{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولدردشة


شاطر | 
 

 كلام في معنى تعليم الحكمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوكوثر
مدير المنتدى
مدير المنتدى


عدد المساهمات : 706
تاريخ التسجيل : 22/09/2010

مُساهمةموضوع: كلام في معنى تعليم الحكمة   السبت أغسطس 22, 2015 3:53 pm

كلام في معنى تعليم الحكمة
لا محيص للإنسان في حياته المحدودة التي يعمرها في هذه النشأة من سنة يستن بها فيما يريد ويكره ، ويجري عليها في حركاته وسكناته وبالجملة جميع مساعيه في الحياة .
وتتبع هذه السنة في نوعها ما عند الإنسان من الرأي في حقيقة الكون العام وحقيقة نفسه وما بينهما من الربط ، ويدل على ذلك ما نجد من اختلاف السنن والطرائق في الأمم باختلاف آرائهم في حقيقة نشأة الوجود والإنسان الذي هو جزء منها .
فمن لا يرى لما وراء المادة وجوداً ، ويقصر الوجود في المادي ، وينهي الوجود إلى الاتفاق ، ويرى الإنسان مركَّباً مادياً محدود الحياة بين التولد والموت لا يرى لنفسه من السعادة إلا سعادة المادة ، ولا غاية له في أعماله إلا المزايا المادية من مال وولد وجاه وغير ذلك ، ولا بُغيةً له إلا التمتع بأمتعة الدنيا والظفر بلذائذها المادية أو ما يرجع إليها ، وتنتهي جميعاً إلى الموت الذي هو عنده انحلال للتركيب وبطلان .
ومن يرى كينونة العالم عن سبب فوقه منزَّه عن المادة ، وأن وراء الدار داراً ، وبعد الدنيا آخرة ، نجده يخالف في سنته وطريقته الطائفة المتقدم ذكرها فيتوخى في أعماله وراء سعادة الدنيا سعادة الأخرى ، ويختلف صور أعمالهم وغاياتهم وآراؤهم مع الطائفة الأولى .
ويختلف سنن هؤلاء باختلافهم أنفسهم فيما بينهم ، كاختلاف سنن الوثنيين من البرهميين والبوذيين وغيرهم ، والمليين من المجوسية والكليمية والمسيحية والمسلمين ، فلكلٍّ وجهة هو موليها .
وبالجملة الملي يراعي في مساعيه جانب ما يراه لنفسه من الحياة الخالدة المؤبدة ، ويذعن من الآراء بما يناسب ذلك كادِّعائه أنه يجب على الإنسان أن يمهِّد لعالم البقاء ، وأن يتوجه إلى رَبِّه .
وأن لا يفرط في الاشتغال بعرض الحياة الدنيا الفانية وغير الملي الخاضع للمادة يلوي إلى خلاف ذلك ، هذا كله مما لا ريب فيه .
غير أن الإنسان لما كان بحسب طبعه المادي رهيناً للمادة متردداً بين الأسباب الظاهرية ، فاعلاً بها ، منفعلاً عنها ، لا يزال يدفعه سبب إلى سبب لا فراغ له من ذلك ، يرى - بحسب ما يخيل إليه - أن الأصالة لحياته الدنيوية المنقطعة ، وأنها وما تنتهي إليه من المقاصد والمزايا هي الغاية الأخيرة ، والغرض الأقصى من وجوده الذي يجب عليه أن يسعى لتحصيل سعادته .
فالحياة الدنيا هي الحياة وما عند أهلها من القنية ، والنعمة والمنية ، والقوة والعزة هي هي بحقيقة معنى الكلمة ، وما يعدونه فقراً ونقمة ، وحرماناً وضعفاً ، وذلة ورزية ، ومصيبة وخسراناً هي هي .
وبالجملة كل ما تهواه النفس من خير معجل ، أو نفع مقطوع ، فهو عندهم خير مطلق ونفع مطلق ، وكل ما لا تهواه فهو شرٌّ أو ضُر .
فمن كان منهم من غير أهل الملة جرى على هذه الآراء ، ولا خبر عنده عما وراء ذلك ، ومن كان منهم من أهل الملة جرى عليها عملاً ، وهو معترف بخلافها قولاً ، فلا يزال في تدافع بين قوله وفعله .
فقال تعالى : ( كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ) البقرة : 20 .
والذي تندب إليه الدعوة الإسلامية من الاعتقاد والعمل هو ما يطابق مقتضى الفطرة الإنسانية التي فطر عليها الإنسان ، وتثبت عليه خلقته ، كما قال تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم : 30 .
ومن المعلوم أن الفطرة لا تهتدي علماً ولا تميل عملاً إلا إلى ما فيه كمالها الواقعي وسعادتها الحقيقية ، فما تهتدي إليه من الاعتقادات الأصلية في المبدأ والمعاد وما يتفرَّع عليها من الآراء والعقائد الفرعية علوم وآراء حقَّة لا تتعدَّى سعادة الإنسان ، وكذا ما تميل إليه من الأعمال .
ولذا سمَّى الله تعالى هذا الدين المبني على الفطرة بدين الحق في مواضع من كلامه ، كقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) الصف : 9 .
وقال في القرآن المتضمن لدعوته : ( يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) الأحقاف : 30 .
وليس الحق إلا الرأي والاعتقاد الذي يطابقه الواقع ويلازمه الرشد من غير غي ، وهذا هو الحكمة الرأي الذي أحكم في صدقه فلا يتخلله كذب ، وفي نفعه فلا يعقبه ضرر .
وقد أشار تعالى إلى اشتمال الدعوة على الحكمة بقوله : ( وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) النساء : 113 .
ووصف كلامه المنزل بها فقال : ( وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) ياسين : 2 ، وعد رسوله ( صلى الله عليه وآله ) معلماً للحكمة في مواضع من كلامه كقوله : ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) الجمعة : 2 .
فالتعليم القرآني الذي تصدَّاه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، المبين لما نزل من عند الله من تعليم الحكمة ، وشأنه بيان ما هو الحق في أصول الاعتقادات الباطلة الخرافية التي دبَّت في أفهام الناس ، من تصور عالم الوجود وحقيقة الإنسان الذي هو جزء منه - كما تقدمت الإشارة إليه - ، وما هو الحق في الاعتقادات الفرعية المترتبة على تلك الأصول مما كان مبدأ للأعمال الإنسانية وعناوين لغاياتها ومقاصدها .
فالناس - مثلاً - يرون أن الأصالة لحياتهم المادية حتى قال قائلهم : ( مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ) الجاثية : 24 .
والقرآن ينبِّههم بقوله : ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ) العنكبوت : 14 .
ويرون أن العلل والأسباب هي المولدة للحوادث الحاكمة فيها من حياة وموت ، وصحة ومرض ، وغِنىً وفقر ، ونعمة ونقمة ، ورزق وحرمان : ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) سبأ : 33 .
والقرآن يذكرهم بقوله : ( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) الأعراف : 54 ، وقوله : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لله ) يوسف : 67 ، وغير ذلك من آيات الحكمة .
ويرون أن لهم الاستقلال في المشية يفعلون ما يشاءون ، والقرآن يخطئهم بقوله : ( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ ) الإنسان : 30 .
ويرون أن لهم أن يطيعوا ويعصوا ، ويهدوا ويهتدوا ، والقرآن ينبئهم بقوله : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ) القصص : 56 .
ويرون أنَّ لهم قوة والقرآن ينكر ذلك بقوله : ( أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعاً ) البقرة : 165 .
ويرون أن لهم عزة بمال وبنين وأنصار ، والقرآن يحكم بخلافه بقوله : ( أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعاً ) النساء : 139 ، وقوله : ( وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) المنافقون : 8 .
ويرون أن القتل في سبيل الله موت وانعدام ، والقرآن يعده حياة ، إذ يقول : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) البقرة : 154 .
إلى غير ذلك من التعاليم القرآنية التي أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يدعو بها الناس ، فقال تعالى : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ) النحل : 125 .
وهي علوم وآراء جمَّة صوَّرت الحياة الدنيا خلافها في نفوس الناس وزينة ، فنبَّه تعالى لها في كتابه ، وأمر بتعليمها رسوله ، وندب المؤمنين أن يتواصوا بها ، كما قال تعالى : ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ) العصر : 2 - 3 .
وقال تعالى : ( يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) البقرة : 269 .
فالقرآن بالحقيقة يقلب الإنسان في قالب من حيث العلم والعمل حديث ، ويصوغه صوغاً جديداً ، فيحيى حياة لا يتعقبها موت أبداً .
وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( اسْتَجِيبُواْ للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ) الأنفال : 24 .
وقوله تعالى : ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) الأنعام : 122 .
وقد بيَّنا وجه الحكمة في كل من آياتها عند التعرض لتفسيرها على قدر مجال البحث في الكتاب .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://treasure.own0.com
 
كلام في معنى تعليم الحكمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنزالعلوم الاسلامية :: القسم الخامس عشرالخاص بعلم الاخلاق الشيعية-
انتقل الى: