ـ تعارض الأحوال
المبحث الرابع ـ تطبيقات مختلف فيها
الحقيقة الشرعية ـ الصحيح والأعم
٦٥
٦٦
تقسيم البحث
استعرض علماء الأصول في مقدمة هذا العلم جملة من القضايا ذات الارتباط الوثيق بقسم مباحث الألفاظ من بحوث علم الأصول التي تعتبر من المسائل الأصولية الرئيسية المفتقر إليها عند اعتماد الدليل اللفظي في مجال استنباط الحكم الشرعي.
وهذه القضايا رغم أنها بحثت في المقدمة على شكل أمور متفرقة لا رابط فيما بينها سوى أنها تعتبر مبادئ تمهد لفهم جملة من المسائل الأصولية القائمة إلا أنه بالإمكان أن تذكر بشأنها منهجة فنية يتضح في ضوئها الموضوع الطبيعي لكل بحث من تلك البحوث التمهيدية وعلاقته بغيره ، ذلك ان هذه البحوث ترتبط كلها باللفظ وأنحاء ماله من مدلول في مقام إفادة المعاني بالألفاظ وهذا المقام له جانبان : أحدهما جانبه من ناحية السامع ، وهذا الجانب يمثل دلالة اللفظ على المعنى التي توجب انتقال ذهن السامع من اللفظ إلى معناه والثاني جانبه من ناحية المتكلم ، وهذا الجانب يمثل عملية استعمال اللفظ في المعنى وتوظيفه لإفادته من قبل المتكلم. والجانب الثاني مترتب على الجانب الأول إذ لو لم تكن للفظ دلالة على المعنى لما استعمله المتكلم فيه.
والجانب الأول ينقسم إلى قسمين لأن الدلالة تارة : تنشأ من الوضع الخاصّ مباشرة وهي دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي ، وأخرى : لا تنشأ كذلك وهي دلالة
٦٧
اللفظ على المعنى المجازي. واما اللفظ في موارد الإطلاق الإيجادي كإطلاقه وإرادة شخصه فليس له دلالة في عالم الذهن لعدم الثنائية على ما سيأتي توضيحه.
والبحث في هذين القسمين يقع تارة : بحسب مقام الثبوت الّذي يتكفل تفسير هاتين الدلالتين وكيفية نشوئهما وأقسامهما الممكنة. وأخرى : بحسب مقام الإثبات ويستعرض فيه ما يمكن أن يكون دليلا على تشخيص المدلول الحقيقي عن غيره لجعله علامة فارقة يرجع إليها في تشخيص دلالة لفظ مخصوص على معنى مخصوص. وثالثة : في بعض التطبيقات المختلف بشأن ما هو المدلول الحقيقي فيها.
وعلى هذا الأساس سوف نورد بحوث هذا التمهيد خلال المباحث التالية :
المبحث الأول : ويتضمن الحديث عن دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي ودلالته على المعنى المجازي بحسب مقام الثبوت.
المبحث الثاني : ويتكفل البحث عن الاستعمال ومقوماته وبعض تطبيقاته.
المبحث الثالث : في علامات الحقيقة والمجاز وحالات الشك في نوع العلاقة بين اللفظ والمعنى.
المبحث الرابع : ونذكر فيه التطبيقات المختلف بشأن ما هو مدلولها الحقيقي المناسب بحثها في مقدمة علم الأصول وتتمثل في مسألتين ـ الحقيقة الشرعية والصحيح أو الأعم ـ.
وأما البحث عن مدلول المشتقات والحروف والهيئات فهو كسائر البحوث الأصولية من العناصر المشتركة في الاستدلال الفقهي على ما سوف يتبين في محله ، ولذلك أدرجناه في الفصل الأول من بحوث هذا القسم.
٦٨
المبحث الأول


٦٩
٧٠
الدلالة اللفظية وتفسيرها
١ ـ النظرية العامة للدلالة على المعنى الحقيقي
دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي يقصد بها الدلالة القائمة في اللفظ على أساس الوضع والعلاقة اللغوية التي هي الأساس في فهم المعاني من الألفاظ بشكل عام.
وتمتاز هذه الدلالة عن الدلالة على المعنى المجازي في أنها هي الدلالة الأولى للفظ لأنها علاقة قائمة بين اللفظ والمعنى الحقيقي مباشرة ، وأما دلالة اللفظ على المعنى المجازي فهي علاقة قائمة بينهما في طول علاقة اللفظ بمعنى سابق ، فالمعنى المجازي يفترض دائما معنى حقيقيا سابقا للفظ بخلاف المعنى الحقيقي ، ومناسبة المعنى المجازي للفظ دائما بلحاظ حد أوسط بينهما ، بينما المناسبة بين المعنى الحقيقي واللفظ بالمباشرة.
والكلام في الدلالة على المعنى الحقيقي وتحقيق النظرية العامة لهذه الدلالة يقع في عدة فصول :
الفصل الأول : في تفسير هذه الدلالة وشرح كنه العلاقة الوضعيّة المسببة لها.
الفصل الثاني : في تشخيص الواضع.
الفصل الثالث : في أقسام الوضع وتقسيماته المختلفة.
الفصل الرابع : في تحديد هوية الدلالة التي ينتجها الوضع وهل أن الدلالة تابعة
٧١
للإرادة أو لا؟
الفصل الخامس : في مدى إمكان اشتراك علاقتين وضعيتين في لفظ واحد أو معنى واحد ( الاشتراك والترادف ).
الفصل الأول في تفسير العلاقة الوضعيّة
لما كانت دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي في حقيقتها ترجع إلى نحو من الاستتباع والسببية بمعنى كون الوجود الذهني للفظ سببا للوجود الذهني للمعنى فلا يمكن أن تحصل بدون مبرر ، ومن هنا حاول الأصوليون تبرير هذه السببية فوجد اتجاهان.
أحدهما : الاتجاه الذاتي القائل بأن العلاقة بين اللفظ والمعنى ذاتية كالعلاقة بين النار والحرارة.
والآخر ـ الاتجاه الموضوعي القائل بأنها علاقة تحصل نتيجة لعامل خارجي وبجعل جاعل المعبر عنه بالوضع وليست نابعة من طبيعة اللفظ والمعنى.
ولا شك في خطأ الاتجاه الأول وعدم صلاحيته لتفسير ما نعيشه من دلالات لغوية ثبت عدم كونها ذاتية ، لا لمجرد اختلاف الناس فيها ليقال بأن مرد الدلالة الذاتيّة إلى ميول لغوية غريزية وقد يختلف الناس في ميولهم وغرائزهم. بل لما تكشفه الملاحظة والتجربة لنا من عدم وجود أي ميل أصيل سابق على الاكتساب والتعلم للانتقال من لفظ مخصوص إلى معنى مخصوص. فالصحيح هو الاتجاه الموضوعي الّذي يفسر العلاقة اللغوية بين اللفظ والمعنى على أساس عامل خارج عن ذاتي اللفظ والمعنى يسمى بالوضع وفيما يلي نتحدث عن تشخيص حقيقة هذا العامل وكيف يستوجب السببية بين اللفظ ومعناه.
حقيقة الوضع
اختلفت كلمات الأعلام في تشخيص حقيقة الوضع بعد الاتفاق على أصل الاتجاه الموضوعي في تفسير العلاقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى وبإمكاننا أن نقسم
٧٢
أقوالهم في إطار هذا الاتجاه إلى مذهبين رئيسين :
الأول : مذهب الجعل الواقعي للسببية القائل : بأن الواضع يجعل السببية مباشرة بين طبيعي اللفظ والمعنى فتكون الملازمة والاستتباع بينهما أمرا واقعيا على حد واقعية الملازمات والسببيات الثابتة في لوح الواقع ولكن تحققها في المقام يكون ببركة الوضع والجعل.
الثاني : المذهب القائل : بأن الجاعل يقوم بعملية يترتب عليها قيام السببية بين اللفظ والمعنى أي يحدث في اللفظ صفة خاصة فيصبح اللفظ بعد اكتسابه تلك الصفة سببا لإخطار المعنى.
وقد اعترض على المذهب الأول في كلمات السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ بأنه : « ان أريد بوجود الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له وجودها مطلقا حتى للجاهل بالوضع فبطلانه من الواضحات التي لا تخفي على أحد ، فان هذا يستلزم أن يكون سماع اللفظ وتصوره علة تامة الانتقال الذهن إلى معناه ولازمه استحالة الجهل باللغات مع أن إمكانه ووقوعه من أوضح البديهيات. وإن أريد به ثبوتها للعالم بالوضع فقط دون غيره فيرد عليه : ان الأمر وإن كان كذلك يعني ان هذه الملازمة ثابتة له دون غيره إلا أنها ليست بحقيقة الوضع بل هي متفرعة عليها ومتأخرة عنها رتبة ، ومحل كلامنا هنا في تعيين حقيقته التي تترتب عليه الملازمة بين تصور اللفظ والانتقال إلى معناه » (١)
وكأنه يراد أن يقال : بأن الملازمة باعتبارها مشروطة بالعلم بالوضع تكون متأخرة رتبة عنه فلا يعقل أن يكون الوضع هو نفس هذه الملازمة وإلا يلزم تأخر الشيء عن نفسه.
وهذا المقدار يمكن أن يجاب عليه : بأن الوضع هو جعل هذه الملازمة المشروطة لانفسها ، ولا يلزم حينئذ تأخر الشيء عن نفسه لأن المتأخر عن العلم بالوضع الملازمة المجعولة باعتبارها مشروطة بالعلم والعلم بالوضع لا يراد به العلم بهذه الملازمة المجعولة بل بجعلها ونتيجة ذلك ان فعلية الملازمة تتوقف على جعلها كبرويا وهذا هو الوضع
__________________
(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١ ص ٤٢ ـ ٤٣
٧٣
وعلى تحقق الشرط المأخوذ في مقام جعلها قيدا وهو العلم بذلك الجعل.
وبالجملة ، إذا افترض الاعتراف بأصل إمكان جعل السببية الواقعية فلا محذور بعد ذلك في اختصاصه بالعالم بالوضع فان هذا نظير ما صورناه في بحوث حجية القطع.
من إمكان أخذ القطع بجعل حكم كبرويا قيدا في موضوع الحكم المجعول بذلك الجعل.
ولكن الصحيح رفض ما افترض من إمكان إيجاد السببية الواقعية بين شيئين بمجرد الوضع والجعل ، فان السببية صفة ذاتية للسبب الحقيقي فلا يمكن جعلها تكوينا لما ليس بسبب فضلا عن وضعها تشريعا واعتبارا.
فالصحيح من المذهبين في تشخيص حقيقة الوضع هو الثاني الّذي يفترض بأن الواضع يقوم بعمل تمهيدي يترتب عليه قيام السببية بين اللفظ والمعنى.
ولكننا في إطار هذا المذهب نواجه مشكلة تشخيص تلك العملية التمهيدية التي قام بها الواضع صانع اللغة فأوجب السببية بين اللفظ والمعنى. وقد انقسم أنصار هذا المذهب في علاج هذه النقطة إلى فريقين ، أحدهما آمن بنظرية الاعتبار ، والآخر بنظرية التعهد. وفيما يلي نتحدث عن النظريتين مع ما ينبغي التعليق به على كل منهما.
١ ـ نظرية الاعتبار
ويقول أصحاب هذه النظرية : بأن الواضع يمارس عملية اعتبارية إنشائية تتولد على أساسها العلاقة اللغوية بين اللفظ والمعنى. وهناك صيغ مختلفة في التكييف الإنشائيّ لهذا الاعتبار الوضعي.
الصياغات المختلفة لنظرية الاعتبار مع مناقشتها
الصيغة الأولى : أن الواضع يجعل اللفظ على المعنى كما تجعل الإشارات الحمراء مثلا على مواقع معينة لتكون علامة على الخطر ، غاية الفرق ان الوضع هناك حقيقي وهنا اعتباري إذ لم يجعل اللفظ حقيقة على أمر خارجي ـ كما توضع الشارة الحمراء على
٧٤
الموضع المعين ـ بل لا يعقل ذلك في اللفظ وإنما المعقول ادعاء وضعه عليه فيكون الجعل اعتباريا.
وقد اعترض على هذه الصيغة في كلمات السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ بما يكون أشبه بالمؤاخذة على التعبير ومحصله : ان وضع اللفظ ليس من سنخ الوضع الحقيقي ، والوجه في ذلك : هو ان الوضع الحقيقي يتقوم بثلاثة أركان : الموضوع ـ وهو الشارة الحمراء ـ والموضوع عليه ـ وهو المكان الموضوع عليه الشارة ـ والموضوع له ـ وهو الدلالة على الخطر ـ وهذا بخلاف الوضع في باب الألفاظ فانه يتقوم بركنين : الموضوع ـ وهو اللفظ ـ والموضوع له ـ وهو دلالته على معناه ـ ولا يحتاج إلى شيء ثالث ليكون هو الموضوع عليه ، وإطلاقه على المعنى الموضوع له لو لم يكن من الأغلاط الظاهرة فلا أقل من أنه لم يعهد في الإطلاقات المتعارفة والاستعمالات الشائعة مع أن لازم الصيغة المذكورة أن يكون المعنى هو الموضوع عليه (١).
ويمكن دفع ما أفيد : بأن الإشكال إن كان من جهة مجرد عدم صدق عنوان الموضوع عليه على المعنى فهذا مما لا يسلم به من يدعي ان الوضع معناه جعل اللفظ على المعنى وكون المعنى موضوعا عليه فتكون دعوى عدم الصدق المذكورة مصادرة. وإن كان من جهة انه لا يتصور في المقام شيئان أحدهما يكون موضوعا عليه والآخر يكون موضوعا له كما هي الحالة في موارد الوضع الحقيقي ، فحين توضع الشارة الحمراء يكون هناك موضوع عليه وهو المكان ـ وموضوع له ـ وهو الخطر ـ وليس المقام كذلك. فيرد عليه : انه إن أريد بالتعدد كون الموضوع له والموضوع عليه متباينين وجودا فهذا غير لازم في موارد الوضع الحقيقي ، بل الموضوع له غالبا صفة قائمة بالموضوع عليه ، فالعلامة توضع على مكان معين للإشارة إلى انه خطير أو أنه رأس فرسخ ونحو ذلك من الصفات. وإن أريد بالتعدد المعنى المحفوظ في الصفة والموصوف فهذا بالإمكان افتراضه في الوضع الاعتباري بأن يقال : ان الواضع يضع لفظ الماء اعتبارا على الصورة الذهبيّة للدلالة على أنها صورة الماء فالموضوع عليه هو الصورة الذهنية الخاصة والموضوع له الدلالة على
__________________
(١) راجع محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٤٧
٧٥
أنها صورة الماء وبناء على أن كل مستعمل واضع كما يختار السيد الأستاذ بإمكان هذه الصيغة ان تقول : ان كل استعمال هو وضع اعتباري ، بمعنى انه وضع للفظ اعتبارا على الصورة الذهنية الثابتة في ذهن المستعمل للدلالة على أنها ماء أو هواء أو غير ذلك من المعاني ، فالصورة الذهنية في الوضع الاعتباري بمثابة المكان في الوضع الحقيقي وكونها صورة للمعنى الفلاني بمثابة كون هذا المكان فرسخا أو فرسخين.
وعلى هذا يصح أن يقال : في كل من الوضع الحقيقي والوضع الاعتباري ان الموضوع له هو الدلالة على قضية والموضوع عليه هو المعنى الأفرادي المتحصل من تلك القضية ، وبهذا يكون التغاير بين الموضوع عليه والموضوع له محفوظا دائما.
والصحيح في الجواب عن أصل الصيغة : أن مجرد جعل شيء على شيء آخر حقيقة فضلا عن جعله اعتبارا لا يعطيه صفة يكون بها سببا حقيقيا له. وإن شئت قلت : ان الوضع الاعتباري لا يكون أحسن حالا من الوضع الخارجي الحقيقي ، ونحن نلاحظ في الوضع الحقيقي ان مجرد وضع الشارة الحمراء على موضع الخطر لا يكفي لحصول الدلالة المطلوبة ما لم تضم إليه عناية أخرى ، كالتعهد والالتزام بأن لا توضع الشارة الحمراء إلا لذلك ، فلا بد من إبراز نكتة أخرى قد تكفي وحدها لتفسير السببية بين اللفظ والمعنى بلا حاجة إلى الوضع الاعتباري.
هذا ، مضافا : إلى أن الفرق بين العلقة الوضعيّة وبين العلامات الموضوعة أساسا ليس من ناحية كون وضع اللفظ اعتباريا ادعائيا ووضعها حقيقيا خارجيا ، بل بينهما فرق جوهري في نوع العلاقة المتولدة فيهما فان العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة تصورية لا تقتضي أكثر من التلازم والتداعي بين تصور اللفظ وتصور المعنى ، بينهما هي في العلامات الخارجية علاقة تصديقية بين وجود العلامة ووجود ذيها خارجا فلا يصح التوحيد بينهما في المناشئ والآثار واعتبارهما من واد واحد.
الصيغة الثانية : اعتبار اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى بوجوده الخارجي ومتحدا معه فتسري إليه آثاره التي منها تصوره عند الإحساس به.
وقد ناقش فيها السيد الأستاذ ـ دام ـ ظله ـ بما يرجع إلى مجموع أمرين.
الأول : ان هذا الاعتبار لا بد وان يرجع إلى الحكومة والتنزيل بلحاظ الآثار.
٧٦
الثاني : أنا لا نجد ترتب شيء من أحكام المعنى الخارجي وآثاره على وجود اللفظ فما معنى كونه وجودا تنزيليا له؟ (١)
ويمكن في دفع هذه المناقشة منع كلا الأمرين. ففيما يتعلق بالأمر الأول يقال : بأن رجوع الاعتبار إلى التنزيل بلحاظ الآثار دائما غير صحيح ، بل هناك نحو من الاعتبار والحكومة يكون متمحضا في ادعاء أن هذا ذاك. وقد بين الفرق بينهما في كلمات المحقق النائيني ـ قده ـ في البحث عن كيفية جعل الطريقية للأمارات ، حيث كان يورد عليه : بأن الآثار المطلوبة في القطع الطريقي ليست شرعية فكيف يصح التنزيل بلحاظها. فكان جوابه ـ قده ـ بيان الفرق بين التنزيل بلحاظ الآثار وبين اعتبار ما ليس بعلم علما.
وفيما يتعلق بالأمر الثاني يقال : ان أهم أثر من آثار المعنى الخارجي ـ وهو الانتقال إليه تصورا عند الإحساس به ـ يترتب على اللفظ أيضا ببركة هذا التنزيل ، فلتكن الحكومة بهذا المقدار.
والصحيح في الإجابة عن هذه الصيغة : ما ذكرناه الآن في إبطال الصيغة الأولى من أن السببية والاستتباع بين اللفظ والمعنى لا يعقل أن تكون متولدة من مجرد الاعتبار والجعل ، وإلا لأمكن جعل كل شيء سببا لشيء آخر بمجرد الاعتبار.
هذا ، مضافا : إلى ان تنزيل اللفظ منزلة الوجود الخارجي للمعنى أو اعتباره وجودا للمعنى لا يجعل منه بالاعتبار سوى مصداق عنائي للمعنى ومن الواضح ان تصور المصداق الحقيقي ليس سببا بذاته للانتقال إلى تصور الطبيعي فكيف بالمصداق العنائي الاعتباري. فلا بدّ ان تبدل الصيغة السابقة إلى صيغة تقول : بأن الوضع هو اعتبار اللفظ نفس المعنى ، أي اعتبار العينية بالحمل الأولي بينهما. وهذا غاية ما ينتجه ان يكون تصور اللفظ تصورا لذات المعنى بالاعتبار ولا يفسر كيف يحصل تصور للمعنى حقيقة.
ومنه يعرف الجواب على الصيغة الثالثة لنظرية الاعتبار القائلة : بأن الوضع هو
__________________
(١) راجع هامش أجود التقريرات ج ١ ص ١٢
٧٧
اعتبار اللفظ أداة لتفهيم المعنى فان صيرورة اللفظ أداة حقيقية لتفهيم المعنى لا تتحقق من مجرد الاعتبار والجعل ، وإلا لأمكن جعل أي شيء أداة لشيء آخر.
وقد يكون هذا النقص الظاهر في نظرية الاعتبار بمختلف صيغها هو السبب في ظهور النظرية الأخرى في تفسير العلقة الوضعيّة ، وهي نظرية التعهد ، وإن لم يوضح ذلك في كلمات أنصارها.
٢ ـ نظرية التعهد
وتتلخص هذه النظرية : في أن الوضع ليس اعتبارا وإنما هو تعهد من قبل الواضع بأن لا يتلفظ بالكلمة إلا إذا كان يريد افهام المعنى الخاصّ الّذي يحاول ربطه بها. وهذا التعهد يؤدي إلى أننا متى ما سمعناه ينطق بتلك الكلمة انتقل ذهننا إلى تصور ذلك المعنى وعرفنا أن المتكلم أراد تفهيمه لنا ، وهذا معنى قيام السببية بين اللفظ والمعنى.
وقد تبنى السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ هذه النظرية واعتبارها التفسير الصحيح الحقيقة الوضع (١).
مميزات نظرية التعهد
وتتميز هذه النظرية بنقاط ثلاث :
١ ـ أن التعهد يفسر التلازم بين اللفظ والمعنى المحقق للدلالة بقضية شرطية يتعهد بها الواضح طرفاها النطق باللفظ وافهام المعنى وعلى أساسه ينفي وجود أي داع آخر للنطق باللفظ سوى افهام المعنى.
٢ ـ ان الدلالة الناتجة عن الوضع على أساس هذه النظرية تكون دلالة تصديقية لا تصورية فحسب ، لأن اللفظ بعد التعهد المذكور يكشف كشفا تصديقيا عن إرادة المتكلم لإفهام المعنى وهذا الكشف هو السببية المتولدة من الوضع عند أصحاب هذه
__________________
(١) راجع محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٤٨
٧٨
النظرية. وأما الدلالة التصورية بين اللفظ والمعنى فهي وإن حصلت نتيجة الأنس الذهني بينهما إلا أنها ليست هي الدلالة الوضعيّة.
٣ ـ ان كل مستعمل ينقلب إلى واضع حقيقة على ضوء هذه النظرية لأنه متعهد ضمنا بأن لا ينطق باللفظ إلا عند إرادة افهام معناه الخاصّ ولا فرق بينه وبين الواضع إلا أن الأخير هو المتعهد الأول الأسبق زمانا وإلا فكل شخص مسئول عن تعهداته ولا يعقل أن يكون تعهد الواضع محققا للدلالة على قصد افهام المعنى من قبل غيره ، كما هو واضح.
التعليق على نظرية التعهد
وتعليقنا على هذه النظرية كما يلي :
١ ـ ان القضية المتعهد بها إن كانت هي أنه « كلما قصد تفهيم معنى الحيوان المفترس مثلا نطق بلفظ الأسد » فهذا لا يجدي في إيجاد الدلالة التصديقية المطلوبة من التعهد ، لأنه يستوجب استلزام قصد تفهيم المعنى للنطق باللفظ دون العكس الّذي هو المطلوب. وإن كانت هي أنه « كلما نطق باللفظ فهو يقصد معناه » فالتعهد بمثل هذه القضية وإن كان يحقق الاستلزام المطلوب ولكنه ليس عقلائيا ، لوضوح ان الإتيان باللفظ ليس هو الّذي يدفع بالمستمعل إلى إرادة معناه بل الأمر بالعكس. مضافا إلى ما سيأتي من استلزامه التعهد بعدم الاستعمال المجازي. وإن كانت القضية المتعهد بها « أن لا يأتي باللفظ إلا حينما يكون قاصدا تفهيم المعنى » فالتعهد بذلك معقول ومحقق للاستلزام المطلوب بين اللفظ المعنى ، غير أنه ينطوي على تعهد ضمني بعدم الاستعمال المجازي وواضح أن الوضع لا يعني التعهد بعدم المجاز. ولا يمكن إصلاحه بدعوى : تقييد التعهد الوضعي بعدم الإتيان بالقرينة اما في حالة الإتيان بالقرينة فلا تعهد. وذلك لأن الإنسان العرفي ليس ملتزما بعدم استعمال اللفظ في المعنى المجازي إلا بقرينة ، إذ كثيرا ما يتعلق الغرض من الاستعمال بالإجمال والإبهام.
هذا ، إضافة : إلى ان المراد بالقرينة إن كان هو القرينة المتصلة خاصة لزم التعهد الضمني بعدم الاستعمال المجازي مع الاعتماد على قرينة مفصلة. وإن كان مطلق
٧٩
القرينة لزم مع الشك في القرينة المنفصلة إجمال الخطاب ويتعذر نفيه حينئذ بالأصل العقلائي ، لما سوف يأتي في محله من أن الأصول العقلائية لا تكون تعبدا بحتا بل هي بملاك وجود كاشفية في موردها ـ كالظهور في محل الكلام ـ والمفروض توقفه على عدم القرينة المنفصلة ، فلا يعقل التمسك به لنفيها.
٢ ـ ان الدلالة اللغوية على أساس هذه النظرية تتضمن عملية استدلالية وانتقالا منطقيا عقلائيا على أساس الالتزام العقلائي بالتعهد من أحد طرفي الملازمة التعهدية إلى طرفها الآخر مع ان نشوء ظاهرة اللغة في حياة الإنسان منذ عهوده الأولى وقبل أن تتكامل مدركاته العقلانية لا يساعد على هذا الافتراض ، بل يبرهن على أن عملية الوضع وإيجاد العلقة الوضعيّة والاستفادة منها في مجال المحاورة لا تتوقف على تعقيدات ومصادرات عقلائية كما يفترضه هذا التفسير ، على ما سوف يتضح من خلال شرح التفسير الصحيح الحقيقة الوضع.
٣ ـ ربما يحاول إبطال نظرية التعهد بتوجيه اعتراض الدور إليها بتقريب : ان الإتيان باللفظ ليس مطلوبا نفسيا بل غيري أي بقصد تفهيم معناه للسامع ، وإرادته كذلك فرع كونه موضوعا لذلك والمفروض ان وضعه متوقف على قضية شرطية هي إرادة افهام معناه كلما جيء به ، فيلزم الدور بلحاظ الإرادة الاستعمالية.
ولا يندفع الإشكال : بافتراض ان الموقوف على الوضع هو الإرادة الشخصية في مرحلة الاستعمال وهي إرادة غيرية والمتوقف عليه الوضع هو الإرادة الكلية للإتيان باللفظ كلما كان قاصدا افهام المعنى وهي إرادة نفسية.
لأن الإرادتين إرادة واحدة بحسب الحقيقية ، غاية الأمر تارة : تلحظ قبل تحقق شرطها بالفعل فترى إرادة كلية بنحو القضية الحقيقية ، وأخرى : تلحظ بعد فعلية الشرط فترى إرادة شخصية.
والصحيح في دفع الشبهة أن يقال : بأن الوضع عند أصحاب هذه النظرية عبارة عن نفس التعهد الّذي هو من مقولة الالتزام لا الإرادة. نعم طرف هذا التعهد والالتزام هو الإرادة وقصد التفهيم لا أن حقيقة الوضع هو هذا القصد ، فالموقوف عليه الإرادة الاستعمالية إنما هو ثبوت نفس التعهد والالتزام بالقضية الشرطية وهو ليس
٨٠
إرادة لا كلية ولا جزئية كما هو واضح.
الرّأي المختار في حقيقة الوضع
وتحقيق الكلام في تشخيص حقيقة الوضع. أن يقال : بأن الله سبحانه وتعالى قد جعل من الإحساس بالشيء سببا في انتقال الذهن إلى صورته فالانتقال الذهني إلى الشيء استجابة طبيعية للإحساس به وهذا قانون تكويني ويوجد قانونان تكوينيان ثانويان يوسعان من دائرة تلك الاستجابة الذهنية.
أحدهما : قانون انتقال صورة الشيء إلى الذهن عن الطريق إدراك مشابهة ، كانتقال صورة الحيوان المفترس إلى الذهن بسبب رؤية رسم مشابه له على الورق.
ثانيهما : قانون انتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك الذهن لما وجده مشروطا ومقترنا بذلك الشيء على نحو أكيد بليغ فيصبح هذا القرين في حكم قرينة من حيث إيجاد نفس الأثر والاستجابة الذهنية التي كان يحدثها على الذهن عند الإحساس به. وهذا هو ما يسمى في المصطلح الحديث بالمنية الشرطي والاستجابة الحاصلة منه بالاستجابة الشرطية.
وهذا الاقتران والأشراط الّذي يوجب الاستجابة المذكورة لا بد وأن يكون على وجه مخصوص ، أي لا يكفي فيه مطلق الاقتران بل لا بد وأن يكون اقترانا مركزا مترسخا في الذهن اما نتيجة كثرة تكرر الاقتران خارجا أمام إحساس الذهن ، وهذا هو العامل الكمي لتركيز الاقتران ، أو نتيجة ملابسات اكتنفت الاقتران ولو دفعة واحدة جعلته لا ينمحي عن الذهن ، وهذا هو العامل الكيفي.
والإنسان تحدث استجاباته الذهنية وفق هذه القوانين الثلاثة ، فإذا أطلق شخص مثلا صوتا مشابها لزئير الأسد انتقل إلى الذهن تصور ذلك الصوت نتيجة الإحساس المسمعي به وهو تطبيق للقانون الأول ، ثم ينتقل الذهن من ذلك إلى تصور الزئير نتيجة المشابهة بينهما وهذا تطبيق للقانون الثانوي الأول ، ثم ينتقل من ذلك إلى صورة الأسد نفسه الملازم خارجا مع صوته وهذا تطبيق للقانون الثانوي الثاني.
وقد حاول الإنسان أن يستفيد من القانونين التكوينيين الثانويين في مقام التعبير
٨١
عن مقصوده ونقله إلى ذهن مخاطبه ، فاعتمد على القانون الثانوي الأول في استخدام الإشارات التعبيرية والتصويرية التي تنقل المعاني إلى الذهن على أساس التشابه ، ولما كان قد اعتاد ان ينتقل من الأصوات إلى أسبابها وأشكال مناشئها على أساس الاقتران الخارجي فقد اتجه إلى توسيع نطاق الاستفادة من الأصوات واستخدامها في مجال تفهيم الآخرين أيضا باستخدام القانون الثانوي الثاني عن طريق جعل لفظ أو صوت مخصوص مقترنا ومشروطا بمعنى مخصوص اقترانا أكيدا ناشئا من التكرار أو نتيجة عامل كيفي معين وبذلك نشأت العلقة الوضعيّة ، أعني السببية والاستتباع بين ذلك الصوت المخصوص والمعنى المخصوص.
وهكذا تولدت ظاهرة اللغة في حياة الإنسان وبدأت تتكامل وتتوسع من صيغ بدائية محدودة إلى صيغ متكاملة أكثر شمولا واستيعابا للألفاظ والمعاني.
هذا هو حقيقة الوضع ؛ فالواضع بحسب الحقيقة يمارس عملية الإقران بين اللفظ والمعنى بشكل أكيد بالغ ، وهذا الاقتران البالغ إذا كان على أساس العامل الكمي ـ كثرة التكرار ـ سمي بالوضع التعيني وإذا كان على أساس العامل الكيفي سمي بالوضع التعييني.
مميزات النظرية المختارة في الوضع
وفي ضوء هذا التحليل لحقيقة الوضع تتضح الأمور التالية :
١ ـ ان الوضع ليس مجعولا من المجعولات الإنشائية والاعتبارية كالتمليك بعوض المجعول في باب البيع مثلا. وإنما هو أمر تكويني يتمثل في أشراط مخصوص بين اللفظ والمعنى المحقق لصغرى قانون الاستجابة الشرطية الّذي هو قانون طبيعي.
وقد يستخدم الإنشاء لإيجاد هذا الأشراط ـ كما في الوضع التعييني ـ ولكن هذا لا يعني ان الأشراط هو المنشأ بل نفس الإنشاء بما هو عملية تكوينية تصدر خارجا يحقق الأشراط المطلوب.
٢ ـ ان الدلالة التي تتحقق بالوضع دلالة تصورية دائما ، ولهذا لا فرق في انتقال السامع إلى المعنى بين أن يسمعه من لافظ ذي شعور أو من جهة غير شاعرة كالجدار
٨٢
مثلا ، لأن الاقتران الأكيد الّذي هو ملاك الدلالة الوضعيّة ثابت في الحالتين ولا مجال للتفكيك بينهما بعد أن تم الأشراط بين اللفظ والمعنى واما الدلالة الكاشفة عن إرادة التفهيم أو غير ذلك فهي موقوفة على ملاكات أخرى من ظهورات حالية وسياقية.
وبذلك يظهر وجه النّظر فيما وجهه السيد الأستاذ ـ دام ظله ـ على القائلين بأن الدلالة الوضعيّة تصورية من أن الوضع حيث انه فعل اختياري للواضع الحكيم فإطلاقه لأمثال هذه الموارد التي لا يترتب على الوضع فيها أثر يكون لغوا وعبثا (١).
فان هذا مبني على افتراض الوضع مجعولا اعتباريا إنشائيا على حد ساير المجعولات التشريعية ، واما بعد إن عرفنا حقيقة الوضع في الاقتران المخصوص بين اللفظ والمعنى فلا يتصور إيجاد هذا الاقتران في حالة دون حالة ، بل أمره دائر بين الوجود والعدم لا الإطلاق والتقييد.
٣ ـ ويستخلص مما سبق توقف فعلية الدلالة الوضعيّة غالبا على العلم بالوضع ، لأنه إنما تتحقق الدلالة بالإشراط والاقتران فلا بد وأن يعيش الشخص ذهنيا حالة الأشراط والاقتران بين اللفظ والمعنى لينتقل إلى المعنى عند سماع اللفظ وهذا يكون غالبا على أساس العلم بالوضع ، وقد يحصل على أساس تلقيني ، كأن تقرن أمام طفل مثلا بين اللفظ والمعنى على نحو خاص فتحصل العلقة في ذهنه عن طريق هذا التلقين فتؤثر هذه العلقة أثرها وإن لم يكن الطفل عالما بنفس هذه العلقة.
الفصل الثاني في تشخيص الواضع
اختلفوا في تشخيص الواضع بين اتجاهين الاتجاه القائل بإلهية الوضع والاتجاه القائل ببشريته.


(١) محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ٥٢
٨٣

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:20 am

أدلة القول بإلهية الوضع
ومن أنصار الاتجاه الأول من أعلام الأصوليين المحقق النائيني ( قده ) وقد حاول تعزيز موقفه بأمرين :
١ ـ ما نشاهده من استيعاب الأوضاع اللغوية لدقائق فنية ـ سواء ما كان منها ترتبط بجانب اللفظ أو المعنى ـ تفوق عادة طاقة جماعة من الناس وقدرتهم على نسجها وإبداعها فما ظنك بشخص واحد.
٢ ـ لو كان هناك واضع بشري معين قد أبدع كل هذا النظام اللغوي المنسق المتكامل لنقل ذلك في التاريخ ولخلد ذكره في الشعوب بينما لا يوجد شيء من ذلك في تاريخ أي لغة من اللغات (١).
مناقشة القول بإلهية الوضع
وقد نوقش في كلا هذين الأمرين من قبل أنصار الاتجاه الثاني : بأن مدعي بشرية الوضع لا يفترض وجود شخص معين من البشر قد قام بإبداع كل هذا النظام اللغوي الدّقيق ، وإنما يدعي أن الإنسان بذكائه الملهم من قبل الله سبحانه وتعالى اتجه ـ نتيجة إحساسه بالحاجة إلى التفاهم مع الآخرين من بني نوعه ـ إلى استخدام الأساليب البدائية الساذجة في بادئ الأمر من الإشارات والتصويرات وتقليد الأصوات في مقام التعبير عما يدور في ذهنه ونقله إلى الآخرين ، ثم نمت عنده تلك الأساليب وتطورت تدريجا حتى أصبحت بالشكل المنسق المتكامل الّذي عليه اليوم فهي إذن عملية قد اشتركت في إبداعها خبرات أجيال من البشر وليست من صنع إنسان معين لكي يستبعد ذلك على أساس عدم نقل التاريخ لاسمه أو على أساس استحالة وقوعه في نفسه.
__________________
(١) أجود التقريرات ج ١ ص ١٢
٨٤
مبعدات بشأن القول ببشرية الوضع
هذا ، ولكن بالإمكان أن تذكر في قبال اتجاه بشرية الوضع مبعدات أخرى.
منها ـ انه كيف قدر لإنسان ما قبل اللغة البدائي أن يلتفت إلى إمكانية الاستفادة من الألفاظ ووضعها بإزاء المعاني لو لا إلهام من الله تعالى وتدخل منه بهذا الشأن.
ومنها ـ ان ظاهرة اللغة في ضوء المسالك المعروفة في تفسير الوضع تتطلب درجة بالغة من النضج الفكري والتطور الاجتماعي تؤهل الإنسان البدائي لفهم معاني التعهد والالتزام أو الجعل والاعتبار مع ان مثل هذه المرتبة من النضج العقلي والاجتماعي إنما حصل للإنسان في مراحل متأخرة عن صيرورته إنسانا اجتماعيا قادرا على التفهيم ونقل أفكاره إلى الآخرين.
ومنها ـ أنه لو سلم إدراك إنسان ما قبل اللغة لمثل هذه القضايا المعنوية الدقيقة مع ذلك يقال : كيف قدر لهذا الإنسان أن يفهم الآخرين ويتفاهم معهم ويتفق في تلك الأفكار لأنها ليست على حد القضايا الساذجة المحسوسة في الخارج لكي يمكن التفاهم عليها بالرموز والإشارات.
ومنها ـ أنه كيف نفسر اتفاق مجموعة من الناس على لغة معينة فهل كان ذلك من باب أنهم جميعا قد انقدح في أذهانهم صدفة أن لفظة الماء يناسب وضعها بإزاء المعنى المعين ولفظة الهواء بإزاء المعنى الآخر وهكذا ، وان ذلك حصل عند أحدهم ثم أتبعه فيه الآخرون والتزموا بقراره؟ اما الأول فبعيد جدا بحساب الاحتمالات.
واما الثاني ، فغير متناسب مع وضع إنسان ما قبل اللغة البدائي ، فان حالة التبعية الجماعية الرئيس أو شيخ عشيرة مثلا إنما حصلت في تاريخ الإنسان متأخرا عن ظاهرة اللغة بكثير.
٨٥
فذلكة الموقف في تشخيص الواضع
هذا ، ولكن هذه المبعدات لا تتجه بناء على ما سلكناه نحن في تفسير الوضع ، لما عرفت من أن عملية الوضع لا تعدو أن تكون عملية ، طبيعية بسيطة هي الإشراط بين منبه اللفظي مع المعنى في إحساس الإنسان ، المحقق لصغرى قانون الاستجابة الشرطية الذهنية. الأمر الّذي كان مألوفا لديه في حياته الطبيعية بلا حاجة إلى افتراض إدراك معان دقيقية أو اعتبارات عقلائية معقدة. والقانون الطبيعي المذكور وتطبيقاته الطبيعية في حياة الإنسان نسبته إلى المجموعة البشرية على حد واحد لأنهم جميعا مزودون به كبرويا ويمارسون تطبيقاته الخارجية في الحياة الطبيعية كثيرا ، فيكون من المعقول افتراض أن مجموعة متقاربة من الناس في مواطن العيش وظروفهم الطبيعية قد اتفقوا فيما بينهم تدريجا على اختيار ألفاظ مخصوصة وتعيينها بإزاء معان مخصوصة بشكل بدائي ساذج ثم تطور ذلك عندهم بمرور الزمن وتنامي خبراتهم.
ولكن ، مع ذلك نحن لا نملك برهانا قاطعا على نفي اتجاه إلهية الوضع وأن الوضع ونشوء ظاهرة اللغة في حياة الإنسان كان من صنع نفسه مائة بالمائة. بل من المحتمل أن تكون قد بدأت هذه الظاهرة في حياة الإنسان أول ما بدأت بتدخل وعناية من الله سبحانه وتعالى ، بأن يكون قد ألهم آدم فعلمه الأسماء والألفاظ وكيفية استخدامها في مجال نقل أفكاره وخواطره إلى الآخرين ، بل فرضية الإلهام بأصل اللغة لعلها هي المناسبة مع ما هو الملاحظة في جملة من النصوص الدينية التي تؤكد على أن الخليفة الأولى من البشر ـ آدم وزوجته ـ كانا على معرفة واطلاع بلغة مكنتهما من الحوار والتفاهم فيما بينهما قبل أن يهبطا إلى الدنيا ويمارسا نشاطهما الطبيعي والاجتماعي فيها ، وهذا من المستبعد جدا أن يحصل من دون افتراض إلهام رباني كان بذرة في طريق نشوء هذه الظاهرة بعد ذلك في حياة الإنسان.
٨٦
الفصل الثالث
أقسام الوضع


يقسم الوضع تارة : بلحاظ أقسام المعنى الموضوع له اللفظ ؛ وأخرى بلحاظ أقسام اللفظ الموضوع. وثالثة : بلحاظ أنحاء نشوء العلقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى. فهنا تقسيمات عديدة نذكرها فيما يلي :
١ ـ التقسيم الأول
قد يقسم الوضع بالنظر إلى المعنى الموضوع بإزائه اللفظ إلى أربعة أقسام :
١ ـ الوضع العام والموضوع له العام.
٢ ـ الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ.
٣ ـ الوضع العام والموضوع له الخاصّ.
٤ ـ الوضع الخاصّ والموضوع له العام.
والمراد من عموم الوضع وخصوصه في هذا التقسيم كلية الصورة الذهنية التي يستحضرها الواضع في مقام تخصيص اللفظ ووضعه بإزائها وجزئيتها. كما أن المراد من عموم الموضوع له وخصوصه كلية الصورة التي قد وضع وخصص بإزائها اللفظ فعلا وجزئيتها ، وعلى هذا الأساس يكون التقسيم المذكور حاصرا عقلا كما هو واضح.
ولا كلام في إمكان القسمين الأولين من هذه الأقسام ، بل لا ريب في وقوعهما في اللغات طرا فان أسماء الأجناس تمثل القسم الأول وأسماء الأعلام تمثل القسم الثاني ولا تخلو منهما لغة ، وإنما البحث والجدال حول إمكان القسمين الأخيرين وامتناعهما. والمشهور إمكان القسم الثالث بل وقوعه ، وامتناع القسم الرابع.
أما القسم الثالث : فقد ذكر في وجه إمكانه : بأن المفهوم الكلي الّذي يتصوره الواضع في مقام الوضع باعتبار انطباقه على الأفراد والجزئيات لكونه عين حقيقتها في الخارج فيصلح أن يكون عنوانا حاكيا عنها بحيث لا يحتاج في مقام إصدار حكم عليها إلى استحضار تلك الجزئيات بأنفسها في الذهن بل يكفي حضور ذلك العنوان الكلي
٨٧
للحكم عليها من خلاله. ولا يقدح بذلك تغاير ذلك العنوان الكلي مع الجزئيات ذاتا في بعض الأحيان كما إذا كان المفهوم الكلي معنى اسميا والجزئيات معان حرفية ، لأن المفهوم العام بعد ان كان عين تلك المعاني الجزئية بالحمل الأولي وإن كان غيرها بالحمل الشائع صح ان يحكم عليها من خلاله ، لأنه يكفي في مرحلة إصدار الحكم على موضوع إحضاره في الذهن ولو بالحمل الأولي ولا يشترط إحضاره بالحمل الشائع وإنما يشترط ذلك في مرحلة جريان الحكم على ذلك الموضوع خارجا ، كما هو واضح.
وقد يعترض على هذا التقريب بأحد وجهين :
الأول : ان المفهوم الكلي للإنسان مثلا .. وغيره من المفاهيم الكلية ـ منتزع عن الواقع الخارجي لهذا المفهوم بلحاظ الحيثية المشتركة المحفوظة في ضمن الأفراد ، والمفاهيم الجزئية لزيد وعمرو وخالد منتزعة عن ذلك الواقع الخارجي بلحاظ الحيثية المميزة ، والألفاظ إنما تقوم العلاقة الوضعيّة بينهما وبين المفاهيم سواء كانت كلية أو جزئية لا بينهما وبين الواقع الخارجي المحكي لتلك المفاهيم ابتداء كما هو واضح ، وعليه ، فعند إرادة الوضع العام والموضوع له الخاصّ ان استحضر الواضع نفس مفهوم زيد ووضع اللفظ له فهذا خلف لأنه من الموضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ ، وإن استحضر مفهوم الإنسان فإذا وضع اللفظ له ملاحظا إياه على وجه الموضوعية كان من الوضع العام والموضوع له العام وهو خلاف المقصود ، وإذا وضع اللفظ له ملاحظا إياه بما هو فان في واقعة وحاك عن الخارج بحيث يكون المقصود قيام العلاقة الوضعيّة بالمحكي والمفني فيه فهذا غير معقول في المقام لأن مفهوم الإنسان لا يكون فانيا في المفاهيم الجزئية بل في الواقع الخارجي المحكي بالمفهومين الكلي والجزئي بلحاظين ، فيؤدي ذلك إلى إقامة العلاقة الوضعيّة بين اللفظ والخارج ابتداء وهو باطل ـ كما تقدم ـ لأن طرف العلاقة الوضعيّة يجب أن يكون مفهوما دائما.
نعم لو أمكن أن يلحظ مفهوم الإنسان فانيا في المفاهيم الجزئية ويوضع له اللفظ بهذا اللحاظ لحصل مدعي الوضع العام والموضوع له الخاصّ على مقصوده ولكنه غير صحيح لأن المفهوم الكلي والمفهوم الجزئي متباينان وإن كانا متحدين صدقا بلحاظ محكيها.
٨٨
وهذا التقريب من الإشكال يتجه الجواب عنه : بأن المفهوم العام الّذي يتصوره الواضع في حالات الوضع العام والموضوع له الخاصّ ليس هو المفهوم العام المنتزع من الخارج ابتداء فحسب ، كمفهوم الإنسان الّذي لا يصلح أن يكون فانيا إلا في الواقع الخارجي المنتزع منه ، بل المفهوم العام المنتزع من نفس المفاهيم الجزئية التي يراد الوضع لها فيكون من المعقولات الثانوية ، كمفهوم الفرد من الإنسان أو الجزئي من الإنسان ونحو ذلك ، فان هذا مفهوم منتزع عن مفهوم زيد وعمرو وخالد وهكذا ؛ وبحكم ذلك يكون صالحا لأن يلاحظ بما هو فان في تلك المفاهيم وحاك عنها ويوضع له اللفظ بهذا اللحاظ ، فتكون العلاقة الوضعيّة قائمة بتلك المفاهيم وبذلك يتحقق الوضع العام والموضوع له الخاصّ.
الثاني : أن يقال بأن كل مفهوم جامع بين الأفراد لا يعقل جامعيته بينهما إلا بأن يجرد عن كل الخصوصيات التي يمتاز بها فرد على فرد ولا يؤخذ فيه شيء منها ، لأن طريقة انتزاع الجامع هي إلغاء الخصوصيات وإبقاء ما به الاشتراك. وعليه ، فلا يمكن أن يكون الجامع حاكيا عن الأفراد بخصوصياتها فكيف يستخدمه الواضع ويتوسل به للوضع للأفراد. وإن شئت قلت : أن الجامع جزء تحليلي من الفرد والفرد هو المركب منه ومن الجزء الآخر المميز له ولا يمكن الاكتفاء بتصور الجزء للوضع للكل ، فالوضع العام والموضوع له الخاصّ من قبيل أن يتصور الجنس أو الفصل فيوضع اللفظ النوع ، فكما لا يكفي تصور الجنس أو الفصل للوضع للنوع كذلك لا يكفي تصور الكلي للوضع للأفراد ، لما عرفت من أن نسبة إلى الفرد نسبة الجزء إلى الكل.
وجواب ذلك : أن الكلي انما يكون جزءا تحليليا بمعنى من المعاني لما هو فرده بالذات ـ كالإنسان بالنسبة إلى زيد وعمرو ـ فان طريقة الحصول على الكلي الجامع بين أفراده بالذات هي التجريد وفرز الخصوصيات على نحو لا يبقي إلا الحيثية المشتركة وهذا معنى كون الجامع جزءا من الفرد ، وهذا الكلام كما يصدق على الجامع من المعقولات الأولية كالإنسان بالنسبة إلى أفراده بالذات يصدق أيضا على الجامع من المعقولات الثانوية ـ بحسب اصطلاح الحكيم أو المنطقي ـ كالإمكان بالنسبة إلى أفراده بالذات من الإمكانات المتعددة ، والجزئية المقابلة للكلية إلى أفرادها بالذات من
٨٩
الجزئيات المتعددة.
واما الجامع بالنسبة إلى أفراده بالعرض فليس الأمر فيه كذلك ، وهذا من قبيل الجامع العرضي الانتزاعي بالنسبة إلى مناشئ انتزاعه ، كالإمكان بالنسبة إلى ماهية الإنسان وماهية الحصان وغيرهما من الماهيات الممكنة وكالجزئي بالنسبة إلى مفهوم زيد ومفهوم عمرو وهكذا ، فان ماهية الإنسان وماهية الحصان بفرز ما به امتياز كل منها على الآخر ـ وهو الفصل ـ لا نحصل على مفهوم الإمكان وإنما نحصل على الجنس بل الإمكان في كل منها قائم بالماهية بخصوصيتها وبفصلها المميز لها عن الماهية الأخرى ، ولما كان الجامع العرضي قائما بكل منشأ من مناشئ انتزاعه بخصوصيته أمكن أن يلحظ بما هو فان في مناشئ انتزاعه بخصوصياتها ، ومن هنا إذا أريد الحكم على نحو يثبت للحيوان الناطق بما هو ناطق وللحيوان الصاهل بما هو صاهل فلا يتحقق ذلك بأخذ مفهوم الحيوان فانيا في معنونه لأن الحكم حينئذ إنما يثبت للحيوان الناطق والصاهل بما هما حيوانان لا بما هما نوعان مخصوصان وإنما يتحقق بأخذ جامع من قبيل مفهوم الماهية الممكنة لوضوح ان هذا المفهوم قائم بالحيوان الصاهل بما هو صاهل وبالحيوان الناطق بما هو ناطق وعلى هذا الأساس ، ففي موارد الوضع العام والموضوع له الخاصّ لا يتوسل بجامع يكون الخاصّ فردا بالذات له ـ كالإنسان مع زيد ـ ليرد الإشكال المذكور ؛ بل بجامع عرضي يكون الخاصّ بما هو خاص منشأ لانتزاعه ـ كمفهوم الفرد من الإنسان ـ فانه جامع عرضي منتزع من المفاهيم الجزئية لزيد وعمرو وغيرهما بخصوصياتها ؛ فان مثل هذا الجامع باعتبار قيامه بكل فرد بخصوصه يكون قابلا للحكاية عن الأفراد بخصوصياتها على النحو المناسب من الحكاية للعنوان الانتزاعي عن مناشئ انتزاعه.
والحاصل : ان حيثية الجامع تارة : تكون ثابتة في أفراده ضمنا فلا يعقل حكايته عن الأفراد بخصوصياتها لأن مرجعه إلى حكاية الجزء عن الكل وهذا ما يكون دائما في الجامع مع أفراده بالذات. وأخرى : تكون حيثية الجامع قائمة بأفراده قياما عرضيا على نحو تكون قائمة بهذا الفرد بخصوصه وبذاك بخصوصه ، وفي مثل ذلك يمكن أن يتخذ الجامع مرآة للأفراد بخصوصياتها وفانيا فيها في مقام إصدار الحكم عليها ، وهذا ما يمكن
٩٠
أن يكون في الجامع الانتزاعي العرضي مع أفراده بالعرض أي مناشئ انتزاعه.
وعلى ضوء ما تقدم يتضح وجه النّظر فيما أفاده المحقق العراقي ـ قده ـ حيث عالج المشكلة وصار بصدد تصوير حكاية الجامع عن الفرد بخصوصيته عن طريق دعوى : ان الجامع المقصود في المقام عنوان مخترع للذهن محضا والجامع المخترع للذهن لا يحصل بطريقة التجريد وإلغاء الخصوصيات بل بإنشاء الذهن صورة تنطبق على الفرد بتمامه (١).
ووجه النّظر : ان كون الجامع مما ينطبق على الفرد بخصوصه ويصلح للحكاية عنه بما هو كذلك ليس مرهونا بمحض اختراعية المفهوم وكونه منشأ من قبل الذهن بحتا ، إذ بعد فرض ان العنوان الانتزاعي صالح للحكاية عن منشأ انتزاعه وان حيثية العنوان الانتزاعية العرضية قد تكون قائمة بكل فرد بخصوصه يكون من المعقول ملاحظة العنوان الانتزاعي حاكيا عن الأفراد بخصوصياتها.
فإن قيل : ان انتزاع العنوان الواحد من الأمور المتباينة بما هي كذلك أمر غير معقول بل لا بد من فرض حيثية مشتركة مصححة للانتزاع ، وبذلك نرجع إلى طريقة التجريد وإلغاء الخصوصيات وانتزاع العنوان بلحاظ الحيثية المشتركة فلا يمكن أن يكون حاليا عن الأفراد بخصوصياتها بل يتعين أن يكون الحاكي عن ذلك عنوانا اختراعيا للذهن.
كان الجواب : ان افتراض حيثية مشتركة ولو عرضية مصححة لانتزاع العنوان الواحد لا ينافي ما ذكرناه ، لأن هذه الحيثية المشتركة إذا كانت قائمة بكل فرد بخصوصه كان العنوان المنتزع لا محالة منطبقا على الفرد بخصوصه وحاكيا عنه كذلك.
فإن قيل : ان قيام الحيثية المشتركة بكل فرد بخصوصه غير معقول أيضا ، لأن الأفراد بخصوصياتها متباينات فيلزم من قيام تلك الحيثية بكل واحد منها صدور الواحد بالنوع من الكثير بالنوع بما هو كذلك.
__________________
(١) مقالات الأصول ج ١ ص ١٩
٩١
كان الجواب : ما تقدم من أنه لا مجال لتطبيق مثل هذه القاعدة في أمثال المقام مما لم يكن قيام الحيثية المشتركة فيه بالفرد من سنخ قيام المعلول بالعلة على نحو التأثير والإيجاد ، وإلا فما ذا يقال عن الحيثية المشتركة المصححة لانتزاع مفهوم الشيء ، فهل هي قائمة بالإنسان بخصوصه وبالماء بخصوصه مثلا أو قائمة بالقدر المشترك بينهما؟ لا سبيل إلى الثاني ، لأن ما به امتياز أحدها على الآخر شيء أيضا بلا إشكال. وعليه ، فقيام حيثية مشتركة واحدة في لوح الواقع بأمور كثيرة بما هي كثيرة ومتمايزة ليس فيه محذور لأن لوح الواقع الّذي هو أوسع من لوح الوجود ليس بابه باب التأثير والإيجاد فليست ماهيات الإنسان والحصان والطير علل لإمكان على حد العلية في عالم الوجود لتطبق قاعدة ان الواحد لا يصدر إلا من واحد لاستكشاف قيام الإمكان بالجامع بين تلك الماهيات.
الصحيح في تصوير الوضع العام والموضوع له الخاصّ
هذا ؛ ولكن إمكان الوضع العام والموضوع له الخاصّ بالطريقة المذكورة إنما يعقل مبنيا على التصورات المشهورة في حقيقة الوضع من اعتباره أمرا تشريعيات بحتا. وأما بناء على ما هو الصحيح من كونه أمرا واقعيا وهو القرن المخصوص بين اللفظ والمعنى لكي تتحقق بذلك صغرى قوانين الاستجابة الذهنية الطبيعية فلا بد للواضع في مقام تحقيق هذا الهدف من استحضار المعنى الخاصّ بنفسه أي ما هو خاص بالحمل الشائع في الذهن لكي يحقق الاقتران والسببية بينه وبين اللفظ ولا يكفي تصور ما هو خاص بالحمل الأولي.
وإن شئت قلت : ان الوضع بناء على المسلك الصحيح ينشأ من الجنبة التكوينية لعملية الوضع لا الجنبة الاعتبارية ، وهذا يعني ان العلقة الوضعيّة تحصل في مرحلة إصدار الحكم لا مرحلة جريه على المحكوم عليه. فلا بد من افتراض ثبوت المعنى الخاصّ المراد وضع اللفظ بإزائه في هذه المرحلة ولا يكفي ثبوته في مرحلة الجري فقط.
والتوصل إلى نتيجة الوضع العام والموضوع له الخاصّ بناء على هذا المسلك إنما يعقل عن طريق تكرر الاقتران بين اللفظ وبين المعاني الخاصة بنحو ينتج الاقتران بين
٩٢
اللفظ وبين كل فرد من تلك المعاني.
وبتعبير آخر : ان الأشراط الذهني والربط المخصوص بين تصورين الّذي يؤدي إلى الاستجابة لأحدهما بالانتقال منه إلى الآخر لا يقتصر أثره على الطرفين بخصوصيتهما بل قد تنسحب تكوينا على الجامع ، بمعنى أنا إذا افترضنا فئتين كل فرد من إحداهما مقابل لفرد من الأخرى فتعود الذهن على الانتقال من كل فرد من الفئة الأولى مثلا إلى ما يقابله من فرد في الفئة الثانية في عدد من المرات يجعله ينتقل بعد ذلك تلقائيا من تصور فرد جديد من الفئة الأولى إلى ما يقابله من فرد في الفئة الثانية. وهذا بنفسه ما يمكن افتراضه في المقام بديلا عن الوضع العام والموضوع له الخاصّ إذ يحصل أشراط وربط مخصوص بين ( من ) الواقعة بين اسمين خاصين وبين ربط خاص بين مدلولي هذين الاسمين ، وهذا وضع خاص وموضوع له خاص ويحصل نظير ذلك بين ( من ) الواقعة بين اسمين آخرين وبين ربط مخصوص بين مدلولي هذين الاسمين وهكذا ، ولما كانت هذه الأشراطات الذهنية ينتسب أحد طرفيها إلى فئة وطرفها الآخر إلى فئة أخرى يتجه الذهن إلى أن ينتقل من كل فرد من هذه الفئة إلى الفرد المقابل له من الفئة الأخرى وبذلك تحصل نتيجة الوضع العام والموضوع له الخاصّ.
ومن مجموع ما تقدم يتضح حال القسم الرابع ، وهو الوضع الخاصّ والموضوع له العام ، فان المعنى الخاصّ لا يكون صالحا للمرآتية والحكاية عن المعنى العام لعدم كونه منتزعا عنه فلا يعقل أن يتصور الواضع معنى خاصا ليضع اللفظ بإزاء المعنى الأعم منه إلا بجعل تصوره للمعنى الخاصّ قنطرة للانتقال منه إلى تصور المعنى العام فيكون من الوضع العام والموضوع له العام ، أو انتزاع عنوان إجمالي مضاف إلى المعنى الخاصّ يكون مرآة للمعنى العام ومنتزعا عنه كعنوان ( المفهوم الّذي يكون جامعا بين عمرو وزيد مثلا ) فيكون من الوضع العام والموضوع له الخاصّ بحسب الحقيقة.
ودعوى : اشتمال المفهوم الخاصّ على العام ضمنا فيمكن أن يوضع اللفظ بإزائه من خلاله يدفعها : أن تصور العام ضمن الخاصّ تصور ضمني وبشرط المخصوصية فالوضع بإزائه كذلك يعني الوضع بإزاء العام الضمني الّذي هو الخاصّ لا محالة.
ثم إنه لا إشكال ـ كما أشرنا إليه في مستهل البحث ـ في وقوع الوضع العام والموضوع
٩٣
له العام ـ كما في أسماء الأجناس ـ والوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ ـ كما في أسماء الأعلام ـ وأما الوضع العام والموضوع له الخاصّ فقد اشتهر بين الأعلام تطبيقه على المعاني الحرفية والهيئات باعتبار ان معانيها سنخ معان لا يمكن أن ينالها العقل مستقلا وبما هي معان كلية ؛ وحيث أنه لا يراد تخصيص اللفظ بإزاء أحد مصاديق ذلك المعنى غير المستقل فيضطر الواضع إلى اتباع طريقة الوضع العام والموضوع له الخاصّ في التوصل إلى إيجاد العلقة الوضعيّة بين اللفظ وبين كل واحد من تلك المعاني الخاصة. وهذا ما سوف نورد الحديث عنه مفصلا في البحوث اللفظية التحليلية المقبلة.
٢ ـ التقسيم الثاني
وقد يقسم الوضع إلى الوضع الشخصي والوضع النوعيّ وهذا تقسيم بنفس ملاك التقسيم المتقدم ولكن قد لوحظ فيه جانب اللفظ الموضوع بينما الملحوظ هناك جانب المعنى الموضوع له ، حيث انه قد عرفت بأن الواضع في عملية الوضع لا بد له من تصور طرفين اللفظ والمعنى. وكما يمكنه أن يتصور المعنى بنفسه تارة وبعنوان مشير إليه أخرى كذلك الحال في طرف اللفظ. فتارة : يلحظه بنفسه ويخصصه بمعنى معين فيكون الوضع شخصيا. وأخرى : يلحظه من خلال تصور عنوان مشير إليه فيكون الوضع نوعيا. وهذه الطريقة يستعملها الواضع غالبا فيما إذا كان اللفظ المراد وضعه سنخ لفظ غير مستقل في نفسه بنحو لا يمكن لحاظه إلا بما هو حالة وكيفية للفظ آخر ، كما هو الحال في الهيئات فانها سنخ دوال لا يمكن تصورها إلا ضمن مادة معينة فيضطر الواضع في هذه الموارد إلى أن يتبع في مقام الوضع طريقة الوضع العام والموضوع له الخاصّ ، فيتصور عنوانا مستقلا كعنوان الهيئة التي على وزان فاعل مثلا ويشير به إلى واقع تلك الدوال غير المستقلة ويضعها للمعنى المطلوب تفاديا عن القيام بأوضاع عديدة بعدد المواد.
ونحن نواجه في هذا التقسيم نفس ما واجهناه في التقسيم المتقدم من الاعتراض على هذه الطريقة تارة : من جهة عدم حكاية العام عن الخاصّ وأخرى : من جهة عدم وفائه بتحقيق العلقة الوضعيّة بناء على ما هو الصحيح من كونها عبارة عن الأشراط
٩٤
التكويني بين اللفظ والمعنى تصورا.
والجواب عنهما أيضا يكون بما تقدم هناك ، فان العنوان العام إذا كان صالحا للمرآتية والحكاية عما يكون منتزعا منه كفى ذلك في إمكان الحكم على الخاصّ من خلاله. وأن عملية الوضع والأشراط بين طبيعي تلك الدوال غير المستقلة وبين المعنى يكفي فيه التكرر والاقتران الحاصل بينهما بنحو يتعود الذهن على أن ينتقل من أي فرد من أفراد تلك الدوال إلى نفس المعنى فتحصل العلقة الوضعيّة بين المعنى وبين طبيعي تلك الدوال.
وأما تطبيق هذا القسم من الوضع على الهيئات والإشكال عليه بوجه الفرق بينها وبين موادها فهو بحث تطبيقي سوف نورد الحديث عنه لدى التعرض إلى مدلول الهيئات والجمل.
٣ ـ التقسيم الثالث
وقد يقسم الوضع بلحاظ مناشئه إلى الوضع التعييني والتعيني والاستعمالي :
١ ـ الوضع التعييني
اما الوضع التعييني ، فيراد به جعل العلقة الوضعيّة بجملة إنشائية محدودة ، من قبيل أن يقول الأب « سميت ابني جعفرا » وهذا لا شك في معقوليته ومرجعه على ضوء ما تقدم في تفسير الوضع إلى إيجاد القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى بهذا الإنشاء.
٢ ـ الوضع التعيني
وأما الوضع التعيني ، فيراد به نشوء العلقة الوضعيّة بسبب كثرة الاستعمال ، وتصويره على المسلك المختار في حقيقة الوضع بأن يقال : أن هذا القرن الأكيد كما قد يحصل بعمل كيفي ، كإنشاء الوضع وجعله ، كذلك يحصل بعمل كمي وهو تكرار قرن اللفظ بالمعنى في استعمالات كثيرة على نحو يؤدي إلى قيام علاقة التلازم التصورية بينهما وهي العلاقة الوضعيّة المطلوبة.
٩٥
وقد يستشكل في ذلك : بأن اللفظ قبل أن يصبح حقيقة في هذا المعنى كان يستعمل فيه مجازا ، والاستعمال المجازي لكي يوجب انفهام المعنى وقرنه في ذهن السامع باللفظ لا بد من اقترانه بالقرينة وإذا كانت الاستعمالات الكثيرة مشتملة على القرينة في كل مورد فالاقتران الأكيد إنما يكون بين المعنى والقرينة أو بين المعنى واللفظ المقترن بالقرينة ولا يتواجد بين المعنى وذات اللفظ المستعمل فيه.
ويندفع هذا الإشكال : بأن القرينة عنوان انتزاعي ومصداقها في كل مورد قد يختلف عن مصداقها في مورد آخر لأنها تارة : تكون حالية ، وأخرى : ارتكازية ، وثالثة : لفظية ، واللفظية تختلف باختلاف صياغة الكلام. وأما اللفظ المستعمل فهو عنصر محفوظ بحده في سائر موارد الاستعمال التي أثير فيها ذلك المعنى المستعمل فيه ، وهذا يوجب حصول الأشراط والاقتران الأكيد بين هذا المعنى وذات اللفظ المستعمل لأنه العنصر الثابت الوحيد المحفوظ في جميع موارد استعمال ، فيربط الذهن بموجب قانون الاقتران بينه وبين المعنى. وإنما يتم الاستشكال المذكور لو كانت هناك قرينة محددة من سنخ واحد تتكرر بخصوصيتها دائما مع اللفظ فان الاقتران حينئذ يقوم بين المعنى والمجموع المركب من اللفظ المستعمل وتلك القرينة المحددة.
واما تصوير الوضع التعيني على نحو يتحقق بكثرة الاستعمال على مسلك الاعتبار فهو مشكل ، لأن الاعتبار وجعل العلقة الوضعيّة فعل قصدي لا يتحقق بدون قصد ، ومن الواضح ان كل استعمال بمفرده من تلك الاستعمال الكثيرة لم يقصد بها شيء من ذلك. وبعبارة أخرى : انه إن ادعي تولد الاعتبار والجعل المذكور من كثرة الاستعمال فهو غير معقول ، لأنه فعل مباشري قصدي وليس تسبيبيا. وإن ادعي ان كثرة الاستعمال تمثل مرحلة الإنشاء والإبراز لذلك الجعل والاعتبار فهو واضح البطلان ، لأن الكثرة ليست قائمة بشخص واحد بل بأشخاص متعددين ولك واحد منهم في كل استعمال له لم يقصد سوى الاستعمال فكيف يحصل الجعل والاعتبار.
وأما بناء على مسلك التعهد ، فقد يوجه الوضع التعيني بأن كثرة الاستعمال تكشف عن التزام ضمني من المستعملين بتفهيم المعنى بهذا اللفظ ، من قبيل ان تلاحظ شخصا يستعمل يمينه في أعماله عادة فيستكشف التزامه بذلك. والفرق بين الالتزام
٩٦
والجعل أو الاعتبار ان الاستمرار العملي على سلوك معين قد يكشف إنا عن الالتزام الضمني ولكن لا موجب لكشفه إنا عن أي جعل واعتبار.
ثم انه يتضح ـ على ضوء ما ذكرناه في تفسير الوضع التعيني ـ أن العلقة الوضعيّة ليست أمرا حديا متميزا ، لأنها إنما تعبر عن درجة من القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى. ومن المعلوم أن مراتب القرن متعددة ومراتب كثرة الاستعمال متعددة أيضا ، وكل مرتبة تناسب مرتبة من القرن والربط وكلما ازدادت كثرة الاستعمال ازداد الربط والقرن بين اللفظ والمعنى.
٣ ـ الوضع بالاستعمال
وأما الوضع الاستعمالي ، فيراد به إنشاء الوضع وإيجاده باستعمال واحد بأن يستعمل اللفظ في معنى لم يكن موضوعا بإزائه ولا مستعملا فيه بعلاقة المجاز بقصد تعيينه له.
وتصوير هذا القسم من الوضع على المسلك المختار في حقيقة الوضع واضح ، لأن استعمال اللفظ في معنى لم يعهد له يكون بنفسه مصداقا للقرن الخارجي بينهما ، والمفروض ان الوضع ليس إلا عبارة عن تحقيق قرن أكيد بين اللفظ والمعنى خارجا بعمل كيفي أو كمي بنحو يحقق صغرى قانون الاستجابة الذهنية والانتقال من اللفظ كلما تصوره الذهن إلى المعنى. وهذا من الممكن أن يحصل باستعمال واحد كما هو واضح.
وأما تصويره على المسالك الأخرى في تفسير الوضع والتي تجعل منه أمرا إنشائيا مجعولا أو تعهدا عقلائيا فلا يخلو من إشكال ، لأن المجعول الاعتباري أو التعهد العقلائي أمر نفساني ويستحيل انطباقه على نفس الاستعمال أو إيجاده به ، بل لا بد من افتراض عناية زائدة على مجرد الاستعمال يستكشف بها تعهد المستعمل ضمنا بتفهيم ذلك المعنى كلما جاء باللفظ أو اعتباره معنى له.
وقد يتوهم إمكان تصوير الوضع بنفس الاستعمال في أحد فرضين :
١ ـ أن يفترض الوضع أمرا إنشائيا يتسبب إلى إيجاده خارجا باللفظ إيجادا
٩٧
إنشائيا لا حقيقيا ، على حد ما يقال في باب الإنشائيات من أنها إيجاد للمعنى باللفظ خارجا فيمكن للمستعمل في المقام أن يتسبب بنفس استعماله إلى إنشاء العلقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى.
وفيه : عدم تمامية المبنى ، فانا لا نتعقل إنشاء المعنى باللفظ بل الأمور الإنشائية ليست إلا اعتبارات قائمة في أفق نفس المعتبر ويكون اللفظ مجرد كاشف عنها ، نعم في المعاملات العقلائية والشرعية يتسبب بالإنشاء إلى إيجاب ذلك المعنى الشرعي أو العقلائي المترتب على ذلك السبب ، إلا ان هذا إنما يصح في موارد توجد فيها مسببات كذلك لا في أمثال المقام.
٢ ـ ان يفترض الوضع عبارة عن مطلق تخصيص اللفظ بالمعنى سواء كان اعتباريا أو حقيقيا ـ ولعل هذا هو المستظهر من كلمات صاحب الكفاية ( قده ) في تفسير الوضع ـ فانه بناء على ذلك يمكن الوضع بالاستعمال باعتبار أنه يكون بنفسه مصداقا للوضع ، فإذا استعمل اللفظ في غير ما وضع له قاصدا به الحكاية عنه بنفس اللفظ فقد خصصه به وبذلك يتحقق الوضع حيث لا حقيقة للوضع إلا ذلك ؛ بخلافه في موارد الاستعمال المجازي فانه ليس تعينيا للفظ لأن يدل على المعنى بنفسه بل بالقرينة فلا يكون محققا للوضع.
وقد اعترض المحقق الأصفهاني ( قده ) على ذلك : بأن تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه مشترك بين الحقيقة والمجاز ، فان القرينة في باب المجاز بمثابة الوضع في باب الاستعمال الحقيقي مصححة لدلالة اللفظ على المعنى المجازي لا انها هي الدالة عليه. وإذن فكل استعمال مجازي هو تعيين اللفظ لأن يدل على المعنى بنفسه فيلزم أن يكون كل استعمال مجازي وضعا. ثم دفع ـ قدس‌سره ـ الاعتراض : بأن اللفظ وإن كان له تعيينان ، تعيين لأن يدل على المعنى الحقيقي بنفسه وتعيين يتبع ذلك لأن يدل على المعنى المجازي المناسب للمعنى الحقيقي كذلك ، إلا أن فعلية دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي غير موقوفة على شيء ، بخلاف فعلية دلالته على المعنى المجازي فانها موقوفة على القرينة الصارفة عن الحقيقة ، فتعين اللفظ لأن يدل على معناه الحقيقي بنفسه كاف لدلالة اللفظ بلا حاجة إلى الاستعانة في فعلية الدلالة بشيء آخر ،
٩٨
بخلاف تعيين اللفظ لأن يدل على معناه المجازي فانه لا يكفي لفعلية دلالة اللفظ عليه بل يحتاج إلى القرينة. وعلى هذا يصح أن يقال : ان الوضع هو تعيين اللفظ لأن يكون له دلالة فعلية على المعنى بمجرد التعيين بلا حاجة إلى شيء آخر والاستعمال المجازي ليس مصداقا لذلك بخلاف الاستعمال المقصود في المقام فانه إذا استعمل اللفظ في معنى بقصد الحكاية عنه بنفس اللفظ والدلالة الفعلية عليه به كان مصداقا للوضع (١).
والتحقيق : انه لا يعقل كون الاستعمال بنفسه مصداقا للوضع على هذا المسلك وذلك. اما أولا : فلأنه لو فرض تصويره بنحو يكون تعيينا للفظ لدلالة على المعنى فلا يتصور كونه كذلك إلا بالإضافة إلى شخص اللفظ المستعمل ، إذ المستعمل دائما جزئي ولا معنى لاستعمال طبيعي اللفظ فيكون الاستعمال على هذا مصداقا لوضع شخص ذلك اللفظ لأنه تعيين وضعي بالإضافة إليه خاصة وهذا غير المطلوب.
وأما ثانيا : فلأن قصد الحكاية والدلالة على المعنى بنفس اللفظ بحيث يكون نفس اللفظ سببا في الحكائية والمفهمية على حد اللفظ في موارد الاستعمال الحقيقي قصد أمر غير معقول فلا يمكن تأتيه من العاقل الملتفت ، وذلك لأن كون اللفظ دالا على المعنى بنفسه ومستغنيا في ذلك عن كل ضميمة أمر غير ممكن إلا بناء على توهم الدلالة الذاتيّة للألفاظ ، وحينئذ فلا بد لكل لفظ مستعمل في معنى من أن يكون دلالته عليه سبب ، وهذا السبب إما الوضع فقط وإما المناسبة المعبر عنها بالوضع التبعي مع القرينة والمفروض عدم الفراغ عن أي واحد منهما.
وإن شئت قلت : ان مصداقية الاستعمال للوضع قوامها بكون اللفظ المستعمل دالا على المعنى بنفسه فعلا وكونه كذلك فرع الوضع أو القرينة لبطلان الدلالة الذاتيّة فيستحيل أن يكون ما هو موقوف على الوضع محققا للوضع ، وليس محقق الوضع نفس قصد الحكاية والدلالة بذات اللفظ حتى يقال ان قصد الحكاية كذلك غير موقوف على الوضع في الرتبة السابقة بل على الوضع في ظرف الحكاية ، فان قصد الحكاية وإرادة الدلالة باللفظ ليس تعيينا وتخصيصا وإنما هو إرادة التعيين والتخصيص وإلا لكان
__________________
(١) راجع نهاية الدراية ج ١ ص ٣٥ ـ ٣٦
٩٩
الوضع يحصل بمجرد إرادة الواضع تخصيص لفظ المعنى وإن لم يخصصه بالفعل.
ثم انه قد يعترض على تصوير إيجاد الوضع بالاستعمال بوجوه :
الأول : لزوم اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي اما في جانب اللفظ بدعوى : انه ملحوظ في مقام الوضع استقلالا وفي مقام الاستعمال آليا فلو اتحد المقامان لزم اجتماع اللحاظين ، أو في جانب الحكاية حيث أن الحكاية في مقام الاستعمال آلية وفي مقام الوضع استقلالية. والسر في الأمرين ان باب الاستعمال هو باب فعلية الحكاية ومقتضى فعليتها فناء الحاكي وحكايته في المحكي وإلا لم يكن حاكيا بل منظورا إليه في عرضه ، بخلاف باب الوضع فانه ليس فعلية الحكاية بل جعل اللفظ صالحا للحكاية أي جعله بحيث يحكي عنه في مقام الاستعمال.
والتحقيق : ان ما اعترض عليه بالوجه المذكور إن كان هو دعوى مصداقية الاستعمال والتعيين الاستعمالي للوضع والتعيين الوضعي ، وكأن المقصود بالاعتراض منع هذه المصداقية لأجل تقوم أحدهما باللحاظ الآلي والآخر باللحاظ الاستقلالي ، فهو متين بناء لا مبنى ولا يندفع بما في تقريرات المحقق العراقي ( قده ) : من أن الملحوظ استقلالا طبيعي اللفظ والملحوظ آليا شخص هذا اللفظ (١) فان المدعى ان التعيين الاستعمالي لشخص هذا اللفظ لا يمكن أن يكون مصداقا للوضع لأجل تقومه باللحاظ الآلي ، وكون طبيعي اللفظ ملحوظا استقلالا لا يصحح ذلك. وإن أريد بهذا الاعتراض إبطال الدعوى المذكورة بعد تسليم ان الاستعمال المذكور في نفسه مصداق للوضع ، فهو مما لا معنى له ، إذ بعد تسليم كون هذا وضعا لا معنى لدعوى تقوم الوضع باللحاظ الاستقلالي.
وإن أريد بالاعتراض المذكور إبطال دعوى أخرى ، وهي دعوى ان هذا الاستعمال مما يتسبب به إلى الوضع لا انه بنفسه مصداق للوضع ، فيتم الجواب عنه بأن الملحوظ الاستقلالي في مرحلة التسبب غير الملحوظ الآلي إذ الملحوظ الآلي هو شخص اللفظ وواقع حكايته المفنية له في المعنى وما يتسبب إليه بذلك الّذي يكون
__________________
(١) راجع مقالات الأصول ج ١ ص ١٧
١٠٠
ملحوظا استقلالا طبيعي اللفظ وطبيعي حكاية عن المعنى وكذلك الأمر إذا جعل الاستعمال كاشفا ومبرزا عن الوضع إذ يكون هناك عملان طوليان : أحدهما : استعمال اللفظ في المعنى ؛ وفي هذا العمل يكون اللفظ ونفس الاستعمال والحكاية ملحوظا باللحاظ الآلي. والآخر كشف الوضع بعملية الاستعمال هذه ، وفي ذلك يكون اللفظ والاستعمال ملحوظا استقلالا. هذا كله على تقدير تسليم المبنى ، والصحيح على المبنى المختار انه لا موجب لاشتراط استقلالية لحاظ اللفظ أساسا ، لأن الوضع لا يكون حقيقة إنشائية اعتبارية لكي يكون بحاجة إلى لحاظ أصلا بل يحصل قهرا وتكوينا على أساس القرن الواقعي المتحقق بين صورة اللفظ والمعنى.
الثاني : ان الاستعمال المذكور ليس حقيقيا ولا مجازيا ، إذ الأول موقوف على الوضع والمفروض ان المعنى لم يكون قد وضع له اللفظ ، والثاني موقوف على العلاقة والمفروض عدم ملاحظتها وعليه فيكون الاستعمال غلطا.
وأجاب عن ذلك المحقق الخراسانيّ ( قده ) : بأن ذلك غير ضائر بعد ما كان مما يقبله الطبع ولا يستنكره ، والميزان في صحة الاستعمال موافقة الطبع (١).
وليس المراد بهذا الجواب تصحيح دلالة اللفظ بنفسه على المعنى ، فان ملاك الإشكال المدفوع ليس هو ما حققناه من أن اللفظ في الاستعمال المذكور لا يعقل دلالته بنفسه على المعنى لأنه لا وضع ولا قرينة ، بل ملاك الإشكال هو ان الاستعمال المفروض وإن كان يتعقل تحقق الوضع به إلا انه غلط كالاستعمال. فأجاب برفع الغلطية لموافقته للطبع فان كونه موافقا للطبع وإن كان لا يوجب كون اللفظ دالا بنفسه على المعنى وسببا للانتقال إليه إلا انه يوجب صحة جعله بإزائه في مقام الاستعمال الّذي هو أمر غير قصد تفهيم المعنى به بشهادة وجوده في موارد تعمد الإجمال وعدم التفهيم أصلا.
وعلى هذا الأساس ، فيمكن الجواب على أصل الاعتراض بدعوى : ان الاستعمال حقيقي لأنه مقارن للوضع زمانا وإن كان أسبق منه رتبة لكونه هو الأداة في إيجاده ،
__________________
(١) كفاية الأصول ج ١ ص ٣٢ ( ط ـ مشكيني )

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 727
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: رد: بحوث في علم الاصول 1   الإثنين سبتمبر 14, 2015 6:24 am

فان الميزان في كون الاستعمال حقيقيا وجود الوضع في زمان الاستعمال وهذا حاصل.
هذا ، مضافا : إلى ما أشير إليه من أن الغلطية إن أريد بها الخروج عن بابي الحقيقة والمجاز فليس هذا بمحذور. وإن أريد به الاستهجان والقبح فهو غير تام ، إذ يكفي في كون الاستعمال سليما ومقبولا عقلائيا انه يؤدي غرضا مهما وهو إيجاد العلقة الوضعيّة لو سلم إمكان إيجاد الوضع بالاستعمال في نفسه.
الثالث : ما ذكر في تقريرات المحقق العراقي ( قده ) : من ان استعمال اللفظ في معنى للدلالة عليه به يتوقف على كون اللفظ مستعدا لذلك ، واستعداده له يتوقف على الوضع وهو لا يحصل إلا باستعماله فيه فيلزم الدور.
وأجاب عنه : بأن الاستعمال يتوقف على كون اللفظ مستعدا للدلالة على المعنى في ظرف الاستعمال ، وهذا المقدار من الاستعداد حاصل في ظرف الاستعمال في مقام تحصيل الوضع به ، وذلك لأن القرينة تؤهل اللفظ في وقته للدلالة على المعنى (١).
والتحقيق : ان الدور لا مناص عنه في المقام ، ولكن لا بتقريب : توقف الاستعمال على الاستعداد حتى يجاب بأن الاستعداد في ظرف الاستعمال كاف وهو حاصل في المقام بسبب القرينة الدالة على أن المتكلم في مقام وضع اللفظ للمعنى. بل بتقريب : ان كون اللفظ دالا بنفسه على المعنى هو مقوم الوضع المزعوم على المسلك المستظهر من صاحب الكفاية ( قده ) مع أنه موقوف على الوضع كما عرفت مفصلا.
أقسام التقييد في الوضع
يتصور في بادئ الأمر أنحاء من التقييد من قبل الواضع :
أحدها : تقييد المعنى الموضوع له ، ومرجعه إلى وضع اللفظ للمقيد.
الثاني : تقييد اللفظ الموضوع ، ومرجعه إلى وضع اللفظ المقيد كما إذا فرض وضع اللفظ المقيد بالتنوين لمعنى معين.
__________________
(١) بدائع الأفكار ج ١ ص ٣٤
١٠٢
الثالث : تقييد نفس العلقة الوضعيّة ، على نحو تكون العلقة الوضعيّة منوطة ومشروطة بتحقق أمر معين ففي حالة عدم وجوده لا ثبوت للعلقة.
ولا إشكال في تعقل النحوين الأول والثاني من أنحاء التقييد.
وأما النحو الثالث ، فيظهر من المحقق الأصفهاني ( قده ) في توجيه مختار صاحب الكفاية ( قده ) في المعنى الحرفي إمكانه أيضا ، بأن يفترض ان الواضع يقيد العلقة الوضعيّة ويشرطها بشرط معين ففي حالة عدم وجوده لا ثبوت للعلقة الوضعيّة ، بل يكون اللفظ مهملا في تلك الحال.
والتحقيق : أنه بناء على مسلك التعهد في تفسير حقيقة الوضع يعقل تقييد العلقة الوضعيّة وإناطتها بتحقق أمر معين ، لأن العلقة الوضعيّة ـ بناء على هذا المسلك ـ عبارة عن ملازمة تصديقية بين الإتيان باللفظ وقصد تفهيم المعنى ناشئة على أساس التعهد والالتزام العقلائي الّذي قطعه الواضع على نفسه ، فمن المعقول أن ينيط الواضع تعهده والتزامه بحالة دون أخرى فهو يتعهد مثلا بأنه في النهار فقط كلما جاء باللفظ الفلاني يكون قاصدا لمعناه فتثبت العلقة الوضعيّة التعهدية في تلك الحالة فقط. وكذلك الحال بناء على مسلك الاعتبار فيما إذا أريد به قياس الوضع بسائر المجعولات العقلائية الاعتبارية.
وأما على المسلك الصحيح الّذي يرى أن العلقة الوضعيّة أمر واقعي تكويني وهو الملازمة التصورية بين اللفظ والمعنى الناتجة عن الاقتران بينهما خارجا ، وأن الاعتبار أو الجعل إذا مارسه الواضع فهو مجرد حيثية تعليلية لتحقيق ذلك الاقتران بين اللفظ والمعنى ، فتقييد العلقة الوضعيّة غير معقول ، لأن هذه العلقة الناشئة من الوضع معلول تكويني للوضع وليس مجعولا تشريعيا كالوجوب والحرمة أو الملكية والزوجية ، فلا يعقل للواضع بعد إيجاده لهذه العلقة والملازمة التصورية أن يقيدها بقيد جعلي. وبتعبير آخر : ان العلقة الوضعيّة ليست مجعولا اعتباريا أو منوطة بالمجعول الاعتباري لتكون قابلة للتوسعة والتضييق كما هو الحال في سائر المجعولات الاعتبارية ، وإنما هي علاقة واقعية بسبب القرن المنوط بنفس الجعل لا المجعول وهذا أمر غير قابل للتقييد كما هو واضح. وسيأتي لذلك مزيد تأكيد وتوضيح في بحث تبعية الدلالة للإرادة فلاحظ.
١٠٣
الفصل الرابع
تبعية الدلالة للإرادة


توضيحا لحيثيات هذا البحث التي قد يقع الخلط فيما بينهما نفرد فيما يلي الحديث عن أمور ثلاثة مختلفة مضمونا ، وقد لا يكون الملاك في إثبات بعضها كافيا لإثبات الباقي.
الأول : ان الدلالة اللفظية هل تكون تصورية أو تصديقية.
الثاني : ان الدلالة اللفظية هل تتوقف على وجود الإرادة بحيث لا توجد الدلالة إلا في ظرف فعلية الإرادة أم لا.
الثالث : في تحديد المدلول وأنه ذات المعنى أو المعنى المقيد بالإرادة.
هل الدلالة الوضعيّة تصورية أو تصديقية؟
أما الموضوع الأول ، فهو بحسب الحقيقة بحث عن جوهر الدلالة اللفظية الناشئة من الوضع من حيث كونها تصورية بمعنى كون اللفظ سببا لإخطار صورة المعنى في الذهن أو تصديقية بمعنى كونه كاشفا عن أمر خارجي وهو وجود الإرادة في نفس المتكلم.
والصحيح ـ على ما تقدمت الإشارة إليه ـ ان الدلالة الوضعيّة تصورية إذ لا يمكن أن تكون تصديقية إلا على مسلك التعهد في تفسير الوضع ، ومسلك التعهد باطل. أما بطلان هذا المسلك فقد تقدم توضيحه. واما كون الدلالة الوضعيّة تصديقية بناء عليه وتصورية بناء على المختار في تفسير الوضع فلأن الدلالة عبارة عن الانتقال من شيء وهو فرع الملازمة بينهما ، فإذا كانت الملازمة بين وجودين كان الانتقال تصديقيا ـ كالانتقال من النار إلى الحرارة أو من السحاب إلى المطر ـ وإن كانت الملازمة بين تصورين كان الانتقال تصوريا ـ كالانتقال من تصور السكوني في علم الرّجال إلى تصور النوفلي للتلازم بين ذكرهما ـ والتعهد مرجعه إلى إيجاد الملازمة بين وجودين هما وجود اللفظ وإرادة تفهيم المعنى بالالتزام بإرادة المعنى حين الإتيان باللفظ دائما فيكون الانتقال الناشئ منه تصديقيا وهو معنى كون الدلالة الوضعيّة تصديقية. واما الوضع بمعنى قرن اللفظ بالمعنى فهو يوجد الملازمة بين صورتين قرن الواضع إحداهما
١٠٤
بالأخرى ، ولا يعقل للقرن بين الصورتين ان يوجد شيئا سوى التلازم الذهني بينهما فيكون الانتقال تصوريا وهو معنى كون الدلالة الوضعيّة تصورية.
وقد يتخيل : إمكان صيرورة الدلالة الوضعيّة تصديقية على غير مسلك التعهد أيضا بأخذ الإرادة قيدا في المعنى الموضوع له.
ولكن التحقيق : أنه إن أريد أخذ مفهوم الإرادة الكلية أو مفهوم الإرادة الجزئية المضافة إلى شخص المتكلم فمن الواضح أن هذا لا يغير من جوهر الدلالة الوضعيّة شيئا وإنما يجعل اللفظ دالا بالدلالة التصورية على تصور الإرادة على حد دلالته على مفهوم الماء ، وكما أن دلالته على مفهوم الماء لا تعني الكشف عن وجوده كذلك دلالته على مفهوم الإرادة. وإن أريد أخذ واقع الإرادة ووجودها الخارجي القائم في نفس المتكلم قيدا في المعنى فهو غير معقول ، لأن الملازمة التي يراد إيجادها بالوضع إن كانت قائمة بين وجود الإرادة خارجا وصدور اللفظ فمثل هذه الملازمة لا يمكن إيجادها إلا بالتعهد وهذا رجوع إلى مسلك التعهد وهو خلف ، وإن كانت قائمة بين الوجود الخارجي للإرادة وتصور اللفظ ذهنا فهو غير معقول لاستحالة قيام الملازمة ابتداء بين تصور اللفظ ووجود الإرادة خارجا ، لأن الاقتران المتكرر اما أن يكون بين وجودين فيبرهن على الملازمة بين الوجودين وإما بين تصورين فيؤدي إلى الملازمة بين التصورين ، ولا يتعقل الاقتران المتكرر بين تصور اللفظ ووجود الإرادة خارجا لتقوم الملازمة بينهما بنحو ينتقل من تصور اللفظ إلى التصديق بوجود الإرادة.
فاتضح أن الدلالة الوضعيّة بناء على المسلك المختار في تفسير الوضع لا تكون إلا تصورية ، واما الدلالة التصديقية للكلام فهي غير وضعية بل سياقية قائمة على أساس أمارة نوعية وهي الغلبة ، فان الغالب في حال العاقل الملتفت أن لا يأتي باللفظ على سبيل لقلقة لسان وانه يقصد به أقوى المعاني ارتباطا به في عالم التصور ، ومثل هذه الغلبة لما كانت ارتكازية فهي من قبيل القرائن اللبية الارتكازية التي يوجب احتفافها بالكلام ظهورا تصديقيا للكلام على طبقها.
١٠٥
عدم توقف الدلالة على الإرادة
وأما الموضوع الثاني ـ وهو توقف الدلالة على وجود الإرادة وقصد التفهم ـ فالصحيح أنه بناء على مسلك التعهد لا يعقل كون الدلالة الوضعيّة مشروطة بالإرادة ، ولأن الدلالة الوضعيّة على هذا المسلك هي الدلالة التصديقية الحاصلة من تعهد المتكلم بأن يقصد المعنى حين يأتي باللفظ. وهذا التعهد الّذي هو ملاك تلك الدلالة لا يعقل ان يكون مشروطا بإرادة المعنى إذ لا محصل للتعهد بأنه عند الإتيان باللفظ يكون قاصدا للمعنى بشرط أن يكون قاصدا للمعنى فان قصد المعنى بنفسه متعلق للتعهد فلا يمكن أخذه شرطا له ، فإذا استحال تقييد التعهد بذلك استحال تقيد الدلالة التصديقية المتحصلة من التعهد بذلك. بل دلالة اللفظ بنفسها تكون كاشفة عن الإرادة لا أنها متوقفة على وجودها وإحرازها من الخارج.
نعم ، يعقل أن يكون التعهد مشروطا بطبيعي القصد ويكون المتعهد به وكون القصد للمعنى المعين لا معنى آخر فتكون الدلالة التصديقية للفظ تابعة للإرادة بمعنى انه لا بد من إحراز طبيعي القصد ـ قصد الإفهام ـ من الخارج وفي طول ذلك يكون اللفظ كاشفا عن تعيين متعلق ذلك القصد وفي مثل هذا الفرض لا يعقل أن تكون للفظ دلالة وضعية على أصل القصد بل لا بد لمن يلتزم بمثل هذا التعهد أن يعترف بأن دلالة اللفظ على أصل القصد دلالة سياقية غير وضعية ، وهو إذا اعترف بتعقل الدلالات السياقية وكونها منشأ للكشف عن أمر نفساني فهو يعني اعترافه بإمكان الاستغناء عن التعهد رأسا وذلك بتفسير الدلالة التي يراد تحصيلها بالتعهد على أساس السياق بالنحو الّذي شرحناه وهو خلف مسلك التعهد.
وأما بناء على غير مسلك التعهد في تفسير الوضع ، فقد يقال بتصوير تبعية الدلالة للإرادة والبرهنة عليه بتقريب : ان الغرض من إيجاد العلقة الوضعيّة إنما هو الانتقال من تصور اللفظ إلى تصور المعنى في موارد قصد التفهيم ، واما الانتقال في غير هذه الموارد فليس داخلا في الغرض العقلائي ومعه لا بد من افتراض تقيد العلقة الوضعيّة المجعولة بموارد قصد التفهيم ، لأن إطلاقهما لغير تلك الموارد مع اختصاص الغرض بها يكون لغوا ،
١٠٦
فتكون الدلالة الناشئة من الوضع مقيدة أيضا بقصد التفهيم وتابعة له فحيث لا يقصد التفهيم لا وضع وبالتالي لا دلالة (١).
ويرد على هذا التقريب :
أولا : إن لغوية الإطلاق مع فرض اختصاص الغرض فرع أن يكون في الإطلاق مئونة لحاظية زائدة ، وأما بناء على ما هو المختار من أن الإطلاق مجرد عدم التقييد فجعل العلقة الوضعيّة المطلقة يفي بالغرض وليس فيه مئونة زائدة على جعل العلقة المقيدة ليلزم إشكال اللغوية.
وثانيا : ان الإرادة اما ان يدعى كونها قيدا في نفس الوضع أو في المعنى الموضوع له أو في اللفظ الموضوع؟
أما الأول ، فهو غير معقول ، لأن تصور تقييد الوضع بالنحو الّذي أفيد في التقريب مبني على تخيل ان الوضع مجعول اعتباري من قبيل الوجوب والحرمة أو الملكية والزوجية فكما تقبل هذه المجعولات التشريعية التقييد كذلك العلقة الوضعيّة. وهذا تخيل باطل لأن جوهر الوضع ليس إلا قرن اللفظ بالمعنى الّذي هو المنشأ للملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى ، والاعتبار إذا مارسه الواضع فانما يمارسه بوصفه مقدمة إعدادية لذلك القرن بين اللفظ والمعنى. فهناك إذن عمل تكويني وهو جعل اللفظ يقترن بالمعنى في الذهن اقترانا أكيدا ، وهناك معلول تكويني لهذا الاقتران هو الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى وكلاهما لا يقبل التقييد. أما الأول فلأنه فعل خارجي لا يقبل الإطلاق والتقييد وأما الثاني ، فلأن الاقتران منشأ حتمي للملازمة فلا يعقل للواضع بعد إيجاده أن يقيد الملازمة بقيد جعلي.
وأما الثاني : وهو أخذ الإرادة في المعنى الموضوع له ـ فان أريد به أخذ مفهوم الإرادة فلا يقتضي ذلك توقف الدلالة على وجود الإرادة ، لكون دلالة اللفظ على معناه تصورية بحسب الفرض فكما ان دلالته على ذات المعنى لا تتوقف على وجود مصداقه خارجا كذلك دلالته على مفهوم الإرادة لا تتوقف على أن يكون لهذا المفهوم مصداق
__________________
(١) راجع محاضرات في أصول الفقه ج ١ ص ١١١
١٠٧
في الخارج. وإن أريد به أخذ واقع الإرادة ووجودها الخارجي قيدا المعنى الموضوع له فيرد عليه : مضافا إلى ما عرفت في الموضوع الأول من عدم معقولية ذلك ، أنا لو تصورنا الانتقال من تصور اللفظ إلى واقع الإرادة فهذا لا يجعل دلالة اللفظ متوقفة على الإرادة بحيث لا بد من إحرازها من خارج لكي تثبت دلالة اللفظ بل تكون الإرادة مدلولا للفظ بمعنى كون تصور اللفظ منشأ للتصديق بوجود الإرادة ؛ فإحراز وجود الإرادة يكون ببركة الدلالة الوضعيّة وتابعا لها لا أن الدلالة الوضعيّة تابعة لإحراز وجود الإرادة.
وأما الثالث : وهو أخذ الإرادة في اللفظ ـ فقد يقال : انه يصور تبعية الدلالة للإرادة ، لأن الموضوع إذا كان حصة خاصة من اللفظ وهي المقرونة بالإرادة فحيث لا إرادة لا يكون اللفظ مشمولا للوضع بل مهملا فلا تكون له دلالة. ولكن أخذ الإرادة الخارجية قيدا في اللفظ الموضوع غير معقول أيضا فان تقييد أحد طرفي الاقتران وهو اللفظ أو المعنى وإن كان معقولا ، بأن يقيد اللفظ بالتنوين مثلا أو يقيد المعنى بكونه طويلا أو قصيرا مثلا ، إلا أن المعقول هو القيد التصوري في اللفظ أو المعنى لا القيد الخارجي التصديقي ، فلفظ زيد حينما يراد قرنه بمعناه قد يقيد بالتنوين مثلا ، بمعنى أخذ صورة اللفظ المنون وجعلها تقترن بصورة معنى خاص واما تقييد اللفظ بالإرادة الخارجية وجعل صورة اللفظ المقترنة بالإرادة الخارجية مقرونة بصورة المعنى فلا معنى له ، لأن المقصود إن كان جعل وجود الإرادة الخارجية واقعا قيدا في الدلالة بحيث تكون دخيلة في الانتقال إلى صورة المعنى فهو غير معقول ، لأن الإرادة بوجودها الخارجي في نفس المتكلم لا يعقل أن تكون مؤثرة في تصور السامع للمعنى. وإن كان المقصود جعل التصديق بالإرادة الخارجية قيدا في اللفظ بحيث يكون الانتقال إلى صورة المعنى مسببا عن تصور اللفظ المنضم إلى التصديق بالإرادة الخارجية فهو غير معقول أيضا ، لأن الانتقال من شيء إلى شيء فرع الملازمة إذا كانت بلحاظ الاقتران المتكرر بين وجودين فيكون الانتقال من تصديق إلى تصديق وإذا كانت بلحاظ الاقتران المتكرر بين تصورين فالانتقال تصوري من تصور إلى تصور ، ولا معنى للاقتران المتكرر بين التصديق والتصور بما هما تصديق وتصور. وإن كان المقصود جعل تصور الإرادة
١٠٨
قيدا في اللفظ بحيث يكون الانتقال إلى صورة المعنى مسببا عن تصور اللفظ وتصور الإرادة ، أي تصور اللفظ بما هو مراد معناه ، فهو خروج عن فرض أخذ الإرادة الخارجية قيدا للفظ واعتراف بعدم إمكان تصوير تبعية الدلالة للإرادة.
عدم أخذ الإرادة قيدا في المدلول الوضعي
وأما الموضوع الثالث ـ وهو تحديد المدلول الوضعي ـ فالصحيح أن المدلول الوضعي هو ذات المعنى لا المعنى بقيد الإرادة ؛ إذ لو أريد أخذ مفهوم الإرادة بنحو كلي أو جزئي فيه فهو وإن لم يكن ذا محذور ثبوتي ولكنه خلاف الوجدان اللغوي. وإن أريد أخذ واقع الإرادة بوجودها الحقيقي قيدا في المعنى الموضوع له ، فالإشكال فيه : انه إذا قيل بمسلك التعهد الّذي يؤدي إلى كون الدلالة الوضعيّة تصديقية فالموضوع له هو الإرادة والإرادة هي تمام الموضوع له ؛ لأن المدلول التصديقي هو الموضوع له والمدلول التصديقي ليس إلا الإرادة لا أن الإرادة قيد فيه. وإذا قيل بالمسلك المشهور وهو مسلك الجعل سواء أريد به الجعل التكويني أو الاعتباري فيستحيل أو تكون الإرادة الواقعية مأخوذة قيدا في المعنى الموضوع له إذ لا معنى لهذه القيدية إلا الانتقال من اللفظ إلى المعنى مع قيده ، والانتقال إلى واقع الإرادة من اللفظ تصديقي بحسب الحقيقة لا تصوري والمفروض على غير مسلك التعهد ان الانتقال الّذي يحصل بالوضع تصوري ولا يمكن أن يكون تصديقيا.
وقد يستشكل في أخذ الإرادة قيدا في المعنى الموضوع له تارة : بأن لازم ذلك عدم انطباق المعنى على الخارج باعتبار تقيده بأمر لا يوجد إلا في وعاء الذهن. وأخرى : بأن الإرادة من مقومات الاستعمال ومتأخرة عنه طبعا تأخر الإرادة عن المراد فلا يمكن أخذها في المعنى المستعمل فيه ، للزوم الدور على تقريب مشهور أو الخلف حسب تقريبات المحقق الأصفهاني في أمثال المقام.
وكلا هذين الاعتراضين غير متجه. أما الأول ، فلأن الإرادة لها مراد بالذات ، وهو نفس الوجود الإرادي للمراد فان الإرادة نحو وجود للمراد كما ان التصديق وجود تصديقي للمعلوم والتصور وجود تصوري للمتصور وهكذا ، وللإرادة مراد بالعرض وهو
١٠٩
ذات المفهوم. فلو كان المقصود من وضع اللفظ للمعنى المراد وضعه لما هو المراد بالذات لكان مرجعه إلى الوضع للوجود الإرادي القائم في النّفس ، واما إذا كان المقصود من ذلك وضع اللفظ لذات المفهوم مع أخذ نسبة بينه وبين الإرادة في المعنى الموضوع له على أساس ان المفهوم مراد بالعرض والإرادة لها نسبة إلى المراد بالعرض فيعقل تقييد المفهوم بهذه النسبة ، فلا يخرج بذلك عن قابلية الانطباق على الخارجيات.
والحاصل : ان هناك نسبة وتحصيص تنتزع بلحاظ المراد بالذات ونسبة تنتزع بلحاظ المراد بالعرض ، وتقييد المعنى الموضوع له بالإرادة لا ينحصر بأخذ النسبة الأولى بل يمكن تصويره بأخذ النسبة الثانية.
واما الثاني ، فيندفع : بأن الإرادة التفهيمية لشيء في طول ذلك الشيء والمدعى في المقام ليس هو أخذ الإرادة التفهيمية لشيء في نفس ذلك بل أخذها جزءا آخر للمعنى المركب من ذلك الشيء ومن إرادته التفهيمية. وكأن هذا الاعتراض نشأ من تخيل أن ما يدعى أخذه في المعنى هو الإرادة التفهيمية لتمام المعنى مع ان المدعى أن الإرادة التفهيمية لجزء المعنى هي بنفسها الجزء الآخر لذلك المعنى فلا يلزم من ذلك أخذ الإرادة في المراد.
ولو فرض أن الاعتراض المذكور متجه فلا يبرهن إلا على استحالة أخذ الإرادة في مرتبة موضوع شخص تلك الإرادة لا أخذها في مرتبة موضوع إرادة من سنخ آخر ، حيث سيأتي في نظرية الاستعمال تصوير ثلاث إرادات ـ وهي الإرادة الاستعمالية والإرادة التفهيمية والإرادة الجدية ـ فلا يثبت بمحذور الدور أو الخلف امتناع أخذ الإرادة الجدية في موضوع الإرادة التفهيمية أو الاستعمالية.
فالمهم في الاعتراض على أخذ الإرادة ما قلناه آنفا من استحالة تقيد المدلول التصوري بأمر تصديقي.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض : بالالتزام بالوضع لذات الحصة التوأم مع الإرادة على نحو مساوق لخروج القيد والتقيد معا.
ويندفع ذلك. أولا : بأن الحصة بهذا المعنى انما يعقل في الأفراد الخارجية لأن لكل فرد تعينا في مقابل غيره بقطع النّظر عن تقيده بخصوصياته العرضية ، ولا يعقل في
١١٠
الحصص المفهومية لأن صيرورة الحصة حصة في عالم المفهوم إنما هو بالتقييد. فإذا جردت عن التقييد في مقام تعليق شيء عليها كان معلقا على الجامع لا محالة.
وثانيا : بأن تعلق الإرادة الاستعمالية بذات تلك الحصة فرع افتراض القيد في المرتبة السابقة ، لأنه إنما يراد استعمال اللفظ فيما وضع له وهو الحصة ، وحيث أن القيد نفس الإرادة فافتراضه في المرتبة السابقة خلف.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
بحوث في علم الاصول 1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الثالث عشرالمكتبة الاسلامية الثقافية-
انتقل الى: